منها عارض بنسخة ولده»(1)، ويعتبر ابن السمسار هذا ممن لازموا العراقي لتلقي علم الحديث عنه مدة طويلة، وصار من حفاظ الشام المتقنين والمشهورين بها(2). وفي نفس سنة 786 هـ المشار إليها سمع المدرس الفقيه أحمد بن يحيى الصالحي، على العراقي غالب (سنن الدارقطني)(3) وهناك أمثلة عديدة أخرى سيأتي بعضها فيما بعد.
الاستنتاج:
وعلى ضوء ما قدمته من الوقائع فضلا عن غيرها يتضح لنا قيام العراقي برسالته التعليمية للسنة رواية ودراية، على وجوهها المختلفة، وإتباعه في ذلك منهجا متكاملا محققا لمتطلبات عصره وملائما لطبيعة العلم المدروس، فقد أدى ما تحمله من المرويات بسنده، مضافا إليه مؤلفاته في تلك المرحلة، ودرس علوم السنة ومصطلحاتها من خلال كتابين جامعين ومتنوعين:
أولهما: هو الألفية المنظومة في قالب شعري، حتى يسهل حفظها واستحضار عامة مسائل العلم بذلك، كما كان متبعا في عصره.
وثانيهما: هو (شرح الألفية) في حجم متوسط وموضح لمحتواها، فيتدرج الدارس من المتن إلى الشرح حتى يتمكن من استيعاب مسائل العلم والإستفادة التطبيقية لها في بحثه ودراسته.
ثم كان يباحث طلابه خلال الدروس فيوضح لهم ما يحتاجون ويعطيهم.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق.
(2) (الضوء اللامع) جـ 2/ 186 و (بهجة الناظرين) / 92 وما بعدها.
(3) (الضوء اللامع) جـ 2/ 243.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
فرصة التأمل والنظر لفهم موضوع الدرس حتى تتفتح مداركهم لاستيعابه، ويشجعهم على مواصلة ذلك بتقويم تحصيلهم واستحسانه، وهذه أفضل طرق التدريس والمحاضرة حتى عصرنا الحاضر، هذا بالإضافة إلى اعتنائه بمقابلة نسخ الطلاب من المراجع بما لديه من أصولها، لتصحيحها وتوثيقها حتى يمكنهم الاعتماد عليه باطمئنان، ثم بإثباته قراءتهم للكتاب المدروس عليه؛ ليتصل لهم السند بها تبعا لمنهج التلقي لعلوم السنة وروايتها كما تقدم بيانه.
ويظهر لنا من نماذج تلاميذه المذكورين تنوع فئاتهم ومستوياتهم العلمية، من مُحدّث وفقيه ومُفت ومقرئ، ومن أقران له وممن دونهم. ويظهر كذلك أن قيامه برسالته التعليمية، لم يقتصر على أوقات وأماكن وظائفه الرسمية، وإنما شغل ليله ونهاره، وقصده طلابه في أي زمان ومكان ومنهم من لازمه طويلا وأشد ملازمة.
وبذلك كله اتسع نطاق إفادته وعمق تأثيره، وثبت تمتعه بخصائص وقدرات العالم النموذجي: من حبه وإخلاصه لرسالته، وسعة أفقه وصبره وتفانيه في نشر علمه ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ولعل خير ما يؤكد هذا أن شيخه جمال الدين الإسنوي كان يحث الناس على التلمذة عليه وعلى كتابة مؤلفاته للاستفادة بها(1).--------------------------------------------
(1) هـ «لحظ الألحاظ» / 227.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
ريادة العراقي المدرسة السنة في مصر ومواقفه من أجلها
قدمنا في الفقرة السابقة أن أقدم ما وقفنا عليه من وظائف العراقي الرسمية هو توليه تدريس الحديث برائدة مدارس السنة بمصر، وهي المدرسة الكاملية والاعتراف له بمقتضى ذلك على المستوى العلمي والرسمي، بأنه أعلم أهل القاهرة بالحديث، ولما لم يكن بمصر عموما جهة أخرى يشترط في مدرس الحديث بها هذا الشرط، فإن العراقي منذ تعيينه في هذه المدرسة الرائدة بعد سنة 769 هـ أصبح في الاعتبار العلمي والرسمي، شيخا للحديث والمحدثين ورائدا لمدرسة السنة وعلمائها، لا في القاهرة فحسب، بل في الديار المصرية عموما، وقد صرح بهذا غير واحد من شيوخه، وتلاميذه ومؤرخيه كما توفرت له أسبابه ومقوماته. فبالنسبة لشيوخه وجدنا الحافظين ابن جماعة بمصر، وابن رافع بالشام، قد شهدا له فيما قبل سنة 769 هـ بالتفرد بعلم الحديث بالقاهرة والديار المصرية عموما كما قدمنا عنهما أما شيخه جمال الدين الإسنوي فقد وصفه بـ «حافظ العصر» في عدد من مؤلفاته أقدمها كتاب (المهمات) الذي فرغ منه سنة 760 هـ(1).
