موضع اشتباه، فيكون اللفظ خفيّا بالنسبة إلى هذا الفرد لأن تناوله له لا يفهم من نفس اللفظ بل لا بدّ له من أمر خارجى مثاله: قال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (1).
فلفظ السارق فى الآية الكريمة يطلق على من يأخذ مال الغير خفية من حرز مثله (2)، وهذا هو المفهوم الشرعى له، والظاهر منه أنه يتناول جميع أفراده حتى من يسرق الناس فى يقظتهم بنوع من المهارة وخفة اليد وهو المسمى «الطرار» (3) كما يتناول بحسب الظاهر النباش الذى يسرق أكفان الموتى فى قبورهم، لكن فى اختصاص من يسرق الناس فى يقظتهم باسم الطرار، وفى اختصاص من يسرق الأكفان باسم النباش جعل لفظ السارق خفى المعنى بالنسبة إليهما، لأن انطباق معناه عليهما.
لا يفهم من نفس اللفظ، بل لا بدّ له من أمر خارجى. فتسمية الطرار والنباش بهذا الاسم، أورثت شبهة فى صدق لفظ السارق عليهما، واحتيج فى معرفة ذلك إلى شىء من البحث والتأمل.
وقد بحث العلماء فى هذا فوجدوا أن الطرار سمى بهذا الاسم الخاص لزيادة معناه عن معنى السارق، لأن السارق يسرق الأعين النائمة وهذا يسارق الأعين المتيقظة، ومن ثم اتفقوا على تطبيق حكم السارق عليه (4).
أما النباش فقد اختص بهذا الاسم لنقصانه فى معنى السرقة، لأنه لا يأخذ مالا مرغوبا فيه من حرز أو حافظ، لأن القبر لا يصلح أن يكون حرزا، والميت لا يصلح حافظا فلا يتناوله لفظ السارق، فلا يقام عليه--------------------------------------------
(1) سورة المائدة الآية: 38.
(2) مغنى المحتاج 4/ 158.
(3) الطرار هو الذى يشق كمّ الرجل ويأخذ ما فيه فهو مأخوذ من الطر وهو القطع والشق- لسان العرب 3/ 2654 - .
(4) المحرر فى الفقه 2/ 156، والمجموع 20/ 75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
حد السرقة، وإنما يعزر وذلك عند الإمام أبى حنيفة رحمه الله (1). أما الجمهور فيرى أن لفظ السارق يتناول النباش، لأن اختصاصه بهذا الاسم لا ينفى انطباق معنى السارق عليه، وإنما يكون هذا الاختصاص كاختصاص نوع معين من أنواع الجنس باسم فيبقى مندرجا تحت هذا الجنس، وعليه فيكون النباش نوعا من أنواع جنس السارق فيصدق عليه اسم السارق.
وكون القبر غير حرز مرفوض، لأنه يصلح أن يكون حرزا بالنسبة للكفن، لأنه معروف أن حرز كل شىء ما يناسبه، وكون الكفن غير مرغوب فيه لا يمنع ماليته، وتقومه فيتحقق الشرط فى المسروق وهو كونه مالا متقوما، ومن ثم يقام على النباش حد السرقة (2).
هذا ومما عرض له الخفاء فى بعض أفراده بسبب وصف يميز هذا البعض عن غيره لفظ القاتل فى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث القاتل شيئا» (3) فإن دلالته على القاتل عمدا ظاهرة، أما دلالته على القاتل خطأ ففيها شىء من الخفاء منشؤه الخطأ، فإن الحرمان من الإرث عقوبة فهل يستحقها المخطئ كما يستحقها المتعمد؟
ذهب المالكية (4) ومن نهج نهجهم إلى القول بعدم دخول القاتل خطأ فى الحديث، وذلك لأنه لم يقصد القتل، وعليه فليس من الإنصاف حرمانه من الإرث.
أما الحنفية (5) فسووا بين المخطئ والمتعمد، لأنه قصّر فى حالة--------------------------------------------
(1) الشهاب فى توضيح الكتاب 3/ 67.
(2) المحرر فى الفقه 2/ 158، والمجموع 20/ 85، والروضة 10/ 129، وعمدة السالك 182، والمغنى 8/ 272.
(3) أخرجه ابن ماجة فى سننه 2/ 913.
