أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين" (1). وهذه طرق يقوِّي بعضُها بعضًا" (2).
وقال ابن عبد الهادي:
"قال الدارقطني: ثنا الحسين بن إسماعيل ثنا عبد الله بن منيب ثنا يحيى بن إبراهيم بن أبي قتيلة قال: ثنا الحارث بن محمد الفهري، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحلُّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه" (3).
وهذا الإسناد ضعيف، لم يخرجه أحد من أهل السنن، ولا هو مخرج في الكتب الستة، وفي رجاله الحارث بن محمد الفهري: لا يعرف مجهول.
وفيه أيضًا: عبد الله بن منيب الربعي، قال الرازي: يحل ضرب عنقه!
لكنه مروي من وجوه عن ابن عمر بأسانيد يقوي بعضها بعضًا" (4).
وقال الإمام ابن قيم الجوزية:
"وأما جمهور العلماء: كمالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وأصحابهم فقالوا: إن اضطرت إلى الكحل بالإثمد، تداويًا لا زينة، فلها أن تكتحل به ليلا، وتمسحه نهارًا، وحجتهم حديث أم سلمة المتقدم رضي الله عنها، فإنها قالت في كحل الجلاء: "لا تكتحل إلا لما لا بد منه، يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار". ومن حجتهم حديث أم سلمة رضي الله عنها الآخر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها، وقد جعلت عليها صبرًا، فقال: "ما هذا يا أم سلمة؟ " فقلت: صبرِّ يا رسول الله، ليس فيه طيب. فقال: "إنه يشب الوجه". فقال: "لا تجعليه إلا--------------------------------------------
(1) انظر "التمهيد لابن عبد البر: (16/ 303).
(2) انظر "فتح الباري: (2/ 571).
(3) أخرجه الدارقطني في سننه: (3/ 26).
(4) انظر تنقيح تحقيق أحاديث التعليق: (3/ 50).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
بالليل، وتنزعيه بالنهار" (1). وهما حديث واحد فرَّقه الرُّواة، وأدخل مالك هذا القدر منه في "موطئه" بلاغًا، وذكر أبو عمر في "التمهيد" (2) له طرقًا يشدُّ بعضُها بعضًا، ويكفي احتجاج مالك به، وأدخله أهل السنن في كتبهم، واحتجَّ به الأئمة، وأقل درجاته أن يكون حسنًا" (3).
وقال أيضًا:
"وقد رويت أحاديث الامتحان في الآخرة من حديث الأسود بن سريع، صححه عبد الحق، والبيهقي، من حديث أبي هريرة، وأنس، ومعاذ، وأبي سعيد.
فأما حديث الأسود؛ فرواه معاذ، عن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم …
وقال معاذ: وحدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة.
ورواه أحمد وإسحاق عن معاذ، ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان، عن رافع، عن أبي هريرة.
ورواه معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا عليه، وهذا لا يضرُّ الحديثَ؛ فإنه إن سلك طريق ترجيح الزائد لزيادته؛ فواضح، وإن سلك طريقَ المعارضة؛ فغايتها تحقق الوقف، ومثل هذا لا يقدم عليه بالرأي إذ لا مجال له، فيقبل بجزمٍ بأن هذا توقيف لا عن رأي.--------------------------------------------
(1) أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (3/ 396) وأبو داود (4292)، وأخرجه البيهقى في السنن الكبرى: (7/ 440)، وانظر التمهيد لابن عبد البر: (24/ 363).
(2) (24/ 362).
(3) انظر: "زاد المعاد" (5/ 703).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
وأما حديث أنس؛ فرواه جرير بن عبد الحميد، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الوارث، عن أنس، عن النبي- صلى الله عليه وسلم: "يُؤتَى يومَ القيامةِ بأربعة: بالمولود، وبالمعتوه، وبمن مات في الفترة، وبالشيخ الفاني. كلهم يتكلَّمُ بحجَّتِهِ، فيقول الرب سبحانه لعنق من جهنم: ابرزي. ويقول لهم: إني كنتُ أبعثُ إلى عبادي رسولاً من أنفسهم وإني رسولُ نفسي إليكم. قال: ويقول لهم: ادخلوا هذه. ويقول من كتب عليه الشقاء: أَنَّى نَدْخُلُهَا ومنها كنَّا نفرُّ؟! فيقول الله: فأنتم لِرُسُلِي أشدُّ تكذيبًا. قال: وأما من كُتِبَ عليهم السعادة، فيمضي فيقتحم فيها، فيدخل هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار" (1).
وهذا وإن لم يعتمد عليه بمجرده، لمكان ليث بن أبي سليم عن عبد الوارث عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما حديث معاذ؛ فتقدم الكلام عليه.