ومع اعترافنا بأن ذلك لا يلغي المكانة العلمية لغيره من علماء السنة وحفاظها المعاصرين له والأقران البارزين الذين سنوازن بينه وبينهم فيما بعد، فإننا نجد في شهادة هؤلاء الثلاثة من شيوخه وشيوخ عصره، ما يدل بوضوح لاعتباره حينذاك رائدا لمدرسة السنة وعلمائها في مصر.
وأما بالنسبة لتلاميذه، فنجد الحافظ ابن حجر بجانب إقراره السابق لتوفر--------------------------------------------
(1) و الدرر الكامنة و جـ 2/ 464
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
شرط الكاملية المتقدم في شيخه، يقول: «وصار المنظور إليه في هذا الفن من زمن الشيخ جمال الدين الإسنوي» وهلم جرا(1) ولعل تحديده بزمن الإسنوي لأنه هو الذي سجل وصفه بـ «حافظ العصر» قبل سنة 761 هـ كما أوضحناه وكما أشار ابن حجر نفسه لذلك في موضع آخر حيث يقول: وصار المنظور إليه في هذا الفن، وقد وصفه بحافظ العصر، الشيخ جمال الدين الإسنوي، ذكر ذلك في «الطبقات، في ترجمة ابن سيد الناس» وفي «المهمات» أيضا(2).
أما تلميذاه تقي الدين المقريزي وابن فهد، فقررا أنه: «شيخ الحديث الذي انتهت إليه رياسته»(3).
وقال تلميذه ابن الجزري عنه: «حافظ الديار المصرية ومحدثها وشيخها»(4).
ومن مؤرخيه المعاصرين له، مؤرخ الشام ومُحدّثه في عصره، شهاب الدين أحمد بن حجي، وقد قال عنه: «شيخ المحدثين، كان محدث الديار المصرية، انتهت إليه بها معرفة علم الحديث … وولي بالقاهرة مشيخة الحديث، بعدة مواضع»(5).--------------------------------------------
(1) (إنباء الغمر) جـ 2/ 276.
(2) و ذيل الدرر الكامنة» / 72.
(3) (الضوء اللامع) جـ 4/ 177 و «لحظ الألحاظ» / 234.
(4) «غاية النهاية» جـ 1/ 382 ..
(5) (الأعلام) جـ 4/ 219 ب و و «طبقات الشافعية» / 110 ب كلاهما لابن قاضي شهبة و 1 بهجة الناظرين» للغزي/ 131.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
وقال شهاب الدين الغزي: «وهو شيخ الجماعة الأئمة الذين كانوا في عصره»(1).
وما قرره هؤلاء جميعا من شيوخ العراقي وتلاميذه ومؤرخيه، نجد مصداقه في التكوين الطبيعي والأخلاقي والعلمي لشخصية العراقي، حيث بلغ الغاية في التمتع بالمواهب والإستعدادات والأخلاق والنضج العلمي، كما قدمنا تفصيله، ونجد مصداقه كذلك في واقع نشاطه في مرحلتنا هذه - فضلا عما بعدها - حيث تجاوز نطاق الرواية والتدريس العلوم السنة، كما هو شأن المدرس العادي، إلى بعض الجهود والمواقف الرائدة التي تفيد إحساسه بالمسئولية العامة عن السنة بمصر، وتصديه لحملها ما أمكنه.
فمن ذلك أنه لما رحل إلى الإسكندرية وسمع من شيوخها، وكان في مقدمتهم المسند الكبير «أبو الحسن العرضي» الدمشقي نزيل الإسكندرية كما قدمنا، فبدا له أن يتيح الفرصة لطلاب السنة وجماعة المحدثين بمدينتي مصر والقاهرة، خاصة من لم يرحل منهم، ليسمعوا معه من العرضي فيستفيدوا بعيون مروياته الكثيرة، وعلو سنده، كما ذكرنا في التعريف به آنفًا، فبعث العراقي تلميذه ورفيقه نور الدين الهيثمي في سنة 760 هـ إلى الإسكندرية بدعوة منه لأبي الحسن العرضي ليقدم إلى القاهرة لهذه المهة العلمية، واستجاب العرضي لدعوة العراقي، وحضر إلى القاهرة بصحبة الهيثمي، وفي الطريق قرأ عليه الهيثمي الحديث بعدة بلاد أيضًا، مما أتاح لمن حضر من أهلها الاستفادة بذلك، فلما وصل العرضي إلى القاهرة استقبله العراقي، ونظم--------------------------------------------
(1) (بهجة الناظرين) / 131.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
مجالس السماع عليه، وقام بنفسه بقراءة مُسند الإمام أحمد عليه كاملا، وغيره، وسمع معه الكثيرون من المشتغلين بالسنة والمعنيين بها، ودارت بينهم وبين العراقي خلال القراءة مباحثات في درجة أحاديث مسند أحمد، وبين لهم رأيه في ذلك، ثم سجله مفصلا في مؤلف خاص كما سيأتي(1).