(4) بداية المجتهد 2/ 193
(5) الشهاب 3/ 191.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
تستدعى وتستلزم المبالغة فى الحيطة والحذر، ولو قلنا بتوريثه لا نفتح للمجرمين باب يدخلون منه إلى استعجال إرث الأغنياء من مورثيهم بقتلهم وادعاء الخطأ فيه، ومن القواعد الفقهية المعروفة- من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه (1).
حكم الخفى (2):
هو النظر والتأمل فى العارض الذى أوجب الخفاء فى انطباق اللفظ على بعض أفراده، فإن رؤى أن اللفظ يتناوله جعل من أفراده وأخذ حكمه كما فى الطرار، وإن رؤى أن اللفظ لا يتناوله لم يأخذ حكمه، وقد يتفق العلماء فى نتيجة تأملهم وبحثهم وقد يختلفون.
ثانيا: المشكل:
المشكل كما تقدم ضد النص وهو مأخوذ من قول القائل: أشكل على كذا أى دخل فى أشكاله وأمثاله، كما يقال: أحرم أى دخل فى الحرم، وأشتى أى دخل فى الشتاء، وأشأم أى دخل فى الشام.
قال الشيخ محمد المحلاوى الحنفى رحمه الله (3):
المشكل مأخوذ من أشكل على الأمر دخل فى أشكاله وأمثاله، ولذا قيل إن المشكل كرجل تغرب عن وطنه واختلط بأشكاله من الناس، فيطلب موضعه ويتأمل فى أشكاله ليوقف عليه.
وأما المشكل فى الاصطلاح: فهو اسم لما يشتبه المراد منه بدخوله فى أشكاله على وجه لا يعرف المراد إلا بدليل يتميّز به من بين سائر الأشكال (4). والمتأمل فى كل من الخفى والمشكل يجد أن فى كل--------------------------------------------
(1) الأشباه والنظائر لجلال الدين السيوطى 152.
(2) التلويح على التوضيح 1/ 127، وتسهيل الوصول 88، والوجيز 354.
(3) تسهيل الوصول له 88.
(4) أصول السرخسى 1/ 168.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
واحد منهما خفاء غير، أن سبب الخفاء فى الخفى ليس من نفس اللفظ، ولكن فى الاشتباه فى انطباق معناه على بعض أفراده لعوامل خارجية، لذا فإن يعرف المراد منه ابتداء.
أما سبب الخفاء فى المشكل فمن نفس اللفظ لكونه مشتركا وضع فى أصل اللغة لأكثر من معنى أو لتعارض ما يفهم من نص ما يفهم من نص آخر.
أقسام المشكل:
قسم العلماء الإشكال إلى قسمين:
القسم الأول:
إشكال ناتج من غموض فى المعنى المراد حيث إن اللفظ مشترك ولا بد من وجود قرينة خارجية تعينه.
مثال هذا القسم:
قال تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (1) فالقرء موضوع لكل من الطهر والحيض، ومن ثم أشكل الأمر على الفقهاء هل عدة المطلقة من ذوات الحيض ثلاثة أطهار أم ثلاث حيضات؟ وقد تقدم موقفهم بشيء من التفصيل.
القسم الثانى:
إشكال ناتج وناشئ من تعارض ما يفهم من نص مع ما يفهم من نص آخر مع أن كل نص على حدة لا إشكال فى دلالته، وإنما ينشأ الإشكال من مقابلة النصين، ومحاولة التوفيق بينهما.
ومن أمثلة هذا القسم:
قال تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (2)--------------------------------------------
(1) سورة البقرة الآية: 228.
(2) سورة النساء آية: 78.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
وقال تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (1).
وظاهر هذين النصين التعارض، ولكن فى الحقيقة لا يوجد أدنى تعارض بينهما، لأن نسبة السيئة إلى النفس فى الآية الأولى المراد بها التسبب والكسب بسبب الذنوب، وأما قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
فهو على الحقيقة أى خلقا وايجادا.
حكم المشكل:
الطريق لإزالة الإشكال فى اللفظ المشكل هو اجتهاد المجتهد، لأن الإشكال فى النصوص الفقهية ليس معناه إبهاما لا يفهم منه الحكم، بل معناه احتمال فى اللفظ أو فى الأسلوب، يجعل المعنى لا يفهم إلا بعد التأمل والترجيح، ومن ثم فإن هذا يعدّ من قبيل الإبهام النسبى لا من قبيل الإبهام الذى يحتاج إلى تفسير من السنة إن كان قرآنا، ولذلك يزول الإشكال باجتهاد المجتهدين والتوفيق بين النصوص والمقاصد العامة.
