وفي نُصوص "الأبينيشاد"، مَقَاطِعُ رائعة في وضوحها ودقة تعبيرها، حول وحدة الوجود، منها "براهمة المبدأ الأول منه تولد المخلوقات، وبفضله تعيش إذ تولد، وإليه تؤول إذ تموت، عليك أن تدركه، إنه البراهمة، إن روح المخلقات واحدة، لكنها ماثلة في كل مخلوق، إنها في الوقت نفسه وحدة ومجموعة كما القمر، الذي يتلألؤ على صفحات المياه. وبراهمة هو الحقيقة ويشبه الشرارة التي تخرج من اللهب، ثم ترجع إليه من جديد، هي هذه الحقيقة، كما من اللهب تتطاير ألوف الشرارات المتوهجة مثل، هكذا من هذا الكائن الأبدي تولد الكائنات، التي لا تلبث أن تعد إليه من جديد، وعلى صعيد الأفراد فالأمل بالعودة إلى براهمة دائم الحضور، هو هذا أنت ومهما أحسست نفسك ضعيفا بائسا ووحيدا، تبقى جزءا حيا من الروح الأزلية".
وحول وحدة الوجود: جاء في أحد النصوص من كلام براهمة "تتعلق بي، كما تتعلق مجموعة من الخرزات بخيط، أنا من الماء العذب طعمه، وأنا من القمر فضته، ومن الشمس ذهبها، أنا موضع العبادة في الفيدا، والهزة التي تشق أجواز الأثير، والقوة التي تكمن في نطفة الرجل، أنا الرائحة الطيبة الحلوة، التي تعبق في الأرض المبتلة، وأن من النار وهجها الأحمر، وأنا الهواء باعث الحياة، أنا القدسية فيما هو مقدس من الأرواح، أنا حكمة الحكيم وذكاء العليم، وعظمة العظيم وفخامة الفخيم، إن من يرى الأشياء رؤية الحكيم، يرى أن براهمة المقدس والبقرة والفيل والكلب النجس، والمنبوذ وهو يلتهم لحم الكلب، كلها كائن واحد".
وفي وصف براهمة والتعريف به: ورد في أحد النصوص: "هذه هي الذات، التي لا يمكننا وصفها بهذه أو بتلك من الصفات، فهي لا تخضع لوصف لأنها غير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
مرئية، ولا تخضع لإزالة لأنها غير ملموسة، ولا تخضع للحفظ لأنها لا تضبط، وهي غير متصلة بشيء مع هذا، هي ثابتة وطيدة لا إلى اندثار".
هذه المقاطع وغيرها مما هو من نوعها، لا يدرك أبعادها ومراميها الفلسفية إلا طبقة الكهنة، الذين بلغوا مرتبة الحكمة واكتسبوا نقاء الروح، الذي يسمح لهم بالتأمل والترقي، وربما كانت هذه الأقوال بعيدة المنال على الناس البسطاء، لكن القول بوحدة الوجود، وحلول الروح المطلق في الوجود الفردي، مدعاة للتفاؤل والأمل في الارتقاء، للعودة إلى الأصل إلى براهمة.
مسألة التقمص أو نظرية التناسخ
ومن ذلك كانت مسألة التقمص أو نظرية التناسخ، حيث توصل الفيلسوف الفرنسي "رينون"، بعد دراسة مستفيضة للديانة الهندية، إلى تعريف التقمص كالتالي: "هو سلسلة لا إلى انتهاء من تغيرات الحالات لدى الكاهن، على أن لكل حالة ظروفا خاصة بها، مما يخلق للكائن دائرة وجودات لا يجولها إلا مرة واحدة، وعلى أن الوجود الأرضي أو عامة الجسدي، ليس إلا حالة خاصة بين حالات أخرى لا عد لها".
وفي نظام الطبقات في الديانة الهندوسية: لا يتم الانتقال من طبقة إلى طبقة عليا أو إلى طبقة سفلى، وأن ذلك غير ممكن في حياة واحدة، بل يكون عند ولادة جديدة، أي: أن الثواب والعقاب عن حياة حاضرة، يكون في حياة لاحقة، من هنا كان الاعتقاد بتعدد الولادات أو التقمص.
ونشير هنا إلى أن نظرية التناسخ، كما تبلورت في العقيدة البرهمانية، ترتبط ارتباطا وثيقا بمسألة السلوك البشري، وتشكل حافزًا من حوافزه، كما أن هذه النظرية من مستلزمات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
القول بوحدة الوجود، وحلول الروح الكلي براهمة في الكائنات، لذلك يختلط فيها التفاؤل والتشاؤم في نغم واحد، إذ أن الأمل باتحاد الروح الفردية بالروح الكلية، يعطي للفعل قيمة ودفعة تفاؤلية، بمحاذاة هذا الأمل يتولد القلق من تعددية الولادات، خصوصًا بالنسبة للطبقات الشعبية الدنيا، لتبلغ مرتبة البراهمة، عندها يصبح الناتج للفعل والسلوك مؤجلًا إلى عدد لا نهاية له، من تكرار الولادة والدخول في متاهات الوجود الإنساني، المثقل بهم الانعتاق والتحرر من مأساة الحياة، بالذوبان في الروح الكلية حيث السعادة المطلقة، وبمقدار ما يكون القلق من دورات الولادات المتعاقبة، يكون الشعور بتناقض القول بالذات البرهمانية الحالة في كل الكائنات، والقول بالتقمص، وعندئذ يلزم تأكيد التوافق بين النظريتين، ليخرج الإنسان من دائرة تعددية الولادات في السعي الدائم، للتخلص من علائق المادة.