ولم يُعرف لغير العراقي من المشتغلين بالسنة في مصر حينذاك مثل هذا المسعى لإقدام أحد المسندين الكبار، وبذل الجهود لإتمام وتعميم الاستفادة به لطلاب السنة وعلمائها، ويشبه عمله هذا - إلى حد كبير - البعثات الداخلية، والمؤتمرات المحلية المعاصرة، التي تدعو إليها وتنظمها وتشرف على تنفيذها الهيئات العلمية المتخصصة، لدعم كفاءتها وتنشيطها، وبذلك كان عملا رائدا في عصره.
وقد تأسى بالعراقي في هذا من تلاميذه البارزون، ولده «ولي الدين أبو زرعة»، فكان يحضر بعض المسندين الممتازين في مجالسه، فيسمع عليه هو ومن حضر من جماعته وطلابه، قصدًا للخير وعموم النفع(2).
وهناك موقف آخر للعراقي يلتقي مع ما تقدم، ويبين اضطلاعه بالمسئولية العامة عن النهوض بالسنة، وذلك بالعمل على تنقية مجال الاشتغال بها من أدعياء العلم، أو غير الأكفاء، مهما كان جاههم أو منصبهم، وبيان هذا، أن المنشآت العلمية في عصره كانت توضع لها شروط خاصة، يجب توافرها فيمن يدرس بها، كما ذكرتُ بالنسبة لدار الحديث الكاملية، غير أن--------------------------------------------
(1) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات 763 هـ و «جزء الموضوعات في مسند الإمام أحمد للعراقي» (ضمن القول المسدد لابن حجر ص 3، 4).
(2) «الضوء اللامع» جـ 1/ 342.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)
المسئولين من نُظَّار، وغيرهم، كانوا كثيرًا ما يُعيّنون من لا تتوافر فيهم الشروط، لأغراضهم الخاصة، فينتج عن هذا ضعف المستوى العلمي والتعليمي.
وقد حدث في سنة 781 هـ أن تولى الشيخ عز الدين الرازي تدريس الحديث بالمدرسة المنصورية بالقاهرة، وتولى مُحتسب القاهرة حينذاك القاضي «جمال الدين القيصري» تدريس الحديث أيضًا بالمدرسة الصرغتمشية بالقاهرة، دون أن يكون لأي منهما دراية تذكر بعلم الحديث فما كان من العراقي إلا أن اجتمع ببعض رفاقه من أهل الحديث، كرفيقه وتلميذه البرهان الأبناسي وغيره، وقرروا العمل على عزلهما، وكان المسئول المختص حينذاك هو الأمير «بركة»، فرفعوا الأمر إليه، وقرروا أن المذكورين بيدهما هذين التدريسين، وليسا أهلا لذلك، ورغم أن «القيصري» كان صديقًا شخصيًا للأمير «بركة»، إلا أنه لم يسعه أمام تصميم العراقي ومن معه إلا أن يُقرّر عقد «مجلس» لمحاكمة «الرازي» وصاحبه، وانعقد المجلس فعلا في 13 جمادى الآخرة سنة 781 هـ بحضور الأمير، وقاضي القضاة برهان الدين بن جماعة، وقاضي القضاة ناصر الدين الحنبلي، وسراج الدين البلقيني، وسراج الدين بن المُلَقِّن، والحافظ العراقي، وجماعة أهل الحديث.
وقد حاول «الرازي» في بداية المجلس جعل القضية من قبيل النزاع بين المحدثين والفلاسفة العقليين فأحضر معه بعض كتب العلوم العقلية كـ «المنطق» وقال: «نحن نحسن هذه العلوم، وهم - يعني العراقي وبقية المحدثين - لا يحسنونها» ولكنه عُورِض بأن النزاع ليس في هذا، فرفعت الكتب وبدأت المحاكمة، فقيل للرازي هذا: «إن شرط مدرس الحديث بالمنصورية، أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)
يكون عالماً بالحديث وأسانيده، فادعى وجود الشرط فيه فاقترح عليه أن يقرأ حديثاً من صحيح «مسلم»، فقرأ بعض حديث فغلط في إسناده في موضعين، وغلط في بعض المتن في أربعة مواضع واضحة فخجل، ولم يتم الحديث، وافتضح أمره، وتبين للحاضرين عدم أهليته لتدريس السنة».
أما «القيصري» فإنه شرع يروي حديثاً من البخاري بإسناده عن «شمس الدين محمد بن علي الخشاب» وهو من الشيوخ المتأخرين، فقال له العراقي: «تسمع أمس على هذا وتصبح اليوم مدرس حديث؟» فأمسك عن الرواية، وتبين بذلك عدم أهليته هو الآخر.
