الأئمة، فعسى أن لا يرى إجماعًا على تركه بل يرى كثرة فيمن عدله، فليتق الله الجارح، وليستبرئ لدينه، والله الموفق (1).
- طبقات المحدِّثين وطريقتهم في الجرح والتعديل:
"فقسم تكلموا في سائر الرواة: كابن معين وأبي حاتم.
وقسم تكلموا في كثير من الرواة: كمالك وشعبة.
وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل: كابن عيينه، والشافعي، والكل على ثلاثة أقسام أيضًا:
قسم منهم متعنِّتٌ في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، فهذا إذا وثَّق شخصًا فعض على قوله بنواجذك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعَّف رجلاً؛ فانظر: هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يوثق ذلك الرجل أحد من الحذاق؛ فهو ضعيف. وإن وثَّقه أحد؛ فهذا هو الذي قالوا فيه لا يقبل فيه الجرح إلا مفسَّرًا، يعني: لا يكفي فيه قول ابن معين -مثلاً-: ضعيف، ولم يبين سبب ضعفه، ثم يجيء البخاري وغيره يوثقه.
ومثل هذا يختلف في تصحيح حديثه وتضعيفه.
ومن ثم قال الذهبي -وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال-: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة، ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه.
وقسم منهم: متسامح؛ كالترمذي، والحاكم.
قلت: وكابن حزم؛ فإنه قال في كل من أبي عيسى الترمذي، وأبي القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصفار، وأبي العباس الأصم وغيرهم من المشهورين: إنه مجهول!--------------------------------------------
(1) انظر قواعد التحديث: (ص 188).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
وقسم معتدل: كأحمد، والدارقطني، وابن عدي.
وقال السيوطي في "زهر الربى على المجتبى": قال ابن الصلاح: حكى أبو عبد الله بن منده: أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان مذهب النسائي: أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال الحافظ أبو الفضل العراقي: هذا مذهب متسع.
قال الحافظ ابن حجر في "نكتة على ابن الصلاح": ما حكاه عن البارودي أراد بذلك إجماعًا خاصًّا.
وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا لّخلو من متشدد ومتوسط.
فمن الأولى: شعبة، وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه.
ومن الثانية: يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد منه.
ومن الثالثة: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، ويحيى: أشد من أحمد.
ومن الرابعة: أبو حاتم، والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري.
قال النسائي: لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه، فأما إذا وثقه ابن مهدي، وضعفه يحيى القطان -مثلاً- فلا يترك، لما عُرِفَ من تشديد يحيى، ومن هو مثله في النقد.
قال الحافظ: وإذا تقرر ذلك؛ ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي متَّسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي وتجنب النسائي إخراج حديثه، بل تجنب إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين، انتهى" (1).--------------------------------------------
(1) انظر الرفع والتكميل: (ص 307).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
قلت: وهذا دليل بيِّن واضح أن هذا العلم مبناه على الاجتهاد لا على التقليد، كما سيأتي.
ومن أمثلة ذلك: ما قاله الحافظ ابن حجر: "عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري المعروف بابن الغسيل، والغسيل هو حنظلة، قُتِلَ يوم أحد شهيدًا، وهو جنب، فغسَّلته الملائكة، وعبد الرحمن من صغار التابعين، وثقه بن معين والنسائي، وأبو زرعة، والدارقطني.
وقال النسائي مرة: ليس به بأس، ومرة: ليس بالقوي.
وقال ابن حبان: كان يخطئ ويهم كثيراً، مرَّض القول فيه أحمد، ويحيى، وقالا: صالح، وقال الأزدي: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن عدي: هو ممن يعتبر حديثه ويكتب.
قلت: تضعيفهم له بالنسبة إلى غيره ممن هو أثبت منه من أقرانه، وقد احتج به الجماعة سوى النسائي" (1).
وهذا يدل أن على تضعيف الراوي يكون بالنظر إلى من هو أقوى منه.
وقال الإمام النووى رحمه الله:
"عاب عائبون مسلمًا بروايته في "صحيحه" عن جماعة من الضعفاء، والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح، ولا عيب عليه في ذلك.