ونتوقف عند مسألة الثواب والعقاب، أو الجزاء على الأفعال، لارتباطها ارتباطًا مباشرًا بمسألة التقمص:
وقانون الجزاء باللغة السنسكريتية يسمى كارما، إن السلوك وهو مجموع الأفعال التي يقوم بها الفرد، يؤثر على الآخرين وينعكس على حياته خيرًا أو شرًّا، ولهذا وجب تطبيق قانون الجزاء عليه، ولا مفر لأحد من البشرية، من أن ينال جزاءه على أفعاله، إذ ليس في الكون مكان لا الجبال ولا السماوات ولا البحار ولا الجنات، يفر إليه المرء من جزاء أعماله حسنة كانت أم سيئة، طبقًا لنظام العدل والكون بما فيه، خاضع لنظام عادل صارم، والعدل يقضي بالجزاء على كل عمل يقوم به الإنسان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
وهذا يُحَتّم إحصاء الحسنات والسيئات في أعمال البشر، لينال كل واحد جزاءه، لكن واقع الحياة يكشف أن الجزاء قد لا يحصل، ويموت الظالم دون أن ينال العقاب الذي يستحقه، والمُحسن يُقضى دون أن ينال الثواب المناسب على أعماله، والحل هو عندهم القول بالتناسخ والقول بعودة الروح، في جسد جديد وحياة جديدة وفي رتبة أعلى أو أدنى، من التي كان فيها في الحياة السابقة، والفرد بما هو فرد هو المسئول عن مصيره، أو مصيرها إذا كانت أنثى في حياتها اللاحقة، تبعا للسلوك الأخلاقي الذي يختاره.
ونظرية التقمص تبطن فكرة الارتقاء والانعتاق، من عالم المادة والشقاء، إلى عالم الآلهة، واتحاد الروح "آتما" الفردية مع براهمة، الموجود المطلق الذي لا يقاس به أي شيء من موجودات العالم، وعملية التوحد والحلول في المطلق، تحتاج إلى حالات مديدة وصارمة الزهد والتنسك والأعمال الصالحة، والترفع عن علائق المادة بأنواعها المختلفة.
ومن التقمص إلى الزهد:
فكرة الزهد وتطبيقاته العملية السلوكية، خضعت للتطور كغيرها من الأفكار والاعتقادات الهندوسية، إذ تخبر أسفار الفيدا عن أشخاص صامتين، يرسلون شعرهم ولا يحلقون ذقونهم طوال حياتهم، وتتوقف اهتماماته على التركيز والتأمل الداخليين، بهدف بلوغ حالة الرؤية المميزة للحقيقة، التي يحصل الناسك منها عند بلوغها السعادة المطلقة، التي ليس بعدها سعادة، والذي ورد في أسفار الفيدا عن هؤلاء الأشخاص، هو في الحقيقة أخبار عن الناسك الباحث عن الفنوس، "الفنوس" كنسس الذي سوف تتضح صورته أكثر في العصور
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
التالية، وبالتحديد في عصر "اليوجونشاد"، في العصور اللاحقة لعصر الريجفيدا، هو الكتاب الذي يخبر عن بدايات التفكير الديني الهندوسي، وتزايد الحديث عن الناسك المتجول المعلم أو الشارمان، ومصطلح الشارمان يطال مؤسسي الديانة الجينية والبوذية المنبثقين من الهندوسية.
النسك هو أعلى المراتب الدينية في العقيدة الهندوسية، وغاية الناسك الزاهد هي الانعتاق والخلاص من شرك الرغبات والشهوات، والحاجات المادية الرخيصة والدنيئة، وحياة الناسك سعي دائم وعراك مستمر، تهدف إلى بلوغ السكينة والاستقرار، استعدادا للذوبان في المطلق.
البؤس والقضاء على الشهوات والرغبات، ولبس الثياب البالية وتعذيب النفس والتسول، هي العناوين الرئيسة لسلوك الراهب الهندوسي المنصرف إلى العبادة، وبها يتحدد نظامهم الحياتي، وقد حددت أربعة مراحل لا بد للناسك البرهمي من المرور بها، ومدة كل واحدة خمس وعشرون سنة، على أساس أن متوسط العمر عندهم هو مائة سنة.
أما الدور الأول: فهو دور التربية والتنشئة الروحية والعقلية والجسدية، إنها مرحة التحضير للمرحلة الثانية الحاسمة، والمحدد لبقاء استمرار المريد الهندوسي.