ويبدو أن العراقي هو الذي تولى أيضاً مناقشة الرازي واختباره؛ لأن ولي الدين بن العراقي قال: «وكان المجلس ذلك اليوم للوالد في مكافحتهما وتلاه في الكلام شيخنا سراج الدين البلقيني، فتكلم يسيراً، وأما الباقون وهم قضاة القضاة، وجماعة أهل الحديث، فلم يتكلموا بكلمة واحدة مداهنة ومداجاة» وأيد هذا بقوله: «واعترف بذلك «ابن جماعة» لوالدي بعد مدة، فقال: ما ندمت على شيء كما ندمت على مداجاتي على الحق في ذلك المجلس»، ثم أوضح هذا قائلاً: «فإنه فعل ذلك مراعاة لجمال الدين القيصري؛ لصداقة بينهما حينئذ».
وكان «القيصري» بجانب صداقته هذه لقاضي القضاة ابن جماعة وصداقته للأمير «بركة»، يشغل منصب محتسب القاهرة، كما ذكرنا وهو كمنصب «المحافظ» حالياً، وبذلك كانت مكافحة العراقي له مطابقة لما قدمنا عنه من الجرأة في الحق، حتى لا يهاب فيه أحدًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)
ويذكر ولي الدين أنه رغم تلك المكافحة الحاسمة من والده، فإن الرجلين لم يصدر حكم بعزلهما.
لكن الحافظ ابن حجر يذكر أن «القيصري» - وهو أعلاهما جاها ومنصبا - أراد ستر القضية، فأخذ تدريس المنصورية من «الرازي» لنفسه، لكنه خشي الشناعة عليه من جديد فأحضر بعض المحدثين إلى منزله، وقرأ عليه الحديث، وواظب على سماعه أيضا على بعض المشايخ كالآمدي والدّجوي، فصاروا يحضرون إلى منزله لذلك، واستمر هو يُدرّس الحديث بالمدرستين(1).
ومن هذا يتضح أن مكافحة العراقي قد حققت هدفها، فأبعدت أحد الدخيلين وهو «عز الدين الرازي»، وجعلت الآخر يخشى الشناعة عليه مرة أخرى، فحوّل منزله إلى مدرسة حديثية، وتتلمذ فيها بجد ليحقق كفاءته العلمية في أقرب وقت، إحساسًا منه بأن جماعة أهل الحديث وفي مقدمتهم العراقي، لن يدعوه يشغل موقعه في حقلها بدون كفاءة مهما كان منصبه أو جاهه.
وإذا كان العراقي قد نهض بمسئوليته العامة عن السنة وتزعم جماعتها على هذا النحو، فمن باب أولى نهوضه بالمسئولية الخاصة عن الأماكن التي تولى التدريس بها، ومشيختها كالمدرسة الكاملية وجامع القلعة، وغيرها مما سيأتي؛ نظرًا لسهولة تلك المسئولية الخاصة عن العامة بكثير، حيث تتلخص في تنظيم العمل وتوزيعه بين العاملين معه، كل حسب كفاءته، فيُكلّف بعضهم.--------------------------------------------
(1) اعتمدت في بيان هذا الموقف عموما على (ذيل ولي الدين بن العراقي) حوادث سنة 781 هـ و (إنباء الغمر) جـ 1/ 196، 541، 542 و (الدرر الكامنة) جـ 5/ 105.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)
بمعاونته في التدريس، مثل عمل «المعيد» في جامعاتنا الحالية، وبعضهم يستملي عليه في مجالس إملاء الحديث، كما سيأتي، وبعضهم يُخصَّص لقراءة الحديث ليسمع منه الطلاب وغيرهم، وبعضهم يقوم بالسماع لمن يريد تسميع بعض محفوظاته من كتب السنة، ويُسمَّى «العرض» أو تصحيح نسخها بالمقابلة مع الطالب على الأصول الموثقة(1)، مع اشتراك العراقي أيضاً في القيام بتلك المهمات، كما قدمت بعض نماذجه، وسيأتي غيرها أيضاً.--------------------------------------------
(1) انظر «صفحات من عصر السيوطي»، ص 153 و «الجواهر والدرر» / 134 أ، ب و هـ ذيل ولي الدين، وفيات سنة 769 هـ ترجمة المحدث محمد بن أحمد بن يوسف المزي، وقد ولي قراءة الحديث بالظاهرية ولم يحصل له تدريس لعدم أهليته لذلك، و «التكملة» للدكتور: بشار عواد ص 140، 162 وفيهما ذكر من عينه المنذري معيدا له في دار الحديث الكاملية بحكم توليه مشيخة الحديث بها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)
3 - أستاذية العراقي لجيل المحدثين والمحدثات وحفاظ السنة من بعده في العالم الإسلامي
تعتبر هذه الأستاذية من آثار العراقي البارزة في السنة في حياته، وهي نتيجة طبيعية لما قدمناه عن جوانب شخصيته ونشاطه، كما يؤكدها ما سيأتي من باقي مراحل عمله ومكانته العلمية داخل مصر وخارجها.