وأما حديث أبي سعيد؛ فرواه محمد بن يحيى الذهلي: أخبرنا سعيد بن سليمان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الهالك في الفترة، والمعتوه، والمولود؛ يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب. ويقول المعتوه: ربِّ لم تجعل لي عقلًا أعقلُ به خيرًا ولا شرًّا. ويقول المولود: ربِّ لم أُدرك العقل! فيرفعُ لهم نارًا، فيقول: رِدُّوها (2). قال: فيَرِدُّها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًّا لو أدرك العمل. فيقول: إياي عصيتم فكيف لو رسلي أتتكم؟ " (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (4112)، وصححه الشيخ الألباني بطرقه في "الصحيحة" (2468).
(2) أي: ادخلوها.
(3) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (16989) وفي "الأوسط" (1646).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
تابعه الحسن بن موسى عن فضيل، ورواه أبو نعيم عن فضيل بن مروزق فوقه، فهذا وإن كان فيه عطية؛ فهو ممن يُعْتَبر بحديثه ويُسْتَشْهَدُ به، وإن لم يكن حُجَّة.
وأما الوقف؛ فقد تقدم نظيره من حديث أبي هريرة؛ فهذه الأحاديث يشدُّ بعضُها بعضًا، وتشهدُ لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري رحمه الله في "المقالات" وغيرها".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"مسألة: ولمس المرأة بشهوة:
ظاهرُ المذهب: أن الرجل متى وقع شيء من بشرته على بشرة أنثى بشهوة انتقض وضوؤه. وإن كان لغير شهوة، مثل أن يقبلها رحمة لها، أو يعالجها وهي مريضة، أو تقع بشرته عليها سهوا وما أشبه ذلك؛ لم ينقض. وعنه: ينقض اللمس مطلقًا، لعموم قوله: (أَوْ لامَستُم النِّسَاءَ) وقراءة حمزة والكسائي: "أو لمستم النساء". وحقيقة الملامسة: التقاء البشرتين، لا سيما اللمس؛ فإنه باليد أغلب، كما قال:
لمست بكفي كـ ـفه أطلب الغنى
ولهذا قال عمر وابن مسعود رضي الله عنها: "القبلة من اللمس وفيها الوضوء".
وقال عبد الله بن عمر: "قبلة الرجل امرأته وجسّها بيده من الملامسة".
ولأنه مس ينقض، فلم تعتبر فيه الشهوة كمس الذكر، ولأن مس النساء في الجملة مظنَّة خروج الخارج، وأسباب الطهارة مما نيط الحكم فيها بالمظان بدليل الإيلاج والنوم ومس الذكر.
وعنه: أن مس النساء لا ينقض بحال، لما روى حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقَبِّلُ بعض نسائه ثم يصلِّي ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
يتوضأ". رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1).
ورواه إبراهيم التيمي عن عائشة؛ أخرجه أبو داود والنسائي.
وقد احتجَّ به أحمد في رواية حنبل، وقد تكلَّم هو وغيره في الطريق الأولى؛ بأن عروة المذكور هو عروة المزني، كذلك قال سفيان الثوري: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني.
وعروة هذا لم يدرك عائشة، وإن كان عروة بن الزبير؛ فإن حبيبًا لم يدركه، قال إسحاق بن راهويه: لا تظنوا أن حبيبًا لقي عروة.
وفي الثاني: بأن إبراهيم التيمي لا يصح سماعه من عائشة.
وجواب هذا: أن عامة ما في الإسناد نوع إرسال، وإذا أرسل الحديث من وجهين مختلفين، اعتضد أحدهما بالآخر، لا سيما وقد رواه البزار بإسناد جيد، عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها مثله".
وقال الحافظ في "الفتح" (1/ 292):
"ويمكن أن يستدل لدخولهما بفعله صلى الله عليه وسلم، ففي الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء: "فغسل يديه إلى المرفقين حتى مسَّ أطراف العضدين" (2)، وفيه عن جابر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه"، لكن إسناده ضعيف، وفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء: "وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق". وفي الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعًا: "ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه". فهذه الأحاديث يقوِّي بعضها بعضًا".
قال الحافظ: "روى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر مرفوعًا: "سفر--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (2382) والترمذي (727) وابن ماجه (811).
(2) أخرجه الدارقطني في سننه: (1/ 83).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
المرأة مع عبدها ضيعة" (1)، لكن في إسناده ضعف، وقد احتج به أحمد وغيره" (2).
"وروى الإمام أحمد عن جرير عن قابوس عن أبيه: "أن عليًّا سئل، فقيل له: أحدنا يستعجل فيغسل شيئًا قبل شيء؟ قال: لا، حتى يكون كما أمره الله تعالى". احتج به أحمد في رواية الأثرم" (3).
- ومن أمثلة اختلاف النقَّاد في الحكم على رواة الحديث:
عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنها: "أن غيلان بن سلمة أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير أربعًا منهن" (4)، رواه الترمذي، وابن ماجه، وهذا وإن كان مرسلاً على الصحيح عند الأئمة -قاله الإمام أحمد والبخاري وغيرهما- إلا أنه قد عضده الذي قبله، فصار حجة بالاتفاق، ولهذا احتج به أحمد في رواية أبي الحارث" (5).