بل جوابه من أوجه ذكرها الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله:
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال:--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة فتح الباري = هدي الساري: (1/ 417).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
الجرح مقدَّم على التعديل؛ لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتًا مفسر السبب، وإلا فلا يقبل الجرح إذا لم يكن كذا.
وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي وغيره: ما احتج البخاري ومسلم وأبو داود به من جماعة عُلِمَ الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب.
الثاني: أن يكون ذلك واقعًا في المتابعات والشواهد، لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولاً بإسناد نظيف رجاله ثقات، ويجعله أصلاً، ثم يتبعه بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه، وقد اعتذر الحاكم أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في إخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح، منهم: مطر الوراق، وبقية بن الوليد، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد، وأخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين.
الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه، فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته، كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب، فذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومئتين بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة وعبد الرزاق وغيرهما ممن اختلط آخرًا، ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في "الصحيحين" بما أخذ عنهم قبل ذلك.
الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده من رواية الثقات نازل، فيقتصر على العالي، ولا يطول بإضافة النازل إليه؛ مكتفيًا بمعرفه أهل الشأن في ذلك، وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصًا، وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثقات أولاً ثم أتبعه بمن دونهم متابعة، وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
روينا عن سعيد بن عمرو البرذعي: أنه حضر أبا زرعة الرازي وذكر "صحيح مسلم" وإنكار أبي زرعة عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسى المصري، وأنه قال أيضًا: يطرق لأهل البدع علينا، فيجدون السبيل بأن يقولوا إذا احتج عليهم بحديث: ليس هذا في الصحيح! قال سعيد بن عمرو: فلما رجعت إلى نيسابور ذكرت لمسلم إنكار أبي زرعة، فقال لي مسلم: إنما قلت: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواة الثقات" (1).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
"فإذا عُرِفَ وتقرَّرَ أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا عِلَّةَ له، أو له علَّة إلا أنها غير مؤثرة عندهما؛ فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضًا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة" (2).
وقال ابن أبي حاتم رحمه الله:
"حدثنا عبد الرحمن قال: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقه مما يقويه؟
قال: إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه.
حدثنا عبد الرحمن قال: سألتُ أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما--------------------------------------------
(1) انظر شرح النووى على صحيح مسلم: (1/ 23 - 26).
(2) انظر: "مقدمة فتح الباري" (1/ 347).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
يقوي حديثه، قال: إي لَعَمري! قلت: الكلبي روى عنه الثوري؟! قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يُتَكَلَّمُ فيه.
قال أبو زرعه: حدثنا أبو نعيم نا سفيان نا محمد بن السائب الكلبي -وتبسم الثوري-. قال أبو محمد: قلت لأبي: ما معنى رواية الثوري عن الكلبي وهو غير ثقة عنده؟ فقال: كان الثوري يذكر الرواية عن الكلبي على الإنكار والتعجب، فتعلقوا عنه روايته عنه وإن لم تكن روايته عن الكلبي قبوله له" (1).
وقال الحافظ ابن عدي في "الكامل" عند ترجمة عمر بن الوليد الشني: "حدثنا محمد بن أحمد بن حماد ثنا صالح ثنا علين: سألت يحيى بن سعيد عن عمر بن الوليد الشني؟ فقال بيده فحرَّكها، كأنه لا يقويه، فاسترجعتُ أنا، فقال: ما لك؟ قلت: إذا حركت يدك فقد أهلكت عندي، قال: ليس هو عندي ممن أعتمد عليه، ولكنه لا بأس به. قلت: فأبو مكين؟ قال: لا؛ أبو مكين فوقه.
قال: وسألت يحيى بن سعيد عن الربيع بن حبيب؟ فقال: تعرف وتنكر؟! ومال بيده كما قلت هو نحو عمر بن الوليد، فقال: هو نحوه. كتب إلي محمد ابن الحسن، قال: سمعت عمرو بن علي يقول: لم يحدثنا يحيى عن عمر بن الوليد الشني، وعمر بن الوليد هذا هو قليل الحديث، ولم يحضرني له شيء فأذكره" (2).
وقال الحافظ شمس الدين الذهبي في "الكاشف":
"عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني الإفريقي قاضيها، عن أبيه ومسلم ابن يسار وأبي عبد الرحمن الحبلي، وعنه ابن وهب والمقرئ: ضعفوه، وقال--------------------------------------------
(1) انظر: "الجرح والتعديل" (2/ 36).
