صلى الله عليه وسلم ولما لم يقل هذا أحد من قدمائهم أنه ذكره دلّ على كذب ابتدعوه».
ثانيا: أن لفظ التأبيد الذى اعتمدوا عليه فيما نقلوه لا يصلح حجة لهم، لأنه يستعمل كثيرا عند اليهود معدولا به عن حقيقته. من ذلك ما جاء فى البقرة التى أمروا بذبحها: «هذه سنة لكم أبدا» وما جاء فى القربان: «قربوا كل يوم خروفين قربانا دائما» مع أن هذين الحكمين منسوخان باعتراف اليهود أنفسهم. على رغم التصريح فيهما بما يفيد
التأبيد.
ثالثا: أن اعترافهم بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول أيده الله بالمعجزات وجاءت البشارة به فى التوراة يقضى عليهم لا محالة أن يصدقوه فى كل ما جاء به، ومن ذلك أن رسالته عامة وأنها ناسخة للشرائع السابقة جميعا حتى شريعة موسى عليه السلام الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كان أخى موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعى» (1). أما أن يؤمنوا برسالته ثم لا يصدقوه فى عموم دعوته فذلك هو التناقض والمكابرة (2).
قال ابن عبد الشكور رحمه الله (3):
«أجمع أهل الشرائع من المسلمين والنصارى (4) على جوازه عقلا، أى العقل يجوزه ولا يحيله خلافا لليهود إلا العيسوية وهم أصحاب أبى عيسى الأصفهانى، وهم اعترفوا بنبوة سيد العالم صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، لكن إلى العرب فقط وهم بنو إسماعيل--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد فى مسنده 3/ 387.
(2) مناهل العرفان 2/ 102.
(3) فواتح الرحموت 2/ 55.
(4) جنح النصارى فى هذا العصر إلى القول بأن النسخ محال عقلا وشرعا- كما تقول الشمعونية من اليهود- وتشيعوا له تشيعا ظهر فى حملاتهم المتكررة على الإسلام وفى طعنهم على هذا الدين القويم من طريق النسخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
لا إلى الأمم كافة، وهذا من غاية حماقتهم، لأن بعد اعتراف النبوة ولو إلى جماعة لزم اعتراف صدقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم وامتناع الكذب عليه كما هو شأن الرسالة، وقد تواتر عنه عليه وعلى آله وأصحابه الصلاة والسلام دعوى النبوة إلى الخلق كافة فوجب الصدق فيه».
قال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (1) وقال جل شأنه: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (2) وقال سبحانه: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً (3) وقال صلى الله عليه وسلم: «بعثت إلى الناس كافة» (4).
رابعا: شبهة مذهب العنانية:
يلاحظ أن العنانية استدلوا على جواز النسخ عقلا بما استدل به المجوزون، واستدلوا على قولهم بعدم الوقوع شرعا بما استدل به العيسوية على عدم نسخ شريعة موسى عليه السلام بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. ومن هنا فما قيل إبطالا لزعم العيسوية يقال هنا والله أعلم.
خامسا: شبهة مذهب الشمعونية:
سبق أن ذكرت أن الشمعونية وهى إحدى فرق اليهود الثلاث ترى أن النسخ محال عقلا وشرعا واستدلوا على الأول: بأن النسخ يترتب على فرض وقوعه محال وكل ما كان كذلك فهو محال.
دليل الصغرى أولا: النسخ يترتب عليه إما البداء وإما العبث.
وثانيا: النسخ يترتب عليه أن يكون الفعل الواحد حسنا وقبيحا وذلك جمع بين الضدين وهو محال.--------------------------------------------
(1) سورة الأعراف الآية: 158.
(2) سورة الأنبياء الآية: 107.
(3) سورة سبأ الآية: 28.
(4) الجامع الصغير للسيوطى 1/ 126.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
بيان ذلك: الأمر بالحكم المنسوخ يقتضى حسنه والنهى عنه بنزول الناسخ له يقتضى قبحه ومن هنا فقد اجتمع فى الفعل الواحد المنسوخ الحسن والقبح وهما ضدان والضدان محال اجتماعهما (1).
وقد أجاب جمهور المسلمين عن الأول: بأنه لا بداء وقد تقدم عند ذكر الفرق بين النسخ والبداء ما فيه الكفاية.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى رحمه الله (2):
« … البداء أن يظهر له ما كان خفيّا ونحن لا نقول فيما ينسخ إنه ظهر له ما كان خافيا عليه. بل نقول إنه أمر به وهو عالم أنه يرفعه فى وقت النسخ، وإن لم يطلعنا عليه فلا يكون ذلك بداء.