ثالثا: المجمل:
المجمل فى اللغة: المبهم مأخوذ من أجمل الأمر (2) بمعنى أبهمه، ويقال أجمل الشيء يعنى جمعه.
وفى الاصطلاح: هو ما لم تتضح دلالته أى ما له دلالة غير واضحة (3).
فقوله: «ما» جنس فى التعريف يشمل اللفظ والفعل.
وقوله: «دلالة» قيد يخرج به المهمل فإنه لا دلالة فيه على شىء--------------------------------------------
(1) سورة النساء آية: 79.
(2) مختار الصحاح 111، ولسان العرب 1/ 686.
(3) شرح العضد 2/ 158.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
كديز مقلوب زيد، وعليه فلا يوسف المهمل الذى لا معنى له بإجمال أو بيان.
وقوله: «غير واضحة» قيد آخر يخرج به المبين، فإن الدلالة فيه واضحة.
على العموم سبب الخفاء وعدم الإيضاح فى المجمل لفظى لا عارضى بمعنى أن اللفظ المجمل لا يدل بصيغته على المراد منه، ولا توجد قرائن لفظية أو حالية تبينه، بل لا بدّ من الرجوع إلى الشارع نفسه لمعرفة المراد من اللفظ.
أقسام المجمل:
المجمل على أقسام ثلاثة هى (1):
1 - مجمل بين معانيه الحقيقية التى وضع اللفظ لها كقوله تعالى:
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (2) فإن لفظ القرء كما تقدم موضوع للحيض بوضع وللطهر بوضع آخر ولم تقم قرينة على المراد.
2 - مجمل بين أفراد الحقيقة الواحدة لأن المراد فرد معين من هذه الأفراد، ولم يقم الدليل على تعيينه وذلك كقول الله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (3) فإن لفظ البقرة موضوع لحقيقة واحدة معلومة ولها أفراد، والمراد فرد معين بدليل أن بنى إسرائيل حين سألوا عن البقرة ولونها، أجابهم الله عن أسئلتهم وأقرهم عليها، فكان هذا مشعرا بالتعيين.
3 - مجمل بين مجازاته وذلك إذا انتفت الحقيقة، أى ثبت عدم إرادتها--------------------------------------------
(1) شرح الإسنوى 2/ 143.
(2) سورة البقرة الآية: 228.
(3) سورة البقرة الآية: 67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
وتكافأت المجازات يعنى لم يترجح واحد منها على الآخر بمرجح من المرجحات المذكورة فى باب التعارض والترجيح، وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (1) على رأى أبى عبد الله البصرى رحمه الله، فإن حقيقة هذا اللفظ هو نفى ذات الصلاة عند عدم قراءة أم الكتاب، ولكن هذه الحقيقة غير مرادة للشارع، لأنا نشاهد الذات قد تقع بدون القراءة فتعين الحمل على المجاز، وهو إضمار الصحة أو الكمال، ولما كان إضمار الصحة أقرب إلى نفى الذات كان أرجح من إضمار نفى الكمال، وذلك لأن نفى الذات يستلزم انتفاء جميع الصفات، ولا شك أن نفى الصحة أقرب إليه فى هذا المعنى من نفى الكمال، لأنه لا يبقى مع نفى الصحة وصف بخلاف نفى الكمال فإن الصحة تبقى معه.
هذا وقد قال العلماء: إن الإجمال واقع فى الكتاب والسنة، وقال أبو بكر الصيرفى رحمه الله: ولا أعلم أحدا أبى هذا غير داود الظاهرى رحمه الله. وقيل إنه لم يبق مجمل فى كتاب الله تعالى بعد موته صلى الله عليه وسلم (2).
وقال إمام الحرمين الجوينى رحمه الله (3): إن المختار عندنا أن كل ما يثبت التكليف به لا إجمال فيه، لأن التكليف بالمجمل تكليف بالمحال، وما لا يتعلق به تكليف فلا يبعد استمرار الإجمال فيه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
وقال الماوردى والرويانى رحمهما الله (4): يجوز التعبد بالخطاب المجمل قبل البيان، لأنه صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن وقال له:--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن ماجة فى سننه 1/ 273 - 275.
(2) إرشاد الفحول 168.
(3) البرهان فى أصول الفقه 1/ 425.
(4) إرشاد الفحول 168.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
«ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، فإن هم اطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (1).
