النص ويجرونه فى الحدود والكفارات. ويراه بعضهم من باب القياس ويقصرون الاستدلال به لذلك على ما عدا الحدود والكفارات مما لا يجرى فيه القياس عندهم.
والشافعية الذين يرون هذا النوع من قبيل القياس منهم من وافق القائلين بقصره على ما عدا الحدود والكفارات، لكن أهل المذهب أنه يثبت به الحدود والكفارات ما دام للقياس وجه صحيح.
قال الإسنوى رحمه الله (1):
أقول الصحيح وهو مذهب الشافعى كما قاله الإمام أن القياس يجرى فى الشرعيات كلها، أى يجوز التمسك به فى إثبات كل حكم حتى الحدود والكفارات والرخص والتقديرات إذا وجدت شرائط القياس فيها. اه.
وقد ترتب على هذا اختلافهم فى تطبيق الحكم بالكفارة على من جامع زوجته فى نهار رمضان عامدا على الزوجة، فيرى الحنفية (2) ومن نهج نهجهم وجوب الكفارة على كل من الزوج والزوجة، لدلالة الحديث بفحوى الخطاب، وذلك لتساويهما فى التكاليف الشرعية.
وأما حديث أبى هريرة: جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت. قال: «وما أهلكك؟» قال: واقعت امرأتى فى رمضان. قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا. قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا. ثم جلس فأتى النبى صلى الله عليه وسلم بعرق (3) فيه تمر فقال: «تصدق بهذا». فقال: على أفقر منّا--------------------------------------------
(1) نهاية السول 3/ 34.
(2) بدائع الصنائع 2/ 1025 ط: الإمام.
(3) العرق بفتح العين والراء مكتل ينسخ من خوص النخل- مغنى المحتاج 1/ 242، ولسان العرب 4/ 2907 - .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
يا رسول الله، فو الله ما بين لابتيها- أى جبليها- أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبى صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه. ثم قال:
«اذهب فأطعمه أهلك» (1).
هذا الحديث علّل الحنفية حكم النبى صلى الله عليه وسلم فى هذه الواقعة المذكورة فيه بوجوب الكفارة على الزوج دون الزوجة أنها كانت مكرهة.
ويرى الشافعية فى الأصح عندهم أن الكفارة تجب على الزوج فقط فالحكم هنا لا ينطبق على الزوجة وإلا لنبّه النبى صلى الله عليه وسلم لقيام الحاجة إلى البيان، ولأن الكفارة غرم مالى يتعلق بالجماع كالمهر، فلا يجب على الموطوءة، أضف إلى ذلك أن صوم المرأة معرض للبطلان بعروض الحيض ونحوه فلم تكمل حرمته حتى تتعلق بها
الكفارة (2).
حكم الدال بدلالة النص:
يلاحظ أن الثابت بدلالة النص كالثابت بإشارته فى كونه قطعيّا، وذلك لاستناده إلى المعنى المفهوم من النظم لغة. ودلالة النص وإن كانت مفيدة للقطع لكنها دون إشارة النص، ومن ثم فإنه عند التعارض يقدم الثابت بإشارة النص على الثابت بدلالة النص، وذلك لأن فى الإشارة النظم والمعنى وفى الدلالة المعنى فقط.
مثال ذلك: قال تعالى:
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (3) فهذا القول الكريم يدل بعبارته على وجوب الكفارة على القائل خطأ،--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم فى صحيحه 1/ 450.
ومالك فى الموطأ فى كتاب الصيام 198.
(2) مغنى المحتاج 1/ 444.
(3) سورة النساء الآية: 92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
وهو أدنى حالا من القاتل عمدا، لأنه معذور بعذر الخطأ، فالأولى أن تجب الكفارة على العامد وهو أعلى حالا (1). وقد تمسك الإمام الشافعى رحمه الله بهذا فى وجوب الكفارة على العامد بطريق الأولى لأن هذه الكفارة وجبت زجرا عن القتل لا لنفس الخطأ الذى نتج عنه القتل، وما دام القصد من الوجوب هو الزجر فاعتباره فى القتل العمد أولى وأنسب (2).
أما الحنفية فيقولون إن قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً متعارض مع قوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها (3) فهذا القول الكريم يدل بإشارته على أنه ليس عليه كفارة، لأن الجزاء اسم للجزاء التام الكافى، فعلم أنه لا جزاء سوى جهنم.