على أنه لو جاز أن يقال: إن ذلك بداء لجاز أن يقال إنه إذا خلق الخلق على صفة من الطفولية والصغر، ثم نقلهم إلى غير ذلك من الأحوال أن ذلك بداء، ولما بطل هذا فيما ذكرناه بطل فيما اختلفنا فيه».
وقال الشيخ الشوكانى رحمه الله (3):
« … النسخ لا يستلزم البداء لا عقلا ولا شرعا، وقد جوزت الرافضة البداء عليه عز وجل لجواز النسخ وهذه مقالة توجب الكفر بمجردها».
وكذلك لا عبث فإن لنا أن نقول: إنه عز وجل شرع الحكم لا لمصلحة ولا يلزم على ذلك عبث. لأن هذا إنما يقول به من يقول بالتحسين والتقبيح (4) العقليين، ونحن لم نقل بهما. كما أجاب الجمهور عن الثانى--------------------------------------------
(1) التبصرة 253، وإرشاد الفحول 185، وأصول الشيخ زهير 3/ 52.
(2) التبصرة فى أصول الفقه 253.
(3) إرشاد الفحول 185.
(4) حسن الشيء وقبحه يراد بهما ما يلائم الطبع أو ينافره كإنقاذ الغرقى واتهام الأبرياء.
وكونهما صفة كمال أو نقص نحو العلم حسن والجهل قبيح، أو كونه موجبا للمدح أو الذم الشرعيين، والأولان عقليان إجماعا والثالث شرعى عندنا لا يعلم ولا يثبت إلا بالشرع، فالقبيح ما نهى الله تعالى عنه والحسن ما لم ينه عنه؟؟؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
بأن الحسن والقبح لم يجتمعا فى الفعل المنسوخ فى وقت واحد حتى يلزم التضاد. فالحسن كان فى وقت العمل بالفعل المنسوخ، والقبح كان فى وقت آخر.
فالنهى تعلق بما لم يتعلق به الأمر، ومتى أمر الشارع بشيء ثم نسخه علمنا بأن الأمر كان إلى ذلك الوقت. ومن ثم فلا يكون النهى مما تعلق به الأمر.
أضف إلى ذلك أن هذا الذى ذكرتموه لو كان دليلا على إبطال النسخ لوجب أن يجعل دليلا على إبطال التخصيص فيقال: إنه إذا أمر بقتال المشركين لا يجوز أن ينهى عن قتال أهل الذمة لأن الأمر بالقتل يدل على حسنه والنهى عنه يدل على قبحه، ولا يجوز أن يكون الشيء الواحد حسنا قبيحا، ولما لم يصلح أن يقال هذا فى إبطال التخصيص لم يصلح أن يقال مثله فى إبطال النسخ.
قال الإمام الرازى رحمه الله (1):
«لم لا يجوز أن يكون ذلك الفعل مصلحة فى وقت ومفسدة فى وقت آخر؟ فيأمر به فى الوقت الذى علم أنه مصلحة فيه وينهى عنه فى الوقت الذى علم أنه مفسدة فيه. كما لا يمتنع أن يعلم فيما لا يزال:
أن أمراض زيد وفقره مصلحة له فى وقت، وصحته وغناه مصلحة له فى وقت آخر فيمرضه ويفقره حين يعلم أن ذلك مصلحة، ويغنيه ويصحه--------------------------------------------
وعند المعتزلة هو عقلى لا يفتقر إلى ورود الشرائع. بل العقل يستقل بثبوته قبل الرسل وإنما الشرائع مؤكدة لحكم العقل فيما علمه ضرورة كالعلم بحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار أو نظرا كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع أو مظهرة لما لا يعلمه العقل ضرورة ولا نظرا كصوم آخر يوم من رمضان وتحريم أول يوم من شوال.
(شرح تنقيح الفصول للقرافى 88).
(1) المحصول 1/ 452.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
حين يعلم أن ذلك مصلحة. كما لا يمتنع أن يعلم الإنسان أن الرفق مصلحة ابنه وعبده- اليوم- والعنف مصلحته فى غد: فيأمر عبده بالرفق به فى اليوم وبالعنف به فى الغد».
كما استدل الشمعونية على الثانى- المحال الشرعى- بأن الشرع لا يأتى بما يحيله العقل. وقد أبطل الجمهور هذا بأنه قد ثبت بالأدلة القاطعة أن النسخ جائز عقلا وأنه ليس محالا.
