وقال يعقوب بن شيبة: "قلت ليحيى بن معين: تعرف أحداً من التابعين كان ينتقي الرجال كما كان ابن سيرين ينتقيهم؟ فقال برأسه، أي: لا".
وقال يعقوب أيضاً: "وسمعت علي بن المديني يقول: كان ابن سيرين ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، لا نعلم أحداً أول منه، ثم كان أيوب (ت 131 هـ) ، وابن عون (ت 150) ، ثم كان شعبة (ت 160 هـ) ، ثم كان يحيى بن سعيد - القطان - (ت 198 هـ) ، وعبد الرحمن بن مهدي (ت 198) .
قلت لعلي: فمالك بن أنس فقال: أخبرني سفيان بن عُيينة قال: ما كان أشد انتقاء مالك للرجال". 1
2- وقال أبو عبد الله الذهبي (ت 748 هـ) :
"فأول من زكَّى وجرح عند انقراض عصر الصحابة: الشعبي (ت 103 هـ) ، وابن سيرين (ت 110 هـ) ونحوهما، وحفظ عنهم توثيق أُناس وتضعيف آخرين فلما كان عند انقراض عامَّة التابعين في حدود الخمسين ومئة، تكلم طائفة من الجهابذة في التوثيق والتضعيف، كالأعمش (148 هـ) وشعبة بن الحجاج (ت 160 هـ) ومالك بن أنس (ت 179 هـ) .
3- بعد أن ذكر ابن حبان تفتيش الصحابة عن الرجال قال: "ثم أخذ مسلكهم واستن بسنتهم واهتدى بهديهم فيما--------------------------------------------
1شرح العلل لابن رجب (1 / 52) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
استنوا من التيقظ في الروايات جماعة من أهل المدينة من سادات التابعين منهم: سعيد بن المسيب (ت 93 هـ) ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر (ت 106 هـ) ، وسالم بن عبد الله بن عمر (ت 106 هـ) ، وعلي بن الحسين بن علي (ت 93 هـ) ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (ت 94 هـ) ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (ت 98 هـ) ، وخارجة بن زيد ابن ثابت (ت 99 هـ) ، وعروة بن الزبير بن العوام (ت 94 هـ) ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (ت 94 هـ) ، وسليمان بن يسار (ت بعد سنة مئة) .
فجَدُّوا في حفظ السنن والرحلة فيها، والتفتيش عنها والتفقه فيها ولزموا الدين ودعوة المسلمين.
ثم أخذ عنهم العلم وتتبع الطرق وانتقاء الرجال ورحل في جمع السنن جماعة بعدهم منهم: الزهري (ت 124 هـ) ، ويحيى بن سعيد الأنصاري (ت 144 هـ) ، وهشام بن عروة بن الزبير (ت 145 هـ) ، وسعد بن إبراهيم (ت 125 هـ) ، في جماعة معهم من أهل المدينة، إلا أن أكثرهم تيقظاً، وأوسعهم حفظأً وأدومهم رحلة وأعلاهم همة الزهري رحمة الله عليه".
ثم قال: "ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الحديث وانتقاد الرجال وحفظ السنن والقدح في الضعفاء جماعة من أئمة المسلمين والفقهاء في الدين منهم: سفيان بن سعيد الثوري (ت 161 هـ) ، ومالك بن أنس (ت 179 هـ) ، وشعبة بن الحجاج (ت 160 هـ) ، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت 156 هـ) ، وحماد بن سلمة (ت 167 هـ) ، والليث بن سعد (ت 175 هـ) ، وحماد بن زيد (ت 179 هـ) في جماعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
معهم، إلا أن من أشدهم انتقاء للسنن وأكثرهم مواظبة عليها، حتى جعلوا ذلك صناعةً لهم لا يشوبونها بشيء آخر ثلاثة: مالك والثوري وشعبة".