فقد قدمنا أنه توفر له التوثيق الفائق طبعا وخلقًا، والتحصيل العلمي الجيد والمتكامل، حتى نضج وصار حافظ عصره، كما أتبعنا ذلك بنماذج أدائه المتواصل، والممتاز لرسالته: ما بين راو للسنة، ومدرس لها، ورائد المدرستها وعلمائها، وهذا كله كاف في جعله قبلة أنظار طلاب السنة وطالباتها، من المصريين وغيرهم، سواء في هذه المرحلة، أو فيما سيأتي بعدها، فإن المنهل العذب يتكاثر عليه الواردون، من كل صوب وحدب، ولهذا لم يسع مؤرخو العراقي من تلاميذه وغيرهم، إلا أن يُقرّروا بالإجمال والتفصيل أستاذيته العامة للجيل الذي حمل راية السنة من بعده ونشرها في ربوع العالم الإسلامي، ولأعلام حفاظ هذا الجيل الذين أحيوا من تراث السنة ما سلم من المحن والتبديد، حتى صار عمدة المؤمنين والباحثين، إلى يومنا هذا.
فبالنسبة للإجمال يقول ابن حجر: (وأخذ عنه فضلاء العصر)(1).
ويقول أيضًا: (ولم نر في هذا الفن - أي فن الحديث - أتقن منه، وعليه تخرج غالب أهل عصره)(2) وقد تبعه في تقرير هذا من جاء بعده(3).--------------------------------------------
(1) «ذيل الدرر» / 72.
(2) «إنباء الغمر» جـ 2/ 276.
(3) انظر: «الأعلام» جـ 4/ 219 و و «طبقات الشافعية» / 111 أ كلاهما لابن قاضي شهبة =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)
ويقول ابن فهد: «وقُصِدَ من مشارق الأرض ومغاربها، فرحل إليه للأخذ عنه والسماع الجم الغفير، الكبير منهم والصغير، فلازموه وانتفعوا به، وكتب عنه جميع الأئمة، من العلماء الأعلام، والحفاظ ذوي الفضل والانتقاد»(1).
وقال التقي الفاسي: «وأخذ عنه علماء الديار المصرية وغيرهم وأثنوا على فضائله»(2). وتبعه على هذا من بعده(3).
وقال خطيب الناصرية: «وأخذ عنه العلم والحديث: الأئمة. وذكر سبعة منهم - ثم قال: في آخرين يطول ذكرهم»(4) ونحو هذا ذكر ابن تغري بردي(5).
وقال المناوي: «وانتفع به الأصاغر والأكابر»(6).
أما شهاب الدين الغزي المتوفى سنة 864 هـ وأحد علماء الشام المعروفين فقد أشار لأثر تلاميذ العراقي في نشر وتعليم السنة من بعده حيث قال: «وهو شيخ الجماعة والأئمة الذين كانوا في عصره، ولعل غالبهم تلامذته في الفن، وقد أدركنا غالب أعيان تلامذته وأخذنا عنهم بحمد الله»(7).--------------------------------------------
= و «بهجة الناظرين» 131 و «الضوء اللامع» جـ 4/ 175 و «شذرات الذهب» جـ 7/ 55.
(1) «لحظ الألحاظ»، 234.
(2) «ذيل التقييد» 219 ب.
(3) «الضوء اللامع» للسخاوي جـ 4/ 176 و «مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة».
(4) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي).
(5) «المنهل الصافي»، جـ 2/ 312 ب.
(6) «مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة».
(7) «بهجة الناظرين» للغزي/ 131.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)
ويعتبر الشوكاني أنَّ من مفاخر العراقي ودواعي سعادته، تلمذة حُفَّاظ السنة من بعده، وطبقتهم عليه، حيث يقول: «ورُزِقَ السعادة في تلامذته، فإن منهم الحافظ ابن حجر وطبقته»(1)، ولا ريب في أن تلاميذ «العالم» هم أبناء روحه وفكره، وثمار غرسه، فيجد تجديد نفسه فيهم، وامتداد أثره العلمي وذكراه بهم، ولذا يحق للعراقي الفخر بهم، والسعادة الكبرى بتكاثرهم من حوله، وتولّي نوابغهم مراكز الصدارة العلمية والحديثية في مختلف الأقطار والمواقع.
ولم يكتف المؤرخون بهذا الإجمال في تقرير أستاذية العراقي العامة وأثرها في جمهور المشتغلين بالسنة وأعلامهم، وإنما قرروا ذلك أيضًا بالتفصيل الواقعي، ويمكن القول: «إن الإجمال السابق هو نتيجة مستنبطة من الواقع التفصيلي، حيث إن الباحث عندما يرجع إلى المصادر التاريخية المتضمنة لتراجم الأعلام الذين أدركوا قيام العراقي برسالته في أداء ما تحمله من علوم السنة، رواية وتدريسًا، وتأليفًا، فإنه سيجد مئات من تلاميذه وتلميذاته(2) تلقوا عنه علوم السنة بمختلف وجوه التلقي السابق بيانها، وفي مختلف مراحل حياتهم، سواء من أبناء الديار المصرية أو الوافدين عليها، مهاجرين أو راحلين، كما--------------------------------------------
(1) و البدر الطالع، جـ 1/ 355.