قال الحافظ الهيثمي: "عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "من اشترى رقبة ليعتقها، فلا يشترط لأهلها العتق، فإن عقده من الرزق"، رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه سعيد بن الفضل القرشي؛ ضعفه أبو حاتم، وقوَّاه غيره" (6).
وقال: "وعن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وإن أهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في--------------------------------------------
(1) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (3/ 214): "رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه بزيع بن عبد الرحمن، ضعفه أبو حاتم، وبقية رجاله ثقات".
(2) انظر "فتح الباري" (4/ 77).
(3) انظر "تنقيح تحقيق أحاديث التعليق" (1/ 128).
(4) أخرجه أحمد في مسنده: (2/ 83) والترمذي في سننه: (1128)، وابن ماجه (1953) والدارقطني في سننه: (3/ 269).
(5) انظر "شرح الزركشي: (2/ 392).
(6) انظر: "مجمع الزوائد" (4/ 86).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
الآخرة"، رواه الطبراني، وفيه هشام بن لاحق؛ تركه أحمد، وقواه النسائي، وبقية رجاله ثقات" (1).
قال الحافظ الذهبي: "عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الجنة لتزخرف لرمضان من رأس الحول إلى الحول المقبل، فإذا كان أول يوم من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش، فشققت ورق الجنة عن الحور العين، فقلن: يا رب؛ اجعل لنا من عبادك أزواجًا، وتقر بهم أعيننا وقر أعينهم بنا" (2)، قال الفقيه نصر: تفرد به الوليد بن الوليد العبسي وقد تركوه.
قلت: وهَّاه الدارقطني، وقوَّاه أبو حاتم" (3).
"حديث زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أؤذن في صلاة الفجر، فأذنت فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم"، رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، قال الترمذي: إنما نعرفه من حديث الإفريقي، وهو ضعيف عند أهل الحديث. وحسَّنه الحازمي، وقوَّاه العقيلي وابن الجوزي" (4).
قال الزيلعي: "فحديث أبي هريرة أخرجه الترمذي عن عثمان بن محمد الأخنس عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" (5) انتهى، وقال: حديث حسن صحيح. وتكلم فيه أحمد وقواه البخاري" (6).
وقال ابن عبد الهادي: "وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال--------------------------------------------
(1) انظر: "مجمع الزوائد" (7/ 263).
(2) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه: (3/ 190)، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط: (7/ 44)، وأبو يعلى في مسنده: (9/ 180).
(3) انظر: "تذكرة الحفاظ" (3/ 1108).
(4) نظر: "خلاصة البدر المنير": (1/ 105).
(5) أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (2/ 96)، والترمذي (2/ 171) وابن ماجه (1/ 323).
(6) انظر: "نصب الراية": (1/ 303).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس للقاتل من الميراث شيء" (1)، رواه النسائي، والدارقطني، وقواه ابن عبد البر، وذكر له النسائي علة مؤثرة" (2).
وقال ابن الملقن: "عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: "صَلَاةٌ عَلَى سِواكٍ أفضلُ مِن صَلاةٍ عَلَى غير سِوَاكٍ بِسَبْعين دَرَجَة"، رواه أبو نعيم من حديث هاشم بن القاسم الحَرَّاني ثنا عيسى بن يونس عن فرج به، وفرج ضعفه الدارقطني وغيره، وقَوَّاه أحمد" (3).
"وقد روى أبو أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي- صلى الله عليه وسلم قال: "الذي يعمل عمل قوم لوط فارجموه الأعلى والأسفل، ارجموهما جميعًا" (4)، لكنه ضعفه. وبالجملة هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، إذ ليس فيها متهم بكذب وسوء الحفظ يزول بتتابعها، مع أن الجارحين لم يبينوا سبب الجرح، وقد قال يحيى بن سعيد: عباد بن منصور ثقة، لا ينبغي أن يُتْرَكَ حديثُه لرأي أخطأ فيه، وهذا يدل على أن تضعيفهم له كان بسبب خطئه في رأيه، ويقوي الحديث عمل راويه عليه" (5).
- حجية الحديث المرسل إذا اعتضد:
وقال ابن عبد البر: "وأصل مذهب مالك رحمه الله والذي عليه جماعة أصحابنا المالكيين: أن مرسل الثقة تجب به الحجة ويلزم به العمل، كما يجب بالمسند سواء" (6).--------------------------------------------
(1) أخرجه النسائي في السنن الكبرى: (4/ 79)، والدارقطني في سننه: (4/ 96)، والطبراني في المعجم الأوسط: (1/ 271).
(2) انظر: "المحرر في الحديث" (1/ 529).
(3) انظر: "البدر المنير": (2/ 18).
(4) أخرجه ابن ماجه في سننه: (2/ 856)، وأخرجه أبو يعلى في مسنده: (12/ 43).
(5) انظر: "شرح الزركشي": (3/ 106).
(6) انظر: "التمهيد" لابن عبد البر: (1/ 2).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وقال شيخ الإسلام: "والمرسل نقول: إذا عمل به جماهير أهل العلم وأرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول، أو روي مثله عن الصحابة، أو وافقة ظاهر القرآن؛ فهو حجة".