ثم قالوا- أى الحنفية- لا يقال لو كان كذلك لما وجب على العامد القصاص. لأن القصاص جزاء المحلّ من وجه، لأنه شرع حقّا للأولياء لقوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (4) الآية وإن كان جزاء الفعل من وجه لكونه شرع زاجرا، والجزاء المضاف إلى الفاعل هو جزاء فعله من كل وجه، وجزاء فعله الكفارة فى الخطأ وجهنم فى العمد (5).
رابعا: دلالة الاقتضاء ودلالتها على الأحكام:
الاقتضاء معناه فى اللغة الطلب (6).--------------------------------------------
(1) تسهيل الوصول 103، 104.
(2) مغنى المحتاج 4/ 48، وأحكام القرآن لابن العربى 1/ 474.
(3) سورة النساء الآية: 293.
(4) سورة المائدة الآية: 45.
(5) تسهيل الوصول للشيخ المحلاوى الحنفى 104، والشهاب 3/ 23.
(6) لسان العرب 5/ 3665
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
وفى الاصطلاح: اللفظ الدال (1) على شىء مسكوت عنه يتوقف صدق الكلام على ذلك المسكوت. والحق أن النص قد يطلب زائدا عليه ليصح معناه المنصوص عليه، فلا يوجب النص شيئا إلا بتقديم ذلك المقتضى عليه، فيكون شرطا لعمل النص سابقا عليه، إذ الشرط يتقدم على المشروط دائما، فكان النص مقتضيا إيّاه لتصحيحه، فلهذا السبب انتسب المقتضى- بفتح الضاد- مع حكمه إلى النص وهو المقتضى- بكسر الضاد- وكان حكمه من دلالة النص أيضا فهناك أمور أربعة (2):
(أ) المقتضى وهو النص.
(ب) المقتضى وهو الشرط.
(ج) الاقتضاء وهو نسبة بينهما.
(د) حكم المقتضى وهو الثابت به.
من أمثلة دلالة الاقتضاء:
(أ) قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ (3) فالمعنى حرم عليكم نكاح أمهاتكم. إلخ وحذف لدلالة الكلام عليه كما يفهم من تحريم الخمر، تحريم شربها، ولأن قوله تعالى:
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ (4) يدل عليه. وهذا المعنى دل عليه اللفظ عن طريق الاقتضاء، وذلك لأن التحريم شرعى لا يتصور العقل تعلقه بالذوات، وإنما يتعلق بالأفعال.--------------------------------------------
(1) تسهيل الوصول 105.
(2) شرح المنار 534.
(3) سورة النساء الآية: 23.
(4) سورة النساء الآية: 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
(ب) قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ (1) الآية.
فالمعنى: حرم عليكم أكل الميتة والانتفاع بها، وهذا المعنى استفيد بدلالة اللفظ اقتضاء لأن التحريم- كما تقدم- يتعلق بفعل المكلف فقط.
(ج) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (2). فحقيقة هذا الحديث نفى ذات الصيام عند عدم النية (3) المبيتة قبل الفجر، ولكن هذه الحقيقة غير مرادة، وذلك لأننا نشاهد حقيقة الذات، وقد وقعت بدون النية، ومن ثم تعين الحمل على المجاز وهو إضمار الصحة والكمال وإضمار الصحة أرجح لكونه أقرب إلى الحقيقة، لأن نفى الذات يستلزم نفى كل الصفات ونفى الصحة أقرب بهذا المعنى إذ لا يبقى معه وصف البتة، بخلاف نفى الكمال، فإن الصحة تبقى معه وهى وصف (4).
والسادة الحنفية يقولون تجزئ النية حتى الزوال (5). فصدق الكلام هنا فى هذا الحديث يقتضى تقدير محذوف هو الصحة أو الكمال كما تقدم وقد توقف صدق الكلام على تقديره، فيعتبر من مدلول الحديث بدلالة الاقتضاء.
(د) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان» (6). والناظر فى هذا الحديث يجد أن ظاهره يفيد رفع--------------------------------------------
(1) سورة المائدة الآية: 3.
(2) أخرجه أبو داود فى سننه فى كتاب الصيام 1/ 571.
(3) النية لغة: القصد وشرعا: قصد الشيء مقترنا بفعله وحكمها: الوجوب والمقصود منها: تمييز العبادة عن العادة- الإقناع 1/ 42 - .