وقال: "ثم أخذ عن هؤلاء بعدهم الرسم في الحديث والتنقير عن الرجال والتفتيش عن الضعفاء والبحث عن أسباب النقل جماعة منهم: عبد الله بن المبارك (ت 181 هـ) ، ويحيى بن سعيد القطان (ت 198 هـ) ووكيع بن الجراح (ت 197 هـ) ، وعبد الرحمن بن مهدي (ت 198 هـ) ومحمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ) في جماعة معهم، إلَاّ أن من أكثرهم تنقيراً عن شأن المحدثين وأتركهم للضعفاء والمتروكين حتى جعلوا هذا الشأن صناعة لهم لم يتعدوها إلى غيرها مع لزوم الدين والورع الشديد والتفقه في السنن رجلان: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي".
وقال: "ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الحديث والاختيار وانتقاء الرجال في الآثار حتى رحلوا في جمع السنن إلى الأمصار، وفتشوا المدن والأقطار، وأطلقوا على المتروكين الجرح وعلى الضعفاء القدح، وبينوا كيفية أحوال الثقات والمدلسين والأئمة والمتروكين حتى صاروا يقتدى بهم في الآثار وأئمة يسلك مسلكهم في الأخبار، جماعة منهم: أحمد بن حنبل رضي الله عنه (ت 241 هـ) ، ويحيى بن معين (ت 233 هـ) ، وعلي بن المديني (ت 234 هـ) ، وأبو بكر بن أبي شيبة (ت 235 هـ) ، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي (ت 238 هـ) ، وعبيد الله بن عمر القواريري (ت 235 هـ) ، وزهير بن حرب أبو خيثمة (ت 234 هـ) في جماعة من أقرانهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
إلا أن من أورعهم في الدين وأكثرهم تفتيشاً عن المتروكين، وألزمهم لهذه الصناعة على دوام الأوقات: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني رحمة الله عليهم أجمعين".
ثم قال: "ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الانتقاد في الأخبار وانتقاء الرجال في الآثار جماعة منهم: محمد بن يحيى الذهلي (ت 258 هـ) ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت 255 هـ) ، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (ت 264 هـ) ، ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ) ، ومسلم بن الحجاج (ت 261 هـ) ، وأبو داود سليمان ابن الأشعث (ت 275 هـ) في جماعة من أقرانهم أمعنوا في الحفظ، وأكثروا في الكتابة، وأفرطوا في الرحلة، وواظبوا على السنة والمذاكرة والتصنيف والمدارسة، حتى أخذ عنهم من نشأ بعدهم من شيوخنا هذا المذهب، وسلكوا هذا المسلك، ولولاهم لدرست الآثار، واضمحلَّت الأخبار، وعلا أهل الضلال والهوى، وارتفع أهل البدع والعمى، فهم لأهل البدع قامعون، وبالسنن شأنهم دامغون" 1. اهـ. ملخصاً.
في هذا النص يلخص لنا الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البستي رحمه الله تعالى (ت 354 هـ) تلك المراحل التي مر بها هذا العلم الجليل الذي ميز الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم، وهو علم الرجال أو الجرح والتعديل، وذلك من حين النشأة، وهو السؤال عن الإسناد والتثبت في الرواية في عصر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ومروراً بتلك المراحل المختلفة من البحث--------------------------------------------
1مقدمة المجروحين لابن حبان (1 / 38 - 58) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
والتحري عن أحوال الرواة وحفظ وضبط المروي في كل عصر إلى زمانه رحمه الله تعالى، وذلك مع الإشارة إلى ما امتاز به علماء ونقاد كل جيل من تلك الأجيال المتعاقبة، وتطور خدمتهم للسنة سنداً ومتناً رحمهم الله جميعاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
الباب الأول: كتب الرجال حسب ظهورها إلى نهاية القرن الخامس
تمهيد:
اتَّبع المصنفون الأوائل في علم الرجال أساليب متعددة في تآليفهم مما أدى إلى تنوع مصنفاتهم.
فمنها:
1- كتب الطبقات التي شملت: طبقات الصحابة والتابعين وتابعيهم وتبعهم.
2- كتب معرفة الصحابة: وهي خاصة بتراجم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم.
3- كتب الجرح والتعديل: وقد اهتمت ببيان درجة توثيق الرجال أو تضعيفهم، سواء منها ما اقتصر على الضعفاء أو اقتصر على الثقات أو جمع بينهما.
وهذه الأنواع من المصنفات ظهرت في الفترة الواقعة ما بين أواخر القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث الهجري تقريباً ثم كثرت وتوسعت بعد ذلك.