الدور الثاني: يتم فيه بناء أسرة متكاملة، فيكون للمريد زوجة أبناء، وفي هذا الدور ينصرف البرهمي، إلى العناية بأسرته حسب التعاليم الدينية ويقيم شعائرها الصارمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
في الدور الثالث: ينتقل الزوج والزوجة من العلائق العائلية، للانصراف إلى الخدمة الاجتماعية والاهتمامات العامة، دون أن يكون لهما أي غاية شخصية أو منفعة مادية أو طموحات فردية.
ويتوج الدور الرابع المراحل السابقة، إذ يتحول البرهمي من الأمور الشخصية والأسرية أو العائلية، والاجتماعية العامة، إلى ترك أمور الدنيا ومشاغلها، وينصرف إلى الرياضة الروحية، وإعداد نفسه للذوبان بالروح المطلق أو براهمة.
إن الأدوار أو المراحل التي أشار إليها "البروفيسور أترية"، حول الحياة الروحية والاجتماعية للبراهمي، تكشف عن أحوال الترقي التي يمر بها البراهمي، من خلال الذوبان الكلي في شئون كل مرحلة من مراحل العمر، في المرحلة الأولى اهتمام صريح بشئون الذات الشخصية، من حيث هي بنية وحواس وقوى، وقوى جسدية وعقلية في علاقتها مع العالم المادي الخارجي، مما يتيح الفرصة للكائن أن يحقق وجوده الكامل، كفرد وكشخص أو الأنا الفردية، في بعدها الوجودي المعاش أو الحاضر، وغايتها حفظ الكائن وسلامته الشخصية، ثم المرحلة الثانية مرحلة بناء الأسرة، فهي إعداد الكائن في استمراره من خلال ذريته وتقديسه، وإقامة الطقوس عن روحه بعد الممات وتقديم القرابين.
وبعد مرحلتي تثبيت الوجود وحفظه، وتأكيد الديمومة والاستمرار في الذرية، وكلاهما المرحلة الأولى والثانية، تكشفان عن البعد الذاتي أو طغيان الأنا الفردية، في حين أن المرحلة الثالثة، تبرز الأنا في سعيها للذوبان في الكائن الاجتماعي، بعد الاطمئنان والشعور بالتوازن الداخلي في المرحلتين السابقتين.
تأتي المرحلة الرابعة حيث يتحقق للأنا الفردية والاجتماعية، إمكانية الذوبان والاتحاد في براهمة الكائن المطلق أو الوجود المطلق، وهكذا تكون المراحل أو الدورات درجات للترقي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
وترقي الكائن البشري المخلوق، يكمن في حركة العودة إلى الكائن المطلق الخالق والموجد.
إن التأمل يشكل حلقة أساسية من حلقات الترقي البشري، لكن السلوك لا يقل أهمية في الإعداد لعملية الذوبان في اللامتناهي والمطلق، لذلك حددت العقيدة الهندوسية، شروط السلوك الصحيح لبلوغ الغاية المنشودة، وقهر الذات التغلب على شهواتها، من أهم الأمور التي شرططها العقيدة، وعملية قهر الذات تكون بالزهد، وهو على درجات تتناسب والمراحل الأربعة، التي يمر بها الكائن البشري.
ومما جاء في شريعة "منو" وفي كتاب "يوغا وأسستج"، حول قواعد الزهد وغاية الحياة: "إن الجسد لا خير فيه، إنه محل للعاهات، ووعاء لسائر الآلام وهو سائر إلى الانحلال، تتصف الطفولة بالعجز والضعف، وعدم القدرة على الكلام والتجرد من العلم، ليس الشباب إلا كومضة برق تخطف أبصارنا، ثم لا تلبث أن تختفي، مفسحة الطريق للشيخوخة وقساوة متاعبها، ما الحياة إلا كنور السراج الموضوع في الخلاء، تلعب به الريح من كل جهة، وما بهاء الأشياء كلها إلا كومضة برق، تنير لحظة ثم تختفي ولا تعود مرة ثانية، الرغبة فينا متأرجحة دائمًا وقلقة كالقرد، والنفس لا تشبع أبدًا ولا تقنع بما ملكت اليد، ولا تزال متطلعة إلى ما لم تملكه، وكلما أشبعتها زاد جوعها وطلبت المزيد، وعظم طموحها لذلك، اجعل طعامك مما تنبته الأرض وتثمره الأشجار، ولا تقطف الثمر بنفسك، بل كل منه ما سقط من الشجرة من ذاته.
وعليك أن تصوم يما وتفطر يوما، وابتعد عن أكل اللحم وشرب الخمر، عود نفسك على تقلبات الطقس، وتعرض للشمس المحرقة، واجه المطر الشديد في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
موسمه، واترك رطوبة المطر تتسرب إلى معطفك ولا تتذمر، لا تفكر بالراحة البدنية، تجنب سائر الملذات اجعل الأرض فراشك، ولا تجعل خاطرك يرتاح إلى مكان أو موطن، إذا مشيت كن حذرا، حتى لا تدوس شعرة أو عظمة أو حشرة، وإذا شربت فاشرب بحذر، كي لا تبلتع بعوضة متناهية الصغر.
