ولكن الكتاب- وقد نشر بعضه بعد اطلاعنا على قطعة خطية صغيرة منه «1» - يسجل نوعا من المنهج «المتميز»، أو بعبارة أخرى: يسجل نوعا من «المغايرة» والاختلاف بين المنهجين- ولتفصيل القول في ذلك موضع آخر- يدل على ذلك أن القشيري فرغ من تأليف كتاب اللطائف سنة 434 بعد أن أخذ طريقه إلى التصوف، مخلفا وراءه تفسيره الكبير، الذي لم يصلنا، والذي فرغ منه سنة 410.
ولعل مما يلقي بعض الضوء على حديثنا السابق عن الحالة التي آل إليها أمر بعض الصوفية: الإشارة إلى تفسير صوفي آخر- صغير الحجم- هو «حقائق التفسير» «2» - الذي كان يجب أن يسمى أباطيل التفسير- لأبي عبد الرحمن السّلمي الأزدي (محمد بن الحسين ت 412)، والذي قال فيه الذهبي بحق: «إنه تحريف وقرمطة»! حتى إن السبكي يستغرب من شيخه الذهبي أن يصف السلمي «بالجلالة» مع علمه بما في كتابه من التحريف «3»!!
8) هذا بالإضافة إلى تفسير أبي الفتح الديلمي (ت 444) وتفسير الماوردي: (ت 450) وتفسير مؤلفنا الحاكم، التي سنتحدث عنها بالتفصيل مع تفاسير المعتزلة في الباب الثاني.
أما التفاسير التي لم تصلنا فإنها أكثر من هذه بكثير، كما نجد ذلك في الفهارس وفي كتب التراجم والطبقات، وإن كان يبدو أن من أهم--------------------------------------------
(1) مصورة بمعهد المخطوطات، وتقع في سبع وثلاثين ورقة.
(2) منه نسختان خطيتان بدار الكتب: 150 و 481 تفسير ومصورتان أخريان بمعهد المخطوطات: 130 و 131 تفسير.
(3) طبقات الشافعية الكبرى 3/ 60. وانظر مقدمة ابن قيمية في أصول التفسير ص 92 - 93 مع تعليقنا هناك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
هذه الكتب (التفسير الكبير) لأبي القاسم القشيري «1» والتفسير الكبير أيضا لأبي محمد الجويني والد إمام الحرمين (ت 438) «2» والذي أثنى عليه ابن عساكر في تبيين كذب المفتري وقال «انه اشتمل على عشرة أنواع في كل آية» «3» ويعني بذلك فيما يبدو استيفاء وجوه الإعراب والقراءة واللغة والنظم وأسباب النزول والأحكام ونحو ذلك.
والكلمة التي نختم بها هذه الجولة في تفاسير هذا القرن هي أننا نلاحظ كثرة تفاسير الأشاعرة وأصالتها، وقد كان أكثر أصحابها على المذهب الشافعي في الفروع، وإن كان التفسير الاعتزالي لم يفقد أصالته في التجديد والجمع كما يوضح كتابنا «التهذيب» وكما يفهم في ثناء العلماء على تفسير القزويني وإعجابهم به، ولكن المعتزلة الذين آل تراثهم وفكرهم إلى الزيدية فقدوا هذه الأصالة في القرون التالية- وليس كذلك حال مجموع أهل السنة- فقد قنع الزيدية في اليمن بالحواشي والتعليقات، وبخاصة على تفسير الكشاف للزمخشري المتوفى سنة 358 هـ، وإذا اعتبرنا الزمخشري من أعلام القرن التالي فإن الزيدية أنفسهم لا يعفونه من هذا الحكم لأن بعضهم يتهمه- كما سنرى- بأنه لم يعد في تفسيره أن لخص تفسير مؤلفنا الحاكم رحمه الله.
أما تفاسير أهل السنة فقد جاءت في القرن الخامس على درجة عالية من النضج بعد تطور مذهب الأشعري واستقراره تقريبا على يد الباقلاني--------------------------------------------
(1) راجع تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص 273.
(2) يضاف إليهما تفسير أبي يوسف القزويني (ت 488) الذي بعد من أهم تفاسير المعتزلة، والذي لم نقف على شيء منه.
(3) تبيين كذب المفتري ص 258.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
(ت 403) والجويني (ت 478)، كما نجد ذلك في التفاسير السابقة وبخاصة تفسير الراغب الأصفهاني. ويفترض الباحث تأثر المفسرين الذين أتوا من بعد بجهود أهل السنة في هذا القرن وأواخر القرن الرابع- وإن كنا لم نلحظ تفاسيره بدقة- إلا أن الدليل على صحة هذا الفرض تحتاج إلى بحث آخر.