(2) انظر: "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/ 42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
الترمذي: رأيت البخاري يقوِّي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث" (1).
وقال: "إبراهيم بن يزيد بن مردانبه الكوفي، عن ابن أبي خالد ورقبة بن مصقلة، وعنه أبو كريب وعدة، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقوَّاه غيره" (2).
وقال: "بشر بن رافع أبو الأسباط عن يحيى بن أبي كثير وجماعة، وعنه عبد الرزاق، وجماعة: ضعَّفه أحمد، وقوَّاه ابن معين" (3).
وقال رحمه الله: "حميد بن حماد بن أبي الخوار أبو الجهم الكوفي، عن سماك وحماد بن أبي سليمان، وعنه أبو كريب ومحمود بن غيلان: ضعَّفه أبو داود، وقوَاه ابن حبان" (4).
"سعد بن أوس البصري عن أبي يحيى مصدع وزياد بن كسيب، وعنه حميد بن مهران وأبو عبيدة الحداد: ضُعِّفَ، وقوَّاه ابن حبان" (5).
"سماك بن حرب أبو المغيرة الذهلي، أحد علماء الكوفة، عن جابر بن سمرة والنعمان بن بشير، وعنه شعبة وزائدة، له نحو مئتي حديث، قال: أدركتُ ثمانين صحابيًّا. قلت: هو ثقة، ساء حفظه. قال صالح جزرة: يُضَعَّفُ. وقال ابن المبارك: ضعيف الحديث. وكان شُعبة يضعِّفه، وقوَّاه جماعة" (6).
"سنيد بن داود أبو علي المصيصي الحافظ، عن حماد بن زيد وشريك، وعنه أبو زرعة والأثرم: ضعَّفه أبو حاتم، وقواه غيره" (7).--------------------------------------------
(1) انظر الكاشف: (1/ 627).
(2) انظر الكاشف: (1/ 227).
(3) انظر الكاشف: (1/ 268).
(4) انظر الكاشف: (1/ 352).
(5) انظر الكاشف: (1/ 427).
(6) انظر الكاشف: (1/ 465).
(7) انظر الكاشف: (1/ 468).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
"فرج بن فضالة التنوخي الحمصي، عن ربيعة بن يزيد ولقمان بن عامر، وعنه قتيبة ولوين وعلي بن حجر وخلق، ضعَّفه الدارقطني وغيره، وقواه أحمد" (1).
"معروف بن خربوذ المكي، عن أبي الطفيل والباقر، وعنه أبو داود وأبو عاصم وعدة، ضعَّفه ابن معين، وقواه غيره، وقال أبو حاتم: يُكتبُ حديثهُ" (2).
"محمد بن طلبة بن مصرف خ م، قال النسائي: ليس بالقوي، وقواه الدارقطني" (3).
"إسماعيل بن زكريا الخلقاني، عن حصين وطبقته، ثقة منصف، وهو شيعي يقال عنه كلام في الغلو لا يصدر عن مسلم، وقد اختلف قول ابن معين فيه؛ فقواه مرة، وضعفه أخرى، وقال أحمد: حديثه مقارب" (4).
"عبد السلام بن صالح بن سليمان أبو الصلت الهروي مولى قريش، نزل نيسابور، صدوق له مناكير، وكان يتشيع، وأفرط العقيلي فقال: كذاب! " (5).
"محمد بن حاتم بن ميمون المروزي أبو عبد الله القطيعي -بفتح القاف- السمين، عن وكيع والقطان وابن عُلَيَّة وابن عُيينة وطبقتهم، وعنه م د وجماعة، وثَّقه الدارقطني وابن عدي، وأفرط ابن معين فكذبه! قال ابن سعد: مات سنة خمس وثلاثين ومئتين" (6).--------------------------------------------
(1) انظر الكاشف: (2/ 120).
(2) انظر الكاشف: (2/ 280).
(3) انظر ذكر من تكلم فيه وهو موثق: (ص 163).
(4) انظر ذكر من تكلم فيه وهو موثق: (ص 45).
(5) انظر تقريب التهذيب: (ص 355).
(6) انظر خلاصة تذهيب تهذيب الكمال: (1/ 331).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
"فضيل بن مرزوق: وثَّقه يحيى مرة، وضعفه أخرى" (1).