هذا وبعد ذكر المذاهب فى النسخ يتضح لنا جليا ما يلى:
أولا: مذهب الجمهور الذى يرى أن النسخ جائز عقلا وواقع شرعا هو الراجح لقوة الأدلة وسلامتها مما يعارضها.
ثانيا: الخلاف بين أبى مسلم الأصفهانى والجمهور خلاف لفظى فقط، لأنه يرى ما يراه الجمهور من أن النسخ جائز عقلا، وأن شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لجميع الشرائع، ولكن ما يسميه العلماء نسخا فى الشريعة الواحدة يسميه هو تخصيصا.
ثالثا: أفكار النسخ عند فرق اليهود الثلاث ليست غاية، وإنما هى وسيلة لأن الغاية هى إنكار رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن أعجزهم إدراك هذه الغاية فلا أقل من إنكار أنهم مطالبون بتصديقه واتباعه فيما جاء به صلى الله عليه وسلم. وأما النصارى فقد أنكروا جواز النسخ عقلا ووقوعه شرعا ليصلوا من هذا الإنكار إلى غاية حرصوا على تحقيقها. هى بقاء دينهم إلى جانب الإسلام بحجة أن شريعة ما لا تنسخ بشريعة وأن حكما فى شريعة لا ينسخ بحكم فى شريعة أخرى بعدها.
هذا: وما قاله الجمهور ردا ودحضا لمزاعمهم فيه الكفاية والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
الفصل الثانى فى أنواع النسخ
وفيه مباحث.
المبحث الأول: فى نسخ القرآن بالقرآن.
المبحث الثانى: فى نسخ القرآن بالسنة.
المبحث الثالث: فى نسخ السنة بالقرآن.
المبحث الرابع: فى نسخ السنة بالسنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
بعد الانتهاء من بيان مذاهب العلماء فى قضية النسخ يقتضى المقام ويستدعى ذكر أنواع النسخ فى الشريعة الإسلامية تتميما للفائدة فأقول وبالله التوفيق:
النسخ فى الشريعة الإسلامية قد يأتى به القرآن الكريم وقد تأتى به السنة المطهرة، وكذلك المنسوخ قد يرد فى القرآن الكريم وقد يرد فى السنة وعليه فالأقسام أربعة سأتناولها بمشيئة الله تعالى فى المباحث التالية:
المبحث الأول فى نسخ القرآن بالقرآن
1 - نسخ القرآن بالقرآن: أى نسخ بعض القرآن ببعضه لأن القرآن جميعه لا يجوز نسخه، لأنه من حيث لفظه معجزة مستمرة على التأبيد، ومن حيث اشتماله على أحكام الشريعة ذاتا أو استدلالا كحجية السنة والإجماع، والقياس يكون رفعه رفعا لتلك الشريعة ورفع الشريعة كلها يتنافى مع كونها آخر الشرائع والناس لا يتركون بغير شريعة.
وهذا القسم يتنوع إلى ما يلى:
(أ) نسخ التلاوة والحكم معا:
وقد أجمع الجمهور من المسلمين عليه ما عدا الإمام أبا مسلم الأصفهانى رضى الله عنه.
قال أبو إسحاق الشيرازى رحمه الله (1):
« … ويجوز- النسخ- فى الرسم والحكم كتحريم الرضاع كان بعشر رضعات وكان مما يتلى فنسخ الرسم والحكم معا».--------------------------------------------
(1) اللمع 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
وقال الآمدى رحمه الله (1):
«اتفق العلماء على جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس ونسخها معا … ثم قال: أما نسخ التلاوة والحكم فيدل عليه ما روت عائشة رضى الله عنها أنها قالت: كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات فنسخت بخمس وليس فى المصحف عشر رضعات محرمات ولا حكمها فهما منسوخان». وفى رواية- وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن (2) -، وهذا الحديث صحيح وإذا كان موقوفا على السيدة عائشة رضى الله عنها فإن له حكم المرفوع لأن مثله لا يقال بالرأى. بل لا بدّ فيه من توقيف.
وقد تكلم العلماء فى قولها- وهن فيما يقرأ من القرآن- فإن ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك. فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة، والأظهر أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفى وبعض الناس يقرؤها.
وقال أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه: نزلت ثم رفعت. وقال مكى (3): هذا المثال فيه المنسوخ غير متلو والناسخ أيضا غير متلو ولا أعلم له نظيرا.