(2) من أهم المصادر المتضمنة لذلك: «عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران»، لإبراهيم بن عمر البقاعي في 4 مجلدات خطية ومصورة، و «الضوء اللامع بأعيان القرن التاسع»، للسخاوي مطبوع في 12 جزءًا، و «نظم العقيان في أعيان الأعيان»، للسيوطي/ مخطوط ومطبوع في مجلدة و 5 «ذيل التقييد بمعرفة رواة السند والمسانيد»» / للتقي الفاسي في مجلد مخطوط مصور (انظر في الأربعة قائمة المراجع).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)
قدمنا في حالة العصر، ما بين مغاربة ومشارقة، من شاميين ومكيين ومدنيين، بالإضافة لمن تتلمذ له في رحلاته خارج مصر كما أوضحنا، وفي عمله بالمدينة المنورة كما سيأتي، ولقد قمت بنفسي بمثل هذا الاستنباط».
فمن هؤلاء من وجدت العراقي أجازه بكل أو بعض مروياته الحديثية العديدة السابق تفصيلها، ومؤلفاته هو في مختلف علوم السنة، ومنهم من أحضر في طفولته مجالس تحديثه وتدريسه، لتحصيل علو السند، كما أوضحنا من قبل في طرق تلقي السنة، ومنهم من عرض عليه في بداية دراسته محفوظاته من كتب السنة، حسب منهج التعليم في ذلك العصر، ومنهم من سمع منه، أو سمع عليه بقراءة غيره، أو قرأ عليه بنفسه، ومنهم من لازمه وواظب على دروسه ومجالسه الحافلة، وكتب عنه منها ومن مؤلفاته ما استطاع، ومنهم من تخرج به في علوم السنة، وأذن له في الاشتغال بها رواية ودراسة وبحثا(1).
كذلك وجدت كثيرات من نساء عصره تتلمذن له بالإجازة أو الإحضار أو--------------------------------------------
(1) انظر في هذه النماذج عموما: (الضوء اللامع) للسخاوي جـ 1/21، 24، 55، 70، 126، 127، 158، 190، 219، 251، 252، 249، 277، 289، 344، 345، 348، 351، 352، جـ 2/8، 42، 53، 76، 77، 132، 167، 174، 229، جـ 4/8، 96، 123، 167، 180، جـ 5/3، 302، جـ 6/ 236، جـ 9/28، 29، جـ 10/ 302، وغير ذلك و (بهجة الناظرين) للغزي مخطوط برقم 3403 تاريخ تيمور/ 29، 30، 92، 146، 147، 154، 294، وغير ذلك و (عنوان الزمان) للبقاعي، النسخة المصورة جـ 1/ لوحات 29 - 32، 79 وغيرهم و جـ 2/ لوحتي 253، 254 وغيرهما، جـ 3/ لوحتي 470، 520 وغيرهما و جـ 4 من النسخة التيمورية/ 56، 59، 93، 94، 170 وغيرها و (نظم العقيان): للسيوطي (مخطوط) 4 أ، 7 ب، 8 أ، 24 أ، 25 ب، 27 أ، 32 ب، وغير ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)
السماع(1) بل وجدت كثيرًا من الأسر قد تتلمذ له معظمها، أو عدد منها رجالا ونساء، مثل أسرة الحافظ ابن حجر(2) والحافظ نور الدين الهيثمي صهر العراقي وتلميذه(3) وأسرة ولد العراقي ولي الدين أبي زرعة(4) وغير هؤلاء(5).
وبهذا وصل العراقي سند هذه الجموع الغفيرة بمروياته العديدة من كتب السنة، ومؤلفاته الخاصة، كما تفتحت مداركهم على ذكائه المفرط وعلمه الغزير، فتلقحت أفهامهم بتوجيهاته العلمية العديدة، وآرائه الثاقبة، وتغذت عقولهم بدروسه ومباحثاته التي امتدت نحو نصف قرن، ابتداء من تلك المرحلة الأولى، وحتى أواخر حياته، والجميع يغدون عليها ويروحون، ويَعَلُّونَ وينهلون، وهو دائب العطاء بلا ملل، راحلا ومقيما، مصبحًا وممسيًا، وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر عند رثائه:
فتى كرم يزيد وشيخ علم … لدى الطلاب مع حَمْلِ المشاق
فيقري طالبًا علما، ويقري … قرى فقراه في ذات اتساق(6)--------------------------------------------
(1) انظر: «الضوء اللامع» جـ 2/12، 23، 24، 35، 37، 39، 40، 46، 47، 53، 58، 61، 71، 76، 85، 89، 120.
(2) «الضوء اللامع» جـ 10/12، 11، 51 و و الجواهر والدرر» / 16/ ب.
(3) «الضوء اللامع» جـ 4/ 185، ج 5/ 200، 202.
(4) انظر نسخة العراقي من (محجة القرب) / 138 أ، ب.
(5) انظر و «الضوء اللامع» جـ 2/ 186، ج 12/ 89.
