في بحث آخر. وأرجو أن يتم ذلك بعد نشر الجزء الأول من تفسير الحاكم في وقت قريب إن شاء الله. ولله الحمد في الأولى والآخرة.
اللهم ألهمنا توفيقا وسدادا في مصاحبة الحق ومجانبة الباطل. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
عدنان زرزور
دمشق في 28 رجب 1391 18 ايلول «سبتمبر» 1971
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. والصلاة على سيدنا محمد الذي أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، وأوحى إليه هذا القرآن لينذر به الذين كفروا، وبشرى للمؤمنين.
وبعد:
1 - هذا بحث في أحد أعلام التفسير وعلم الكلام في القرن الخامس، وقفت على ضرورته وأنا أعد دراستي السابقة في «الماجستير» عن القاضي عبد الجبار وكتابه «متشابه القرآن» ففي الوقت الذي أعانني فيه تفسير الحاكم على تحقيق كتاب القاضي، وجدت فيه كذلك صورة من أدق كتب التفسير وأغزرها مادة، وأجودها في الترتيب والتهذيب.
والواقع انني أدركت في هذا الوقت أمرين: أولهما ضرورة الكتابة في «منهج المعتزلة في تفسير القرآن» نظرا لأهمية هذا الموضوع وتجدد البحث فيه على ضوء ما تم الوقوف عليه من تراث المعتزلة في اليمن، من جهة، ورفعا لظلامة ركبت المعتزلة قرونا متطاولة كانت آراؤهم فيها- في التفسير والحديث والكلام- تؤخذ من كتب خصومهم، من جهة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
أخرى. أما الأمر الثاني فهو ضرورة دراسة الحاكم الجشمي، وتحقيق كتابه القيم: «التهذيب في التفسير».
2 - ثم خرجت من ذلك كله وأنا بسبيل اختيار موضوع لهذه الرسالة إلى الجمع بين هذين الأمرين في دراسة الحاكم ومنهجه في التفسير، تمهيدا لتحقيق كتابه إن شاء الله، بعد أن تبينت أن منهجه في هذا الكتاب يشير إلى خلاصة منهج المعتزلة في تفسير القرآن، في الوقت الذي لا أعفي فيه نفسي من دراسة الحاكم والكشف عن تراثه وبيان منزلته في الفكر والثقافة الاسلامية، بعد أن أتيحت لي فرصة الوقوف على أخباره من وراء القرون الطويلة التي طوي فيها وراء حدود اليمن.
3 - ولن أتحدث في هذه المقدمة عن قيمة كتاب الحاكم وأهميته وما يتمتع به من ميزات شكلية وموضوعية، فذلك ما سيوضحه هذا البحث، ولكنني أشير هنا إلى بعض جوانب الجدّة والأهمية في دراستنا هذه لكتاب الحاكم، التي تتلخص في أنها:
- أول دراسة تتناول علما من أعلام التفسير في القرن الخامس.
- وتقوّم- على الجملة- حركة التأليف في التفسير وعلم الكلام في هذا القرن.
- كما أنها تحتوي للمرة الأولى عرضا لتفاسير المعتزلة الكبيرة قبل الحاكم، مع التعريف الدقيق بها وبمؤلفيها، وذكر بعض النماذج مما وصل إلينا من هذه التفاسير الخطية التي لم يتيسر للباحثين سبيل الاطلاع على أكثره بعد.
وقد ركّزت هذه الدراسة على أهمية القاعدة الفكرية في دراسة منهج أي مفسر- في التفسير والتأويل- وفهم هذا المنهج حق الفهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
- كما أنها قد تعقبت هذا الأثر في أطراف كتاب الحاكم.
- يضاف إلى ذلك: الفرصة التي هيأتها هذه الدراسة لإعادة النظر في تقويم الزمخشري.
وقد كشف هذا البحث عن بعض هذه المكانة عند الكلام على أثر الحاكم في المفسرين من بعده.
وعلى الرغم من أن أكثر جوانب هذه الدراسة يكاد يكون جديدا على ميدان البحث، فإن وجهها الأول عندي أنها تمهد لي السبيل- إن شاء الله- إلى تحقيق تفسير الحاكم وبعض ما وقفت عليه من كتبه الأخرى، وهي كتب جديرة أن تتبوأ مكانها اللائق في المكتبة العربية الإسلامية.