فالرسول صلى الله عليه وسلم تعبدهم بالتزام الزكاة قبل بيانها.
قالا: وإنما جاز الخطاب بالمجمل وإن كانوا لا يفهمونه لأحد أمرين:
الأول: أن يكون إجماله توطئة للنفس على قبول ما يتعقبه من البيان، فإنه لو بدأ فى تكليف الصلاة بها لجاز أن تنفر النفوس منها ولا تنفر من إجمالها.
الثانى: أن الله تعالى جعل من الأحكام جليّا، وجعل منها خفيّا ليتفاضل الناس فى العمل بها ويثابوا على الاستنباط لها، فلذلك جعل منها مفسرا جليا وجعل منها مجملا خفيّا.
حكم المجمل:
قال العلماء: إن المجمل يتوقف فى تعين المراد منه حتى يأتى البيان من الشارع، ومن هنا إذا بيّن المجمل فقد يكون البيان بيانا وافيا قطعيا وقد يكون بيانا وافيا ظنيا وقد يكون بيانا غير واف.
فإذا جاء البيان وافيا بدليل قطعى التحق المجمل بالمفسر، وصار حكمه كحكمه وذلك مثل كلمة (هلوع) فى قول الله تعالى:
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً فقد بينه الله بقوله بعده:
إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (2) ومن ذلك أيضا بيان الرسول صلى الله عليه وسلم للصلاة والصيام والزكاة والحج، فإن بيانه صلى الله عليه وسلم لهذه الأركان كان وافيا قطعيّا.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم فى صحيحه 1/ 29.
(2) سورة المعارج آيات: 19، 20، 21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
أما إذا كان البيان بدليل ظنى سواء كان ظنى الثبوت فقط، أو ظنى الدلالة فقط أو ظنى الثبوت والدلالة فإنه فى هذه الحالة يلتحق المجمل بالمؤول، لأن البيان بالدليل الظنى لا يكفى وحده لإزالة الإجمال، بل يبقى اللفظ محتملا للتأويل، ويكون الشارع بهذا البيان قد فتح الطريق أمام المجتهدين للتأويل بالبيان والنظر ومن ذلك أن مسح الرأس فى الوضوء جاء مجملا فى مقدار ما يمسح وقد بينه ما روى أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح ناصيته (1).
لكن يلاحظ أن هذا الحديث المبين لمقدار ما يمسح حديث ظنى لا قطعى. وأما إذا لم يكن البيان وافيا التحق المجمل بالمشكل، وانفتح باب الاجتهاد لبيانه، لأنه حيث لم يبين الشارع المعنى فمقتضاه أن يترك أمر بيانه للمجتهد فيصير حكمه حكم المشكل وهو الطلب، والبحث عن القرائن للوقوف على المعنى المراد.
مثال ذلك: قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا (2).
وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً (3).
فلفظ الربا جاء فى القرآن مجملا وقد ورد فى السنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال فى بيان الربا: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح والتمر بالتمر مثلا بمثل سواء بسواء بدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» (4).
فهذا الحديث الشريف ظنى، ولم يحصر الربا فى هذه الأنواع الستة--------------------------------------------
(1) الناصية: قصاص الشعر فى مقدم الرأس- لسان العرب 5/ 4447 - . والحديث أخرجه مسلم فى صحيحه 1/ 130
(2) سورة البقرة الآية: 275.
(3) سورة آل عمران الآية: 130.
(4) أخرجه مسلم فى صحيحه عن أبى سعيد الخدرى 1/ 692.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
حتى يقتصر الربا عليها، ولم يبين بيانا وافيا أنه يشمل غيرها أيضا فكان اللفظ مع هذا البيان محتملا للتأويل والنظر وبقى مشكلا لا مفسرا، ويكون الطريق قد ذلل (1) أمام المجتهدين بهذا البيان لمعرفة ما يكون فيه الربا قياسا على ما ورد فى الحديث.
رابعا: المتشابه:
عرف الأصوليون المتشابه فقالوا: هو اللفظ الذى خفى المراد منه فلا تدل صيغته على المراد منه، ولا سبيل إلى إدراكه إذ لا توجد قرينة تزيل هذا الخفاء واستأثر الشارع بعلمه (2).
ومن أمثلته: قال تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (3).
وقال سبحانه: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (4) وكذلك الحروف المقطعة فى أوائل السور.