2 - علم الكلام
: وفي علم الكلام نجد الأشاعرة الذين أصبحوا يمثلون عقيدة أهل السنة يقدمون على التصنيف الغزير بعد ما أصابهم من «تحدي» المعتزلة في دولة بني بويه، وما أصابوه من الحظوة لدى السلاجقة، والمتتبع لتصانيفهم في هذا القرن يدرك مدى ما فرغوا أنفسهم له من التصنيف في (أصول الدين) كما سموا بذلك كثيرا من كتبهم التي بسطوا فيها عقيدة أهل السنة، وبينوا فيها موقفهم من أهم آراء الفرق الأخرى، وبخاصة المعتزلة الذين كانوا غالبا ما يناقشونهم مناقشة جزئية. ومن هذه الكتب كتاب (أصول الدين) لأبي منصور البغدادي (ت 429) و (أصول الدين) «1» للكيا الهراسي الشافعي (ت 504) و (الشامل في أصول الدين) «2» للجويني (ت 478) و (المغني في أصول الدين) «3» لأبي سعيد المتولي الشافعي (ت 478) و (أصول الدين) «4» للقاضي أبي اليسر البزدوي (ت 493) - الذي شرح فيه عقيدة الماتريدية التي كانت تعبر عن رأي أهل السنة في سمرقند وبخارى- وكتاب--------------------------------------------
(1) مخطوطة دار الكتب رقم 290 علم الكلام.
(2) مخطوطة دار الكتب رقم 1290 علم الكلام.
(3) مخطوط مكتبة الاسكندرية رقم 2014/ أد.
(4) طبع الكتاب في القاهرة سنة 1963 بتصحيح الدكتور هانز بيترلنس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
(الإشارة إلى مذهب أهل الحق) «1» لأبي إسحاق الفيروزآبادي (ت 476) و (التمهيد لقواعد التوحيد) «2» لأبي المعين النسفي (ت 508) وغيرها من الكتب الكثيرة الأخرى التي ذكرت في تراجم الأشاعرة وعامة أهل السنة في (تبيين كذب المفتري) وطبقات السبكي وكتب التراجم والأعلام الأخرى «3» هذا عدا ما وصلنا من كتب إمام الحرمين «4» والإمام أبي حامد الغزالي الذي يعد وحده، بعبقريته وإنتاجه الغني عن التعريف، أشهر معالم هذا القرن، وأكبر فيلسوف متكلم في تاريخ الإسلام.
وقد استتبع ذلك: التصنيف في نوعين آخرين من كتب الكلام:
الأول في عقائد سائر الفرق الإسلامية لبيان رجحان مذهب أهل السنة عليها، وتعرض هنا مذاهب الفرق الإسلامية بالتفصيل، كما تصدّر هذه المصنفات أو تختتم بخلاصة عقيدة أهل الحق أو أهل السنة والجماعة.
والنوع الثاني في (الملل والنحل) بعامة. وقد صنف في هذين النوعين البغداديّ،- بالإضافة إلى كتابه السابق في أصول الدين- والأسفراييني (ت 471) الذي كان يديم النظر في كتب البغدادي فيما يبدو!.
كتب البغداديّ (الفرق بين الفرق) و (الملل والنحل) «5» وكتب--------------------------------------------
(1) مخطوط مكتبة الاسكندرية رقم 2014 توحيد.
(2) مخطوطة دار الكتب رقم 172 علم الكلام.
(3) راجع أيضا التبصير للاسفراييني صفحة 174 - 176.
(4) انظر ثبت أسماء كتبه في كتاب الدكتورة فوقيه حسين محمود:
(الجويني إمام الحرمين) في سلسلة أعلام العرب، صفحة: 66 - 88.
(5) منه نسخة بمكتبة عاشر أفندي بالآستانة (انظر مقدمة الشيخ زاهد الكوثري لكتاب تبيين كذب المفتري ص: 20).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
الأسفراييني (التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين) و (الملل والنحل) «1» أيضا. ثم جاء ابن حزم (ت 456) فألف كتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل) على منهجه الخاص الشامل، وألف الشهرستاني (ت 548) فيما بعد كتابه الموضوعي القيم في الملل والنحل.
ويرى الأستاذ آدم متز أن علم مقارنة الملل قد نشأ من قبل، ولكن في هذا القرن أقبل على البحث فيه «بعض المتكلمين الميالين إلى معرفة ما غاب منهم» «2» ويكتفي بهذا التعليل بعد أن ردّ نشأة هذا العلم إلى تسامح المسلمين في حياتهم مع اليهود والنصارى. والواقع أن توسع البحث في الملل في هذا القرن أمر طبيعي بعد أن كثرت الكتب في أصول الدين والفرق الإسلامية، وفي الوقت الذي يرى فيه أهل السنة أن كثيرا من آراء هذه الفرق كان متأثرا بالملل القديمة. ويلاحظ آدم متز أن أبا الرّيحان البيروني (ت 440) الذي ألف كتابه (تحقيق--------------------------------------------
(1) ومنه نسخة بمكتبة علي باشا الشهيد بالآستانة (انظر المقدمة المذكورة).