4 - أما العقبات التي اعترضت سبيلي في هذا البحث فتعود إلى أن أكثر مصادره مخطوط أو مصوّر، كما أن المطبوع من هذه المصادر لم يكن الحصول عليه- وقد نشر أكثره في مواطن متفرقة- سهلا طول الوقت. وقد حاولت التغلب على مشكلة الكتب الخطية بالتوفر على ما صورته دار الكتب المصرية من مكتبة الجامع الكبير بصنعاء وبعض المكتبات اليمنية الخاصة، فاستنسخت بعض هذه الكتب وصورت بعضها الآخر- مكبّرا أو على شريط- عن صورته التي ما تزال على «الأفلام» أو الأشرطة، كما أدمت النطر في بعضها الآخر في دار الكتب.
أما الكتب اليمنية الأخرى التي لم تصورها دار الكتب من الأصل- ومنها بعض كتب الحاكم- فقد تعذر عليّ تصويرها من تلك الديار، وقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
وافاني بما أريده منها بعض علماء اليمن الأفاضل، كما أشرت إلى ذلك في موضعه من هذه الرسالة.
5 - وقد سلكت في هذه الدراسة سبيل البحث العلمي المتجرد عن التعصب للحاكم، فأوردت من آرائه ما وقفت عليه مشفوعا ببعض الشواهد- التي كنت أرجو أن أجتزئ منها في بعض المواطن لو كان تفسير الحاكم بين يدى القارئ- وإن كان هذا لم يمنعني من بعض التعقيبات والتعليقات الموجزة.
كما أنني لم أتعصب للمعتزلة وآرائهم، أو أتعصب عليهم، ولم أذكر شيئا من آرائهم مشفوعا بمحاولة التحسين أو التقبيح، على الرغم من أن الصورة التي يحملها أكثرنا للمعتزلة لا تزال سوداء أو كالسوداء، وقد تراءت هذه الصورة في نفسى في مواطن قليلة من تفسير الحاكم، ولكن هذا لم يمنعني من الإعجاب بهذا التفسير، والدعوة إلى الإفادة منه ومن سائر تراث المعتزلة في التفسير وعلم الكلام وأصول الفقه، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الإفادة من منهج المعتزلة العقلي- ومن سائر المناهج الكلامية الأخرى- في الدفاع عن الإسلام وشرح حقائقه أمام مناوئيه ومخالفيه من أتباعه والغرباء على حد سواء!
وليس في تاريخ الإسلام فرقة واحدة تستطيع أن تزعم لنفسها حقّ فهم العقيدة الإسلامية على الوجه الأكمل حتى يكون كلّ من خالفها في شيء ضالا ومبتدعا أو من أهل الزيغ والأهواء! ولا تخلو فرقة واحدة من الغلو في جانب، والتفريط في جانب آخر. وليست مهمتنا اليوم: الانتصار لفرقة على أخرى، أو تعميق الخلاف بين هذه الفرق،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
الذي نشأ في الأصل هينا ثم عمّق بفعل التعصب، ولكن مهمتنا هي التقريب بين مواطن الخلاف وقواعد النظر، والتأكيد على وحدة الفكر الإسلامي، ومحاولة الوصول إلى الحق على ضوء هذه الحقيقة، ومن خلال دراسة تراث جميع الفرق في ظلال القرآن.
6 - أما الطريقة التي اتبعتها في هذا البحث فقد حددتها على ضوء منهج الحاكم نفسه وطريقته في تفسيره، ويتلخص هذا المنهج في أنه منهج كلامي تصرف فيه العناية إلى آيات العدل والتوحيد دون آيات الفقه والشرائع وسائر الآيات، ولهذا عنيت في المقام الأول بالكشف عن هذا المنهج وبيان القاعدة الفكرية التي أسس عليها، والآثار التي خلّفها- دون غيره- في كتاب الحاكم وحاولت في هذا المجال- ما استطعت إلى ذلك سبيلا- رد الفروع إلى الأصول، والوقوف على القواعد العامة التي تحكم رأي الحاكم ومذهبه في نقاط كثيرة، دون محاولة الخوض في الجزئيات. كما أنني لم أحاول «التعديل» من طغيان جانب الكلام والرد على الخصوم وأهل الأهواء في تفسير الحاكم على جانب الفقه والتشريع، بالكلام عليهما على نحو متقارب، وإن كان الحاكم لم يهمل العناية بالفقه وآيات الأحكام، ولكن هذه العناية ليست هي الطابع المميز لكتابه حتى يسمح لنا بإدراجها في كلامنا على «المنهج» بمعناه العلمي أو الفكري الذي يحكم تفسيره، دون موضعها الصحيح في مكان آخر.