والمتأمل فى القرآن الكريم، يجد أن الألفاظ المتشابهة لا توجد فى آيات الأحكام الشرعية العملية كما ثبت ذلك بالاستقراء (5)، وذلك--------------------------------------------
(1) التذليل هو التسهيل- لسان العرب 2/ 1514 - .
(2) أصول السرخسى 1/ 169، والوجيز 357.
(3) سورة طه الآية: 5.
(4) سورة الفتح الآية: 10.
(5) الاستقراء هو تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها على أمر كلى يشملها وهو نوعان:
(أ) تام: وهو تصفح جميع الجزئيات ليحكم بحكمها على كلى يشملها مثل: كل حيوان ناطق وهذا النوع يفيد القطع اتفاقا.
(ب) ناقص: وهو تصفح أغلب الجزئيات ليحكم بحكمها على كلى يشملها مثل:
كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ وإنما كان هذا استقراء ناقصا لأن التمساح لا يحرك فكه الأسفل فالحكم متخلف فيه.
وهذا النوع مختلف فيه:
فذهب بعض العلماء إلى القول بأنه لا يفيد الحكم لا قطعا ولا ظنا. وذهب بعضهم إلى أنه يفيده ظنا ولا يفيده قطعا وهو رأى الجمهور- نهاية السول 3/ 133، وبحوث الأدلة المختلف فيها 37 -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
لأن نصوص الأحكام يراد بها العمل والتطبيق لا مجرد الاعتقاد، ولا يمكن العمل بها إذا كانت متشابهة، وحيث إنها شرعت للعمل بمقتضاها فيلزم أن لا يكون فيها أى تشابه.
إذا علم هذا تبين لنا أن المتشابه بالمعنى الذى أراده الأصوليون، ليس من بحث الأصول، وإنما هو من أبحاث علم الكلام، وكل ما يمكن أن نقوله هنا هو أن الحروف
المقطعة وآيات الصفات ليست من قبيل المتشابه الذى يريدونه لأن الحروف المقطعة جاءت لبيان أن القرآن مؤلف من هذه الحروف وأمثالها، ومع هذا فقد عجز البشر عن الإتيان بمثل آية منه، وهذه آية إعجازه وكونه من عند الله.
وكذلك الأمر فى آيات الصفات فتحمل على المعنى اللائق بالله عز وجل، لأن ذاته سبحانه لما كانت مغايرة لذواتنا كانت صفاته أيضا كذلك، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1).
لكن هل لذكر المتشابه فى القرآن حكمة؟
والجواب نعم وإليك بعضا منها:
1 - رحمة الله بالإنسان الضعيف الذى لا يطيق معرفة كل شىء. لذا فقد حجب الله عنه معرفة الساعة حتى لا يفتك به الخوف والهلع لو أدرك بالتحديد شدة قربها منه.
2 - الابتلاء والاختبار: أيؤمن الإنسان بالغيب ثقة بخبر الصادق أم لا؟
فالذين اهتدوا يقولون: آمنا وإن لم يعرفوا على التعيين والذين فى قلوبهم زيغ يكفرون به.
3 - إقامة الدليل على عجز الإنسان وجهله مهما عظم استعداده، وغزر--------------------------------------------
(1) سورة الشورى الآية: 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
علمه، وإقامة شاهد على قدرة الله الخارقة، وأنه وحده الذى أحاط بكل شىء علما.
4 - اشتمال القرآن على المحكم والمتشابه يجعل الناظر فيه مضطرا إلى تحصيل علوم كثيرة مثل اللغة والنحو وأصول الفقه مما يعينه على النظر والاستدلال، فكان وجود المتشابه سببا فى تحصيل هذه العلوم.
5 - باشتمال القرآن على المحكم والمتشابه، يضطر الناظر والباحث فيه إلى الاستعانة بالأدلة العقلية فيتخلص من ظلمة التقليد وفى ذلك تنويه بشأن العقل، والتعويل عليه ولو كان كله محكما لما احتاج إلى الدلائل العقلية ولظل العقل مهملا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
الفصل الرابع فى كيفية دلالة اللفظ على المعنى وفيه مبحثان
المبحث الأول: فى طرق الدلالة عند الحنفية المبحث الثانى: فى دلالة الكلام على المعانى عند الشافعية
تمهيد:
معلوم أنه لا يمكن استنباط الأحكام الواردة فى القرآن الكريم والسنة النبوية إلا بعد فهم المعنى، وهذا الفهم إما أن يكون طريقه عبارة النص أو إشارته أو دلالته أو اقتضاءه. وعلى هذا فالحكم المستفاد من اللفظ إما أن يكون ثابتا بنفس اللفظ أولا، فإن كان ثابتا بنفس اللفظ ننظر: إن كان اللفظ مسوقا له فهو العبارة وإلا فهو الإشارة. وإن لم يكن ثابتا بنفس اللفظ بل مفهوم منه لغة فهو دلالة النص أو مفهوم منه شرعا فهو الاقتضاء.