(2) يرى آدم متز أن نشأة هذا العلم لم تكن من جانب المتكلمين، أو على أيديهم، لأن أول من ألف كتابا ذا شأن في (الآراء والديانات) هو النوبختي، وقد كان «من نقلة كتب اليونان إلى لسان العرب» كما وصفه متز، وكذلك المسعودي الذي ألف كتابين في الديانات لم يكن متكلما. وقد لا يصح هذا من الاستاذ متز لأن النوبختي الذي ولد في حوالي منتصف القرن الثالث كان من المتكلمين، وقد كتب في التوحيد والإمامة والرد على كثير من فرق المعتزلة وسائر الفرق ما يزيد على ثلاثين كتابا، كما أن المسعودي (ت 346) كانت له عناية بالفرق والكلام إلى جانب كونه مؤرخا.
راجع كتاب فرق الشيعة للنوبختي بتحقيق ريتر، الفقرات: 4 - 6 من المقدمة، وانظر كتاب الحضارة الاسلامية لمتز 1/ 291.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة) في أول القرن الخامس، قد جعله حكاية لمذاهب الهند على وجهها لا كتاب حجاج وجدل، وأنه لذلك لم يناقش الخصوم ولم يتحرج من حكاية كلامهم، ويرى أن هذا مما جعل عقيدة مؤرخي النحل موضعا للشك «1».
[اهم مصنفات المعتزلة في علم الكلام]
أما مصنفات المعتزلة في علم الكلام، فإذا استثنينا منها مصنفات مؤلفنا الحاكم فإننا نجد أن النصف الثاني من هذا القرن يكاد يخلو من أي مصنف لهم فيما وصل إلينا، كما نجد أن أكثر مصنفاتهم يقع في أواخر القرن الرابع وأوائل هذا القرن، أو إلى عام 430 تقريبا حيث انقرض تلامذة القاضي عبد الجبار (ت 415) الذين توزعوا في الأقطار «2» وقد كان القاضي لسان المدرسة الجبائية وقلمها ومن أصحاب أبي هاشم بخاصة- ولم يكن القاضي مبتكرا في الكلام أو صاحب مذهب خاص- وقد ورث تلامذة القاضي عن شيخهم عنايته بآراء أبي هاشم، فانتشر على أيديهم مذهبه في الكلام، ومن هنا جاء قول البغدادي إن أكثر معتزلة عصره على مذهب أبي هاشم «3» وكان أبو هاشم بعد أن انقسم المعتزلة في القرن الثالث إلى فرعين كبيرين- من معتزلة البصرة، وكان أصحاب هذه المدرسة يديمون النظر والبحث في الصفات الإلهية وما يدور حولها، وقد نلحظ أثر ذلك في كتب القاضي وفي كتب تلامذته على حد--------------------------------------------
(1) انظر آدم متز 1/ 292.
(2) نقل الحاكم عن بعض العلماء أنه قال «دوخت البلاد فما دخلت بلدا وناحية إلا وفيها من أخذ عن قاضي القضاة وتلمذ له». انظر شرح عيون المسائل 1/ ورقة 135 وهذا يدل على سعة انتشار كتب الاعتزال في هذه الفترة.
(3) الفرق بين الفرق صفحة 184.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
سواء. وقد وصلنا من كتب هؤلاء التلاميذ كتاب (التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض) «1» و (التذكرة في علم الكلام) «2» لأبي محمد الحسن بن أحمد بن متويه، وكتاب (ديوان الأصول) «3» لأبي رشيد النيسابوري الذي انتهت إليه الرئاسة بعد وفاة القاضي، وقد ابتدأ في هذا الكتاب (بالجواهر والأعراض ثم بالتوحيد والعدل) كما يقول الحاكم «4» وكتاب (البحث عن أدلة التكفير والتفسيق) لأبي القاسم إسماعيل بن أحمد البستي (ت 420) وأمالي الشريف المرتضى (علي بن الحسين ت 436) التي
مزج فيها بين التفسير والكلام والأدب. وقد أشار الحاكم في تراجمه لتلاميذ القاضي إلى كتب أخرى لم يصلنا منها شيء، كما أنه كان يكتفي في بعض الأحيان بالقول إن لهم بعض التصانيف «5».
وخلاصة القول في الكتب الاعتزالية الكلامية في هذا القرن أنها كانت آخر خلاصة المدرسة الجبائية- أو البهشمية- التي لم تلحقها مدرسة أخرى بعد، ويمكن عد مؤلفنا الحاكم- كما سنرى- آخر رجالات هذه المدرسة.--------------------------------------------
(1) مصور دار الكتب عن مكتبة صنعاء، ورقمه بالدار 27977 ب و 27984 ب.
(2) مصور الدار أيضا عن المكتبة المذكورة، ورقمه 27980 ب و 27801 ب.
(3) من مصورات اليمن وقد حققه الأستاذ الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة. وقد كان يظن أن الكتاب أحد أجزاء المغنى للقاضي عبد الجبار.
(4) شرح عيون المسائل 1/ 135.