7 - وقد جعلت هذا البحث في تمهيد وخمسة أبواب: تحدثت في التمهيد عن عصر الحاكم، أو القرن الخامس. ورتبت الأبواب وما تشتمل عليه من الفصول على النحو التالي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
الباب الأول: حياة الحاكم وآثاره. ويشتمل على فصلين
الفصل الأول: حياة الحاكم.
الفصل الثاني: آثاره.
الباب الثاني: مدخل إلى تفسير الحاكم. وتحته فصلان:
الفصل الأول: تفاسير المعتزلة قبل الحاكم.
الفصل الثاني: مصادر الحاكم في التفسير.
الباب الثالث: منهج الحاكم في تفسير القرآن. ويشتمل على أربعة فصول:
الفصل الأول: قاعدة الحاكم الفكرية ومحوره في تفسيره.
الفصل الثاني: قواعده الأساسية في التفسير.
الفصل الثالث: حدوده في التأويل.
الفصل الرابع: أثر منهجه العقلي وثقافته الكلامية في تفسيره.
الباب الرابع: طريقة الحاكم في تفسيره، وآراؤه في علوم القرآن.
وتحته فصلان.
الفصل الأول: طريقته في كتاب «التهذيب»
الفصل الثاني: آراؤه في علوم القرآن
الباب الخامس: مكانة الحاكم وأثره من التفسير. وتحته فصلان:
الفصل الأول: مكانة الحاكم
الفصل الثاني: أثره في المفسرين من بعده
8 - وبعد، فلست أرى ما أذكره في هذا الموطن خيرا من الكلمة التي كتبها أستاذنا العلامة الجليل الشيخ محمد أبو زهره في كتابه «تاريخ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
المذاهب الاسلامية» وعقّب بها على آراء المعتزلة ومذهبهم ومواقفهم في الجملة.
قال حفظه الله: «أولا: إن هؤلاء يعدون فلاسفة الإسلام حقا، لأنهم درسوا العقائد الإسلامية دراسة عقلية مقيدين أنفسهم بالحقائق الإسلامية غير منطلقين في غير ظلها، فهم يفهمون نصوص القرآن في العقائد فهما فلسفيا، ويغوصون في فهم الحقائق التي تدل عليها، غير خالعين للشريعة، ولا متحللين من النصوص.
ثانيا: أنهم قاموا بحق الإسلام من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورد كيد الزنادقة والملاحدة والكفار في نحورهم، وكان لا بدّ من وجودهم ليقفوا تيار الزندقة الذي طم في أول ظهور الدولة العباسية، ولذا كان الخلفاء الأول من هذه الدولة يشجعونهم، وقد ناوأهم الرشيد زمانا واعتقل بعضهم، ولكنه اضطر لإطلاقهم لما علم أنهم الذين يستطيعون منازلة الوثنيين من السّمنيّة وغيرهم.
ثالثا: أن لهم شذوذا في الفكر، وشذوذا في الفعل. وذلك يحدث كثيرا ممن يطلق لعقله العنان ولو في ظلال النصوص»
9 - وأخيرا فإنني أتوجه بجزيل الشكر وجميل العرفان إلى أستاذي الجليل الشيخ محمد أبو زهرة الذي وجدت في علمه ورحابه صدره خير باعث لي على المضي في هذا العمل، والفراغ من مناقشته في أقرب وقت.
كما أشكر الأستاذ المشرف الدكتور مصطفى زيد الذي قعد به المرض عن النظر في هذه الرسالة حين صح منه العزم على ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
وأدعوا الله تعالى أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه، وأن يجعله في عداد حسناتي يوم العرض عليه، وأن يوفقني لخدمة شريعته وإعلاء كلمته، إنه سميع قريب مجيب.