"إسماعيل بن أبي أويس الإمام الحافظ محدث المدينة، أبو عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، قرأ القرآن على نافع الإمام، فكان بقية أصحابه، وحمل عن خاله مالك بن أنس وعبد العزيز بن الماجشون وسليمان بن بلال وسلمة بن وردان وخلق سواهم، وحديثه في الدواوين الستة سوى كتاب النسائي، روى عنه الشيخان ومحمد بن نصر الصائغ وعلي بن جبلة الأصبهاني وأبو محمد الدارمي والحسن بن علي السري وخلق كثير، قال أحمد: لا بأس به. وقال أبو حاتم: محلُّه الصدق، مغفل. وضعَّفه النسائي، وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح" (2).
"إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي خ د س، عن ابن أبي أوفى وغيره، ليَّنه شُعبة، وضعَّفه أحمد، حديثه حسن" (3).
"إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي خ م، قليل الحديث لا بأس به، وضعفه أبو داود، وقال النسائي ليس بالقوي وله في الصحيحين أحاديث، ووثقه الدارقطني" (4).
"زهير بن محمد التيمي المروزي ع، له غرائب، قال البخاري: روى أهل الشام عنه مناكير. وضعفه ابن معين، أخرجه مسلم في الشواهد، قال الحاكم: وهذا ممن خفي على مسلم بعض حاله، فإنه من العُبَّادِ المجاور بمكة، لين في الحديث.--------------------------------------------
(1) انظر تاريخ أسماء الثقات: (ص 185).
(2) انظر: تذكرة الحفاظ: (1/ 409).
(3) انظر ذكر من تكلم فيه وهو موثق: (ص 32).
(4) انظر ذكر من تكلم فيه وهو موثق: (ص 34).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
زياد بن عبد الله البكائي خ م، صدوق مشهور ثبت في ابن إسحاق، قال ابن معين: لا بأس به في المغازي خاصة. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال الدارقطني: مختلف فيه، وعندي ليس به بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي" (1).--------------------------------------------
* * *
(1) انظر ذكر من تكلم فيه وهو موثق: (ص 81).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
علم الحديث مبناه على الاجتهاد لا على التقليد
قال شيخ الإسلام عليه رحمة الله:
"وأهل العلم المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم الناس قيامًا بهذه الأصول، لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم، بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه ويتكلم في أحب الناس إليه، عملًا بقوله تعالى: (* {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)} [النساء: 135] وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] ولهم من التعديل، والتجريح، والتضعيف، والتصحيح من السعي المشكور، والعمل المبرور ما كان من أسباب حفظ الدين وصيانته عن إحداث المفترين، وهم في ذلك على درجات: منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية، ومنهم أهل المعرفة بالحديث والدراية، ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة بمعانيه" (1).
وقد أخرج البخاري أحاديث اعتقد صحتها تركها مسلم لما اعتقد فيها غير ذلك، وأخرج مسلم أحاديث اعتقد صحتها تركها البخاري، لما اعتقد فيها غير معتقده، وهو يدل على أن الأمر طريقه الاجتهاد لمن كان من أهل العلم بهذا الشأن، وقليل ما هم.--------------------------------------------
(1) انظر مجموع الفتاوى: (1/ 10).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
"وكذلك التصحيح؛ لم يقلد أئمة الحديث فيه البخاري ومسلمًا؛ بل جمهور ما صححاه كان قبلهما عند أئمة الحديث صحيحًا متلقًّى بالقبول، وكذلك في عصرهما، وكذلك بعدهما، قد نظر أئمة هذا الفن في كتابيهما، ووافقوهما على تصحيح ما صححاه إلا مواضع يسيرة، نحو عشرين حديثًا، غالبها في مسلم، انتقدها عليهما طائفة من الحفاظ، وهذه المواد المنتقدة غالبها في مسلم، وقد انتصر طائفة لهما فيها، وطائف قررت قول المنتقدة.
والصحيح: التفصيل، فإن فيها مواضع منتقدة بلا ريب، مثل حديث أم حبيبة، وحديث خلق الله التربة يوم السبت، وحديث صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأكثر، وفيها مواضع لا انتقاد فيها في البخاري، فإنه أبعد الكتابين عن الانتقاد، ولا يكاد يروي لفظًا فيه انتقاد إلا ويروي اللفظ الآخر الذي يبين أنه منتقد فما في كتابه لفظ منتقد، إلا وفي كتابه ما يبين أنه منتقد.