لا تفرح لموجود ولا تحزن لمفقود، إن الذي تخلى عن كل ما في يده، أفضل من الذي حصل على كل شيء وتشبث به، إن الذي يتغلب على نفسه، يكون قد تغلب على حواسه التي تقوده إلى الشر؛ لأن النفس أمارة بالسوء، ولا تشبع أبدا وتطلب المزيد بصورة دائمة، عندما تسعى في طلب العلم، اترك طيبات الدنيا، فلا تأكل الحلوى وتجنب النساء، ولا تأكل اللحم، ولا تدلك جسدك بما له رائحة طيبة، ولا تكتحل ولا تلبس الحذاء، ولا تظلل نفسك بشمسية، ولا تسعى إلى رزقك وطعامك بغير التسول.
عند بلوغك سن الشيخوخة، عليك أن تتخلى عن الحياة العائلية والاجتماعية، والإقامة في الغابة، وتترك شعر رأسك ولحيتك من غير قص، وعليك ألا تقلم أظافرك، أما السعادة فلا سبيل لها في هذا العالم، إذ كل نفس فيه ذائقة الموت، كل شيء في هذا العالم يسير إلى الزوال والفناء، ومسرات هذا العالم خادعة وكاذبة، والأفراح القليلة لا تعادل الأحزان الكثيرة، وإن كنا أحرارًا فإننا في الحقيقة نعمل كالعبيد المقهورين، ما قيمة الجسد والأفراح والثروة والجاه والملك، ما دام الموت قدرنا المحتم عاجلًا أم آجلًا، والموت قدر كل الأشياء بلا استثناء".
هذا؛ وقد جاء في كلام "كريشنا": إن الذي تغلب على أهواءه النفسية، وملك حواسه كلها، فلا يخاف شيء ولا يطمع في شيء ولا يحب أحدًا، فهو الذي نال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
العقل وجمعه، إن الحواس تتبع ميولها، فعلى المرء أن يجذب إلى قبضته حواسه من مشتهياتها، كما تجذب السلحفاة أطرافها إلى بعضها، أجل إن النفس لطاغية جامحة، إلا أنه يجب السعي لضبطها وتحويلها إلى الله، فالذي لا علاقة له بشيء ولا يخاف شيئًا ولا يطمع في شيء، وحواسه تحت أمره، فهو مطمئن حقا، وإن كان يقوم بأعمال الحياة الدنيا كغيره من الناس. أما العمل الحقيقي هو التحرر من سلطة النفس، فمن تحرر منها، فقد فاز بالطمأنينة الحقيقية واهتدى إلى الله وفاز بالنجاة".
سأل أريجنا إن كانت النجاة لا سبيل إليها، إلا بالتغلب على الحواس وقهر النفس، فلماذا نهتم بأمور الناس؟، فأجاب كريشنا: "إن الذي يتجرد من الدنيا بترك واجبه، لا يصل إلى الكمال أبدًا، والأعمال التي تأثر الإنسان، هي التي يقوم بها لإرضاء نفسه، لا لأجل المصلحة العامة، فعلى المرء أن يجعل سائر أعماله، خالية منزهة من أهواء النفس، وما عاشت هذه الدنيا، إلا بمثل هذه الأعمال النبيلة المنزهة، والذي يطبخ الطعام ليأكله وحده لأثم، وإذا أكل فلا يأكل إلا إثمه، والذي لا يهتم بمصلحة غيره فهو سارق، والذي يحيا لإرضاء حواسه، فحياته كلها إثم، ليس لأحد أن يسخر غيره لإشباع ميوله، وإنما الطريق إلى الله، أن تكون الأعمال خالصة له ولنفع خلقه.
فاعلم أن أشد أعداء الإنسان اثنتان الشهوة والغضب، فهما اللذان يدفعانه إلى الذنوب، وكما يغطي الدخان النار ويكدر الغبار صفاء المرآة، كذلك الشهوة والغضب يغطيان عقل الإنسان، فعلى الإنسان أن يقتل هذين العدوين، لا شيء يطهر الإنسان أكثر من هذا العرفان، والعَارِفُ يُدرِكُ بالتدريج أن الله معه وفيه، وأكبر ما يحتاج إليه الإنسان في سلوكه إلى الكمال، هو الإيمان وقهر النفس".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
سأل أريجنا مرة أخرى: ما الأفضل للإنسان، التجرد من الدنيا ومراقبة النفس، أو تطهير النفس مع التعلق بأمور الدنيا؟، أجاب كريشنا: "إن الذين يفرقون بين الطريقتين أطفال لا يعقلون، أما العالم العاقل فلا يفرق بينهما، والإنسان يصل إلى الكمال بأي طريق سلكه، إن قام بشروطه حق القيام، والذي يرى الطريقين سبيلا إلى المقصود فهو المصيب، والناسك الحق هو الذي لا يبغض أحدًا، ولا يشتهي شيئًا، ولا يرى غير الله شيئًا، إنه يجري وراء واجبه دائما، قد طهر قلبه وتغلب على حواسه، فالنفس في قبضة يده، لا تنازعه ولا تحيد به عن الصواب، وهو يرى جميع الأرواح كروحه ولا يفرق بينها، ولا يقصد بعمله إلا وجهه تعالى وحده.