القاهرة: 29 رمضان المبارك 1388 هـ
19 كانون الأول (ديسمبر) 1968 م
عدنان محمد زرزور
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
تمهيد عصر الحاكم
(القرن الخامس الهجري)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
تقع حياة الحاكم في القرن الخامس الهجري، فقد ولد في إحدى قرى نيسابور سنة 413 وتوفي بمكة سنة 494، وقد شهدت الدولة الإسلامية في هذا القرن، وبخاصة في الجزء الشرقي الذي عاش فيه الحاكم أشد حالات الفوضى السياسية بسبب كثرة الدويلات والنزاع بين الأمراء والسلاطين من جهة، ولما جرى من الفتن والمصادمات بين أصحاب المذاهب والفرق من جهة أخرى، حتى إن شمس هذا القرن لم تغب عن العالم الإسلامي إلا وقد جردت عليه أوروبا أولى حملاتها الصليبية عام 491.
ونصوّر في هذا التمهيد الموجز الحالة السياسية والدينية في هذا القرن وأثر ذلك في الحياة العامة، كما نعرض أيضا لحركة التأليف في التفسير وعلم الكلام، كلّ ذلك بالقدر الذي يلقي ضوءا كافيا على حياة الحاكم الذي كان رأسا في المفسرين والمتكلمين على حد سواء.
أولا: الحالة السياسيّة
كان الصراع السياسي في هذا القرن على أشده في بغداد عاصمة الخلافة، وفي الجزء الشرقي والشمال الشرقي في الدولة الإسلامية، وما تزال فارس وخراسان مسرحا للمزيد من حركات «الانفصال» والأسر المالكة الجديدة الوافدة، في الوقت الذي ينشط فيه الباطنية، ويتألق نجم العبيديين في مصر والشام واليمن وبلاد أخرى:
1 - البويهيون
: لم يلبث البويهيون الذين بدءوا في الظهور عام 320 أن أسسوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
دولة لهم في فارس وخوزستان بعد ذلك بعامين على يد عماد الدولة «1»، وزادوا بذلك من عدد الدويلات المنفصلة عن الدولة العباسية، ولكنهم ما فتئوا يتوسعون من حولهم ويفرضون سيطرتهم على الدويلات المجاورة حتى استطاع معز الدولة أن يملك بغداد آخرا سنة 334 بعد أن رضى «الخليفة» بحماية «السلاطين» الجدد في وجه تهديدات سلاطين الدويلات الصغيرة الأخرى، ومنذ ذلك الحين أخذ البويهيون دور السلطان الفعلي في ظل «الخليفة» العباسي. واستمر بنو بويه يحكمون بغداد- بالرغم من انقسامهم بعد وتعاديهم- حتى منتصف القرن الخامس تقريبا عام 447 عند ما سقط آخر معاقلهم في بغداد على يد السلاجقة الوافدين من نيسابور «2».
2 - الغزنويون
: وكان بنو سامان من قبل قد أسسوا دولتهم- بخراسان وأقاليم أخرى- من أوائل القرن الثالث، وقد استمرت هذه الدولة حتى أواخر القرن الرابع عند ما ثار عليهم أحد عمالهم بخراسان سنة 387 هو أبو القاسم محمود بن سبكتكين ناحلا نفسه لقب سيف الدولة «3»، وما لبث أن أضحى سيد نيسابور وغزنة، وأن فتح خوارزم وأصبهان، بل تمكن من أن يوسع دولته الغزنوية داخل الهند «4»، وعند ما--------------------------------------------
(1) راجع «معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي» لزامباور صفحة 322 - 323.
(2) انظر «البداية والنهاية» لابن كثير 12/ 66 وزامباور 322.
(3) راجع زامباور ص 306 و 416.
(4) انظر «الكامل في التاريخ» لابن الأثير 7/ 315 وانظر فيه خبر ملكه الري وبلاد الجبل أيضا: 7/ 335.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
توفى سنة 421 خلفه ابنه مسعود- وهو الذي انتزع منه السلاجقة بعد بلاد خراسان «1» وتستمر الدولة الغزنوية على نزاع وحروب بينها وبين السلاجقة وبينها وبين بني بويه أيضا «2» شأن جميع هذه الدويلات بعضها مع بعض- حتى تسقط في مطلع الربع الأخير من القرن السادس «3».