قال الشيخ محمد عيد المحلاوى رحمه الله (4):
«ما يكون منسوخ التلاوة والحكم معا وهو ما نسخ فى حياته صلى الله عليه وسلم من القرآن بالإنساء، أى الرفع عن القلوب، كما روى--------------------------------------------
(1) الإحكام 3/ 129.
(2) أخرجه مسلم فى صحيحه فى كتاب الرضاع 2/ 616.
(3) الاتقان 3/ 71.
ومكى بن حموش بن محمد القيسى المقرئ صاحب كتاب الرعاية فى تجويد القرآن توفى بقرطبة سنة 437 هـ- وفيات الأعيان لابن خلكان 2/ 120 -
(4) تسهيل الوصول له 136.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة فجاز ذلك فى حياته صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (1) ولم يجز ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (2) وقد يرفع الحكم والتلاوة بدليل شرعى فيكون نسخا، وبدون دليل شرعى فلا يسمى نسخا».
هذا وللإمام الحنفى شمس الأئمة السرخسى كلام طيب لا بأس بإيراده هنا تتميما للفائدة.
يقول رحمه الله (3):
« … وله طريقان: إما صرف الله تعالى عنها القلوب، وإما موت من يحفظها من العلماء لا إلى خلف. ثم هذا النوع من النسخ فى القرآن كان جائزا فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فالاستثناء دليل على جواز ذلك، وقال: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها (4) وقال: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ (5) فأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز هذا النوع من النسخ فى القرآن عند المسلمين، وقال بعض الملحدين ممن يتستر بإظهار الإسلام، وهو قاصد إلى إفساده: هذا جائز بعد وفاته أيضا، واستدل فى:
ذلك بما روى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان يقرأ «لا ترغبوا--------------------------------------------
(1) سورة الأعلى آيتا: 6، 7.
(2) سورة الحجر الآية: 9.
(3) أصول السرخسى 2/ 78.
(4) سورة البقرة الآية: 106.
(5) سورة الإسراء الآية: 86.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
عن آبائكم فإنه كفر بكم» وأنس رضى الله عنه كان يقول: قرأنا فى القرآن «بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا» وقال عمر رضى الله عنه- قرأنا آية الرجم فى كتاب الله ووعيناها (1).
وقال أبىّ بن كعب رضى الله عنه: إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها. والشافعى رضى الله عنه لا يظن به موافقة هؤلاء فى هذا القول، ولكنه استدل بما هو قريب من هذا فى عدد الرضعات.
ثم قال رحمه الله: «والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (2) ومعلوم أنه ليس المراد الحفظ لديه، فإن الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة، فعرفنا أن المراد الحفظ لدينا. فالغفلة والنسيان متوهم مناوبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله عز وجل، ولأنه لا يخلو شىء من أوقات بقاء الخلق فى الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت بطريق الوحى فيما ابتلوا به من أداء الأمانة التى حملوها، إذ العقل لا يوجب ذلك، وليس به كفاية بوجه من الوجوه، وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحى ينزل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو جوزنا هذا فى بعض ما أوحى إليه لوجب القول بتجويز ذلك فى جميعه فيؤدى إلى القول بأن لا يبقى شىء مما ثبت بالوحى بين الناس فى حال بقاء التكليف، وأى قول أقبح من هذا؟ ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما فى أيدينا اليوم أو كله مخالف لشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن نسخ الله ذلك بعده وألف بين قلوب الناس على أن--------------------------------------------
(1) سيأتى- إن شاء الله- قريبا أن ما روى عن أنس وعمر رضى الله عنهما مما نسخ تلاوته دون حكمه.
(2) سورة الحجر الآية: 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
ألهمهم ما هو خلاف شريعته، فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر الله تعالى أنه هو الحافظ لما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وبه يتبين أنه لا يجوز نسخ شىء منه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بطريق الاندراس (1)، وذهاب حفظه من قلوب العباد، وما ينقل من أخبار الآحاد شاذ لا يكاد يصح شىء منها ويحمل قول من قال فى آية الرجم (2) إنه فى كتاب الله، أى فى حكم الله تعالى كما قال تعالى:
كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (3) أى حكم الله عليكم، وحديث عائشة لا يكاد يصح لأنه قال فى ذلك الحديث، وكانت الصحيفة تحت السرير فاشتغلنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل داجن (4) البيت فأكله ومعلوم أن بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب، ولا يتعذر عليهم إثباته فى صحيفة أخرى فعرفنا أنه لا أصل لهذا الحديث».