وقال: "والمرسل إذا عمل به الصحابة حجة وفاقًا" (1).
وقال العلائي: "اعتبار المرسل بما يعضده من مرسل آخر، أو مسند من وجه آخر، أو قول بعض الصحابة أو غير ذلك -كما سنبينه- وهو اختيار الإمام الشافعي رحمه الله، فيما رويناه عنه، وهذا نصه: قال (2): المنقطع مختلف؛ فمن شاهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى حديثًا منقطعًا اعتبر عليه بأمور:
أحدها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن تركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم على معنى ما روى، كانت هذه دلالة على صحة ما قيل عنه وحفظه، وإن انفرد به مرسلاً؛ قُبِلَ ما انفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مرسل آخر ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم؟ فإن وجد ذلك؛ قوي، وهي أضعف من الأول، وإن لم يوجد ذلك؛ نظر إلى بعض ما يروى عن بعض الصحابة قولاً له، فإن وجد يوافق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت في هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله تعالى" (3).
وقال ابن جرير: "أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المئتين" (4).
وقال أبو داود في "رسالته إلى أهل مكة": "وأما المراسيل؛ فقد كان يحتج--------------------------------------------
(1) انظر: "شرح العمدة" (2/ 262).
(2) الرسالة" للإمام الشافعي (ص 463).
(3) انظر جامع التحصيل: (ص 39).
(4) انظر: "تدريب الراوي" (1/ 198).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، ولم يوجد المسند؛ فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة".
يعني: إذا لم يكن له شاهد.
وقال الحافظ ابن حجر: "وأما الموطأ؛ فقال أبو بكر الأبهري: جملة ما فيه من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ألف وسبع مئة وعشرون حديثا المسند منها ست مئة حديث، والمرسل مئتان واثنان وعشرون حديثًا، والموقوف ست مئة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين مئتان وخمسة وثمانون" (1). وهذا يدل على الاحتجاج بها.
وقال البيهقي: "فالشافعي يقبل مراسيل كبار التابعين، إذا انضم إليها ما يؤكدها، ولا يقبلها إذا لم ينضم إليها ما يؤكدها، سواء أكان مرسل ابن المسيب، أو غيره، قال: وقد ذكرنا مراسيل لابن المسيب لم يقل بها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ومراسيل لغيره قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها. قال: وزيادة ابن المسيب على غيره في هذا لأنه أصح التابعين إرسالاً" (2).--------------------------------------------
* * *
(1) انظر: "النكت على مقدمة ابن الصلاح" (1/ 192).
(2) انظر: "المنهل الروي" (ص 44).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
- أمثلة على احتجاج الأئمة بالمرسل إذا اعتضد:
قال عبد الله ابن الإمام أحمد -رحمهما الله-:
"سألتُ أبي عن حديث الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: "رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة".
فقال: أما سفيان، فكان أكثر ما يقول: عن الزهري عن سالم عن أبيه: أنه رأى النبي- صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر. قال أبي: فقد رواه عقيل عن خالد عن الزهري عن لسالم عن ابن عمر: "أنه كان يمشي أمام الجنازة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة". وما هو إلا فعل ابن عمر والنبي صلى الله عليه وسلم؛ مرسل عن الزهري.
قال أبي: كان هذا من قول الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم … حدثنا قال: سمعت أبي يقول: حدثناه حجاج عن ليث عن عقيل، قال أبي: ورواه ابن بريج أيضًا، فوافق عقيل كما قال أيضًا سواء، قال: ورأيت أبي إذا كان في جنازة يتقدم يمشي أمامها" (1).
ومما رواه أبو داود في "المراسيل": حدثنا أبو توبة حدثنا الهيثم عن ثور عن سليمان بن موسى عن طاوس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بهما على صدره وهو في الصلاة" (2).
ويشهد له: ما رواه ابن خزيمة قال: أخبرنا أبو طاهر، نا أبو بكر نا أبو موسى نا مؤمل نا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" (3).--------------------------------------------
(1) انظر: "مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله" (ص 143).
(2) انظر: المراسيل لأبي داود: (ص 89).
(3) صحيح ابن خزيمة: (1/ 24).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وما رواه أحمد في "المسند": حدثنا عبد اللَّهِ حدثني أَبِي ثنا يحيى بن سَعِيدٍ عن سُفْيَانَ حدثني سِمَاكٌ عن قَبِيصَةَ بن هُلْبٍ عن أبيه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يَنْصَرِفُ عن يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَرَأَيْتُهُ -قال: يَضَعُ هذه على صَدْرِهِ-، وصفَّ يحيى الْيُمْنَى على الْيُسْرَى فَوْقَ الْمِفْصَلِ" (1).
قال شيخ الإسلام: "وعن الحسن قال: لما نزلت: (وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ اَستَطَاعَ إِليَه سَبِيلاً) [آل عمران: 97] قال: قيل: يا رسول الله؛ ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة"، رواه أحمد وأبو داود في "مراسيله" وغيرهما، وهو صحيح عن الحسن؛ وقد أفتى به، وهذا يدل على ثبوته عنده، واحتج به أحمد" (2).