والذي يقوم بواجبه كما قلت، يبزغ نور العرفان في داخله كما تبزغ الشمس في السماء، فيرى ربه بعين قلبه، ويسعد بالنجاة بعد أن تذهب ذنوبه، وتحل محلها الحسنات، واللذائذ الحسية عاقبتها الحزن والألم، فلا يجري العاقل وراءها، والذي ملك حواسه ونفسه في هذه الحياة، فهو الناسك حقّا، وهو الذي فاز بنعمة راحة البال، إنه يجد الطمأنينة والراحة والنور في روحه، ويصل إلى النجاة بفنائه في الخالق، ولا يسعد بهذا إلا من نسي نفسه وقهر هواه، ولا يزال في عمل مستمر لمصلحة الناس عامة.
وليس الناسك من يتشبث بظواهر النسك وحدها، فلا يمس النار ويفعل هذا ولا يفعل ذلك كالمتنطعين، إنما النسك كيفية قلبية لا هيئة خارجية، فالذي لا يبالي بالعواقب في أداء واجبه، فهو الناسك الصادق، والذي يتخلى عن واجباته في الدنيا، فهو ليس من النسك في شيء، ليس للإنسان صديق إلا نفسه، وليس له عدو إلا نفسه، ومن تغلب على نفسه فهو صديق نفسه، ومن قهرته نفسه فهو عدو نفسه، فمن غلب نفسه فأصبح لا يبالي، بالحر والبرد، بالراحة والألم، بالسراء والضراء، فهو صاحب الروح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
الأكبر، ومن يرى الصديق والعدو والقريب البعيد والسعيد والشقي، بعين واحدة فهو المهتدي.
ليست النجاة للذين افتتنوا بالدنيا، ولا للذين هجروا الدنيا فارين من واجباتهم، بل هي للذين يلزمون الطريقة الوسطى، فلا يفرطون ولا يفرطون، في مآكلهم ومشربهم وملبسهم ومسكنهم، إنهم وسط في كل شيء، فيستريحون كما ينبغي وينصبون كما ينبغي، والناسك الحق هو الذي يرى، وجوده في وجود الآخرين ووجودهم في وجوده، وهو الذي لا يفرق بينهم وبينه، بل يدرك الله في الجميع ويدرك الجميع في الله، فمن كان هكذا فعلاقته بالله وثيقة لا انقطاع لها، فالذي يحمد الله في خلقه وينسى نفسه، فهو مع الله أينما كان وحيثما كان، ومن يرى سعادة الآخرين وشقائهم سعادته وشقائه، فهو حبيب الله حقًّا".
ثم سأل أريجنا: أليس قهر النفس الأمارة كما تقول من أصعب الأمور؟ أجاب كريشنا: "أجل يا عزيزي، إنه من أصعب الأمور، لا يكون قهر النفس، إلا بصدق النية والتمرين والرغبة عن لذائذ الدنيا، والذي حرم قوة الإرادة والعزيمة، فلا يتمكن من قهر نفسه ولا ينال النسك، والشرائع الظاهرية والطقوس الرسمية لا تنفعه شيئًا، إنّ مُجرد الرغبة في هذا السلوك، يغني المرء عن "الفيدا" وعن شرائع الفيدا، هذه الرغبة تجعله فوق كل هذا، ومن سعى مع هذه الرغبة سعيا صادقا، وإن قليلًا ينتفع به، وإن اضطرب قلبه ولم ينجح في النسك كل النجاح، لأن طريق التقدم الروحي ينفتح أمامه يسلكه إذا وطد عزمه.
والعارف الذي يعبد الله، يرى الكثرة في الوحدة والوحدة في الكثرة، وأينما يتجه بوجهه، يرى وجه الله الحي الذي لا يموت، والرب الذي به يكون كل شيء.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
الدرس: 4 الديانة الهندوسية (2).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع
(الديانة الهندوسية (2))
التعريف بالهندوسية، وفكرة تأسيسها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فنتحدث عن الهندوسية أكبر أديان الهند؛ من حيث التأسيس والتطور:
الهندوسية ديانة الجمهرة العظمى في الهند الآن، قامت على أنقاض الويبية، وتشربت أفكارها وتسلمت عن طريقها، الملامح الهندية القديمة والأساطير الروحانية المختلفة، التي نمت في شبه الجزيرة قبل دخول الآريين، ومن أجل هذا عدها الباحثون امتدادا للويبية وتطورًا لها.
وتسمى الهندوسية أو الهندوكية، إذ تمثلت فيها تقاليد الهند، وعاداتهم وأخلاقهم وصور حياتهم، وأطلق عليها البرهمية، ابتداء من القرن الثامن قبل الميلاد نسبة إلى براهمة، وهو القوة العظيمة السحرية الكامنة، التي تطلب كثيرا من العبادات، كقراءة الأدعية وإنشاد الأناشيد وتقديم القرابين، ومن براهمة اشتقت الكلمة البراهمة، لتكون علمًا على رجال الدين، الذين كان يعتقد أنهم يتصلون في طبائعهم بالعنصر الإلهي، وهم لهذا كانوا كهنة الأمة، لا تجوز الذبائح إلا في حضرتهم وعلى أيديهم.