على العموم طرق الدلالة عند الحنفية مغايرة لطرق الدلالة عند الشافعية، وسأتكلم عند ذلك بعون الله تعالى بشيء من التفضيل فى مبحثين فأقول وبالله التوفيق:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
المبحث الأول طرق الدلالة عند الحنفية
حصر السادة الحنفية طرق دلالة النص فى الأربعة المتقدمة وهى (1):
(أ) عبارة النص.
(ب) إشارة النص.
(ج) دلالة النص.
(د) اقتضاء النص.
هذه هى طرق الدلالة عندهم وقد قالوا: إن تعارضت هذه الطرق قدّم أقواها وهو عبارة النص فإشارته فدلالته وأخيرا دلالة الاقتضاء، وستأتى أمثلة لذلك إن شاء الله وإليك بيان الطرق الأربعة:
أولا: عبارة النص ودلالتها على الأحكام:
المراد بعبارة النص: دلالة اللفظ على المعنى المتبادر فهمه من نفس صيغته، سواء كان هذا المعنى هو المقصود من سياقه أصالة أو تبعا (2).
فكل معنى يفهم من ذات اللفظ واللفظ مسوق لإفادة هذا المعنى أصالة أو تبعا، يعتبر من دلالة العبارة، ويطلق عليه المعنى الحرفى للنص أى المعنى المستفاد من مفردات الكلام وجمله (3).--------------------------------------------
(1) التلويح على التوضيح 1/ 129، وفواتح الرحموت 1/ 406، وتسهيل الوصول 100، وأصول الفقه للبرديسى 364، وأصول الفقه للدكتور بدران أبو العينين 417، وأصول الفقه للدكتور سلام مدكور
291.
(2) المقصود أصالة هو الغرض الأول من الكلام والمقصود تبعا غرض ثان يدل عليه اللفظ ويمكن تحقيق الغرض الأول بدونه.
(3) الوجيز فى أصول الفقه 358
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
مثال ذلك:
(أ) قال تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا (1).
فهذا النص الكريم تدل صيغته دلالة ظاهرة على معنيين كل منهما مقصود من سياقة:
أحدهما: أن البيع ليس مثل الربا.
ثانيهما: أن حكم البيع هو الإحلال وحكم الربا التحريم.
ولا شك أن هذين المعنيين مفهومان من عبارة النص، ومقصودان من سياقه، ولكن المعنى الأول مقصود من السياق أصالة، لأن الآية جاءت للرد على من زعم أن البيع مثل الربا.
أما المعنى الثانى فمقصود من السياق تبعا وذلك لأن نفى المماثلة استتبع بيان حكم كل من البيع والربا حتى يؤخذ من اختلاف الحكمين أنهما غير متماثلين، ولو كان المقصود ما سيق الكلام له أصالة فقط لقال: ليس البيع مثل الربا. دون بيان حكم كل منهما، وإنما العبارة دلت على أنه يقصد منها تبعا بيان حكم كل منهما إذ قد يتصور نفى المماثلة بينهما فى الصورة دون الحكم.
(ب) قال تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ (2) فهذا النص الكريم يدل بعبارته على ثلاثة معان هى:
الأول: إباحة الزواج.
الثانى: قصر عدد الزوجات على أربع كحدّ أقصى للتعدّد فى وقت واحد.--------------------------------------------
(1) سورة البقرة الآية: 275.
(2) سورة النساء الآية: 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
الثالث: الاقتصار على زوجة واحدة عند خوف الظلم حال تعدد الزوجات.