وقال أيضًا: "وروى محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين؛ أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما رجل مملوك حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أعتق فعليه الحج" (3)، رواه سعيد، وأبو داود في "مراسيله"، واحتج به أحمد" (4).
"حديث: "تصدقوا على أهل الأديان كلها"، ابن أبي شيبة من رواية سعيد بن جبير رفعه: "لا تصدقوا إلى على أهل دينكم، فنزلت: (لَيَسَ عَليكَ هُدَاهُم) [البقرة: 272] فقال: تصدقوا على أهل الأديان" (5)، ومن طريق محمد ابن الحنفية نحوه، ولابن زنجويه في "الأموال": عن سعيد بن المسيب: "أن النبي صلى الله عليه وسلم تصدق على أهل بيت من اليهود"، وهذه مراسيل يشد بعضها بعضًا" (6).--------------------------------------------
(1) مسند أحمد بن حنبل: (5/ 226).
(2) انظر: شرح العمدة: (2/ 128).
(3) انظر: "البدر المنير: (6/ 15)، وانظر "المراسيل" لأبي داود: (1/ 144).
(4) انظر: "شرح العمدة: (2/ 261).
(5) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: (2/ 401).
(6) انظر الدراية في تخريج أحاديث الهداية: (1/ 266).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
"حَدِيثُ: أنه صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَنْ يَجْلِدَ رَجُلاً، فأتي بِسَوْطٍ خَلقٍ فقال: فَوقَ هذا. فأتي بِسَوْطٍ جَدِيدٍ، فقال: بين هَذَيْنِ لم أَرَهُ هذا في الشَّارِبِ نعم" (1)، هو بهذا اللَّفْظِ عن عُمَرَ وَسَيَأتِي، وَوَقَعَ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا في قِصَّةِ حَدِّ الزَّانِي، رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ" عن زَيْدِ بن أَسْلَمَ: "أَنَّ رَجُلاً اعْتَرَفَ على نَفْسِهِ بِالزِّنَا، فَدَعَا له رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ، فقال: فَوْقَ هذا. فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ، فقال: بين هَذَيْنِ. فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قد رُكِبَ بِهِ، وَلانَ، فَأَمَرَ بِهِ، فَجُلِدَ بِهِ" (2)، وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ عبد الرَّزَّاقِ: عن مَعْمَرٍ عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ نَحْوُهُ، وَآخَرُ عن ابن وَهْبِ من طَرِيقِ كُرَيْب مولى ابن عَبَّاسِ بمَعْنَاهُ، فَهَذِهِ الْمَرَاسِيلُ الثَّلاثَةُ يَشُدُّ بَعْضهَا بَعْضًا" (3).
- تقوية الحديث بالأثر:
قال الشافعي رحمه الله: "البدعة بدعتان: بدعة خالفت كتابًا، أو سنة، أو إجماعًا، أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه بدعة ضلالة، وبدعة لم تخالف شيئًا من ذلك، فهذه قد تكون حسنة، لقول عمر: نعمت البدعة هذه" (4).
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
"فقال: فهل تقوم بالحديث المنقطع حجة على من علمه وهل يختلف المنقطع أو هو وغيره سواء؟
قال الشافعي: فقلت له: المنقطع مختلف.--------------------------------------------
(1) انظر البدر المنير: (8/ 719).
(2) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى": (8/ 326)، وأخرجه أيضًا البيهقي في "السنن الصغرى" (نسخة الأعظمي): (7/ 399)، وأخرجه مالك في الموطأ: (2/ 825).
(3) انظر التلخيص الحبير: (4/ 77).
(4) انظر درء التعارض: (1/ 249).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
فمن شاهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من التابعين فحدَّث حديثًا منقطعًا عن النبي- صلى الله عليه وسلم؛ اعتبر عليه بأمور: منها: أن ينظُرَ إلى ما أرسل من الحديث، فإن شرِكَهُ فيه الحفَّاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل معنى ما روى؛ كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه.
وإنِ انفردَ بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده؛ قُبِل ما يفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم؟
فإِنْ وُجِدَ ذلك؛ كانت دلالة يقوي له مرسله، وهي أضعف من الأولى.
وإن لم يوجد ذلك؛ نظر إلى بعض ما يٌروى عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً له، فإن وُجِدَ يوافقُ ما رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله" (1).
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله:
"وقد كان أحمد بن حنبل يختار الأحاديث الموقوفات عن الصحابة على المرسلات عن النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك حُدِّثْتُ عن عبد العزيز بن جعفر قال: أنا أبو بكر الخلال قال: أخبرني محمد بن موسى أن إسحاق بن إبراهيم حدثهم قال: قلتُ لأبي عبد الله: حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم برجال ثبت؛ أحبُّ إليك، أو حديث عن بعض الصحابة والتابعين متَّصِل برجال ثبت؟
قال أبو عبد الله: عن الصحابة أعجب إليَّ" (2).