(4) الإبهاج 2/ 132.
(5) الشهاب 1/ 52.
(6) أخرجه ابن ماجة فى سننه فى كتاب الطلاق 1/ 659.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
نفس الخطأ ونفس النسيان، وليس بمراد فتعين حمله على المجاز بإضمار الحكم أى حكم الخطأ والنسيان، والحرج يعنى الإثم أى إثمهما والحمل على الإثم، أظهر من جهة العرف لتبادره إلى الذهن من قول السيد لعبده «رفعت عنك الخطأ والنسيان» ولأنه لو قال ذلك ثم أخذ يعاقبه على ما أخطأ فيه أو نسيه عدّ مناقضا.
فهذا الحديث يقتضى صدقه وصحته تقدير محذوف هو حكم الخطأ أو إثمة، ولما كان تقدير الإثم أرجح وهو مسكوت عنه، وتوقف صدق الكلام على تقديره اعتبر من مدلول الحديث بدلالة الاقتضاء.
حكم الدال بالاقتضاء:
الناظر والمتأمل فى دلالة الاقتضاء يجدها كغيرها من الدلالات السابقة تثبت الحكم على وجه القطع ما لم يوجد ما يصرفها إلى الظن من تأويل أو تخصيص، إذ الثابت بالاقتضاء أمر تقتضيه ضرورة صحة الكلام واستقامة العبارة. كما أن الحكم الثابت بدلالة الاقتضاء يشترك مع الثابت بالدلالة فى الإضافة إلى النص، ولو بواسطة فصار الثابت به كالثابت بالنص.
خلاصة الأمر: أن الثابت بدلالة الاقتضاء كالثابت بدلالة النص فى إفادته الحكم قطعا إلا عند التعارض فترجح الدلالة على الاقتضاء. قال بعض المحققين (1) لم نجد لهذا التعارض مثالا.
وقد مثل بعض الأصوليين له بما يلى:
عن أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال:--------------------------------------------
(1) تسهيل الوصول 106.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
«تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنصحه ثم تصلى فيه» (1). فإنه يدل باقتضاء النص على أنه لا يجوز غسل النجس بغير الماء من المائعات، لأنه لما أوجب الغسل بالماء اقتضت صحته أن لا يجوز بغير الماء، ولكنه يدل بعينه بدلالة النص على أنه يجوز غسله بالمائعات، وذلك لأن المعنى المأخوذ منه الذى يعرفه كل أحد هو التطهير وذلك يحصل بهما جميعا.
هذا ما رآه السادة (2) الحنفية رضى الله عنهم، ويقولون: لا عموم للمقتضى هنا عندنا لأنه ثابت ضرورة صحة الكلام، فيقدر بقدر الضرورة وهى تندفع بإثبات فرد إذا كان له أفراد فلا دلالة له على إثبات ما وراءه.
وعند الإمام الشافعى رحمه الله يجرى فيه العموم والخصوص، لأنه عنده كالمحذوف الذى يقدر. وهذا أصل كبير مختلف بين الحنفية والشافعية، يتفرع عليه كثير من الأحكام حتى إذا قال: إن أكلت فامرأتى طالق، ونوى طعاما دون طعام لا يصدق عند الحنفية، لا ديانة ولا قضاء، وحنثه يكون بكل طعام لوجود ماهية الأكل، لا لأن الطعام عام. وعند الشافعية يصدق ديانة فإن الطعام عام لكونه نكرة فى سياق الشرط، وهو فى المعنى فى سياق النفى، فإن المعنى لا آكل طعاما وهو مقدر فى نظم الكلام، والمقدر كالملفوظ فيصح التخصيص بإرادة بعض المأكولات، ولما كانت هذه الإرادة خلاف الظاهر لأن الظاهر العموم لم يصدق قضاء.
الخلاصة فى الدلالات:
خلاصة ما تقدم فى دلالة العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء، أن--------------------------------------------
(1) الحت هو الحك والقرص هو الدلك بأطراف الأصابع والأظافر مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره- لسان العرب 1/ 45767/ 3587 - والحديث أخرجه مسلم فى صحيحه 1/ 136.