وفي الجملة: من نقد سبعة آلاف درهم فلم يرج عليه فيها إلا دراهم يسيرة، ومع هذا؛ فهي مغيرة ليست مغشوشة محضة، فهذا إمام في صنعته، والكتابان سبعة آلاف حديث وكسر.
والمقصود: أن أحاديثهما انتقدها الأئمة الجهابذة قبلهم وبعدهم، ورواها خلائق لا يحيى عددهم إلا الله، فلم ينفردا لا برواية، ولا بتصحيح، والله سبحانه وتعالى هو الكفيل بحفظ هذا الدين، كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهٌ لَحافِظُونَ) [الحجر: 9] " (1).
وقال الزركشي رحمه الله:
"وأصحاب الصحيح: إذا رووا لمن تكلم فيه، وضُعِّفَ؛ فإنهم يثبَّتون من حديثه ما لم ينفرد به؛ بل وافق فيه الثقات، وقامت شواهد صدقه.--------------------------------------------
(1) انظر منهاج السنة النبوية: (7/ 215).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
قال: وفي هذا الموضع يعرض الغلط لطائفتين من الناس:
إحداهما: يرون الرجل قد أخرج له في الصحيح فيحكمون بصحة كل ما رواه، حيث رأوه في حديث قالوا: هذا حديث صحيح على شرط الصحيح! وهو غلط؛ فإن ذلك الحديث قد يكون مما أُنْكِرَ عليه من حديثه، أو يكون شاذًّا أو معلَّلاً، فلا يكون من شرط أصحاب الصحيح، بل ولا يكون حسنًا، وقد أخرج البخاري حديث جماعة ونكب على بعضها خارج الصحيح.
والثانية: يرون الرجل قد تُكُلِّمَ فيه وقد ضعِّفَ، فيجعلون ما قيل فيه من كلام الحفاظ موجبًا لترك جميع ما رواه، ويضعفون ما صح من حديثه لطعن من طعن فيه، كما يقول ابن حزم ذلك في إسرائيل وغيره من الثقات، وكذلك أين الأئمة وذوقهم؟ انتهى.
ويلتحق بذلك أمر ثالث: وهو أنهم يرون الرجل ترك الشيخان حديثه فيجعلون ذلك قدحًا فيه، وهذا ظاهر تصرف البيهقي في كتابه "السنن" و"المعرفة"؛ كثيراً ما يُعَلِّل الأحاديثَ بأن رواتَها لم يخرج لهم الشيخان!
والحقُّ: أنه لا يدل على ذلك كما لا يدل تركهما ما لم يخرجا من الأحاديث الصحيحة على ضعفها، وبه صرح الإسماعيلي في المدخل، وقال: تركه الرواية عن حماد بن سلمة ونحوه كتركه كثيراً من الأحاديث الصحيحة على شرطه، لا لضعفها وإسقاطها.
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه المدخل أيضًا: وعلى مصنفاتهم في العلل وسؤالاتهم يعتمد في الجرح والتعديل، لا على كتاب بنوا فيه على أصل وشرطوا لأنفسهم فيه شروطًا، انتهى" (1).
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: "النكت على مقدمة ابن الصلاح" للزركشي (3/ 353).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
- أمثلة في اختلاف اجتهادهم في الوصل والانقطاع:
قال الحافظ ابن حجر في "هدي الساري":
"موسى بن عقبة في "صحيح البخاري" روايته عن الزهري، وفي بعضها عنه: قال الزهري.
قال الإمام أبو بكر الإسماعيلي: يقال: إنه لم يسمع من الزهري شيئًا.
أبان بن عفان، له عن أبيه في "صحيح مسلم" حديث: "لا ينكح المحرم ولا ينكح" (1)، وذكر ابن أبي حاتم في كتاب "المراسيل" عن أبي بكر الأثرم أنه سأل أحمد بن حنبل: أبان سمع من أبيه؟ قال: لا، من أين سمع منه؟!
زهرة بن معبد أبو عقيل، توقف ابن أبي حاتم في روايته عن ابن عمر، وقال: لا أدري؛ أسع منه؟ وروايته عن ابن عمر في "صحيح البخاري".