هذا ما قاله شمس الأئمة رحمه الله، ويمكن أن يلخص فى النقاط التالية:
الأولى: يجوز نسخ التلاوة والحكم معا فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثانية: لا يجوز النسخ مطلقا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. وقد وافق الإمام الجمهور فى هاتين النقطتين.--------------------------------------------
(1) درس الأثر يدرس دروسا ودرسته الريح تدرسه درسا أى محته- لسان العرب 2/ 1359 -
(2) نص الآية هو: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله- تفسير آيات الأحكام تنقيح وتصحيح الشيخ السائس 3/ 105 - .
(3) سورة النساء 24.
(4) الداجن يطلق على الشاة التى تعلقها الناس فى المنازل وقد يطلق على غير الشاء من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها- لسان العرب 2/ 1131 - .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
الثالثة: يرى الإمام تمشيا مع مذهبه عدم ثبوت حديث عائشة رضى الله عنها وما على شاكلته، فيقدمون والمالكية مطلق القرآن عليه.
قال ابن العربى المالكى رحمه الله (1):
«ورأى مالك وأبو حنيفة الأخذ بمطلق القرآن وهو الصحيح لأنه عمل بعموم القرآن، وتعلق به وقد قوى ذلك بأنه من باب التحريم فى الأبضاع والحوطة على الفروج فقد وجب القول به لمن يرى العموم ومن لا يراه».
ثم قال رحمه الله: فإذا مصّ لبنها وحصل فى جوفه فهى مرضعة وهى أمه وهى داخلة بالآية بلا مرية (2).
وجاء فى متن القدورى (3): قليل الرضاع وكثيره سواء إذا حصل فى مدة الرضاع تعلق به التحريم.
هذا ما قاله السادة الماليكة والحنفية، والحق أنه قد اضطربت أقوالهم فى ضبط الرضعة وحقيقتها اضطرابا كثيرا، ولم يرجع إلى دليل ويجاب عما ذكروه من أن الآية وردت مطلقة بأن المذكور فى الآية مجمل بيّنه الشارع بالعدد وضبطه به.
وعليه فالقول بأن حديث عائشة ليس بقرآن، لأنه لا يثبت بخبر الآحاد ولا هو حديث، لأنها لم تروه حديثا مردود بأنها وإن لم تثبت قرآنيته ويجرى عليه حكم ألفاظ القرآن فقد روته عن النبى صلى الله عليه وسلم، فله حكم الحديث فى العمل به وقد عمل بمثل ذلك العلماء فعمل به الإمامان الشافعى وأحمد رضى الله عنهما (4) فى هذا الموضع،--------------------------------------------
(1) أحكام القرآن له 1/ 374.
(2) المرية بالكسر والضم: الشك والجدل- لسان العرب 5/ 4189 -
(3) الشهاب 2/ 100.
(4) الأم 5/ 30 ومغنى المحتاج 3/ 417، والمغنى لابن قدامة 7/ 536.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
وعمل به الهادوية والحنفية فى قراءة ابن مسعود رضى الله عنه فى صيام الكفارة ثلاثة أيام متتابعات وعمل الإمام مالك رضى الله عنه فى فرض الأخ من الأم (1) بقراءة أبى رضى الله عنه- وله أخ أو أخت من أم- والناس كلهم احتجوا بهذه القراءة (2)، والله أعلم.
(ب) نسخ التلاوة فقط دون الحكم:
ما نسخ تلاوته فقط دون حكمه يعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول.
قال الإمام فخر الدين الرازى رحمه الله (3):
«يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس. لأن التلاوة والحكم عبادتان منفصلتان، وكل ما كان كذلك فإنه غير مستبعد فى العقل أن يصيرا معا مفسدتين أو أن يصير أحدهما مفسدة دون الآخر». ومن الأمثلة التى ذكرها العلماء لهذا النوع ما يلى:
1 - روى عن أبى بن كعب رضى الله عنه أنه قال (4): «كانت سورة الأحزاب توازى سورة النور فكان فيها «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما» وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن هذه الآية منسوخة التلاوة دون الحكم. لكن ما هى الفائدة فى ذكر الشيخ والشيخة؟ وهلا قال: المحصن والمحصنة؟
والحق أن هذا من البديع فى المبالغة وهو أن يعبر عن الجنس فى باب الذم بالأنقص فالأنقص وفى باب المدح بالأكثر والأعلى فيقال:
«لعن الله السارق يسرق ربع دينار فتقطع يده» والمراد: يسرق ربع دينار فصاعدا إلى أعلى ما يسرق وقد يبالغ فيذكر ما لا تقطع به كما جاء فى الحديث: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده» (5) ومعلوم أن اليد لا تقطع فى البيضة.--------------------------------------------
(1) الشرح الصغير 3/ 584.