4- كتب تواريخ المدن التي اقتصرت على تراجم الرواة في بلدة
معينة، وقد ظهرت منذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري.
5- كتب معرفة الأسماء وتمييزها: وقد ظهرت متأخر نسبياً عما قبلها، وذلك عندما كثر عدد الرواة وتشابهت أسماؤهم وكناهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وأنسابهم فاحتيج إلى التمييز بين المتشابه والمؤتلف والمختلف والمتفق والمفترق منهم.
6- كتب الرجال المذكورين في مصنف أو مصنفات معينة 1: وهذه المصنفات نظراً لتأخر ظهورها، وأن التوسع فيها وانتشارها كان من بعد القرن الخامس الهجري، لذلك أفردتها في باب مستقل وهو الباب الثاني من هذا البحث.
اقتصَرْتُ في هذا الباب على كتب الرجال المصنفة في القرون الخمسة الأولى للأمور الآتية:
أ- إن هذه المصنَّفات هي أصول كتب الرجال المؤلفة فيما بعد القرن الخامس الهجري.
ب- إن المؤلفات من بعد القرن الخامس جُلها إن لم تكن كلها إما ترتيب لكتب السابقين أو تذييل عليها أو ناقلة عنها، أو اختصار أو تهذيب لها ونحو ذلك.
ج- إنه لا يكاد يوجد ترجمة - فيما أعلم - لأحد من رواة القرون المفضلة - عصر الرواية - ليس له ترجمة في أحد هذه المصنفات إلا أن يكون مجهولاً أو نحو ذلك.--------------------------------------------
1عن هذه الأنواع المصنفات انظر: بحوث في تاريخ السنة (ص: 61 - 62) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
الفصل الأول: كتب الطبقات
المبحث الأول: تعريف الطبقة مع بيان نشأة علم الطبقات وفائدة معرفته
…
المبحث الأول: تعريف الطبقة مع بيان نشأة علم الطبقات وفائدة معرفته
أ- تعريف الطبقة:
من أجود وأشمل ما وقفت عليه في تعريف الطبقة لغة ما كتبه الأستاذ محمود شاكر في مقدمة تحقيقه لكتاب "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام الجمحي، حيث قال:
"والذي لا شك فيه أن هذا اللفظ من كلام العرب قديماً للدلالة على معانٍ مختلفة، ولما جاء عصر التدوين صار له مجاز آخر عند المؤلفين والكاتبين، حتى انتهى إلى زماننا هذا بمعنى مشهور مألوف.
ومادة (طبق) تؤول أكثر معانيها في لسان العرب إلى تماثل شيئين إذا وضعت أحدهما على الآخر ساواه وكانا على حذوٍ واحد فقيل منه: تطابق الشيئان إذا تساويا وتماثلا.
وسموا كل ما غطى شيئأ (طبقاً) لأنه لا يغطيه حتى يكون مساوياً
له، ثم لا يغطيه حتى يكون فوقه، فسموا مراتب الناس ومنازل بعضهم فوق بعض (طبقات) 1.
ولما كانت كل مرتبة من المراتب لها حال ومذهب سموا--------------------------------------------
1انظر: الصحاح للجوهري (4 / 1511-1512) ، وتاج العروس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
الحال المميزة نفسها طبقة.
فقالوا: فلان من الدنيا على طبقات شتى؛ أي: على أحوال شتى، وهذا المعنى أشد وضوحاً في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أَلا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِناً وَيَحْيَا مُؤْمِناً وَيَمُوتُ مُؤْمِناً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِراً وَيَحْيَا كَافِراً وَيَمُوتُ كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِناً وَيَحْيَا مُؤْمِناً وَيَمُوتُ كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِراً وَيَحْيَا كَافِراً وَيَمُوتُ مُؤْمِناً" الحديث. 1
وهذا بيان عن مذاهب الناس وأحوالهم في حياتهم، لا عن مراتبهم ومنازلهم.