(6) «إنباء الغمر»، جـ 2/ 279 و (حسن المحاضرة) للسيوطي جـ 2/ 362.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 469)
الاستنتاج:
وبذلك تحقق تأثيره الشخصي المباشر، في تعلم وانتشار علوم السنة على أوسع نطاق. هذا بالإضافة إلى انتشار مؤلفاته في علوم السنة في عصره، حتى بلغت الأندلس غربا، وبلاد فارس شرقا، على يد تلاميذه وغيرهم، فكانت مصدر إفادة لبقية المراكز العلمية الإسلامية التي نهضت من جديد، لتعويض مجدها السالف، وصار كثير من تلك المؤلفات مادة أساسية يحفظها المبتدئون، ومنهجا لدراسة الطلاب، وتدريس المتخصصين وبحثهم، كما سنوضحه، وفي هذا يقول تلميذه الهيثمي: «ورحل إلى تصانيفه وعلومه، من المشرق والمغرب»(1).
وهكذا تحققت أستاذية العراقي في علوم السنة لجيل بأسره من أبناء العالم الإسلامي في حياته.
ثم إنه كان من هذا الجيل نماذج جيدة من الرجال والنساء، تركزت تلمذتهم للعراقي، وأولاهم عنايته، حتى استكملوا دراستهم وتخرجوا عليه وعلى غيره على عادة العصر، ثم انتشروا في أرجاء الديار المصرية وفي خارجها، وقاموا بأداء ما تلقوه عنه، كل حسب قدراته وتحصيله، فكان منهم المسندون والمسندات، الذين قاموا برواية ما تحملوه، ومنهم المحدثون والحفاظ الذين قاموا بالرواية والتدريس، والمباحثة والتأليف، وصاروا بعده أعلام السنة في مواطنهم بمصر والشام والحجاز، بل منهم من تجاوز نطاق موطنه فنشر علوم السنة في اليمن والروم وفارس والهند، ومنهم من لقب بـ «حافظ الدنيا» بعد--------------------------------------------
(1) (تقريب البغية بترتيب أحاديث الحلية) للهيثمي ج 1/1 أ (مخطوط مصور).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 470)
شيخه كما سأوضحه، وفي ذلك يقول الهيثمي عنه: «شيخ الحفاظ بالمشرق والمغرب، ومفيد الكبار ومن دونهم»(1).
ويقول ابن حجر أيضًا أنه: «الحافظ الكبير إمام الحفاظ وأستاذ المحدثين»(2).
من أبرز تلاميذ العراقي في هذه المرحلة وتأثيره فيهم:
قبل ذكر نماذج تلاميذ العراقي البارزين في هذه المرحلة، أنبه إلى أن تقسيمي لعمله إلى مراحل حسب التسلسل الزمني لا يلزم منه تقسيم التلمذة عليه بنفس التحديد، فإننا نجد من تلاميذه من أخذ عنه في هذه المرحلة الأولى وفيما بعدها مثل «شهاب الدين الأشموني» فقد قدمت بيان تلمذته على العراقي بجامع القلعة لفترة طويلة حتى انتقل العراقي إلى العمل بالمدينة المنورة سنة 788 هـ، ثم قال ابن حجر عن الأشموني هذا: «وكان يقرأ على شيخنا العراقي في كل سنة في رمضان، فسمعتُ بقراءته، ومات في 28 شوال سنة 809 هـ»(3).
وسيأتي أن بداية سماع ابن حجر على العراقي كان في مرحلة عمله الثانية بالقاهرة بعد عودته من المدينة، وبالتالي يكون «الأشموني» قد استأنف تلمذته للعراقي في مرحلة عمله الثانية، حتى أتيح لابن حجر السماع بقراءته. وهكذا نجد كثيرًا من تلاميذه، توزعت تلمذتهم عليه بين مراحل عمله ولهذا فإنني سأذكر من كثرت تلمذته للعراقي في هذه المرحلة أو انحصرت فيها.--------------------------------------------
(1) (مجمع الزوائد) للهيثمي ج 1/7
(2) (رفع الإصر) عن قضاة مصر، قسم 1/ 81
(3) (الضوء اللامع) جـ 2/ 221
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 471)
فمن هؤلاء:
1 - الأبناسي قرينه ورفيقه في مواقفه من أجل السنة:
وهو برهان الدين بن موسى بن أيوب، ولد بأبناس، بالوجه البحري بمصر سنة 725 هـ تقريبا وهي سنة مولد العراقي، وبذلك كان قرينا له، ولهذا عدَّ المؤرخون تلمذته للعراقي من مفاخر العراقي(1).