قال الحافظ ابن عبد البر عند كلامه على أسانيد حديث: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته":
"اختلف العلماء في هذا الإسناد؛ فقال محمد بن عيسى الترمذي: سألتُ--------------------------------------------
(1) انظر الرسالة: (ص 461).
(2) انظر الكفاية في علم الرواية: (1/ 393).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
البخاريَّ عنه، فقال: حديث صحيح، فقلت له: إن هشيمًا يقول فيه: المغيرة بن أبي برزة.
فقال: وهم فيه، إنما هو المغيرة بن بردة.
وهشيم إنما وهم في الإسناد، وهو في المقطعات أحفظ.
وقال غير البخاري: سعيد بن سلمة رجل مجهول، لم يرو عنه غير صفوان ابن سليم وحده.
قال: ولم يرو عن المغيرة بن أبي بردة غير سعيد بن سلمة.
قال أبو عمر: قد روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري رواه عنه سفيان بن عيينة وغيره.
ذكر ابن أبي عمرو الحميدي والمخزومي عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن رجل من أهل المغرب يقال له المغيرة بن أبي عبد الله بن أبي بردة: أن ناسًا من بني مدلج أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله؛ إنا نركب البحر. وساق الحديث بمعنى حديث مالك قد ذكرناه في "التمهيد"، وهو مرسل لا يصح فيه الاتصال، ويحيى بن سعيد أحفظ من صفوان بن سليم وأثبت من سعيد بن سلمة.
وليس إسناد هذا الحديث مما تقوم به حجة عند أهل العلم بالنقل، لأن فيه رجلين غير معروفين بحمل العلم".
ثم قال: "وجماعة من أهل الحديث متَّفقون على أن ماء البحر طهور؛ بل هو أصل عندهم في طهارة المياه الغالبة على النجاسات المستهلكة لها، وهذا يدلك على أنه حديث صحيح المعنى يُتلقَّى بالقبول، والعمل الذي هو أقوى من الإسناد المنفرد" (1).--------------------------------------------
(1) انظر الاستذكار: (1/ 159).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
وقال الإمام الترمذي: "والمقصود بالعمل: المنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم.
عن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم -قال: "طَلاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَان، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَان" (1)، قال محمد بن يحيى: وحدثنا أبو عَاصِمٍ أَنْبَأَنَا مُظَاهِرٌ بهذا. قال: وفي الْبَاب عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ.
قال أبو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلا من حديث مُظَاهِرِ بن أَسْلَمَ، وَمُظَاهِرٌ لا نَعْرِفُ له في الْعِلْمِ غير هذا الحديث، وَالْعَمَلُ على هذا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ من أَصْحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ" (2).
وقال شيخ الإسلام في الحديث المرسل: "نقول: إذا عمل به جماهير أهل العلم وأرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول، أو روي مثله عن الصحابة، أو وافقة ظاهر القرآن؛ فهو حجة" (3).
وقال أيضًا: "والمرسل إذا عمل به الصحابة حجة" (4).
وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله:
"إنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا قال قَوْلاً، أو حكم بِحُكْمٍ أو أفتى بِفُتْيَا، فَلَهُ مَدَارِكُ يَنْفَرِدُ بها عَنَّا، وَمَدَارِكُ نُشَارِكُهُ فيها، فَأَمَّا ما يَخْتَصُّ بِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ من النبي صلى الله عليه وسلم شَفَاهًا، أو من صحَابِيِّ آخَرَ عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فإن ما انْفَرَدُوا بِهِ من الْعِلْم عنا أَكْثَرُ من أَنْ يُحَاطَ بِهِ، فلم يَرْوِ كُلٌّ منهم كُلَّ ما سمع، وَأَيْنَ ما سَمِعَهُ الصِّدَّيقُ رضي الله عنه وَالْفَارُوقُ وَغَيْرُهُمَا من كِبَارِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنه إلَى ما رَوَوْهُ؟ فلم يَرْوِ عنه صِدِّيقُ الأُمَّةِ مِئَةَ حَدِيثٍ، وهو لم يَغِبْ عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من مَشَاهِد"؛--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود: (2/ 257)، والترمذي: (3/ 488)، وابن ماجه (1/ 672).
(2) انظر جامع الترمذي: (3/ 488).
(3) انظر شرح العمدة: (1/ 172).