3 - السلاجقة
: وتظهر قبائل الغزّ التركية في خراسان- المسرح الأول- بقيادة آل سلجوق، ويستولي السلطان السلجوقي الأول «طغرلبك» على نيسابور سنة 429 «ويبعث أخاه داود إلى بلاد خراسان فيملكها وينتزعها من نواب الملك مسعود بن سبكتكين «4»» وفي العام التالي يلتقى طغرلبك وأخوه بالملك مسعود فيهزمهما، تم يتمكن طغرلبك عام 433 من ملك جرجان وطبرستان، وأن يعود إلى نيسابور «مؤيدا منصورا» وفي عام 437 يبعث أخاه إبراهيم إلى بلاد الجبل فيملكها، ثم يحاصر هو أصبهان عاما كاملا حتى يتمكن من «فتحها» عام 442 وقبل أن يولي وجهه شطر بغداد غزا عام 446 بلاد الروم، وفي العام التالي ملك بغداد وأسقط السلطان البويهي، وخطب له لأول مرة في رمضان سنة 447 «5». وخلف طغرلبك بعد وفاته سنة 455 ابن أخيه ألب أرسلان الذي مات مقتولا سنة 465 فخلفه ابنه ملكشاه--------------------------------------------
(1) دخل مسعود أيضا في حروب مع الروم وأضاف إلى ملكه بلادا كثيرة، راجع ابن الأثير 3/ 353.
(2) انظر ابن الأثير: «الكامل» 7/ 335.
(3) انظر زامباور ص: 418.
(4) «البداية والنهاية» لابن كثير 12/ 43.
(5) المصدر السابق ج 12 الصفحات: 49، 54، 61، 65، 66.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
الذي حكم عشرين عاما حتى سنة 485 - وقد وزر نظام الملك لملكشاه وأبيه تسعا وعشرين سنة، وكان أبرز شخصية سياسية في هذا القرن، وأحد الوزراء العظام في التاريخ الإسلامي كله، وسوف نعرض للحديث عن أثره البعيد في العلم والثقافة في الفقرة التالية.
«1»
وكانت أهم الأحداث السياسية في هذه العهود الثلاثة أن أوغل السلاجقة في أربعين عاما إلى صميم دولة الروم في آسيا الصغرى حتى قونية ونيقية، ولكن أبناء ملكشاه ما لبثوا أن اقتتلوا قتالا شديدا حتى إن غياث الدين محمد أحد أبنائه ظل يحارب أخاه بركيارق منذ وفاة أبيه إلى أن توفي أخوه سنة 498 واستقام له من بعده أمر الملك، وكان لهذا النزاع أثره السيئ في الوقت الذي كانت فيه سيوف الصليبيين تلمع في سماء الشام.
وكان آخر سلاطين السلاجقة في العراق طغرل بن أرسلان الذي قتل سنة 590 «2».
4 - الفاطميون
: وفي هذا القرن تألق نجم العبيديين- الذين دعوا بالفاطميين «3» - وانتشر نفوذ «خلافتهم» التي ضارعوا فيها خلافة بغداد في آسيا أيضا، فكان يدعى للخليفة الفاطمي في الخطبة في سورية ودمشق--------------------------------------------
(1) انظر «أخبار الدولة السلجوقية» لصدر الدين أبي الفوارس ص 74 - 75.
(2) المصدر السابق ص: 193.
(3) انظر رسالة «من عبر التاريخ» للمرحوم الشيخ محمد زاهد الكوثري ص 5 - 14، ومقدمة «كشف أسرار الباطنية» للحمادي اليماني- للشيخ زاهد أيضا ص: 184 - 191 المطبوع مع كتاب «التبصير في الدين» للاسفراييني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
وحلب «1». وفي البصرة في بعض الأحيان، واشتهر من خلفائهم الحاكم الذي اختفى عام 411 بعد أن أقام «الديانة» الدرزية، والمستنصر الذي توفي سنة 487، والمستعلي المتوفى سنة 495 «2».