سليم بن عامر الخبايري، قال أبو حاتم: لم يدرك عمرو بن عنبسة، ولا المقداد بن الأسود! وحديثه عن المقداد في "صحيح مسلم"، وكأنه على مذهبه، وذكر ابن أبي حاتم أنه لم يلقَ عون بن مالك، وروايته عنه مرسلة.
عامر الشعبي، أنكر الإمام أحمد سماعه من أبي هريرة! وخرجا في "الصحيحين" حديثه عنه.
وتوقف جماعة من الأئمة عن الاحتجاج بما لم يروه الليث عن أبي الزبير عن جابر، وفي "صحيح مسلم" عدة أحاديث مما قال فيه أبو الزبير عن جابر، وليست من طريق الليث، وكأن مسلمًا رحمه الله اطّلع على أنها مما رواه الليث عنه وإن لم يروها من طريقه.
عبد الرحمن بن أبي الموالي المدني أبو محمد: وثقه ابن معين، والنسائي--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم: (2/ 1030).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
وأبو زرعة، وقال أحمد وأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن خراش: صدوق. وقال ابن عدي: مستقيم الحديث. وأنكر أحمد حديثه عن محمد بن المنكدر عن جابر في الاستخارة، وقد أخرجه البخاري".
وقال رحمه الله: "ولا زلت متعجِّبًا من جزم الدارقطني: بأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة! مع أن في هذا الحديث في البخاري قال الحسن: سمعت أبا بكرة يقول، إلى أن رأيت في رجال البخاري لأبي الوليد الباجي في أول حرف الحاء للحسن بن علي بن أبي طالب ترجمة، وقال فيها: أخرج البخاري قول مقدمة الحسن سمعت أبا بكرة، فتأول أبو الحسن الدارقطني وغيره على أنه الحسن بن علي، لأن الحسن عندهم لم يسمع من أبي بكرة، وحمله البخاري وابن المديني على أنه الحسن البصري، وبهذا صح عندهم سماعه منه.
قال الباجي: وعندي أن الحسن الذي سمعه من أبي بكرة، إنما هو الحسن بن علي بن أبي طالب.
قلت: أوردتُ هذا متعجِّبًا منه، لأني لم أره لغير الباجي، وهو حمل مخالف للظاهر بلا مستند، ثم إن راوي هذا الحديث عند البخاري عن الحسن لم يدرك الحسن بن علي، فيلزم الانقطاع فيه، فما فرَّ منه الباجي من الانقطاع بين الحسن البصري وأبي بكرة وقع فيه بين الحسن بن علي والراوي عنه، ومن تأمل سياقه عند البخاري تحقق ضعف هذا الحمل، والله أعلم" (1).
- اختلافهم في حد الجهالة:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله:
"جهل جماعة من الحفاظ قومًا من الرواة لعدم علمهم بهم، وهم معروفون بالعدالة عند غيرهم، وأنا أسرد ما في الصحيحين من ذلك:--------------------------------------------
(1) انظر "هدي الساري" (ص 368).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
أحمد بن عاصم البلخي: جهله أبو حاتم، لأنه لم يخبر بحاله، ووثقه ابن حبان، وقال: روى عنه أهل بلده.
إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي: جهله ابن القطان، وعرفه غيره؛ فوثقه ابن حبان، وروى عنه جماعة.
أسامة بن حفص المدني: جهله، الساجي وأبو القاسم اللالكائي، قال الذهبي: ليس بمجهول، روى عنه أربعة.
أسباط أبو اليسع: جهله أبو حاتم، وعرفه البخاري.
بيان بن عمر: جهله أبو حاتم، ووثَّقه ابن المديني وابن حبان وابن عدي، وروى عنه البخاري وأبو زرعة، وعبيد لله بن واصل.
الحسين بن الحسن بن يسار: جهله أبو حاتم، ووثقه أحمد وغيره.
الحكم بن عبد الله البصري: جهله أبو حاتم، ووثقه الذهلي، وروى عنه أربعة ثقات.
عباس بن الحسين القنطري: جهله أبو حاتم، ووثقه أحمد، وابنه، وروى عنه البخاري والحسن بن علي المعمري وموسى بن هارون الحمال وغيرهم.