(4) انظر شرح العمدة: (2/ 262).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
بَلْ صَحِبَهُ من حِينِ بُعِثَ، بَلْ قبل الْبَعْثِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وكان أَعْلَمَ الأمة به صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ، وَفِعْلِهِ، وَهَدْيِهِ، وَسِيرَتِهِ، وَكَذَلِكَ أَجِلَّة الصَّحَابَةِ رِوَايَتُهُمْ قَلِيلَةِّ جِدَّا بالنِّسبَةِ إلَى ما سَمِعُوهُ من نبِيِّهِمْ وَشَاهَدُوهُ، ولَوْ رَوَوْا كُلَّ ما سَمِعُوهُ وَشَاهَدُوة لَزَادَ على رِوَايَةِ أبي هُرَيْرَةَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، فإنه إنَّمَا صحِبَهُ نحو أَرْبَعَ سِنِينَ، وقد رَوَى عنه الْكَثِيرَ. فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لو كان عِنْدَ الصَّحَابِيِّ في هذه الْوَاقِعَةِ شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم لَذَكَرَهُ! قَوْلُ من لم يَعْرِفْ سِيرَةَ الْقَوْم وَأَحْوَالَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَهَابُونَ الرِّوَايَةَ عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيعَظِّمُونَهَا، وَيُقَلِّلُونَهَا خَوْفَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَيُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ الذي سَمِعُوهُ من النبي صلى الله عليه وسلم مِرَارًا، وَلا يُصَرِّحُونَ بالسَّمَاعِ، وَلا يَقُولُونَ: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم" (1).
وقال رحمه الله: "فَتِلْكَ الْفَتْوَى التي يفتي بها أَحَدُهُمْ لا تَخْرُجُ عن سِتَّةٍ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ سَمِعَهَا من النبي صلى الله عليه وسلم، الثَّاني: أَنْ يَكُونَ سَمِعَهَا مِمَّنْ سَمِعَهَا منه، الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فَهِمَهَا من آيَةٍ من كِتَابِ اللَّهِ، فَهْمًا خفي عَلَيْنَا، الرَّابعُ: أَنْ يَكُونَ قد اتَّفَقَ عليها مَلَؤُهُمْ، ولم يُنْقَلْ إلَيْنَا إلَاّ قَوْلَ المفتي بها وَحْدَهُ، الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ لِكَمَالِ عِلْمِهِ بِاللُّغَةِ وَدَلالَةِ اللَّفْظِ على الْوَجْهِ الذي انْفَرَدَ بِهِ عَنَّا أو لِقَرَائِنَ حَالِيَّةٍ، اقْتَرَنَتْ بِالْخِطَابِ، أو لمجموع أُمُورٍ فَهِمُوهَا على طُولِ الزَّمَانِ من رُؤْيَةِ النبي صلى الله عليه وسلم وَمُشَاهَدَةِ أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَسِيرَتِهِ وَسَمَاعِ كَلامِهِ، وَالْعِلْمِ بِمَقَاصِدِهِ وَشُهُودِ تَنْزِيلِ الْوَحْي وَمُشَاهَدَةِ تَأْوِيلِهِ بِالْفِعْلِ، فَيَكُونُ فَهِمَ ما لا نَفْهَمُهُ نَحْنُ، وَعَلَى هذه التَّقَادِيرِ الخَمْسَةِ تَكُونُ فَتْوَاهُ حُجَّةً يجب اتباعها، السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ فَهِمَ ما لم يُرِدْهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم، وَأَخْطَأَ في فَهْمِهِ وَالْمُرَادُ غَيْرُ ما فَهِمَهُ" (2).
وهذا السادس لا يمكن القطع به إلا بوجود المخالف من الصحابة.--------------------------------------------
(1) انظر إعلام الموقعين: (4/ 147).
(2) انظر إعلام الموقعين: (4/ 148).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
قال ابن القيم: "فَلَوْ كان عِلْمُهُمْ أَنْ يفتي أَحَدُهُمْ بِفَتْوَى، وَتَكُونُ خَطَأً مخالفة لِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلا يفتي غَيْرَهُ بِالْحَقِّ الذي هو حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إمَّا مع اشْتِهَارِ فَتْوَى الأَوَّلِ أو بدون اشتِهَارِهَا؛ كانت هذه الأُمَّةُ الْعَدْلُ الْخِيَارُ قد أَطْبَقَتْ على خِلافِ الحَقِّ، بَلْ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: قِسْمًا أَفتَى بِالْبَاطِلِ، وَقِسْمًا سَكَتَ عن الْحَقِّ، وَهَذَا من الْمُسْتَحِيلِ، فإن الْحَقَّ لا يَعْدُوهُمْ وَيَخْرُجُ عَنْهُمْ إلَى من بَعْدَهُمْ قَطْعًا، وَنَحْنُ نَقُولُ لِمَنْ خَالَفَ أَقْوَالَهُمْ: لو كان خَيْرًا ما سَبَقُونَا إلَيهِ" (1).
وقال رحمه الله: "وَإِنْ لم يُخَالِف الصَّحَابِيُّ صَحَابِيًّا آخَرَ؛ فَإِمَّا أَنْ يَشْتَهِرَ قَوْلُهُ في الصَّحَابَةِ أو لا يَشْتَهِر، فَإِن اشْتَهَرَ؛ فَاَلَّذِي عليه جَمَاهِيرُ الطَّوَائِفِ من الْفُقَهَاءِ: أنه إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ منهم: هو حُجَّةٌ، وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، وَقَالَتْ شِرْذِمَةٌ من الْمُتَكَلّمِينَ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ: لا يَكُونُ إجْمَاعًا وَلا حُجَّةً!