وفي العام الذي استولى فيه السلاجقة على بغداد، استولى علي بن محمد الصّليحي «أبو كامل» على أكثر أعمال اليمن، وخطب فيها للفاطميين وقطع الخطبة للعباسيين، ثم تمكن من الاستيلاء على مكة سنة 455، وقد قتل في اليمن آخر سنة 459، وانتقل الحكم في صنعاء إلى ابن الغشيم الهمداني عام 492 بعد موت آخر الصليحيين بها «3».
5 - الباطنية
: وينشط الباطنية في النصف الثاني من هذا القرن- وهذا طبيعي بعد أن توسع نفوذ العبيديين- ويتمكن أحد دعاتهم وهو الحسن بن الصباح أن يستحوذ على قلاع كثيرة كان أولها قلعة «ألموت» بالديلم، استولى عليها سنة 483 وأقام فيها دولة الملاحدة، كما دعيت، ثم انتشرت دعوته عام 492 في أصبهان وأعمالها، وقويت شوكة الباطنية،
ثم ازدادت خطورتهم عام 494 «فكثروا بالعراق والجبل … وتملكوا القلاع وقطعوا السبيل، وأهمّ الناس شأنهم لاشتغال أولاد ملكشاه بنفوسهم ومقاتلة بعضهم بعضا!» «4» وفي هذا العام قتل--------------------------------------------
(1) راجع «الخطط» للمقريزي 2/ 357.
(2) انظر زامباور ص: 144 - 145.
(3) راجع ابن كثير 12/ 67 و 95 وزامباور ص 183، و «بلوغ المرام في شرح مسك الختام» للقاضي حسين العرشي ص: 24 - 27 تحقيق أنستاس الكرملي.
(4) «مرآة الجنان» لليافعي 2/ 156 وزامباور 2/ 329.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
السلطان منهم خلقا كثيرا، وأبيحت ديارهم وأموالهم، ونودوا فيه أن كل من قدرتم عليه منهم فاقتلوه وخذوا ماله «1».
6 - الزيدية
: أما قوم صاحبنا الحاكم رحمه الله .. ونعرض هنا لجانبهم السياسي- فقد كانت لهم دولتان إحداهما في اليمن، والأخرى في جنوب بحر الخزر من جهات الديلم: قامت دولتهم في الديلم نحو سنة 250 واستمرت إلى سنة 520 وظهر فيها عشرون إماما «2» وتتحدث الكتب التي ترجمت للحاكم أنه كان معاصرا للإمام المرشد بالله، وأن هذا الإمام كان أكبر منه بسنتين- وأنه توفى قبله بنحوها تقريبا «3» - وتصفه بأنه «المجدّد للدين بعمله في القرن الخامس بالجبل والري «4»» أي أنه كان أحد أئمة دولة الديلم، وقد عرض له الحاكم في بعض كتبه ولم ينعته بالإمام وإنما قال فيه: «السيد المرشد بالله أبو الحسين يحيى بن--------------------------------------------
(1) انظر ابن كثير 12/ 159.
(2). انظر «تاريخ الفرق» للدكتور يوسف العش، ص 22 و «تاريخ دول الإسلام» للصدفي 1/ 259 فما بعدها.
وكان قد خرج من الزيدية بعد الإمام زيد كثير من الأئمة في خراسان والمدينة والبصرة وقتلوا جميعا، ولم ينتظم أمرهم بعد ذلك- كما يقول الشهرستاني- حق «ظهر بخراسان الناصر الأطروش فطلب مكانه ليقتل فاختفى واعتزل إلى بلاد الديلم والجبل وكانوا لم يتحلوا بدين الإسلام بعد فدعا الناس إلى الإسلام على مذهب زيد بن علي فدانوا بذلك ونشئوا عليه، وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين، وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة ويلي أمرهم». الملل والنحل 1/ 211. وانظر «شرح العيون» 1/ 28.
(3) انظر «شرح الأزهار المنتزع من الغيث المدرار» للجنداري؛ ص: 32.