محمد بن الحكم المروزي: جهله أبو حاتم ووثقه ابن حبان، وروى عنه البخاري" (1).
- فائدة عزيزة في تحرير حد الجهالة:
قال ابن القيم رحمه الله: "فأما تعليله (يعني ابن حزم) حديث ندبة بكونها مجهولة، فإنها مدنية روت عن مولاتها ميمونة، وروى عنها حبيب، ولم يعلم أحد جرحها، والراوي إذا كانت هذه حاله إنما يُخْشَى من تفرده بما لا يُتَابَعُ--------------------------------------------
(1) انظر تدريب الراوي: (1/ 320).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
عليه، فأما إذا روى ما رواه الناس وكانت لروايته شواهد ومتابعات، فإن أئمة الحديث يقبلون حديث مثل هذا، ولا يردونه، ولا يعللونه بالجهالة، فإذا صاروا إلى معارضة ما رواه بما هو أثبت منه وأشهر، عللوه بمثل هذه الجهالة، وبالتفرد، ومن تأمل كلام الأئمة رأى فيه ذلك، فيظن أن ذلك تناقض منهم، وهو بمحض العلم والذوق والوزن المستقيم، فيجب التنبه لهذه النكتة، فكثيرًا ما تمر بك في الأحاديث ويقع الغلط بسببها" (1).
* لزوم التحري في فهم عبارات الأئمة:
قال شيخ الإسلام: "قال أبو إسحاق الجوزجاني: قال ابن أبي شيبة: ثبت لنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا وضوء لمن لم يسم"، وتضعيف أحمد لها محمول على أحد الوجهين: إما أنها لا تثبت عنده؛ أولاً: لعدم علمه بحال الراوي، ثم علمه، فبنى عليه مذهبه برواية الوجوب، ولهذا أشار إلى أنه لا يعرف رباحًا ولا أبا ثفال، وهكذا تجي عنه كثيرًا الإشارة إلى أنه لم يثبت عنده ثم زال ثبوتها، فإن النفي سابق على الإثبات.
وإما أنه أشار إلى أنه لم يثبت على طريقه تصحيح المحدثين، فإن الأحاديث تنقسم إلى صحيح، وحسن، وضعيف، وأشار إلى أنه ليس بثابت، أي: ليس من جنس الصحيح الذي رواه الحافظ التقة عن مثله، وذلك لا ينفي أن يكون حسنًا -وهو حجة-، ومن تأمل كلام الحافظ الإمام علم أنه لم يوهن الحديث، وإنما بيَّن مرتبته في الجملة أنه دون الأحاديث الصحيحة الثابتة.
وكذلك قال في موضع آخر: أحسنها حديث أبي سعيد، ولو لم يكن فيها حسن لم يقل فيها أحسنها، وهذا معنى احتجاج أحمد بالحديث الضعيف،--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب السنن: (1/ 309).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وقوله: ربما أخذنا بالحديث الضعيف وغير ذلك من كلامه، يعني به الحسن، فأما ما رواه متهم أو مغفل فليس بحجة أصلاً.
ويبين ذلك وجوه:
أحدها: أن البخاري أشار في حديث أبي هريرة إلى أنه لا يعرف السماع في رجاله، وهذا غير واجب في العمل؛ بل العنعنة مع إمكان اللقاء ما لم يعلم أن الراوي مدلس.
وثانيها: أنه قد تعددت طرقه وكثرت مخارجه، وهذا مما يشد بعضه بعضًا، ويغلب على الظن أن له أصلاً، وروي أيضًا مرسلاً؛ رواه سعيد عن مكحول عن النبى صلى الله عليه وسلم.
إلى إن قال: وثالثها: أن تضعيفه إما من جهة إرسال أو جهل راو، وهذا غير قادح على إحدى الروايتين، وعلى الأخرى -وهي قول من لا يحتج بالمرسل- نقول: إذا عمل به جماهير أهل العلم، وأرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول، أو روي مثله عن الصحابة، أو وافقة ظاهر القرآن؛ فهو حجة، وهذا الحديث قد اعتضد بأكثر ذلك، فإن عامة أهل العلم عملوا به في شرع التسمية في الوضوء، ولولا هذا الحديث لم يكن لذلك، وإنما اختلفوا في صفة شرعها؛ هل هو إيجاب، أو ندب؟ وروي من وجوه متباينة مسندًا ومرسلاً، ولعلك تجد في كثير من المسائل ليس معهم أحاديث مثل هذه.