وقد وجدت هذا اللفظ في خبر آخر تعين عليه اللغة، فقد روى القاضي ابن أبي يعلى (ت 526 هـ) بإسناده إلى عباس بن محمد الدوري (ت 271 هـ) أنه قال: "انتهى علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ستة نفر، من الصحابة رضي الله عنهم: عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، فهؤلاء طبقات الفقهاء.--------------------------------------------
1رواه الإمام أحمد في المسند (3 / 19، 61) ، والترمذي في جامعه (4 / 483) ح 2191 في كتاب الفتن - باب ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بما هو كائن.
ومنه بهذا المعنى حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه: "إني كنت على أطباق ثلاث، ليس طبق إلا عرفت نفسي فيه، كنت أول شيءٍ كافراً …" الحديث رواه مسلم في الصحيح (1/ 112 ح 121) ، والإمام أحمد في المسند (4/ 199) واللفظ له.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
وأما الرواة فستة نفر أيضاً: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وعائشة رضي الله عنهم.
وأما طبقات أصحاب الأخبار والقصص فستة نفر: عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وطاووس اليماني، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن عمر الواقدي.
وأما طبقات التفسير فستة أيضاً: عبد الله بن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، والسدي.
وأما طبقات خُزَّان العلم: فالأعمش، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومسعر بن كدام، وشعبة ابن الحجاج.
وأما طبقات الحفاظ فستة نفر: أحمد بن محمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو زرعة الرازي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج. 1
فَبَيِّنٌ جداً أنه سمَّى كل واحد من الستة (طبقة) ، وسمى كل ستة نفر جميعاً: إما طبقات الفقهاء، وإما طبقات الرواة، وإما طبقات التفسير … إلى آخر ما سمى، وبَيِّنٌ أنّه يعني بتسمية كل واحد منهم (طبقة) أنه رأس متميز في الفقه أو الرواية أو التفسير أو الحفظ". 2 اهـ. ملخصاً بتصرف يسير.--------------------------------------------
1طبقات الحنابلة (1 / 238) .
2مقدمة الأستاذ محمود شاكر في تحقيقه لطبقات فحول الشعراء لابن سلام (1 / 65 - 66) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
أما تعريف الطبقة في اصطلاح المحدثين فهو:
قوم تقاربوا في السن والإسناد أو في الإسناد فقط، بأن يكون شيوخ هذا هم شيوخ الآخر أو يقاربوا شيوخه، وقد يكون الراوي في طبقة باعتبار مشابهته لها من وجه ومن طبقة أخرى لمشابهته لها من وجه آخر، كأنس بن مالك وشبهه من أصاغر الصحابة، هم مع العشرة في طبقة الصحابة، وعلى هذا الصحابة كلهم طبقة باعتبار اشتراكهم في الصحبة، وباعتبار آخر هو النظر إلى الفضل والسابقة في الإسلام - هم عدة طبقات كما ذكر الحافظ ابن سعد في "طبقاته" والحاكم في "معرفة علوم الحديث". 1
ب- نشأة علم الطبقات وتطوره:
تقسيم تراجم الرواة على الطبقات تقسيم إسلامي أصيل، والأصل فيه:
ما رواه عمران بن حصين رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة … الحديث. 2
وقد نشأ هذا العلم وتطور على أيدي علماء الحديث منذ القرن الثاني الهجري، ولم يقتصر فيه على تقسيم الرواة على الطبقات بحسب لقائهم للشيوخ، سواء كان عاماً بمعنى الجيل أو القرن كما فعل كلٌّ من:--------------------------------------------
1علوم الحديث لابن الصلاح (ص: 357) النوع الثالث والستون، وتدريب الراوي (2 / 381) .
2رواه البخاري في فضائل الصحابة، الفتح (7 / 3) ح 3650.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
1- بحشل الواسطي (ت 292 هـ) في "تاريخ واسط".
2- أبو حاتم بن حبان البستي (ت 354 هـ) في كتابيه "الثقات" و "مشاهير علماء الأمصار".
3- أبو عبد الله الحاكم (ت 405 هـ) في "تاريخ نيسابور".
حيث جعل هؤلاء الرواة على أربع طبقات: الصحابة، التابعون، أتباع التابعين، تبع الأتباع.
أو كان بصورة أدق في التقسيم كما فعل كل من:
1- محمد بن سعد الزهري (ت 230 هـ) في "طبقاته الكبرى".