(4) اتحاف المسترشدين بذكر الأئمة المجددين لابن زبارة الصنعاني ص 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
الحسين الحسني، وإليه تشد الرحال في طلب العلم، وهو غاية في الزهد، وعليه سيماء النبوة .. » «1» ويبدو أن الحاكم قد ألف كتابه هذا قبل خروج الإمام المرشد ودعوته لنفسه بالإمامة، لأن دعوته إنما كانت في حدود سنة 491. والواقع أننا لا نقف من أئمة الزيدية في هذا القرن- في الديلم- على غير الإمام المرشد بالله، والإمام أبي طالب يحيى بن الحسين المتوفى سنة 424 «2» وكما يجوز خلو عصر من الإمام عندهم- إذا انعدم الخروج- فإن من الراجح أن الأمر كان يخرج من أيديهم لأحد الدويلات حتى يصبح التأريخ لإقليم ما في بعض الأحيان تأريخا لكثير من الأسر الحاكمة «3»، على أن هناك دعاة عند الزيدية يسمون «المحتسبين» أو «المقتصدين» يهيئون الأمر للخروج ويدافعون عن الحق، وبهم تتم سلسلة الأئمة. والذي يبدو على كل حال أن زيدية الديلم في القرن الخامس كانوا من الناحية السياسية في حالة ضعف، مما مهد لانتهاء دولتهم بعد ذلك في وقت قريب.
أما دولتهم في اليمن فتنتسب إلى الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي--------------------------------------------
(1) شرح «عيون المسائل» للحاكم، المجلد الأول، ص: 144 مخطوطة صنعاء رقم 212 علم كلام.
(2) المصدر السابق ص 133 وكان معتزليا من طبقة القاضي عبد الجبار، قال الحاكم: «واجتمعت فيه شروط الإمامة» وقد بويع سنة 411 بعد وفاة أخيه الإمام أبي الحسين أحمد بن الحسين بن هارون الذي بويع بإمامة الزيدية سنة 380. قال الحاكم: «وكان جامعا لخصال الإمامة وبايعه الخلق وخرج بالديلم .. ولم يزل فيه يجري الأحكام على الشرع حتى توفي».
(3) راجع زامباور ص: 293 - 294 و 319 - 320، وهذا مما جعلنا نتبع في هذا التمهيد التقسيم بحسب أشهر الدويلات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
(169 - 246) من أولاد الحسن بن علي بن أبي طالب «1»، الذي وضع أصول المذهب الزيدي كما عرف في هذه الدولة «2»، أما الذي استولى على اليمن فهو الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين أحد أحفاد الإمام القاسم، ولد بالمدينة المنورة سنة 245، وخرج إلى اليمن سنة 280 بطلب من أهله، ولكنهم خذلوه فعاد إلى الحجاز، ثم راجعوه فعاد إليهم ووصل «صعدة» سنة 284، وتمكن بعد حروب طويلة مع القرامطة وغيرهم أن يؤسس دولة الزيدية في اليمن، ويفيض الزيدية في الحديث عن بأسه وشجاعته وورعه وتصانيفه … ويعدونه من معجزات جده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويروون فيه بعض الآثار، ويقولون: ما من زيدي في اليمن إلا وله عليه حق «3».
أسس الامام الهادي دولة الزيدية في اليمن، وكان أولاده من بعده يبايعون فيها بالإمامة بخروجهم أو بالقتال، وكثيرا ما خرج الأمر--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في «إتحاف المهتدين» لابن زبارة، ص: 41. والرسي نسبة إلى (الرس) وهو جبل أسود بالقرب من ذي الحليفة بالحجاز، فر إليه القاسم من الخليفة العباسى بعد أن خرج بالكوفة سنة 220.
(2) وكان يذهب مذهب المعتزلة في أصول الاعتقاد كما سنرى عند الكلام على تفسيره، وهو مذهب جده الإمام زيد فيما يقال، أما أصول المذهب في الفقه فقد وضعها الإمام الهادي، وإليه ينسب المذهب «الهادوي»، وبعض الزيدية يقولون إنهم ينتسبون في أصول الاعتقاد إلى زيد بن علي، وفي الفقه إلى الإمام الهادي. راجع «نزهة النظار» ليحيى بن حميد ورقة 16 مخطوطة صنعاء رقم 90 مجاميع.