ورابعها: أن الإمام أحمد قال: أحسنها -يعني أحاديث هذا الباب- حديث أبي سعيد. وكذلك قال إسحاق بن راهويه، وقد سئل: أي حديث أصح في التسمية؟ فذكر حديث أبي سعيد. وقال البخاري: أحسن حديث في هذا الباب حديث سعيد بن زيد. وهذه العبارة وإن كانوا إنما يقصدون بها بيان أن الأثر أقوى شيء في هذا الباب، فلولا أن أسانيدها متقاربة لما قالوا ذلك" (1).--------------------------------------------
(1) انظر شرح العمدة: (1/ 173).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
- علم صناعة الحديث لا ينفك عن الفقه لأنه الغاية:
وعلى هذا جرى الأئمة الكبار، فمع كونهم يشترطون شروطًا للحديث الصحيح كما عُرِفَ من طريقة البخاري، إلا أنه يحتج بالحديث، وإن لم يكن على شرطه، بل ولا مقارب له، لاعتبارات لا يعلمها إلا الفقيه.
قال الحافظ: "لأن كتاب البخاري -كما تقدم تقريره- لم يقصد به إيراد الأحاديث نقلاً صرفًا؛ بل ظاهر وضعه: أنه يجعل كتابًا جامعًا للأحكام وغيرها، وفقهه في تراجمه، فلذلك يورد فيه كثيرًا الاختلاف العالي، ويرجِّحُ أحيانًا، ويسكت أحيانًا؛ توقُّفًا عن الجزم بالحكم، ويورد كثيراً من التفاسير، ويشير فيه إلى كثير من العلل، وترجيح بعض الطرق على بعض، فإذا أورد فيه شيئًا من المباحث لم تستغرب" (1).
وإليك بعض الأمثلة:
قال رحمه الله: "باب كراهية الصلاة في المقابر".
قال الحافظ في"الفتح": "وكأنه أشار إلى أن ما رواه أبو داود والترمذي في ذلك ليس على شرطه، وهو حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، رجاله ثقات لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحته الحاكم وابن حبان" (2).
وقال الإمام البخاري رحمه الله: "ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا طرف من حديث أبي سعيد الخدري قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه".
قال الحافظ: "أخرجه مسلم، وأصحاب السنن من رواية أبي نضرة عنه، قيل: وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض، لأن أبا نضرة ليس على شرطه لضعف فيه، وهذا عندي ليس بصواب؛ لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه--------------------------------------------
(1) انظر فتح الباري: (12/ 325).
(2) انظر فتح الباري: (1/ 529).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
لا يصلح عنده للاحتجاج به؛ بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحة، والحق أن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف؛ بل قد تستعمل في الصحيح أيضًا، بخلاف صيغة الجزم؛ فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح" (1).
وقال البخاري: "باب صيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة".
قال الحافظ: "ليس في الحديث الذي أورده البخاري في هذا الباب ما يطابق الترجمة، لأن الحديث مطلق في ثلاثة أيام من كل شمهر والبيض مقيدة بما ذكر.
وأُجيب: بأن البخاري جرى على عادته في الإيماء إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وهو ما رواه أحمد والنسائي، وصححه ابن حبان، من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الأعرابي، فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر. قال: إن كنتَ صائمًا فصُم الغر -أي البيض-"، وهذا الحديث اختُلِفَ فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيراً، بيَّنه الدارقطني" (2).
قال البخاري رحمه الله: "باب الطواف بعد الصبح والعصر".
قال الحافظ: "وكأنه أشار إلى ما رواه الشافعي، وأصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما، من حديث جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا بني عبد مناف؛ من ولي منكم من أمر الناس شيئًا فلا يمنعنَّ أحدًا طافَ بهذا البيت وصلَّى أيّ ساعة شاء من ليلٍ أو نهارٍ"، وإنما لم يخرجه لأنه ليس على شرطه" (3).--------------------------------------------
(1) انظر فتح الباري: (2/ 205).
(2) انظر فتح الباري: (4/ 226).
(3) انظر فتح الباري: (3/ 488).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)