وقد قدم من بلده للقاهرة وله بضع وعشرون سنة، ورافق العراقي في الطلب، وأخذ عنه وعن غيره حتى تخرج على شيخهما «مغلطاي بن قليج» وظهر تأثره بالعراقي في تأليفه في علوم الحديث، حيث عمل شرحًا لمقدمة ابن الصلاح سماه «الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح» واعتمد فيه إعتمادا أساسيا على نكت العراقي على مقدمة ابن الصلاح، وعلى شرحه لألفيته في الحديث وغيرهما وأشار لذلك في مقدمة الكتاب(2) كما تحدث فيه عن مؤلفات أخرى للعراقي بما يدل على إطلاعه التفصيلي عليها كما سيأتي. وله أيضا مؤلفات حديثية أخرى، كما درس بالجامع الأزهر وأماكن أخرى بالقاهرة فكثرت طلبته بها جدا وكان منهم ولي الدين بن العراقي، الذي عمل له (مشيخة) حدث بها، وحدث بالكتب الستة وغيرها، وقد توطدت صلته بالعراقي فكان صديقا مخلصا له وشارك في مواقفه الحاسمة في سبيل السنة كما قدمنا، وعندما سافر الأبناسي للحج سنة 779 هـ، استناب الحافظ العراقي في مشيخة (خانقاة سعيد السعداء) بالقاهرة، لكن غيره سعى في--------------------------------------------
(1) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و «المنهل الصافي» و جـ 2/ 312 ب.
(2) (الشذا الفياح) / 1 أ، ب (مخطوط مصور).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)
انتزاع الوظيفة كلية من الأبناسي وتم له ذلك(1).
وسعى الأبناسي أيضًا لولي الدين بن العراقي في تحصيل غالب وظائفه رعاية لصلته بوالده، وقد توفي الأبناسي في حياة العراقي وذلك في 8 من المحرم 802 هـ بالشام في طريق عودته من الحج، ودفن هناك فعرف العراقي له قدره، وخلد ذلك برثائه بقصيدة دالية طويلة أكثر فيها من الثناء عليه(2).
2 - ومنهم: رفيق عمره وصهره الحافظ الهيثمي (3):
وهو: نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي القاهري الشافعي ويُعرف بالهيثمي، وُلِد في رجب سنة 735 هـ بمحل إقامة والده بصحراء القاهرة، بجوار خانقاة «طَغَيْتُمر» فَلَمَّا انتقل العراقي للإقامة بهذه الخانقاة كما قدمنا، التحق الهيثمي بخدمته، وكان - على الراجح - ابن عشر سنين تقريبا، وبمقتضى ذلك لازم العراقي طول حياته أشد ملازمة، سفرا وحضرًا، فرحل معه جميع رحلاته، وحج معه جميع حجاته، بل لما عمل العراقي في قضاء المدينة، جاور معه الهيثمي، ولم يُعرف عنه الارتباط بأي وظيفة رسمية، رغم كفاءته، ويقول ابن حجر: «ورأيت من خدمة الشيخ نور الدين هذا--------------------------------------------
(1) «انباء الغمر»، جـ 1/ 175 و «الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ 2/ 253 أ.
(2) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ 4/ 163 أو المجمع المؤسس، ص 39 و «الضوء اللامع» جـ 1/ 172 - 175 و «بهجة الناظرين»، 107، 108.
(3) اعتمدت في التعريف به وبيان تأثير العراقي فيه على: «المجمع المؤسس»، 204، 205 و «ذيل الدرر الكامنة»، ص 85 و «انباء الغمر»، جـ 2/ 309، 310 و «الضوء اللامع» جـ 5/ 200، 203 و «بهجة الناظرين» للغزي 154 - 156 و «عقد الجمان»، للعيني جـ 25 قسم 2 وفيات سنة 807 بجانب ما سأحيل عليه في الأثناء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 473)
لشيخنا، وتأدبه معه، من غير تكلّف لذلك، ما لم أره لغيره، ولا أظن أحدا يقوى عليه، وكان الشيخ شديد التوقي في الطهارة، لا يعتمد إلا على نفسه أو على الشيخ نور الدين).
ويقول سبط ابن العجمي: «إن الهيثمي كان يلازم خدمة العراقي في أمر وضوئه وثيابه، وكان في أمر خدمته عمومًا كالعبد، ولا يخاطبه إلا «بسيدي». ومثل هذا كان محببًا للتلاميذ مع شيوخهم، حتى أنه كان من تلاميذ العراقي من يتقدم لتولي الخدمة بدل الهيثمي فيمنعه العراقي، اكتفاء بالهيثمي، كذلك كان العراقي يعتمد عليه في بعض المهمات العلمية، فقد أرسله في سنة 780 هـ تقريبًا مع ولده ولي الدين إلى دمشق في رحلة لطلب الحديث قرابة ثلاثة أشهر(1)، وأرسله لإحضار العرضي من الإسكندرية للتحديث بالقاهرة كما قدمنا.
ونتيجة لتلك الملازمة الشديدة من الهيثمي منذ صغره للعراقي، فإنه شاركه في طلب الحديث على شيوخه داخل مصر وخارجها، حتى كان العراقي أحيانًا يُقدمه للقراءة على الشيوخ، ويسمع عليهم بقراءته.--------------------------------------------
(1) و «طرح التثريب» جـ 8/ 189 و و ذيل الدرر الكامنة، ص 196.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 474)