(2) تخريج الفروع على الأصول للزنجانى 145، وتسهيل الوصول 106.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
دلالة العبارة هى دلالة النص بصيغته وألفاظه على الحكم، مع سوق الكلام له، ويقال لهذا الحكم: إنه ثابت بعبارة النص. وأن دلالة الإشارة هى دلالة النص بصيغته وألفاظه على الحكم من غير أن يكون الكلام مسوقا له، ويقال للحكم: إنه ثابت بإشارة النص. وأن دلالة النص هى دلالته على الحكم لا بصيغة النص وألفاظه، بل بروحه ومعقوله، ويقال للحكم إنه ثابت بدلالة النص. وأن دلالة الاقتضاء هى دلالة النص بأمر زائد اقتضى تقديره فى الكلام ضرورة صحة واستقامة الكلام وصدقه.
وعلى هذا يتضح لنا جليّا أن كل معنى يفهم من النص بطريق من طرق هذه الدلالات يعتبر من مدلولات النص وثابتا به والنص دليلا وحجة عليه، ولهذا تعتبر هذه الدلالات الأربع دلالة منطوق، أى منطوق النص، وهى تقابل دلالة المفهوم أى مفهوم المخالفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
المبحث الثانى فى طرق الدلالة عند الشافعية
قسم السادة الشافعية دلالة الكلام على المعانى قسمين هما:
1 - دلالة المنطوق.
2 - دلالة المفهوم.
فدلالة المنطوق (1): هى دلالة اللفظ على المعنى فى محل النطق، ولذا فإنهم يسمونها أيضا دلالة المنظوم والدلالة الصريحة. وهذه الدلالة تشمل كلا من دلالة العبارة ودلالة الإشارة، ودلالة الاقتضاء عند السادة الحنفية على خلاف فى المسلك. أما دلالة المفهوم: فهى دلالة اللفظ على المعنى لا فى محل النطق والتلفظ، بل فى محل السكوت (2) وتنقسم هذه الدلالة قسمين:
1 - مفهوم موافقة: وهو لازم ناشئ عن معنى لفظ مركب حكمه يوافق حكم ملزومه (3). وقد مثل العلماء لمفهوم الموافقة بقوله تعالى:
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ (4).
فإنه يدل بمفهومه على تحريم الضرب، لأنه أشدّ فى الإيذاء من التأفيف الذى نهى عنه اللفظ بمنطوقه، ونظرا لأن حكم المسكوت عنه جاء موافقا لحكم المنطوق، سميت هذه الدلالة بمفهوم الموافقة كما سميت بفحوى الخطاب، ولحن الخطاب، والقياس الجلى وهى ما عبر عنها السادة الحنفية--------------------------------------------
(1) غاية الوصول 36، وأصول الشيخ زهير 2/ 91.
(2) حاشية البنانى على شرح الجلال المحلى 1/ 240.
(3) إرشاد الفحول 178.
(4) سورة الاسراء الآية: 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
بذلك وبدلالة الدلالة أو دلالة النص. ويلاحظ أن نفس الأمثلة التى ذكرتها عند الكلام على الدلالات عند الحنفية هى نفسها التى تذكر هنا.
2 - مفهوم مخالفة: وهو لازم ناشئ عن معنى لفظ مركب حكمه يخالف حكم ملزومه (1). وذلك كقوله تعالى:
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (2).
حيث يفهم من هذه الآية أن الزائد على الثمانين غير واجب، وظاهر أن هذا المفهوم مغاير ومخالف لما يفيده اللفظ بمنطوقه. وإذا كان الأصوليون فى جملتهم يستدلون بدلالة المنطوق مع اختلاف التسمية، وبمفهوم الموافقة، فقد قال (3) القاضى أبو بكر الباقلانى رحمه الله:
«القول بمفهوم الموافقة من حيث الجملة مجمع عليه» فإن الأصوليين يختلفون فى اعتبار مفهوم المخالفة دليلا لاستنباط الأحكام الشرعية من نصوص الكتاب والسنة، وسأذكر موقفهم بشيء من التفصيل بعد ذكر شروطه وأنواعه إن شاء الله.
شروط العمل بمفهوم المخالفة:
مفهوم المخالفة بجميع أقسامه يدل على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت، سواء كان المنطوق إثباتا أو نفيا، ويشترط للعمل به عند القائلين به شروط منها:
1 - أن لا يكون للقيد الذى قيد به الحكم فائدة أخرى، سوى نفى حكم المنطوق للمسكوت، أى نفى الحكم عند نفى القيد. فإن كان له فائدة أخرى غير ذلك، فإنه لا يكون حجة، ولا يصلح للعمل به كأن--------------------------------------------
(1) أصول التشريع الإسلامى 322، وتسهيل الوصول 108.