وهذه المعانى المذكورة مقصودة من السياق فهى مفهومة ومستفادة من عبارة النص وألفاظه، إلا أن المعنى الثانى والثالث مقصودان أصالة، لأن الآية سيقت فى شأن الأوصياء الذين كانوا يتحرجون من الوصاية على اليتامى خوفا من الوقوع فى أكل أموالهم مع أنهم لا يتحرجون عن ترك العدل بين الزوجات، حيث كان الواحد منهم يجمع ما يشاء من الزوجات فى عصمته من غير حصر ولا يعدل بينهن فقال لهم الله عز وجل: إن خفتم الوقوع فى ظلم اليتامى فخافوا أيضا عدم العدل بين الزوجات، واقتصروا على أربع، فإن خفتم الجور فيكفى واحدة.
فالاقتصار على أربع أو على واحدة مقصودان من السياق أصالة.
أما إباحة الزواج وهو المعنى الأول فهو المقصود التبعى من سياق الآية، فالله عز وجل قد ذكره على سبيل التبع للتوصل إلى المعنيين المقصودين أصالة.
ثانيا: إشارة النص ودلالتها على الأحكام:
إشارة النص هى: دلالة اللفظ على معنى غير مقصود من سياقه لا أصالة ولا تبعا، ولكنه لازم للمعنى الذى سيق الكلام من أجله.
فالنص لا يدل على هذا المعنى بصيغته، وإنما يشير إلى هذا المعنى بطريق الالتزام. وما يشير إليه النص قد يحتاج فهمه إلى دقة نظر لخفاء التلازم وقد يكون التلازم ظاهرا يعرف بأدنى تأمل (1).
هذا والأصل فى دلالة إشارة النص أن تكون قطعية كدلالة العبارة إلا إذا وجدت قرينة تصرفها عن ذلك.--------------------------------------------
(1) فواتح الرحموت 1/ 407.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
مثال ذلك: (أ) قال تعالى:
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (1).
فهذه الآية الكريمة تفيد بطريق عبارة نصها ما يأتى:
1 - وجوب الإرضاع على الأمهات.
2 - مدة الرضاع الكامل حولان كاملان.
3 - نفقة المرضع على والده.
4 - اختصاص الوالد بنسبة الولد إليه.
وهذه الأحكام مستفادة بطريق العبارة، لأن هذا هو المتبادر فهمه من النص المقصود من سياقه، ويلزم من اختصاص الوالد بولده المستفاد من اللام الموجودة فى لفظ (له) ما يأتى:
1 - أن الأب ينفرد فى وجوب النفقة عليه لولده فكما لا يشاركه أحد فى نسبة الولد إليه لا يشاركه أحد فى النفقة عليه.
2 - للأب أن يأخذ من مال وليه ما يسدّ به حاجته لأن الولد نسب إلى والده بلام الملك فى قوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ وظاهر أن تملّك ذات الولد غير ممكن لكونه حرّا، ولكن تملّك ماله يمكن فيجوز عند الحاجة إليه، وفى ذلك يقول صلى الله عليه وسلم:
«أنت ومالك لأبيك» (2). فهذان الحكمان لازمان للمعنى المتبادر فهمه من النص، وهو اختصاص الوالد بولده، وغير مقصودين من السياق ففهم هذين الحكمين عن طريق هذا اللزوم يسمى بإشارة النص.--------------------------------------------
(1) سورة البقرة الآية: 233.
(2) أخرجه ابن ماجة فى سننه 2/ 769.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
(ب) قال تعالى:
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ (1) فهذا النص الكريم يفهم بعبارته إباحة مخالطة النساء فى كل لحظة من الليل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ولما كانت هذه الإباحة تستلزم أن الصائم قد يصبح جنبا فيجتمع فى حقه وصفان: الجنابة والصيام، واجتماعهما معا يستلزم عدم تنافيهما وعدم فساد الصوم بالجنابة، فقد صح فى الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا وهو صائم (2).
وإذا كانت الآية قد دلت بعبارتها على إباحة قربان الزوجة إلى آخر جزء من الليل، فإنها تدل بإشارتها إلى جواز أن يصبح الصائم جنبا، وهذا غير مقصود من سياق الآية، لكنه لازم للمعنى الذى دلت عليه الآية بعبارتها.
ثالثا: دلالة النص ودلالتها على الأحكام:
هى دلالة اللفظ (3) على أن حكم المنطوق به ثابت لمسكوت عنه لفهم علة ذلك الحكم، بمجرد العلم باللغة، على معنى أنه يعرفها كل عارف باللغة دون حاجة إلى اجتهاد ونظر.