(5) المصدر السابق، الورقات: 135 - 137.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما يراه آدم متز أن علم الكلام- بعامة- قد وقف عن التطور في هذا القرن منذ أن كتب الفقهاء في (الاعتقاد القادري) أن هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر «1» على الرغم من كثرة كتب أهل السنة- لأنها تكاد تكون نسخا مكررة- فإن هذا القرن يكون قد شهد بحق نهاية تطور علم الكلام.--------------------------------------------
(1) الحضارة الاسلامية 1/ 289.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
الباب الأول حياة الحاكم وآثاره
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
الفصل الأوّل حياة الحاكم
اولا: اسمه ونسبته
1) هو الإمام الحاكم أبو سعد المحسّن بن محمد بن كرّامة الجشمي البيهقي، ينتهي نسبه إلى محمد بن الحنفية بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه «1». ولا تنص بعض المصادر على تشديد اسمه--------------------------------------------
(1) انظر تاريخ بيهق لابن فندق ص 212. وجشم من قرى بيهق (معجم البلدان 2/ 84 الطبعة الأوربية) و (بيهق) ناحية كبيرة وكورة واسعة كثيرة البلدان والعمران، من نواحي نيسابور تشتمل على ثلاثمائة وإحدى وعشرين قرية، قال ياقوت: «وقد أخرجت هذه الكورة من لا يحصى من الفضلاء والعلماء والفقهاء والأدباء» وذكر أن الغالب على أهلها مذهب الرافضة.
وقال السمعاني: البيهقي: نسبة إلى (بيهق): قرى مجتمعة بنواحي نيسابور (راجع معجم البلدان 1/ 804 والأنساب صفحة 101).
ولم تذكر المصادر التي ترجمت للحاكم نسبة أخرى له، ولكن أكثر آثاره الخطية زيد عليها- على صفحة الغلاف- (البروقي) أو (البروقني) - وربما قرئت الروقني في حالة واحدة- بخط الناسخ أو مالك النسخة، وغالبا ما يكون من العلماء أو القضاة، وليس في المعجم غير (بروقان) قرية من نواحي بلخ. والصواب في هذه النسبة- فيما نرجح- (الروقني) نسبة-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
(المحسّن) كما لا ينص بعضها الآخر على تشديد اسم جده (كرّامة) وهذا وإن كان مما لا يحتج به فإن ما رجحناه هو ما ذهب إليه أصحاب المصادر المتقدمة التي ترجمت له، بالإضافة إلى أن اسم جده ضبط على هذا الوجه على نسخة من تفسيره (التهذيب) كتبت بخط قديم يرجع إلى عصر المؤلف، وعلى نسخة أخرى منه كتبت للفقيه حميد المحلّي الشهيد (ت 652) من كبار علماء الزيدية، ومن أقدم المؤرخين وكتاب التراجم عندهم «1».--------------------------------------------
- إلى (دوقن) قرية من قرى خراسان، كما وجدناها مضبوطة بالحروف ومعرفة في مكان آخر من طبقات الزيدية (لإبراهيم بن القاسم الشهارى، ورقة 162 - مصورة دار الكتب رقم 99. 29 ب). ولعل الحاكم قد انتقل إلى هذه البلدة في نفس الإقليم الذي كان يقيم فيه، ولقيه فيها بعض التلاميذ فأضافوا هذه التسمية على كتبه التي حملها إلى اليمن مع كتب اعتزالية أخرى- كما سنعرض لذلك- أحد علماء الزيدية بهذه البلدة.
أما كنيته فهي (أبو سعد) على الأرجح، وقيل إنها (أبو سعيد).
و (الحاكم) لقب غلب عليه فيما يبدو لأنه لم يهمله أحد ممن ترجم له، ولا ندري هل لهذا اللقب صلة بمكانته الحديثية عندهم، وفي اصطلاح المشتغلين بالحديث أن لقب (الحاكم) يطلق على من أحاط بجميع الأحاديث المروية متنا وإسنادا، وجرحا وتعديلا، وتاريخا، وبعض قوم الحاكم من الزيدية يقول فيه إنه ليس بذاك في الحديث! راجع حاشية لقط الدرر بشرح متن نخبة الفكر لعبد الله بن حسين العدوي (ص 5/ طبع مصطفى الحلبي سنة 1356 هـ وانظر تعريفنا القادم بكتب الحاكم (كتاب جلاء الأبصار)، كما أن أكثرهم ينعته بالإمام لنسبه ولتقدمه ورئاسته في العلم وإن لم يكن إماما بالمعنى الاصطلاحي عند قومه من الزيدية.
(1) انظر ترجمة الفقيه حميد في مقدمة كتابه (الحدائق الوردية في تراجم الأئمة الزيدية) بقلم مؤرخ اليمن محمد بن زبارة الحسني، صفحة: 9 - 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
وتجعل بعض المصادر (كرامة) أباه لا جده، فتقول: (المحسن ابن كرامة) أو «المحسن بن محمد كرامة» والسبب في ذلك فيما يبدو يعود إلى نسبته الكثيرة إلى جده، حتى إن بعض الذين أشاروا إلى كتبه بإيجاز قالوا إنها للحاكم بن كرامة، أو لأبي سعد بن كرامة.