الهندوسية من حيث فكرة التأسيس:
من مؤسس الهندوسية؟ من الذي وضع الهندوسية؟ من الذي وضع كتابها المقدس "الويدا"؟
في الإجابة على هذين السؤالين، نقرر أنه ليس هناك مؤسس للهندوسية، يمكن الرجوع إليه كمصدر لتعاليمها أحكامها، فالهندوسية دين متطور ومجموعة من التقاليد والأوضاع، تولدت من تنظيم الآريين لحياتهم جيلًا بعد جيل، بعدما وفدوا على الهند، وتغلبوا على سكانها الأصليين، واستأثروا دونهم بتنظيم المجتمع، وقد تولد من استعلاء الآريين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
الفاتحين، على سكان الهند الأصليين ومن احتكاكهم بهم، تلك التقاليد الهندوسية التي اعتبرت على مر التاريخ دينًا، يدين به الهنود ويلتزمون بآدابه.
ويمكن القول: أن أساس الهندوسية، هو عقائد الآريين بعد أن تطورت، بسبب اختلاط الآريين، وهم في طريقهم البطيء إلى الهند، بشعوب كثيرة وبخاصة بالإيرانيين، ثم تأثرت هذه العقائد بعد احتلال الآريين للهند، بسبب الاتصال بأفكار السكان الأصليين، وبفلسفات وأفكار نشأت في الهند، في مراحل متباعدة من التاريخ، حتى أصبحت الهندوسية بعيدة عن العقائد الآرية الأصيلة.
والهندوسية أسلوب في الحياة، أكثر مما هي مجموعة من العقائد والمعتقدات، تاريخها يوضح استيعابها لشتى المعتقدات والفرائض والسنن، وليست لها صيغ محدودة المعالم، ولذا تشمل من العقائد ما يهبط لعبادة الأحجار والأشجار، وما يرتفع إلى التجريدات الفلسفية الدقيقة.
وإذا كانت الهندوسية ليس لها مؤسس معين؛ فإن "الويدا" كذلك، وهي الكتاب المقدس الذي جمع العقائد والعادات والقوانين بين دفتين، ليس له كذلك واضع معين، ويعتقد الهندوس أنه أزلي لا بداية له، وملهم به قديم قدم الملهم، ويرى الباحثون من الغربيين والمحققون من الهندوس، أنه قد نشأ في قرون عديدة متوالية لا تقل عن عشرين قرنًا، بدأت قبل الميلاد بزمن طويل، وقد أنشأته أجيال من الشعراء والزعماء الدينيين والحكماء الصوفيين عقبًا بعد عقب، وفق تطورات الظروف وتقلبات الشئون، وينسب بيري كتابة "الويدا" إلى الآريين، سنعطي فيما بعد إن شاء الله معلومات كافية عن هذا الكتاب المقدس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
أهم الموضوعات المتعلقة بالهندوسية
والموضوعات الجديرة بالدراسة حول الهندوسية، يمكن تلخيصها في الآتي:
1 - "الويدا".
2 - الله في التفكير الهندسي.
3 - نظام الطبقات.
4 - أهم عقائد الهندوسية: (الكارمة، تناسق الأرواح، وحدة الوجود، الانطلاق).
5 - من صور الأخلاق عند الهندوسيين: (مراحل الحياة، التسول، محاربة الملاذ، تعذيب الجسم).
6 - نماذج من الفقه الهندوسي.
7 - تعريف بالكتب المقدسة لدى الهندوس بعد "الويدا".
8 - لمحة تاريخية عن الديانة الهندوسية.
وسنتكلم عن هذه الموضوعات بشيء من التفصيل فيما يلي بإذن الله تبارك وتعالى.
أولًا: "الويدا":
قلنا فيما سبق: إن "الويدا" كتاب الهندوس المقدس، لا يعرف له واضع معين، ولإعطاء صورة أقرب إلى الدقة عن "الويدا"، الذي يعد بحق دائرة معارف عن الهندوس، نلجأ إلى كاتب هندي قدير، وهو الأستاذ محمد عبد السلام، لنلخص بحثه عن "الويدا"، ضمن أبحاثه القيمة عن فلسفة الهند القديمة، يقول:
للويدا قيمة تاريخية كبرى، إذ تنعكس في هذا الأدب الديني، حياة الآريين في الهند في عهدهم القديم ومقرهم الجديد، ففيه أخبار "حملهم وترحالهم، دينهم وسياستهم، حضارتهم وثقافتهم، معيشتهم ومعاشرتهم، مساكنهم وملابسهم، مطاعمهم ومشاربهم، مهنهم وحرفهم"، وترى فيه مدارج الارتقاء للحياة العقلية، من سذاجة البدو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
إلى شعور الفلاسفة، فتوجد فيه أدعية ابتدائية تنتهي بالارتياب، وإلوهية تترقى إلى وحدة الوجود.
و"الويدات" عبارة عن أربع كتب دينية، هي:
1 - الريج ويدا.