2- خليفة بن خياط العصفري (ت 240 هـ) في "طبقاته".
3- أبو عبد الله الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث".
حيث قسم هؤلاء الرواة إلى عدة طبقات بحسب لقائهم للشيوخ لكن بصورة أدق، فمثلاً من لقي كبار الصحابة من التابعين يعد طبقة أولى، ومن لقي من دونهم يعد طبقة ثانية، ومن لقي صغارهم يعد طبقة ثالثة، وهكذا 1.لم يقتصر المحدثون على تقسيم الرواة--------------------------------------------
1وقد سلك مثل هذا التقسيم التفصيلي الحافظ ابن الجوزي (ت 597 هـ) في كتابه صفة الصفوة وقد اقتفى أثر ابن سعد في طبقاته. انظر: مقدمته (33 / 38) ، ومن المتأخرين الإمام الذهبي في كثير من كتبه كـ التذكرة والسير وطبقات القراء وطبقات المحدثين وغيرها وكذلك الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب والسيوطي (ت 911 هـ) في طبقات الحفاظ وغيرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
بحسب الشيوخ بل تطور استعماله عند علماء الحديث إلى معان أخرى كالفضل والسابقة كما في الصحابة أو الحال والمنزلة كما تقدم ذكر ذلك في كلام عباس الدوري، وكل هذه التقسيمات يشملها معنى الطبقة في لسان العرب، كما سبق الإشارة إلى ذلك في التعريف.
وقد استمر التأليف على الطبقات يتسع ويتطور حتى نهاية القرن التاسع الهجري.
كما امتدَّ استعمال نظام الطبقات إلى كتب التراجم الأخرى:
كـ "طبقات القراء" لخليفة بن خياط (ت 240 هـ) ، و "طبقات الفقهاء" لأبي إسحاق الشيرازي (ت 476 هـ) ، و "طبقات الصوفية" لأبي عبد الرحمن السلمي (ت 412 هـ) ، و "طبقات فحول الشعراء" لمحمد سلاّم الجمحي (ت 232 هـ) ، و "طبقات النحويين" لأبي بكر الزبيدي (ت 379 هـ) وغير ذلك.
ج- فائدة معرفة علم الطبقات:
قال الحافظ العراقي (ت 806 هـ) :
"ومن المهمات معرفة طبقات الرواة، فإنه قد يتفق اسمان في اللفظ فيظن أن أحدهما الآخر فيتميز ذلك بمعرفة طبقتهما إن كانا من طبقتين، فإن كانا من طبقة واحدة فربما أشكل الأمر، وربما عرف ذلك بمن فوقه أو دونه من الرواة، فربما كان أحد المتفقين في الاسم لا يروي عمن روى عنه الآخر، فإن اشتركا في الراوي الأعلى وفيمن روى عنهما فالإشكال حينئذ أشد، وإنما يميز ذلك أهل الحفظ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
والمعرفة، ويعرف كون الراويين أو الرواة من طبقة واحدة بتقاربهم في السن وفي الشيوخ الآخذين عنهم، إما بكون شيوخ هذا هم شيوخ هذا أو تقارب شيوخ هذا من شيوخ هذا في الأخذ، وبسبب الجهل بمعرفة الطبقات غلط غير واحد من المصنفين، فربما ظن راوياً راوياً آخر غيره، وربما أدخل راوياً في غير طبقته". 1
وقال الحافظ السخاوي (ت 902 هـ) :
"وفائدته الأمن من تداخل المشتبهين كالمتفقين في اسم أو كنية أو نحو ذلك، وإمكان الاطلاع على تبيين التدليس والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة لمعرفة الحديث المرسل أو المنقطع وتمييزه عن الحديث المسند، وبينه وبين التأريخ عموم وخصوص وجهي، فيجتمعان في التعريف بالرواة وينفرد التأريخ بالحوادث والطبقات بما إذا كان في البدريبن مثلاً من تأخرت وفاته عمن لم يشهدها لاستلزامه تقديم المتأخر الوفاة". 2--------------------------------------------
1شرح التبصرة والتذكرة (3 / 274 - 275) .