وعمادنا في بيان نسبه المذكور على كل حال إنما هو على (تاريخ بيهق) لابن فندق الذي ترجم فيه لأعيان بيهق، والذي ألفه بعد وفاة الحاكم بأقل من سبعين عاما فقط.
2) وتضطرب الكتب التي ترجمت للحاكم في نسبته إلى (جشم) أهي نسبة إلى بلدة أم قبيلة؟ فابن فندق (ت 565) ينص على أنها نسبة إلى بلدة، فيقول في الحاكم: (المولود بجشم) ويذكر صاحب شرح الأزهار (ت 840) - بعد أن قال في نسبته (الجشمي البيهقي) - أن (جشم بلدة من خراسان)، وجرى ياقوت وصاحب القاموس على أن جشم بلدة ببيهق أو من قراها. ولكن يحيى بن حميد (من أعلام القرن العاشر) ويحيى بن الحسين (ت سنة 1100 تقريبا) يقولان إن جشم قبيلة الحاكم وأن بلده (من نواحي بيهق) أو في نواحيها.
ويذهب إبراهيم بن القاسم (المتوفى سنة 1150) إلى أن (جشم قبيلة من خراسان). ويكاد هذا القول الأخير أن يكون تصحيفا سببه الاختصار والتلفيق، لأن المصادر السابقة التي اعتمد عليها ابن القاسم لا تزيد على القول بأن جشم قبيلته دون البحث في أصل هذه القبيلة أو النص على أنها من خراسان، ثم إن (جشم) من قبائل العرب، وقد سمّي به حي من جرهم درجوا، وبطن من سعد العشيرة من مذحج، وبطن من جرم قضاعة- من القحطانية- وجشم أيضا بطن من العدنانية،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
وفخذ منهم … الخ، وقد ذكر السمعاني أن (جشم نسبة إلى قبائل منهم جشم الخزرج) - راجع معجم قبائل العرب لكحالة 1/ 187 - 190 والأنساب صفحة 130 - ولا يبعد أن تكون قبيلة من هذه القبائل العربية سكنت خراسان. وربما كان من الراجح أن تكون قد نزلت قرية من قرى (بيهق) فسميت باسمها، فنص ابن القاسم على أن جشم قبيلة من خراسان تحكّم لا لزوم له، ومهما يكن من أمر فلا شك في أن الحاكم من أصل عربي، وأن نسبه يتصل بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما ذكر ابن فندق، وأن نسبته إلى (بلدة) جشم التي ولد بها، ولذلك نسب إليها وإلى بيهق لأنها الناحية الكبيرة التي تتبع لها جشم- على عادتهم في ذلك- «1».
ثانيا: ولادته ونشأته:
1) ولد الحاكم في بلدة (جشم) في شهر رمضان سنة (413)، ونشأ بإقليم خراسان. وبالرغم من أن المصادر التي بين أيدينا لا تذكر لنا شيئا عن هذه النشأة إلا أن من الراجح أنه نشأ نشأة كريمة تليق بنسبة ومكانة أسرته، وبخاصة في هذا الإقليم الذي يغلب على أهله--------------------------------------------
(1) راجع تاريخ البيهقي ترجمة الدكتور يحيى الخشاب، وتاريخ طبرستان 1/ 101 وتاريخ بيهق لابن فندق ص 212 ومعالم العلماء لابن شهراشوب (ت 588) صفحة 83 وشرح الأزهار للجنداري، ص 32، ونزهة الأنظار ليحيى بن حميد ورقة 21، ونضد الإيضاح لعلم الهدى، الذي رتب فيه كتاب ابن المطهر الحلي (ت 726): إيضاح الاشتباه، صفحة 260 وانظر مجمع البحور للصنعاني (ت 1092) 4/ 413 - 414 (دار الكتب رقم 4322 تاريخ)، وطبقات الزيدية ليحيى بن الحسين ورقة 34، وطبقات الزيدية لابن القاسم ورقة 173، والذريعة إلى تصانيف الشيعة لمحمد محسن 5/ 122.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
التشيع. ولم يحدثنا هو في ثبت شيوخه أن تلقى شيئا عن أبيه محمد، كما أنه لم ينقل عنه أو يعرض له فيما اطلعنا عليه من كتبه، ولعله لم يصحبه أو صحبه مدة قصيرة، وكتب التراجم على كل حال لا تذكر لنا شيئا عن حال أبيه العلمية سواء صحبه ابنه وتلقى عنه أم لا، في حين تحدثنا عن (محمد) ابن الحاكم، وتذكر أنه روى عن أبيه وعن غيره من العلماء، وأن (سماعه على أبيه) كان سنة (452) «1» وفي هذا ما يشير إلى أن الحاكم لم يتأخر في الزواج عن الخامسة والعشرين من عمره.