(2) سورة النور الآية: 4.
(3) إرشاد الفحول 179.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
يكون القيد أكثريّا أى أن القيد خرج مخرج الغالب فى أمور الناس، ويتضح هذا فى قوله تعالى وهو يذكر المحرمات من النساء:
وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (1).
فقيد فى حجوركم ليس قيدا احترازيّا، وإنما هو قيد أكثرى بناء على أن الغالب من أحوال الناس، كون الربائب فى حجور الأزواج فالمرأة إن تزوجت برجل، وكان لها بنت من زوج سابق، فإنها تأخذها معها إلى بيت زوجها الجديد، وعلى هذا فلا يعمل بالمفهوم المخالف هنا، وهو أن الربيبة إذا لم تكن فى حجر زوج أمها لا تحرم عليه. لا فهى تحرم عليه بمجرد الدخول بأمها، سواء كانت فى حجره ورعايته أم لم تكن (2).
ومثال أيضا قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً (3).
فالمفهوم المخالف هنا هو جواز أكل الربا، إذا لم يكن أضعافا مضاعفة، فقيد النهى عن أكل الربا أضعافا مضاعفة قيد خرج مخرج الغالب فى أمر التعامل بالربا، وهو ابتداؤه بقدر قليل ثم صيرورته مضاعفا بمرور الزمن أو أن هذا القيد ذكر هنا لبيان الواقع، وعليه فليس قيدا احترازيّا فلا يفيد بمفهوم المخالفة.
2 - ألا يكون المذكور قصد به الامتنان كقوله تعالى:
لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا (4) فإنه لا يدل على منع أكل ما ليس بطرىّ (5).--------------------------------------------
(1) سورة النساء الآية: 23.
(2) تنقيح الفصول 271 وشرح الجلال المحلى 1/ 246، وتيسير التحرير 1/ 99، والوجيز 374.
(3) سورة آل عمران الآية: 130.
(4) سورة النحل الآية: 14.
(5) إرشاد الفحول 180.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
3 - ألا يعارضه ما هو أرجح منه من منطوق أو مفهوم موافقة. وأما إذا عارضه قياس فلم يجوّز القاضى أبو بكر الباقلانى ترك المفهوم به مع تجويزه ترك العموم بالقياس.
قال الشوكانى رحمه الله (1): ولا شك أن القياس المعمول به يخصص عموم المفهوم كما يخصص عموم المنطوق، وإذا تعارضا على وجه لا يمكن الجمع بينهما، وكان كل واحد منهما معمولا به فالمجتهد لا يخفى عليه الراجح منهما من المرجوح، وذلك يختلف باختلاف المقامات وبما يصاحب كل واحد منهما من القرائن المقوّية له.
4 - أن يذكر مستقلا، فلو ذكر على وجه التبعية لشىء آخر فلا مفهوم له كقوله تعالى:
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ (2).
فإن قوله: فِي الْمَساجِدِ لا مفهوم له لأن المعتكف ممنوع من المباشرة مطلقا.
5 - أن لا يكون المذكور قصد به التفخيم وتأكيد الحال كقوله صلى الله عليه وسلم (3): «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج
أربعة أشهر وعشرا». فإن التقييد بالإيمان لا مفهوم له وإنما ذكر لتفخيم الأمر.
أنواع مفهوم المخالفة:
1 - مفهوم الصفة: وهو دلالة اللفظ المقيد بوصف على نقيض حكمه عند انتفاء ذلك الوصف، والوصف هنا يراد به ما هو أعم من النعت، أى سواء كان نعتا نحويّا كقوله صلى الله عليه وسلم: «فى--------------------------------------------
(1) المرجع السابق 179.
(2) سورة البقرة الآية: 187.
(3) أخرجه مالك فى الموطأ عن أم حبيبة 369.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
الغنم السائمة زكاة» (1) أو مضافا نحو: سائمة الغنم أو مضافا إليه نحو قوله صلى الله عليه وسلم: «مطل الغنى ظلم» (2) أو ظرف زمان كقوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ (3).
أو ظرف مكان نحو ذاكر فى البيت.
ومن أمثلة مفهوم الصفة:
(أ) قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (4).