وهو أشهر الأربعة وأهمها وأشملها، كما سيظهر من مقارنة موضوعاته، بموضوعات "الويدا"ت الثلاث الأخرى، ويقال: إن تأليف "الريج ويدا" يرجع إلى ثلاثة ألاف سنة قبل الميلاد، وتشمل ألف وسبعة عشر أنشودة دينية، وضعت ليتضرع بها أتباعها أمام الآلهة، أو يتغنون بها عن الآلهة، وأشهر الآلهة الذين ورد ذكرهم فيها هو الإله "أندرا" إله الآلهة، ثم يجيء بعده الإله "أغنى" إله النار وراعي الأسرة، فالإله "فارونا" فالإله "سوريا الشمس" وغيرهم، ولا زال الهنود يتغنون بأناشيد من الريج ويدا، يرتلونها في صلواتهم صباحًا ومساء، ويتيمنون بتلاوتها في حفلات زواجهم، كما كانوا يفعلون منذ ثلاثة آلاف عام.
الثاني: "ياجور ويدا".
وتشمل العبادات النثرية، التي يتلوها الرهبان عند تقديم القرابين.
الثالث: "ساما ويدا".
وتشمل الأغاني التي ينشدها المنشدون، أثناء إقامة الصلوات وتلاوة الأدعية.
الرابع: "آثار ويدا".
وتشمل المقالات في السحر والرقي والتوهمات الخرافية، مصبوغة بالصبغة الهندية القديمة. فالحياة الهندية كما يصورها آثار فيدا مملوءة بالآثام، والكون حافل بالشياطين والأغوال يخوفون الناس، والآلهة كفت أيديها عن الخير ولم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
تعد تدفع الشر، ويروي أثار فيدا لجوء الناس للخرافات والرقى والسحر، ليحموا أنفسهم.
وكل من هذه "الويدات" الأربعة، يشتمل على أربعة أجزاء، هي "سامهتا، وبراهمن، وأرنيك، أبانيشاد"، وهي بهذا الترتيب من حيث قدمها التاريخي، سنتحدث عن كل منها فيما يلي:
1 - سامهتا أو مجموعة المنظومات لكثرة المنظوم فيها.
ومنظومات "الريج ويدا" أهمها، وقد تكرر أكثرها في "ساما ويدا"، وهذه المنظومات يتغنى بها عند تقديم القرابين، ويشمل "سامهتا من ياجور ويدا"، بعض الأدعية التي تقرئ عند تقديم القرابين كذلك، أما منظومات أثار فيدا، فأدعية كانت يقدمها سكان الهند الأقدمون، لآلهتهم قبل زحف الآريين، وإذا فلها قيمة تاريخية ودينية عظيمة، وتمثل "السامهتا" مذهب الفطرة في التفكير "الهندوسي".
2 - "البراهمن، أو الهدايات". التي يقدمها البراهمة للمقيمين في بلادهم وبين أهليهم، وتشمل بيان أنواع القرابين وتفاصيلها ومواسمها، وتبيان أن إرضاء البراهمة ضروري، لقبول القرابين، يمثل البراهمن مرحلة أقرب إلى التحضر للتفكير الهندوسي.
3 - "أرنيك" أو الغاديات أو الهدايات والإرشادات. التي تقدم للشيوخ المعمرين، الذين يتركون أهليهم في الربع الرابع من أعمارهم، ليقيموا في الكهوف والغابات، والأرنيك تهدي أمثال هؤلاء إلى أعمال سهلة، يقومون بها بدل القرابين، التي أصبحوا يعجزون عن تقديمها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
4 - "أبانيشيدات". وهي الأسرار والمشاهدات النفسية للعرفاء من الصوفية، وتدون هذه إرشادًا للرهبان والمتنسكين، الذين مالوا إلى باطن الحياة وتركوا ظاهرها، وتمثل الأبانيشيدات مذهب الروح، الذي هو المرتبة العليا في سلسلة الارتقاء الديني، وتعتبر "الأبانيشيدات" خطوة جريئة في سبيل الحرية الدينية، وتخليص الدين من الرسوم البرهمية، وبها أبعدت الآلهة أو قل الاهتمام بها، وهدأت الأدعية وندرت القرابين وانحطت المراقبات اللاهوتية، وحل العلم والعرفان محل ذلك، ولولا بقايا من الشعور الديني، لكانت الأبانيشيدات فلسفة محضة.
والناظر إلى هذه الأقسام الأربعة، يلاحظ أن "السامهتا" يمثل دين الفطرة أو الفكر البدائي، أما البراهمن فيمثل مذهب القانون ودين الأمة، التي تركت البداوة ولم تتعمق بعد في الحضارة، أما "الأرنيك" فينقل الفكر من القانون إلى الروح، فهو معبر تاريخي، وتجيء بعده الأبانيشيدات حيث مذهب الروح، الذي هو المرتبة العليا في سلسلة الارتقاء الديني، وقد وضعت الأبانيشيدات في المدة من ثماني مائة إلى ستمائة قبل الميلاد.