2فتح المغيث (4 / 394) ، الإعلان بالتوبيخ (ص: 46) ، وانظر: نزهة النظر (ص: 68) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
المبحث الثاني: طبقات الرواة في عصر الرواية
اتفق علماء الحديث على اعتبار القرون الثلاثة الأولى للهجرة - القرون المفضلة - هي عصر الرواية وبعضهم يدخل أهل المائة الرابعة كذلك في عصر الرواية - وإن كان استعمال الإسناد والتأكيد عليه قد استمر إلى ما بعد القرن الخامس تقريباً - ويؤيد هذا الاتفاق ما جاء في النصوص الآتية:
1- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيَقُولُونَ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ". 1
2- وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ".--------------------------------------------
1رواه البخاري في فضائل الصحابة، الفتح (7 / 3) ح 3649.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة: ثم يكون بعدهم قَوْم يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلا يوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ". 1
3- وعن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ أَنَا فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ، وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ". 2
4- قال الحافظ ابن حبان البستي (ت 354 هـ) :
"إني أملي في ذكر من حمل عنه العلم كتابين: كتاباً أذكر فيه الثقات من المحدثين، وكتاباً أبين فيه الضعفاء والمتروكين، وأبدأ منهما بالثقات، نذكر من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً واحداً على المعجم، إذ هم خير الناس قرناً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نذكر بعدهم التابعين الذين شافهوا أصحاب رسول الله في الأقاليم كلها على المعجم، إذ هم خير الناس بعد الصحابة قرناً، ثم نذكر القرن الثالث الذين رأوا التابعين وأذكرهم على نحو ما ذكرنا الطبقتين الأوليين، ثم نذكر القرن الرابع الذي رأوا أتباع التابعين على سبيل من قبلهم، وهذا--------------------------------------------
1رواه البخاري في فضائل الصحابة، الفتح (7 / 3) ح 3650.
ورواه مسلم في فضائل الصحابة (4 / 1964) ح 214، ورواه مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة وابن مسعود في الموضع نفسه (ح 210، 213) .
2رواه الإمام أحمد في المسند (5 / 357) ، وابن حبان في كتاب الثقات (8 / 1) ، وقال: هذه اللفظة: "ثم الذين يلونهم" في الرابعة، تفرد بها حماد بن سلمة، وهو ثقة مأمون، وزيادة الألفاظ عندنا مقبولة عن الثقات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
القرن ينتهي إلى زماننا هذا" 1 انتهى.
5- وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي (ت 748 هـ) :
"فالحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاث مائة". 2
وقال أيضاً: "ومن هذا الوقت - أواخر المائة الرابعة من الهجرة - تناقص الحفظ، وقلَّ الاعتناء بالآثار، وركن العلماء إلى التقليد، وكان التشيع والاعتزال والبدع ظاهرة بالعراق، لاستيلاء آل بُوَيْه ثَمَّ، وبمصر والشام والمغرب، لاستيلاء بني عُبيد الباطنية نسأل الله العافية". 3
فمن هذه النصوص يمكن حصر طبقات الرواة الرئيسة في عصر الرواية في الطبقات الآتية:
الأولى: الصحابة رضوان الله عليهم.
الثانية: التابعون.
الثالثة: أتباع التابعين.
الرابعة: تبع الأتباع.
الطبقة الأولى: الصحابة الكرام رضي الله عنهم:--------------------------------------------
1الثقات لابن حبان (4 / 1) .
2ميزان الاعتدال (1 / 4) .
3رسالة ذكر من يعتمد قوله -ضمن أربع رسائل نشرها أبو غدة- (ص: 195) ، ذكر الذهبي ذلك تعليقاً في نهاية الطبقة التاسعة من طبقات من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، والتي ختمها بترجمة أبي أحمد الحاكم (ت 378 هـ) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
قال الإمام ابن أبي حاتم (ت 327 هـ) :
"فأما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلاماً وقدوة، فحفظوا عنه صلى الله عليه وسلم ما بلغهم عن الله عز وجل وما سن وشرع، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين وعلموا أمر الله ونهيه ومراده" انتهى ملخصاً. 1
وسيأتي مزيد تفصيل عن هذه الطبقة في الفصل الثاني من هذا الباب بإذن الله.