وَإِنْ لم يَشْتَهِرْ قَوْلُهُ، أو لم يُعْلَمْ هل اُشْتُهِرَ، أم لا؛ فَاخْتَلَفَ الناس هل يَكُونُ حُجَّةً أم لا؟ فَاَلَّذِي عليه جُمْهور الأمة: أنه حُجَّةٌ. هذا قَوْلُ جُمْهُور الحَنَفِيَّةِ، صَرَّحَ بِهِ محمد بن الْحَسَنِ، وَذكر عن أبي حَنِيفَةَ نَصًّا، وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَتَصَرُّفُهُ في "مُوَطَّئِهِ" دَلِيلٌ عليه، وهو قَوْلُ إِسْحَاقَ بن رَاهْوَيْه، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وهو مَنْصوصُ الإمام أحمد في غَيْرِ مَوْضِع عنه، وَاخْتِيَارُ جُمْهُورِ أصحابه وهو مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ في الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ" (2).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وأيضًا فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة، وأقوال المتكلمين تارة، كما يفعله غير واحد؛ مثل أبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، والرازي وغيرهم، ولازم المذهب الذي ينصرونه تارة أنه هو المعتمد، فلا--------------------------------------------
(1) انظر إعلام الموقعين: (4/ 133).
(2) انظر إعلام الموقعين: (4/ 120).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
يثبتون على دين واحد، وتغلب عليهم الشكوك، وهذا عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب والسنة، وتارة يجعلون إخوانهم المتأخِّربن أحذق وأعلم من السلف، ويقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم! فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان، والتحقيق، والعرفان، والسلف بالنقص في ذلك، والتقصير فيه أو الخطأ، والجهل! وغايتهم عندهم أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط.
ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض؛ فإنه وإن لم يكن تكفيرا للسلف، كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج، ولا تفسيقًا لهم كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم، كان تجهيلاً لهم، وتخطئةً وتضليلاً" (1).
وقال رحمه الله: "لكن قد تنفرد طائفة بالصواب عمن يناظرها من الطوائف، كأهل المذاهب الأربعة؛ قد يوجد لكل واحد منهم أقوال انفرد بها وكان الصواب الموافق للسنة معه دون الثلاثة، لكن يكون قوله قد قاله غيره من الصحابة والتابعين، وسائر علماء الأمة، بخلاف ما انفردوا به، ولم ينقل عن غيرهم، فهذا لا يكون إلا خطأ، وكذلك أهل الظاهر كل قول انفردوا به عن سائر الأمة فهو خطأ، وأما ما انفردوا به عن الأربعة وهو صواب فقد قاله غيرهم من السلف" (2).
بل إن الإمام أحمد قد يُعَلِّلُ المرفوعَ بمخالفته للآثار عن الصحابة، ومن ذلك أنه قال: "أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إذا خلت -أي: المرأة- بالماء فلا يتوضأ منه، وهو أمر لا يقتضيه القياس، فالظاهر أنهم قالوه عن توقيف" (3).--------------------------------------------
(1) انظر مجموع الفتاوى: (4/ 157).
(2) انظر منهاج السنة النبوية: (5/ 178).
(3) انظر شرح الزركشي: (1/ 81).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
يشير إلى تضعيف حديث ابن عباس: "أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اغتسلت … " الحديث.
وطريقة الإمام أحمد: ما ذكره عنه ابنه عبد الله: "قال: قلت لأبي: إذا لم يكن عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء مشروع يخبر فيه عن خصوص أو عموم؟ قال أبي. ينظر ما عمل به الصحابة؛ فيكون ذلك معنى الآية، فإن اختلفوا ينظر أي القولين أشبه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون العمل عليه" (1).
وقال ابن الملقن: "وإذا عمل الصحابي بحديث دلَّ على قوته" (2).
- اختلاف المحدِّثين في الحُكْمِ على الرجال:
قال الإمام أحمد: "مذهبي في الرجال: أني لا أترك حديث محدِّث حتى يجتمع أهل مصر على ترك حديثه" (3).
قال الخطيب: "ثنا يعقوب بن سفيان قال: سمعت أحمد بن صالح -وذكر مسلمة بن علي- فقال: لا يُتْرَكُ حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: فلان ضعيف فأما أن يُقَالَ: فلان متروك؛ فلا؛ إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه" (4).
وما أحسن مذهب النسائي -وغيره من أئمة الحديث وعمالقة النقد- في هذا الباب، وهو: أن لا يُتْرَكَ حديثُ الرجل حتى يجتمعَ الجميعُ على تركه. ولذا أرى من الواجب على المحقِّق أن لا يكتفي في حال الراوي على المختصرات في أسماء الرجال، بل يرجع إلى مطولاته التي تحكي أقوال--------------------------------------------
(1) انظر مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله: (ص 443).
(2) انظر البدر المنير: (4/ 241).
(3) انظر تهذيب التهذيب: (5/ 330).
(4) انظر الكفاية في علم الرواية: (1/ 110).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)