(3) وقد توفي بصعدة في ذي الحجة سنة 298، راجع «بلوغ المرام» ص 31 - 32 و «إتحاف المهتدين» ص 42.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
من أيديهم إلى أحفاد القاسم الرسي نفسه، أو إلى غيرهم ممن ينتسب إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقد رأينا أن أظهر الأحداث التي مرت ببلدهم في القرن الخامس هو استيلاء الصليحي على صنعاء وعلى أكثر مناطق اليمن، وبالرغم من أنهم لم يفقدوا وجود دولتهم في بعض بلاد اليمن إلا أن الصليحي قتل إمامهم الكبير فيها: أبا الفتح بن الناصر الديلمي الذي دعا سنة 430 وملك صعده والظاهر واختط «حصن ظفار»، ولم تزل المعارك بينه وبين الصليحي حتى تمكن هذا من قتله سنة 444 «1»، ويحدثنا صاحب «بلوغ المرام» أنه لما قتل «استقام الشريف الفاضل ابن جعفر العياني على الحسبة التي كان عليها» أي قبل وصول أبي الفتح من الديلم ودعوته إلى نفسه، ويبدو أنهم بقوا على هذه الطريقة حتى عام 532 حين قام بالدعوة واسترد صنعاء الإمام أحمد بن سليمان (500 - 566) «2».
ويتبين من مراجعة تراجم أئمة الزيدية وعلمائهم أن الصلات بين دولتيهم في الديلم واليمن كانت دائمة، وإليها يعود الفضل في حفظ بقية صالحة من تراث المعتزلة في اليمن، كما سنتحدث عن ذلك فيما بعد.
6 - ملوك الطوائف في الأندلس
: وفي الأندلس يستغل النصارى الخلافات الشديدة بين ملوك الطوائف- في عهدهم الأول في هذا القرن- ليظفروا ببعض البلاد من أيدي المسلمين، فيستولي ألفونس القشتالي--------------------------------------------
(1) راجع «بلوغ المرام» ص 36 - 37 «المقصد الحسن» لابن حابس الصعدي ورقة 185.
(2) انظر «بلوغ المرام» ص 39 - 40، «طبقات الزيدية» لإبراهيم بن القاسم ورقة 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
على طليطلة سنة 478 بعد حصار دام سبع سنين. ويهب يوسف بن تاشفين من مراكش لنجدة المسلمين في الأندلس ويتمكن من أن يهزم الفونس السادس في موقعة الزّلاقة سنة 479. ويمضي هذا القرن على الأندلس موحدة تحت راية المرابطين لتنتظرها عام 515 فتنة ابن تومرت الذي زعم أنه المهدي، وليقوم في الأندلس بدور خطير «1».
7 - الحروب الصليبية
: ومن أهم الأحداث السياسية التي وقعت لعامة المسلمين في هذا القرن مصابهم بالصليبيين، ففي جمادى الأولى من عام 491 «ملك الإفرنج مدينة أنطاكية بعد حصار شديد، ثم صاروا إلى معرّة النّعمان فأخذوها بعد حصار» «2» وفي ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان استولوا على بيت المقدس بعد حصار شهر ونصف، وقتلوا في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، وجاسوا خلال الديار!
وفي عام 494 - يوم عظم الخطب بالباطنية في نواح كثيرة، وكان أولاد ملكشاه ما يزالون في اقتتالهم- زحفوا على بلاد أخرى في أرض الشام فملكوا «سروج» و «قيسارية» و «أرسوف» أو كما قال اليافعي اليمني في أحداث هذه السنة: «وفيها أخذت الفرنج بلداننا بالشام» «3» نعم «بلداننا» بالشام، فقد كان مصاب المسلمين عاما في كل مكان.
وبالرغم من مظاهر الفوضى السياسية التي كان يعيش فيها العالم الإسلامي إلا أنه لم يفقد وحدته الروحية بحال.--------------------------------------------
(1) راجع «صفة جزيرة الأندلس» ص 83 فما بعدها، وانظر زامباور صفحة 86 و 113.
(2) «البداية والنهاية» لابن كثير 12/ 155.
(3) «مرآة الجنان» 3/ 156 وانظر ابن كثير 12/ 156.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)