فالمفهوم المخالف هنا هو أن خبر غير الفاسق لا يجب فيه التبين، وعليه فيقبل خبر الواحد العدل.
(ب) قال تعالى فى بيان المحرمات:
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ (5).
فالمفهوم المخالف أن حلائل الأبناء الذين ليسوا من الأصلاب كابن الابن رضاعا لا تحرم حلائلهم، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:
«يحرم من الرّضاع ما يحرم من النّسب» (6).
2 - مفهوم الشرط: وهو دلالة اللفظ المقيد لحكم معلق بشرط على ثبوت نقيضه عند انتفاء الشرط. ومعنى هذا أن التعليق بالشرط يوجب وجود الحكم عند وجود الشرط ويوجب عدمه عند عدم الشرط.--------------------------------------------
(1) أخرجه مالك فى الموطأ بلفظ «وفى سائمة الغنم إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة شاة» 175
(2) أخرجه البخارى فى صحيحه 2/ 37
(3) سورة الجمعة الآية: 9.
(4) سورة الحجرات الآية: 6.
(5) سورة النساء الآية: 23.
(6) أخرجه ابن ماجة فى سننه من حديث عائشة رضى الله عنها 1/ 623.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
الأمثلة:
(أ) قال تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (1).
فهذه الآية الكريمة أفادت بمنطوقها وجوب الإنفاق على المطلقة طلاقا بائنا، وذلك إذا كانت حاملا، ودلت بمفهومها المخالف على انتفاء هذا الحكم، وهو وجوب الإنفاق وذلك إذا لم تكن حاملا.
(ب) قال تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (2).
فالآية تدل بمفهومها المخالف أن الزوجة إذا لم تطب نفسها بشيء من مهرها لا يحل للزوج أخذه.
مفهوم الغاية: وهو دلالة اللفظ الذى قيد الحكم فيه بغاية على نقيض ذلك الحكم بعد الغاية.
الأمثلة:
(أ) قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (3).
فالنص الكريم يفيد بمنطوقه إباحة الأكل والشرب فى ليالى الصيام حتى طلوع الفجر، ويفيد بمفهومه المخالف حرمة الأكل والشرب بعد هذه الغاية يعنى بعد طلوع الفجر.--------------------------------------------
(1) سورة الطلاق الآية: 6.
(2) سورة النساء الآية: 4.
(3) سورة البقرة الآية: 187.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
(ب) قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (1).
فالمفهوم المخالف ادلة قربانهن إذا تطهرن.
(ج) قال تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (2).
فهذا النص يفيد بمنطوقه حرمة المطلقة ثلاثا على زوجها المطلق وهذا الحكم واضح أنه مقيد بغاية هى زواجها من غير مطلقها، فيدل بمفهومه المخالف على حل زواجها بمطلقها بعد هذه الغاية (3).
(د) قال تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ (4).
فالآية تدل بمفهومها المخالف على نفى القتال والكف عنه إذا امتثلت الفئة الباغية إلى أمر الله.
4 - مفهوم العدد: وهو تعليق الحكم بعدد مخصوص أو بعبارة أخرى، هو دلالة اللفظ الذى قيد الحكم فيه بعدد على نقيض ذلك الحكم فيما عدا ذلك العدد (5).
الأمثلة:
(أ) قال تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (6).--------------------------------------------
(1) سورة البقرة الآية: 222.
(2) سورة البقرة الآية: 230.
(3) لكى تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها اشترط الفقهاء شروطا هى: (أ) أن تنقضى عدتها منه (ب) أن يتزوجها غيره (ج) أن يدخل عليها دخولا حقيقيا (د) بينونتها منه بموت أو طلاق أو فسخ (هـ) أن تنقضى عدتها منه (الأم 5/ 229، والإقناع 4/ 83).
(4) سورة الحجرات الآية: 9.
(5) حصول المأمول 122، والوجيز 373.
(6) سورة النور الآية: 2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
فالمفهوم المخالف هنا عدم جواز الجلد أقل أو أكثر من هذا العدد المذكور فى الآية.
(ب) قال تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (1).
5 - مفهوم اللقب: وهو دلالة اللفظ الذى علق الحكم فيه بالاسم العلم على نفى ذلك الحكم عن غيره. والمراد بالاسم العلم هنا:
اللفظ الدال على الذات دون الصفة، سواء كان علما نحو قام زيد أو اسم نوع مثل: فى الغنم زكاة.