الطبقة الثانية: التابعون:
يقال للواحد منهم: تابع وتابعي: وهو من لقي واحداً من
الصحابة. 2
وقال الخطيب: "التابعي: من صحب الصحابي". 3
واشترط ابن حبان أن يكون عند رؤيته للصحابي في سن من يحفظ، وهو نظير اشتراط التمييز في الصحابي عند رؤيته لرسول الله. 4--------------------------------------------
1تقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1 / 7) .
2معرفة علوم الحديث للحاكم (41 - 42) ، علوم الحديث لابن الصلاح (271) .
3الكفاية (ص: 59) .
4الثقات (6 / 269) في ترجمة خلف بن خليفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
أهمية معرفة التابعين:
قال الحافظ ابن أبي حاتم (ت 327 هـ) : فخلف من بعد الصحابة التابعون، الذين اختارهم الله عز وجل لإقامة دينه وخصهم بحفظ فرائضه وحدوده وأمره ونهيه … فحفظوا عن الصحابة ما نشروه وبثوه من الأحكام والسنن والآثار … فأتقنوه، وعلموه، وفقهوا فيه، فكانوا من الإسلام والدين ومراعاة أمر الله عز وجل ونهيه بحيث وضعهم الله عز وجل ونصبهم له، إذ يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} 1، فصاروا برضوان الله عز وجل لهم وجميل ما أثنى عليهم بالمنزلة التي نزههم بها عن أن يلحقهم مغمز أو تدركهم وصمة لتيقظهم وتحرزهم وتثبتهم، ولأنهم البررة الأتقياء الذين ندبهم الله عز وجل لإثبات دينه، وإقامة سننه وسبله، فلم يكن لاشتغالنا بالتمييز بينهم معنى، إذ كنا لا نجد منهم إلا إماماً مبرزاً مقدماً في الفضل والعلم ووعي السنن وإثباتها، ولزوم الطريقة واحتذائها، ورحمة الله ومغفرته عليهم أجمعين، إلا ما كان ممن ألحق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس يلحقهم ولا هو في مثل حالهم لا في فقه ولا علم ولا حفظ ولا إتقان" 2 اهـ ملخصاً.
وقال أبو عبد الله الحاكم (ت 405 هـ) : " وهذا نوع - يعني معرفة التابعين - يشتمل على علوم كثيرة، فإنهم على طبقات في الترتيب، ومهما غفل الإنسان عن هذا العلم لم يُفَرِّق بين الصحابة والتابعين ثم لم يفرق أيضاً بين التابعين وأتباع التابعين … وقد ذكرهم--------------------------------------------
1سورة التوبة - الآية (100) .
2تقدمة الجرح والتعديل (1 / 8) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ … " فخير الناس قرناً بعد الصحابة من شافه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظ عنهم الدين والسنن وهم - الصحابة - قد شهدوا الوحي والتنزيل". 1
وقال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح (ت 643 هـ) : " هذا - معرفة التابعين - ومعرفة الصحابة أصل أصيل يرجع إليه في معرفة المرسل والمسند". 2
طبقات التابعين:
قال أبو عبد الله الحاكم: وهم خمس عشرة طبقة، آخرهم من لقي أنس ابن مالك من أهل البصرة، ومن لقي عبد الله بن أبي أوفى من أهل الكوفة، ومن لقي السائب بن يزيد من أهل المدينة، ومن لقي عبد الله بن الحارث بن جزء من أهل مصر، ومن لقي أبا أمامة الباهلي من أهل الشام". 3
وقال الحافظ زين الدين العراقي (ت 806 هـ) : " ثم إن التابعين طباق، فجعلهم مسلم في كتاب "الطبقات" - مطبوع - ثلاث طبقات، وكذا فعل محمد بن سعد في "الطبقات"، وربما بلغ بهم أربع طبقات" اهـ. 4
وكذلك فعل خليفة بن خياط في "طبقاته" مثل ما فعل ابن--------------------------------------------
1معرفة علوم الحديث (41 - 42) .
2علوم الحديث (ص: 271) .
3معرفة علوم الحديث (ص: 42) .
4شرح التبصرة والتذكرة (3 / 47) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)