(2) سبل السلام 3/ 1157.
(3) المحصول 1/ 482.
(4) أخرجه الدارمى فى سننه 2/ 179.
(5) أخرجه البخارى فى صحيحه 4/ 172.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
قال بدر الدين الزركشى رحمه الله (1): وتأويل من أوّله ببيضة الحرب تأباه الفصاحة.
2 - جاء فى صحيح البخارى عن أنس رضى الله عنه فى قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا وقنت يدعو على قاتليهم. قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع «أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا» (2).
قال الشوكانى رحمه الله (3):
« .. ما نسخ رسمه لا حكمه ولا يعلم الناسخ له، وذلك كما ثبت فى الصحيح (4) «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» فإن هذا كان قرآنا ثم نسخ رسمه … ثم قال: «وكما ثبت فى الصحيح أيضا أنه نزل فى القرآن حكاية عن أهل بئر معونة أنهم قالوا: بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا».
هذا وقد أنكر بعض المعتزلة (5) هذا النوع من النسخ واستندوا إلى شبهتين هما:
الأولى: الآية دليل على الحكم. فلو نسخت دونه لأشعر نسخها بارتفاع الحكم وفى ذلك ما فيه من التلبيس على المكلف. والحق أن هذه الشبهة إنما تقوم لها قائمة فى حالة ما إذا لم ينصب الشارع دليلا على نسخ التلاوة، وعلى إبقاء الحكم. أما وقد نصب الدليل على نسخ--------------------------------------------
(1) البرهان له 2/ 36.
(2) صحيح البخارى 3/ 28، 29.
(3) إرشاد الفحول 190.
(4) أخرجه الشيخان والترمذى وأبو عوانة وغيرهم بألفاظ متقاربة- المقاصد الحسنة 347، 348.
(5) كشف الأسرار عن أصول البزدودى 3/ 189، ومناهل العرفان 2/ 114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
التلاوة وحدها وعلى إبقاء الحكم وتقرير استمراره كما فى رجم الزناة المحصنين فلا تلبيس من الشارع على عبده حينئذ.
الثانية: إن نسخ التلاوة فقط دون الحكم عبث لا يليق بالشارع الحكيم لأنه من التصرفات التى لا تعقل لها فائدة.
وتدفع هذه الشبهة بجوابين هما:
الأول: أن نسخ الآية مع بقاء الحكم ليس مجردا من الفائدة حتى يكون عبثا كما تقولون. بل فيه فائدة عظيمة هى حصر القرآن فى دائرة محدودة تيسر على الأمة حفظه واستظهاره وتسهل على سواد الأمة التحقق فيه وعرفانه، وذلك سور محكم يحمى القرآن من أيدى المتلاعبين فيه بالزيادة أو النقص، لأن الكلام إذا شاع وملأ البقاع ثم حاول أحد تحريفه سرعان ما يعرف ويقابل بالإنكار، ومن هنا يبقى الأصل سليما من التغيير والتبديل مصداقا لقول الله سبحانه وتعالى:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (1).
الثانى: لو سلمنا عدم العلم بالحكمة والفائدة فى هذا النوع من النسخ فهو لا يصلح حجة على خلوّ هذا النوع من الفائدة، لأن عدم العلم بالشىء لا يصلح أن يكون حجة على العلم بعدم ذلك الشيء وإلا فمتى كان الجهل طريقا من طرق العلم؟
وهل يشك عاقل فى أن كل ما يصدر عن الله تعالى يصدر عن حكمة سامية وإن كنا لا نعلمها؟ قال تعالى:
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (2).
أما ترى رب البيت وهو يأمر أولاده الصغار بما لا يدركون له فائدة لنقص عقولهم على حين أنه فى الواقع مفيد، وهم يأتمرون بأمره، وإن--------------------------------------------
(1) سورة الحجر الآية: 9.
(2) سورة الإسراء الآية: 85.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
كانوا لا يدركون فائدته، كذلك شأن الله مع خلقه فيما خفى عليهم من أسرار تشريعه، وفيما لم يدركوا من فائدة نسخ التلاوة دون الحكم:
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1).