الأمثلة:
(أ) قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (2).
فالمفهوم المخالف غير محمد صلى الله عليه وسلم ليس رسول الله.
(ب) قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ (3). الآية فالمفهوم المخالف للمنطوق هو عدم تحريم غير المذكورات.
حجية مفهوم المخالفة:
المتأمل فى كلام الأصوليين جزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء يجد أنهم اتفقوا على الاحتجاج بالنص على مفهوم المخالفة فى صورة، وعلى عدم الاحتجاج به فى صورة واختلفوا فى الاحتجاج به فى صورة، وإليك البيان:--------------------------------------------
(1) سورة النور الآية: 4.
(2) سورة الفتح الآية: 29.
(3) سورة النساء الآية: 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
أولا: الصورة التى اتفقوا على الاحتجاج بالنص على مفهوم المخالفة فيها:
ما اتفقوا على الاحتجاج بمفهوم المخالفة فيه هو مفهوم الوصف والشرط، والعدد والغاية وذلك فى غير النصوص الشرعية، أى فى عقود المتعاقدين وتصرفاتهم وأقوال الناس وعبارات المؤلفين ومصطلحات الفقهاء.
فمثلا: لو قال الواقف: وقفت (1) دارى من بعدى على طلبة العلم فى المحلة الكبرى. فهذا القول يدل بمنطوقه على شمول طلبة العلم بالمحلة بوقفه دون غيرهم ولو قال: وقفت ريع (2) ضيعتى من بعدى لأرملتى إذا لم تتزوج. فالمنطوق ثبوت الاستحقاق لأرملته إذا لم تتزوج، والمفهوم المخالف له نفى استحقاقها إذا تزوجت.
وهكذا كل عبارة من أى عاقد أو متصرف أو مؤلف أو أى قائل إذا قيدت بوصف أو شرط أو حددت بعدد أو غاية تكون حجة على ثبوت الحكم الوارد بها حيث يوجد ما قيدت به، وعلى نفيه حيث ينتفى، لأن عرف الناس واصطلاحهم فى الفهم والتعبير على هذا، ولو لم يفهم النفى والإثبات كان التقييد فى عرفهم عبثا إلا إذا دلت قرينة على أن القيد ليس للتخصيص.--------------------------------------------
(1) الوقف لغة: الحبس وشرعا: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف فى رقبته على مصرف مباح موجود (لسان العرب 5/ 4868، ومغنى المحتاج 2/ 376، وسبل السلام 3/ 934).
(2) الريع بالفتح النماء والزيادة وأرض مريعة بالفتح بوزن مبيعة أى مخصبة.
والضيعة العقار والجمع ضياع وعند أهل الحاضرة تطلق على النخل والكرم والأرض والعرب لا تعرف الضيعة إلا الحرفة والصناعة- مختار الصحاح 266، 386 -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
ثانيا: الصورة التى اتفقوا على عدم الاحتجاج بالنص على مفهوم المخالفة فيها:
ذهب أكثر العلماء إلى عدم الاحتجاج والعمل بمفهوم المخالفة فى مفهوم اللقب وهو الصحيح.
قال الشيخ محمد صديق حسن خان رحمه الله (1):
« … ولم يعلم به أحد إلا أبو بكر الدقاق» ثم قال: «والحاصل أن القائل به كلا أو بعضا (2) لم يأت بحجة لغوية ولا شرعية ولا عقلية، وأما إذا دلت عليه القرينة فهو خارج عن محل النزال».
وقال الشيخ عبد الوهاب خلاف رحمه الله بعد أن ذكر الاتفاق على عدم الاحتجاج به (3):
ولا فرق فى هذا بين النصوص الشرعية ونصوص القوانين الوضعية، وعقود الناس وتصرفاتهم وسائر أقوالهم. فمحمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم لا يفهم منها أن غير محمد ليس رسول الله، ودين المتوفى يؤدى من تركته لا يفهم منه أن غير دينه كنفقة تجهيزه ووصاياه النافذة، لا تؤدى من تركته. اه.
ثالثا: الصورة التى اختلف الأصوليون فى الاحتجاج بمفهوم المخالفة فيها:
اختلف العلماء فى الاحتجاج بمفهوم الصفة والشرط والعدد والغاية فى النّصوص الشرعية خاصة على مذهبين:
مذهب الجمهور: ذهب جمهور الأصوليين إلى القول بأن النص--------------------------------------------
(1) حصول المأمول له 122، 123.