2) وقد انتقل الحاكم من بلده جشم وانزعج عن إقليم خراسان كله، لأنه مات بمكة سنة (494)، ولكننا لا ندري شيئا عن تاريخ هذا الانتقال وعن الظروف المحيطة به، كما أننا لا ندري هل انتقل إلى غير مكة قبل أن يأوي إليها أم لا؟ ومن المحتمل أن يكون ترك نيسابور في أواسط القرن الخامس عند ما تركها كثير من أعلام المذاهب الأخرى كالجويني والقشيري نتيجة للفتن الشديدة التي حصلت بين الشيعة وأهل السنة هناك «2»، وأنه لم يعد إليها كما عاد الأشاعرة بعد أن قرّبهم نظام الملك وبنى لهم المدارس الكثيرة في نيسابور- التي وضع على رأسها الجوينى- وغيرها، وأنه فضل البقاء في مكة مجاورا وبعيدا عن الفتن، وبخاصة أن مكة كان فيها كثير من الشرفاء الزيدية- منهم بنو سليمان بن حسن من أهل مكة، الذين ينتسب إليهم ابن وهّاس--------------------------------------------
(1) طبقات ابن القاسم ورقة: 173.
(2) انظر طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 3/ 254 - 255.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
(إمام الزيدية بمكة) المتوفى سنة (556) «1» - ولكن الذي يبعد هذا سكوت كتب التاريخ وكتب التراجم عنه دون غيره من الأعلام! أو سكوتها عن مجاورته بمكة على الأقل، وبخاصة كتاب (العقد الثمين في أخبار البلد الأمين) الذي ترجم فيه الفاسي (ت 832) لأعلام مكة والوافدين عليها والمجاورين بها، ولكل من زارها أو توفي فيها من العلماء والأعلام على مدى ثمانية قرون تقريبا، في الوقت الذي أفاض فيه في ترجمة الزمخشري «2» - تلميذ الحاكم- وابن وهاس تلميذ الزمخشري.
ثم إن من المستبعد أن يقيم الحاكم بمكة كل هذه المدة الطويلة ثم يموت فيها مقتولا- كما سنرى- ويسكت عنه مثل هذا السكوت! كما أن شهرته في الزيدية لا تبيح لابن
وهاس أن يتتلمذ على الزمخشري دونه، حتى ولو كانت شهرة ابن وهاس كإمام للزيدية بمكة إنما كانت بعد وفاة الحاكم، اللهم إلا أن يكون الحاكم قد دخل مكة خفية- لأن أيدي الجناة كانت وراءه- وهذا يدل على أنه دخل مكة في أواخر حياته لا في أواسط القرن الخامس، وهو احتمال سنعرض له عند الحديث على موته رحمه الله.
والذي نرجحه أنه لم ينزعج عن بلده إلا في أواخر حياته، سواء أقام بغير مكة أم لم يقيم، والدليل على ذلك أن الزمخشري قد تلقى عنه- كما سنرى في ثبت تلاميذه- والزمخشري ولد سنة (467) ولم يجاور بمكة إلا بعد وفاة الحاكم- على الأرجح- لأن صاحب العقد الثمين يقول في ترجمة الزمخشري: «ودخل بغداد قبل سنة خمسمائة،--------------------------------------------
(1) العقد الثمين للفاسي 6/ 217 - 220.
(2) المصدر السابق 7/ 137 - 150.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
وسمع فيها من أبي الخطاب نصر بن البطر وغيره، وتوجه إلى الحجاز فأقام هنا لك مدة مجاورا بمكة يفيد ويستفيد» «1»، فقوله «قبل سنة خمسمائة» يدل على أن دخوله بغداد كان على أبعد الفروض ما بين (495 - 500) كما تدل باقي عبارته على أنه مكث مدة ببغداد سمع فيها من بعض العلماء ثم توجه الى مكة- وإن لم تكن الواو تقتضي الترتيب- وربما لم يدخلها، لذلك، إلا على رأس الخمسمائة. ومما يؤكد أن سفره إلى مكة كان بعد دخوله بغداد، أنه أقام بمكة «مدة مديدة يفيد ويستفيد» - وكل هذا بعيد عن طالب يدخل البلاد للسماع على العلماء- وأن رجوعه بعد ذلك إلى خوارزم- بلده- إنما كان من مكة ولم يكن من بغداد «2». وكل هذا يدل على أن الزمخشري دخل مكة بعد وفاة الحاكم بها، وإذن فقد كانت تلمذته عليه في غير مكة، والراجح أنها كانت في جشم أو بيهق أو حيث كان يقيم الحاكم في إقليم نيسابور ويسعى إليه الطلاب، ومثل هذه الرحلة التي يقوم بها الزمخشري من قريته بخوارزم إلى بيهق ليست مما يلفت نظر المؤرخ، وبخاصة أن الزمخشري كان لا يزال طالبا صغيرا يسعى على طلب العلم في إقليمه الغني الواسع، فلو فرضنا أنه رحل- أو انتقل بتعبير أدق- وقد بلغ الخامسة عشرة من عمره- مثلا- لكان قد لقي الحاكم سنة (482) وقرأ عليه مدة تبيح للمؤرخ أن يقول في ترجمة الحاكم: «وهو أستاذ العلامة الزمخشري» «3»--------------------------------------------
(1) المصدر السابق.