قال الشيخ جلال الدين السيوطى رحمه الله (2):
ما نسخ تلاوته دون حكمه وقد أورد بعضهم فيه سؤالا وهو: ما الحكمة فى رفع التلاوة مع بقاء الحكم؟ وهلا بقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟
وأجاب صاحب الفنون (3): بأن ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة فى المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال (4) لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شىء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طريق الوحي. اه.
(ج) نسخ الحكم فقط دون التلاوة:
والحق أن هذا النوع من النسخ هو الذى ألفت فيه الكتب الكثيرة واختلف فيه العلماء ما بين مجيز له ومانع، ومكثر له ومقل. وقد رأى المجيزون لهذا الضرب أن هناك
حكما وراء هذا النوع منها (5):
1 - أن القرآن الكريم كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به، يتلى لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة.
2 - أن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة.--------------------------------------------
(1) سورة الروم الآية: 27.
(2) الإتقان 3/ 81.
(3) هو كتاب فنون الأفنان فى عجائب علوم القرآن لابن الجوزى ومنه نسخة غير كاملة فى المكتبة التيمورية.
(4) الاستفصال هو طلب البيان- لسان العرب 4/ 3424 - .
(5) البرهان فى علوم القرآن 2/ 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
أما المانعون (1) لهذا الضرب من النسخ فيقولون لا يمكن أن توجد فى القرآن الكريم آيات معطلة الأحكام بقيت فى المصحف للذكرى والتاريخ، تقرأ التماسا لأجر التلاوة فحسب وينظر إليها كما ينظر إلى التحف الثمينة فى دور الآثار. غاية ما يرجى من المحافظة عليها إثبات المرحلة التى أدتها فى الماضى أما الحاضر والمستقبل فلا شأن لها بهما.
قال الشيخ جلال الدين السيوطى رحمه الله (2):
… إن الذى أورده المكثرون أقسام: قسم ليس من النسخ فى شىء ولا من التخصيص ولا له بهما علاقة بوجه من الوجوه، وذلك مثل قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ (4) ونحو ذلك قالوا: إنه منسوخ بآية الزكاة وليس كذلك بل هو باق أما الأولى فإنها خبر فى معرض الثناء عليهم بالإنفاق، وذلك يصلح أن يفسر بالزكاة وبالإنفاق على الأهل، وبالإنفاق فى الأمور المندوبة كالإعانة والإضافة، وليس فى الآية ما يدل على أنها نفقة واجبة غير الزكاة، والآية الثانية يصلح حملها على الزكاة وقد فسرت بذلك (5).
وكذا قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (6) قيل: إنها مما نسخ بآية السيف، وليس كذلك لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا لا يقبل هذا الكلام النسخ، وإن كان معناه الأمر بالتفويض وترك المعاقبة.
وقوله تعالى فى سورة البقرة: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (7)--------------------------------------------
(1) نظرات فى القرآن للداعية الإسلامى الكبير فضيلة الشيخ محمد الغزالى 236.
(2) الاتقان 3/ 71.
(3) سورة البقرة الآية: 3.
(4) سورة المنافقون الآية: 10.
(5) تفسير ابن كثير 8/ 160، والناسخ والمنسوخ لابن سلامة 11.
(6) سورة التين الآية: 8.
(7) سورة البقرة الآية: 83.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
عده بعضهم من المنسوخ بآية السيف، وقد غلّطه ابن الحصار (1) بأن الآية حكاية عما أخذه على بنى إسرائيل من الميثاق فهو خبر لا نسخ فيه (2).
وقسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ، وقد اعتنى ابن العربى (3) بتحريره فأجاد كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (4) وقوله: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (5)--------------------------------------------
(1) هو على بن محمد بن إبراهيم الخزرجى. له مؤلفات منها أصول الفقه، والناسخ والمنسوخ، والبيان فى تنقيح البرهان. توفى سنة 611 هـ- التكملة لابن أبار 686 ط:
عزت العطار سنة 1955 م-.
(2) قال هبة الله بن سلامة رحمه الله الناسخ والمنسوخ 11، 12 - قوله تعالى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً فيها قولان:
قال عطاء بن أبى رباح وأبو جعفر محمد بن الحسن بن على بن أبى طالب رضوان الله عليهم أجمعين هى محكمة، واختلفا بعد ما اجتمعا على إحكامها.
وقال محمد بن على بن الحسن عليهم السلام: معنى قوله: (وقولوا للنّاس حسنا) أى قولوا لهم محمد رسول الله.
وقال عطاء بن أبى رباح وقولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم.