(2) قال بعض العلماء يعمل به فى أسماء الأنواع لا فى أسماء الأشخاص.
(3) علم أصول الفقه له 155، 156.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
الشرعى الدال على حكم إذا قيّد بوصف أو شرط بشرط أو حدّد بعدد أو غاية، فإنه فى هذه الحالة يكون حجة على ثبوت حكمه فى الواقعة التى وردت فيه بالوصف، أو الشرط أو العدد أو الغاية كما يكون حجة أيضا على ثبوت نقيض حكمه فى الواقعة التى وردت فيه إذا كانت على خلاف الوصف أو الشرط أو الغاية أو العدد الذى ذكر فيه (1).
الأدلة: استدل الجمهور لما ذهب إليه بما يلى:
أولا: القيود التى ترد فى النصوص الشرعية لا يمكن أبدا أن ترد عبثا، بل لا بدّ أن تكون واردة لحكمة وفائدة، فإذا لم تكن لها فائدة سوى تخصيص الحكم بما وجد فيه القيد، فإنه يجب نفى الحكم عما لا يوجد فيه القيد، أى الأخذ بمفهوم المخالفة وذلك لئلا يكون ذكر القيد عبثا ولغوا وهو ما ينزّه عنه كلام الشارع الحكيم.
ثانيا: المألوف فى أساليب اللغة العربية أن تقييد الحكم بقيد يدل على انتفائه، حيث ينتفى القيد وهذا هو المتبادر إلى الفهم، فمن سمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مطل الغنى ظلم» يفهم أن مطل الفقير ليس ظلما.
2 - مذهب الحنفية: ذهب السادة الحنفية رضى الله عنهم إلى القول، بأن النص الشرعى الدال على حكم فى واقعة إذا قيد بوصف أو شرط بشرط أو حدّد بغاية أو عدد لا يكون حجة إلا على حكمه فى واقعته التى ذكرت فيه بالوصف أو الشرط أو العدد أو الغاية. وأما الواقعة التى انتفى عنها ما ورد فيه من قيد فلا يكون حجة على حكم فيها، بل--------------------------------------------
(1) اللمع 25، وشرح الجلال المحلى 1/ 252، وحصول المأمول 122، وإرشاد الفحول 180، وأصول الفقه للشيخ خلاف 158، والوجيز 375.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
يكون النص ساكتا عن بيان حكمها فيبحث عن حكمها بأى دليل من الأدلة الشرعية التى منها أن الأصل فى الأشياء الإباحة (1).
الأدلة: استدل الحنفية على ما ذهبوا إليه بما يلى:
أولا: القيود التى ترد فى النصوص الشرعية لها فوائد كثيرة، فإذا لم تظهر لنا هذه الفوائد لا نستطيع أن تجزم بأن الفائدة لتلك القيود هى تخصيص الحكم بما وجد فيه القيد ونفيه عما سواه. وسبب ذلك أن مقاصد الشارع كثيرة لا يمكن الإحاطة بها بخلاف مقاصد البشر، إذ يمكن حصرها ولهذا كان مفهوم المخالفة حجة فى أقوالهم فقط دون أقوال الشارع.
ثانيا: إن كثيرا من النصوص الشرعية التى دلت على أحكام وقيدت بقيود لم ينتف حكمها حيث انتفى القيد، بل ثبت حكم النص للواقعة التى فيها القيد وللواقعة التى انتفى عنها. فالربيبة تحرم على زوج أمها بمجرد الدخول على الأم سواء كانت الربيبة فى حجره أم لا، مع أن النص قيد التحريم بهذا الوصف قال تعالى:
وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ فالاحتياط فى فهم النص الشرعى يوجب أن لا يحتج به على نفى الحكم إذا انتفى القيد.
هذا وبعد ذكر أدلة المذهبين أميل إلى ما ذهب إليه جمهور الأصوليين، وذلك لأن مقاصد الشريعة وإن كانت كثيرة لا يمكن أن يحاط بها إلا أنه إذا لم تظهر للمجتهد فائدة للقيد سوى ما يظهر له من تخصيص الحكم بما وجد فيه القيد، فإنه يغلب على ظنه أن ورود القيد--------------------------------------------
(1) أصول السرخسى 1/ 256، 257، وتيسير التحرير 1/ 99.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)