(2) راجع ترجمة الزمخشري في وفيات الأعيان 2/ 81 (طبع مصر سنة 1310) وأزهار الرياض للمقري 3/ 295 وإنباء الرواة للقفطي 3/ 265.
(3) طبقات الزيدية لابن القاسم (ورقة 173) وفيها ينقل عن القاضي الحافظ (ولعله القاضي أحمد بن أبي الحسن الكنى المتوفي سنة 560 تقريبا.
راجع الطبقات ورقة 10 - 11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
ومما يرجح هذا الانتقال للزمخشري- الطالب الخوارزمي- أننا نجد في ثبت تلامذة الحاكم بعض الخوارزميين الآخرين.
ويرجح ما ذهبنا إليه أيضا أن أحد القضاة باليمن- قاضي بلدة صعدة- قد رحل إلى الحاكم ليتلقى عنه في سنة (481) «1» ويكتفي مؤرخو الزيدية ببيان موطن الحاكم في بيهق، وأن قاضي صعدة قد رحل إليه، ولو أن قاضيهم رحل إلى الحاكم في عير بلده أو موطنه لما جهلوا ذلك- على الأرجح- ولما امتنعوا عن ذكره، وفي هذا ما يدل- من جهة أخرى- على أن قصد الحاكم من (خوارزم) جدّ طبيعي، وأنه قد بعد صوته وكثر تلامذته والراحلون إليه في موطنه الذي نرجح- لهذا كله- أنه لم ينزعج عنه إلا في أواخر حياته، والحديث- مرة أخرى- في أسباب إهمال ذكره لدى أكثر المؤرخين، وفي أي عام كانت رحلته إلى مكة على وجه التقريب، يفضي بنا للحديث عن موته وعن الظروف التي أحاطت به.
ثالثا: وفاته
مات رحمه الله مقتولا بمكة المكرمة في الثالث من شهر رجب سنة (494) «2» وله من العمر واحد وثمانون عاما، وقد حدد صاحب--------------------------------------------
(1) ذكر صاحب شرح الأزهار أن القاضي المذكور رحل إليه سنة 441 قال: «وارتحل اليه القاضي إسحاق بن عبد الباعث سنة 441 وأخذ عنه».
وهذا خطا فيما يبدو لأن مما يبعد أن يرحل (قاض) من صعدة ليتلقى العلم في نيسابور عن رجل لا يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره). شرح الأزهار، صفحة 32.
(2) انفرد صاحب شرح الأزهار بذكر اليوم، واشترك مع يحيى بن الحسين ويحيى بن حميد وابن القاسم (والقاضي الحافظ) وغيرهم في ذكر الشهر والسنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
نزهة الأنظار عمره حين قتل- في حساب طريف لا مجال فيه للتصحيف- بإحدى وستين سنة، فقال فيه: «المقتول بمكة في شهر رجب سنة 494 وكان مبلغ عمره إحدى وستين، وكان مولده في شهر رمضان الكريم سنة 413» «1» وذهب إلى هذا التحديد أيضا أبو الرجال الصنعاني، إلا أن أبا الرجال يحدد تاريخ وفاته سنة (545) «2» - وقد أهمل بالطبع تاريخ ميلاده- وهو التاريخ الذي حكاه ابن القاسم عن بعضهم وحكم بخطئه، والواقع أنه وهم محض لأنه تاريخ وفاة رجل آخر يدعى (الفضل بن الحاكم) حتى إن بعضهم قد توهم أيضا فجعله تاريخ (محمد ابن الحاكم) الذي أشرنا إليه، وإن كان الوهم هنا أقرب، وقد توفي محمد المذكور سنة (518) كما سيأتي تحقيقه.
وكل المصادر مجمعة على أنه «قتل بمكة غيلة» أو قتل فيها شهيدا، ويدور سبب قتله- فيما ترويه هذه المصادر- حول رسالة له طعن فيها على المجبّرة وجعلهم فيها من
أتباع إبليس، قال صاحب نزهة الأنظار:
«وكان قتله بسبب ما قاله في العدل والتوحيد وحب أهل البيت في رسالته الموسومة: من أبي مرة إلى إخوانه المجبرة» وقال صاحب مطلع البدور: «واتهم بقتله أخواله وجماعة من الجبرية بسبب رسالته المسماة برسالة الشيخ أبي مرة» «3» وكأن يحيى بن حميد يجعل سبب قتله اعتزاله،--------------------------------------------
(1) النزهة ورقة 21 (مصورة دار الكتب رقم 358).