نماذج من "الويدا":
فيما يلي نماذج من (الريج ويدا) مترجمة عن السنسكريتية، هذه أغنية لـ (أندرا) إله الآلهة: تقول: "هو الأعلى من كل شيء وهو الأسمى، إله الآلهة ذو القوة العليا، الذي أمام قدرته الغالبة، ترتعد الأرض والسماوات العالية، أيها الناس استمعوا لشعري، إنما هو إندرا إله الكون، هو الذي قهر الشياطين في الحساب، وأجرى السبعة الصافية الكبار، واقتحم كهوف الكآبة والأكدار، وأخرج
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
البقرات الجميلة من الأرحام، وأضاء النار القديمة من البرق في الغمام، ذلك هو اندرا البطل الجسور، الجيش المتقدم للهيجاء، يناديه للنصرة يوم الحرب، الأعزاء بصيته الذائع يهتفون، والأذلاء يذكرون اسمه بشفاههم ويهمسون، وقائد الجيش على العجلة الحربية، يدعو ويستنصر إندرا إله الحرب، الأرض والسماء تعترفان بسلطانه وكماله، والجبال المرتعدة تخر له وتسجد لجلاله، هو الذي يرسل صواعق السماء على أعدائه، فلتهدى إليه الزكائب المقدسة، فإنه يقبل هذه الخمر ويمنحنا رضاه، ويستمع للشعر وأغاني الولاء، له البقرات وأفراس الوغى، له القرى والمساكن وعجلات الحرب. ويرفع الشمس بيده اليمنى، ويفتح الأبواب الحمر من شفق الفجر، فيمزق السحاب الأحمر تمزيقا، يرسل شآبيب المطر لنصدق به تصديقًا".
وهذه أغنية للشمس: "يجيء بالشمس جيادها الحمر، فيصل الفجر العظيم الجميل، الذي ينعش الجميع بضيائه، وتأتي الإلهة على مركبة فخمة، توقظ الإنسان ليقوم بعمل نافع".
هذه أغنية لـ"أغنى" إله النار: "حينما أرى هذا الكائن المنير في قلبي، تدوي أذناي وتختلج عيناي، وتتيه نفسي في ارتياب، فماذا أقول وماذا أفكر، فيا أغنى مجدتك جميع الآلهة، واجفة ما تواريت في الظلام".
ويمكن أن نذكر بعد إن شاء الله، مزيد من الاقتباسات من "الويدا"، عند الكلام عن النقاط الأخرى المتصلة بالهندوسية.
ثانيًا: الله في التفكير الهندوسي. التعدد والوحدانية في الفكر الهندي.
يوجد في التفكير الهندوسي فيما يختص بالإله نزعتان مختلفتان تمام الاختلاف: نزعة الوحدانية ونزعة التعدد، وإن كانت نزعة التعدد أقوى وأكثر انتشارًا، وقد بلغ التعدد عند الهنود مبلغًا كبيرًا، فقد كان عندهم كما سبق القول، لكل قوة طبيعية تنفعهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
أو تضرهم إله يعبدونه، ويستنصرون به في الشدائد، كالماء والنار والأنهار والجبال وغيرها، وكانوا يدعون تلك الآلهة، لتبارك لهم في ذريتهم وأموالهم، من المواشي والغلات والثمار وتنصرهم على أعدائهم.
ولم يصل "الهندوس" إلى عبادة هذه الظواهر دفعة واحدة، إنما مروا بمراحل انتهت بهم إلى عبادتها، ويصور الأستاذ محمد عبد السلام مراحل هذا الانتقال بقوله: "وكانت المظاهر الكونية الجميلة والمناظر العظيمة، باعثة لإيقاظ الشعور الديني فيهم، فأعجبوا بهذه المظاهر واستمتعوا بها، وشكروا لها وامتنوا وأثنوا عليها، ثم ظنوا أن لهذه المظاهر أرواحًا ونفوسًا، كما أن لهم هم أرواحًا ونفوسًا، واعتبروا هذه الأرواح قوة كامنة وراء الظاهر، واعتبروا هذه الأرواح قوة كامنة وراء المظاهر، وبيدها أن تمنحهم هذه المظاهر، التي أعجبتهم أو تحجبها عنهم، فتقربوا إليها بالعبادة والقرابين، واعتبروها آلهة ودعوها عند الحاجات، وعلى هذا كثرت الآلهة عندهم كثرة زائدة، ولكنهم في وسط هذا التعدد، كانوا يميلون أحيانًا للتوحيد أو إلى اتجاه قريب منه؛ فقد كانوا إذا دعوا إلها من آلهتهم، أو أثنوا عليه أو تقربوا إليه بقربان، أقبلوا عليه بكل عواطفهم وجل ميولهم، حتى يغيب عن أعينهم سائر الآلهة والأرباب، ويصير إلهاهم هو ذلك الإله لا غير، فيسمونه بكل اسم هو حسن، ويصفونه بكل صفة كمالية، يخاطبونه برب الأرباب وإله الآلهة، تعظيما وإجلالًا لا تحقيقًا وإيقانًا.
وإذا عطفوا إلى إله غيره، أقاموه مقام الأول وجعلوه رب الأرباب وإله الآلهة، فهذا التعبير رب الأرباب أو إله الآلهة، كان أولا يدل على العظمة والجلال، فلما مضت القرون على هذا النحو، أصبح هذا التعبير ثابت المعنى، أي أنهن اعتقدوا فعلًا أن في صف الآلهة، رئيسًا ومرءوسين وآمرًا ومأمورين، وأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)