هذا ولما كان الحكيم المستفاد عن طريق دلالة النص يؤخذ من معنى النص لا من لفظه سماها بعض الأصوليين: «دلالة الدلالة» وسماها آخرون: «فحوى الخطاب» لأن فحوى الكلام هو معناه، وسماها السادة الشافعية- مفهوم الموافقة، لأن مدلول اللفظ فى محل السكوت--------------------------------------------
(1) سورة البقرة الآية: 187.
(2) أخرجه مسلم فى صحيحه 1/ 449، ومالك فى الموطأ 194.
(3) أصول السرخسى 1/ 141، وفواتح الرحموت 1/ 409، وتسهيل الوصول 103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
موافق لمدلوله فى محل النطق وعليه فيكون المسكوت عنه موافقا فى الحكم للمنطوق به.
على أن هنا من الأصوليين من أدخل هذه الدلالة فى القياس، وسماها القياس الجلى أو قياس الأولى وذلك لأن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق لظهور العلة فيه على نحو أقوى من المنطوق به، وعلى هذا فإن دل بعبارته على حكم فى واقعة ووجدنا واقعة أخرى متفقة مع الأولى فى العلة، وأولى منها بالحكم، وكانت هذه المساواة أو الأولوية تفهم بمجرد فهم اللغة دون حاجة إلى نظر وتأمل واجتهاد، فإنه يتبادر إلى الفهم حينئذ أن النص يتناول الواقعتين، وأن الحكم المنصوص عليه يثبت للمسكوت عنه أى يثبت للواقعة الثانية.
والظاهر- والله أعلم- أن دلالة النص تفترق عن القياس من جهة أن العلة هنا يمكن لكل عارف باللغة، أن يدركها دون نظر واجتهاد، بعكس القياس فإن العلة فيه يحتاج استخراجها إلى نظر واجتهاد.
ومن أمثلة دلالة النص:
(أ) قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (1) فهذا النص الكريم يفهم من عبارته تحريم أكل أموال اليتامى ظلما، ويفهم من دلالته تحريم أن يؤكلوها غيرهم، وتحريم إحراقها وتبديدها وإتلافها بأىّ نوع من أنواع الإتلاف، لأن هذه الأشياء تساوى أكلها ظلما فى أن كلا منها اعتداء
على مال القاصر العاجز عن دفع الاعتداء، وعليه يكون النص المحرم بعبارته أكل أموال اليتامى ظلما محرّما إحراقها وتبديدها بطريق الدلالة، وواضح أن المفهوم الموافق المسكوت عنه مساو للمنطوق.--------------------------------------------
(1) سورة النساء الآية: 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
(ب) قال تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ (1) هذا القول الكريم يدل بعبارته على نهى الولد أن يقول لوالديه أُفٍّ لما فى هذا القول من إيذاء لهما وإيلام، ويتبادر إلى الفهم أن النص يتناول حرمة ضربهما وشتمهما لما فى الضرب والشتم من إيذاء وإيلام أشد مما فى كلمة أُفٍّ وعليه فيكون الضرب والشتم أولى بالتحريم من التأفيف، ومن ثم يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، ولا شك أن هذا المعنى واضح لا يحتاج إلى إعمال نظر وفكر.
(ج) قال تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (2) فهذه الآية يفهم منها بدلالة العبارة وجوب العدة (3) على المطلقة، للتأكد من براءة رحمها، وهذه العلة يفهمها أهل اللغة فكل من يعرف اللغة يدرك أن العلة فى ذلك هى التأكد من براءة الرحم، ويمكن بمقتضى فحوى الخطاب تطبيق هذا الحكم على من حدثت الفرقة بينها وبين زوجها بسبب فسخ عند الزواج لسبب يقتضى الفسخ، وذلك لاستواء العلة فيهما وعليه فتجب العدة على المنسوخ زواجها بدلالة النص.
غير أن الشافعية يرون حال استواء العلة من قبيل القياس، يراها الحنفية ومن وافقهم من قبيل فحوى الخطاب.
والفقهاء يختلفون بالنسبة لهذا النوع: فجمهور الحنفية يعدونه دلالة--------------------------------------------
(1) سورة الاسراء الآية: 23.
(2) سورة البقرة الآية: 228.
(3) هى اسم لمدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها أو للتعبد أو لتفجعها على زوجها، وشرعت صيانة للأنساب وتحصينا لها من الاختلاط رعاية لحق الزوجين والولد والناكح الثانى.
والأصل فيها التعبد بدليل أنها لا تنقضى بقرء واحد مع حصول البراءة به- مغنى المحتاج 3/ 384 -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)