(2) راجع مطلع البدور 4/ 414.
(3) وقال ابن القاسم: «وله رسالة تسمى برسالة الشيخ كانت السبب في قتله» الورقة: 173 وانظر يحيى بن حميد: النزهة ورقة 21 ومطلع البدور 4/ 414.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
أو مغالاته في الاعتزال وحب أهل البيت الذي أودعه في رسالته عن الجبرية، والواقع أن الاعتزال وحب أهل البيت مهما اشتط فيهما المرء ما عرفا سببا لانتقام فردي أو خاص وإن أثارا من الفتن العامة ما أثارا. ثم إن ما قاله الحاكم في العدل والتوحيد وحب أهل البيت قاله في سائر كتبه المطولة فلا معنى للحديث عنهما في هذه الرسالة، أو تخصيصها بهما وجعلها إطارا لموضوعاته العامة الأخرى، بل إن الذي يدل عليه عنوان الرسالة- التي سميت أيضا برسالة إبليس إلى المجبرة- هو أنه جعلها إطارا لموضوع رئيسي خاص على خلاف قول ابن حميد- هو الرد على الجبرية في مسألة خلق الأفعال أولا، وما يتبع ذلك- أو يتقدمه- من أن صحة التكليف مرهونة بالاختيار، وأن الحساب والعقاب منوطان به أيضا … إلى ما هنالك من هذه الأمور، وهذا لا يمنع أنه كان يصدر في هذه الردود والمناقشات عن مذهبه في العدل والتوحيد الذي بثه في كل كتبه، بل هو الباعث له على التأليف في الحقيقة، ولكنه لم يكن الباعث على قتله أو السبب المباشر له، ومن هنا كانت عبارة أبي الرجال الصنعاني أدق وان يكن قد أضاف الى المجبرة أخواله أيضا، وجعل الباعث للجميع على قتله الرسالة المذكورة، وهذا يدل على أن أخواله كانوا من المجبرة أو من المنتصرين لهم، وان مما يبعد أن يقدموا على قتله لحبه أهل البيت وهم يمتون اليهم بسبب!
ويتردد الباحث في قبول مثل هذا السبب للإقدام على قتل شيخ جاوز الثمانين مهما قيل في مغالاته في عداء الجبرية أو لدده في خصومته التي لا ننكر ظهورها في كتبه مع أعدائه ومخالفيه، وبخاصة الجبرية «1» وقد--------------------------------------------
(1) يورد في الصفحات الأولى من تفسيره شرحه لقوله تعالى (ختم الله-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
بحثت طويلا عن أسباب أخرى، وبخاصة الأسباب السياسية ولكنني لم أقف على شيء، وقد وجدت أن ثناءه على الامام المرشد بالله كان عظيما كما أشرت الى ذلك في الحديث عن الزيدية، وأن من الراجح ألا يمتنع عن مبايعته عند خروجه سنة 491 ودعوته لنفسه، أو عن عدّه في «الأئمة» في كتابه (السفينة) الذي جعل قسما منه لأئمة الزيدية، واختلف فيه مع كثير من مؤرخيهم في عد بعض دعاتهم من الأئمة.
ويبقى السبب الذي أشارت اليه المصادر السابقة قائما معتبرا، وله ما يدعمه من شدته- رحمه الله على المخالفين، وإن من المؤسف حقا أن الرسالة المذكورة لم تصلنا، ولقد كان من الممكن أن توضح قيمة هذا السبب ومدى أهميته- أو جديته- في هذه الواقعة المؤلمة، كما أنها ربما ألقت ضوءا كافيا على انتقاله الى مكة، وبخاصة اذا كانت من أواخر ما كتب أو آخر ما كتب، ولعلها كذلك، لأنه لم يشر اليها فيما اطلعنا عليه من كتبه الكثيرة الهامة، ولأنه قد قتل بسببها فكأنه لم يمهل حتى يكتب أو يؤلف! وإذن فمن الممكن أن يكون جمع فيها خلاصة طعونه المتفرقة والشديدة على المجبرة بعامة، وسلكهم في الفئات الطاغية الكفرية، وجعلهم من--------------------------------------------
- على قلوبهم … الآية) مصدرا بقوله: «وقال بعض من لا شبهة في جهله» وقد تنبه علماء الزيدية إلى أن من مزايا تفسيره الهامة أنه «أودع فيه الحجج الواضحة الباهرة في الرد على الفئة المجبرة وغيرها من سائر الفرق الكفرية!» - راجع نزهة الأنظار- ويبدو على كل حال أنه كان حاد الطبع، وأن هذه الحدة قد زادت ولم تنقص عند تقدمه في السن- على عادة بعض الناس- وأنه كان فيه جرأة وميل الى الصدع بما يعتقد أنه الحق. راجع مطلع البدور وطبقات ابن القاسم. وانظر فيما يلي كلامنا على محوره في تفسيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)