وقال ابن جريج قلت لعطاء إن مجلسك هذا يحضره البر والفاجر أفتأجزنى أن أغلظ فيه على الفاجر؟
فقال: لا. ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وقال جماعة هى منسوخة وناسخها عندهم قوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الآية [التوبة: 5].
(3) لعله أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربى المالكى المتوفى سنة 543 هـ- طبقات المفسرين للسيوطى 105 - .
(4) سورة العصر آيتا: 2، 3.
(5) سورة الشعراء آيات: 224 - 227.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
وقوله: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (1).
وغير ذلك من الآيات التى خصت باستثناء أو غاية، وقد أخطأ من أدخلها فى المنسوخ (2). ومنه قوله تعالى:
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ (3) قيل: إنه نسخ بقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ (4). وإنما هو مخصوص به (5).--------------------------------------------
(1) سورة البقرة الآية: 109.
(2) ذكر الجصاص رضى الله عنه أن ابن عباس رضى الله عنهما من القائلين بنسخها- أحكام القرآن له 1/ 60 - كما ذكر ابن سلامة رحمه الله أنها منسوخة وكذا القرطبى فى تفسيره- الناسخ والمنسوخ لابن سلامة 12، وتفسير القرطبى 1/ 460 - .
(3) سورة البقرة الآية: 221.
(4) سورة المائدة الآية: 5.
(5) قال بعض العلماء: حرم الله نكاح المشركات فى سورة البقرة ثم نسخ من هذه الجملة نساء أهل الكتاب فأجلهن فى سورة المائدة وروى هذا القول عن ابن عباس رضى الله عنهما وبه قال مالك بن أنس وسفيان بن سعيد الثورى وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعى.
وقال قتادة وسعيد بن جبير: لفظ الآية العموم فى كل كافرة، والمراد بها الخصوص فى الكتابيات وبينت الخصوص آية المائدة ولم يتناول العموم قط الكتابيات وهذا أحد قولى الشافعى رحمه الله.
وعلى القول الأول يتناولهن العموم ثم نسخت آية المائدة بعض العموم، وهذا مذهب مالك رحمه الله ذكره ابن حبيب قال: ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقل مذموم.
وقال إسحاق بن إبراهيم الحربى: ذهب قوم فجعلوا الآية التى فى البقرة هى الناسخة والتى فى المائدة هى المنسوخة فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أن غير كتابية.
قال النحاس: وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة منهم عثمان وطلحة وابن عباس وجابر وحذيفة ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
وقسم رفع ما كان عليه الأمر فى الجاهلية أو فى شرائع من قبلنا، أو فى أول الإسلام ولم ينزل فى القرآن كإبطال نكاح نساء الآباء ومشروعية القصاص والدية وحصر الطلاق فى الثلاث. وهذا إدخاله فى قسم النسخ قريب، ولكن عدم إدخاله أقرب وهو الذى رجحه مكى وغيره، ووجهوه بأن ذلك لوعد فى الناسخ لعدّ جميع القرآن منه. إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار، وأهل الكتاب. قالوا: وإنما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت آية. اه.
وهذا الذى قاله الجلال السيوطى رحمه الله وحكاه عن مكى رحمه الله كلام طيب للغاية، لأن هناك من العلماء من توسع فى دائرة النسخ، وأدخلوا فيه ما ليس منه بناء على شبه واهية ويظهر، والله أعلم أن منشأ غلط أولئك المتوسعين فى دائرة النسخ ما يلى:
1 - نسيانهم أن النسخ عبارة عن رفع حكم شرعى بدليل شرعى، وما قالوه من إبطال الإسلام لما كان عليه أهل الجاهلية من نكاح نساء الآباء ونحوه، فإن الإسلام هنا لم يرفع حكما شرعيّا وإنما رفع البراءة الأصلية، ومعلوم أن رفع البراءة لا يسمى نسخا.
2 - اشتباه التخصيص عندهم بالنسخ كالآيات التى خصصت باستثناء أو غاية.
3 - ظنهم أن ما شرع لسبب ثم زال سببه من المنسوخ. وعلى هذا عدوا الآيات التى وردت فى الحث على الصبر، وتحمل أذى الكفار أيام ضعف المسلمين وقلتهم منسوخة بآيات القتال مع أنها ليست منسوخة.
بل هى من الآيات التى دارت أحكامها على أسباب، فالله عز وجل--------------------------------------------
وأيضا فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة البقرة ناسخة للآية التى فى سورة المائدة لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل فكيف ينسخ الأول الآخر؟.
- أحكام القرآن للجصاص 1/ 332، 333، وتفسير القرطبى 1/ 875، 876 -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)