من الأحاديث والآثار، ومع ذلك لم يستطع أحدهما أن ينفرد عن الآخر بشيء، إلا حديثا واحدا كان عند أحمد بن حنبل ولم يكن عند ابن صالح، فتأمل.
وفي ترجمة أبي حاتم الرازي من "تقدمة الجرح والتعديل"، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: (سمعت أبي يقول: قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب عليّ حديثا غريبا مسندا صحيحا لم أسمع به، فله عليّ درهم يتصدق به، وقد حضر على باب أبي الوليد خلق من الخلق، أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن يلقى عليّ ما لم أسمع به، فيقولون هو عند فلان، فأذهب فأسمع، وكان مرادي أن أستخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيأ لأحد منهم أن يغرب عليّ حديثا)(1).
قلت: وهذا يؤيد ما تقدم.
وقال أبو ذر الهروي: (سمعت أبا مسعود الدمشقي يقول: جاء رجل بغدادي يحفظ إلى ابن جَوْصَا، فقال له ابن جَوْصَا: كلما أغربتَ عليّ حديثا من حديث الشاميين أعطيتك درهما. فلم يزل الرجل يلقي عليه ما شاء اللّه، ولا يغرب عليه، فاغتم. فقال للرجل: لا تجزع، وأعطاه لكل حديث ذاكره به درهما)(2).
قلت: ولذا كان التفرد عندهم مظنة الإنكار والخطأ.
وفي ترجمة يعقوب بن حميد بن كاسب من "ضعفاء العقيلي"، عن زكريا بن يحيى الحُلْوانيّ قال: (رأيت أبا داود السجستاني - صاحب أحمد بن حنبل - قد ظاهر بحديث ابن كاسب، وجعله وقايات على ظهر كتبه،--------------------------------------------
(1) (ص:355).
(2) "تاريخ دمشق" (5/ 114)، "سير أعلام النبلاء" (15/ 16).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 498)
فسألته عنه، فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيّرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها)(1).
ويؤيد هذه الواقعة ما جاء في "تاريخ دمشق" لابن عساكر(2) بإسناده إلى الحافظ أبي عبد اللّه الحاكم، قال: (سمعت أبا عمرو بن حمدان، يقول: سمعت أبا طاهر الجُنابذي يقول: سمعت موسى بن هارون يقول: استخرت اللّه سنتين حتى تكلمت في المَعْمَري(3)، وذاك أني كتبت معه عن الشيوخ، وما افترقنا، فلما رأيت تلك الأحاديث قلت: من أين أتى بها؟
قال أبو طاهر: وكان المَعْمَري يقول: كنت أتولى لهم الانتخاب، فإذا مرّ بي حديث كريب، قصدت الشيخ وحدي فسألته عنه.
وقال الحاكم: سمعت الحافظ أبا بكر بن أبي دَارِم الحافظ يقول: كنت ببغداد لما أنكر موسى بن هارون على المَعْمَري تلك الأحاديث، وانتهى أمرهم إلى يوسف القاضي، بعد أن كان إسماعيل القاضي توسط بينهما في أيامه، فقال موسى بن هارون: هذه أحاديث شاذة عن شيوخ ثقات، لا بد من إخراج الأصول بها.
فقال المَعْمَري: قد عُرِف من عادتي أني كنت إذا رأيت حديثا غريبًا عند شيخ ثقة لا أُعلِّم عليه، إنما كنت أقرأ من كتاب الشيخ وأحفظه، فلا سبيل إلى إخراج الأصول بها.
وقال الحاكم: سمعت علي بن حُمشَاذ العدل يقول: كنت ببغداد لما وقع بين الحسن بن علي المَعمري وموسى بن هارون ما وقع، وأخرج أبو--------------------------------------------
(1) (6/ 455).
(2) ببعض الاختصار والتصرف.
(3) هو الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري البغدادي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 499)
عمران(1) نيفا وسبعين حديثا، ذكر أنه لم يشركه فيها أحد، ورُفض المَعْمَري ومجلسه، فصار الناس حزبين: حزب للمَعْمَري، وحزب لأبي عمران، فكان من احتجاج المَعْمَري في تلك الأحاديث: أن هذه أحاديث حفظتها عن الشيوخ وقت سماعي ولم أنسخها.
ثم اتفقوا بأجمعهم على عدالة المَعْمَري وتقدُّمه، وعلى زيادة معرفة أبي عمران، وأنه لما رأى أحاديث شاذة لم يسَعه إلا أن يبينها ويبحث عنها)(2).
أقول: تبين مما تقدم أن تفرّد الراوي عن غيره مظنة الخطأ، حتى ولو كان حافظا؛ وذلك لاشتهار الأحاديث، وكثرة طرقها، وبالتالي وقوع ذلك - وهو التفرد - من الصعوبة بمكان.
وأُقرّب هذا الأمر - زيادة على ما تقدم -: لو أن شخصًا كان له أصحاب كُثر يلازمونه ويأخذون عنه، وينفرد شخص - ليس معروفا بملازمته مثلهم - بخبر عنه أو بفتوى له، لاستُنكر ذلك عليه؛ لأنه يقال: أين تلاميذه الملازمون له عن هذا الخبر؛ بل حتى لو تفرد واحد من أصحابه الملازمين له، لربما تُوقف في خبره ولتُردد في قبوله، لأن التفرد مظنة الخطأ، فكيف لو كان لا يُعرف بالرواية عنه أصلا(3).--------------------------------------------
(1) هو موسى بن هارون.
(2) "تاريخ دمشق" (13/ 157 - 159)، "سير أعلام النبلاء" (13/ 511)، "لسان الميزان" (3/ 73).
(3) يلاحظ أن هذا المثال تتضمن ثلاثة أمور؛
1 - أن يتفرد شخص ليس معروفا بالرواية أصلا عمن تفرد عه.
2 - أن يتفرد شخص معروف بالرواية عمن تفرد عنه، ولكن ليس معروفا عنه الإكثار عمن تفرد عنه ولا كثرة الملازمة له.
3 - أن يكون المتفرد معروفا بكثرة الملازمة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 500)
ويتضح هذا أكثر، إذا كان هذا التفرد في الطبقات المتأخرة؛ لأن الرواية اتسعت وانتشرت أكثر منها في الطبقات المتقدمة.
وذكر ابن حجر في "المقدمة" في ترجمة فُلَيح: (وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة مستقيمة وغرائب، وهو عندي لا بأس به.
قلت - ابن حجر -: لم يعتمد عليه البخاري اعتماده على مالك وابن عيينة وأضرابهما، وإنما أخرج له أحاديث أكثرها في المناقب، وبعضها في الرقاق)(1).
وقال العُقيلي: (حدثنا أحمد بن داود السجزي، قال: حدثنا الحسن بن سَوَّار البغوي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضَمضَم بن جَوْس، عن عبد اللّه بن حنظلة بن الراهب قال: رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت على ناقة، لا ضَرْبَ ولا طَرْدَ، ولا إليك إليك.
ولا يتابع الحسن بن سوار على هذا الحديث، وقد حدث أحمد بن منيع وغيره، عن الحسن بن سوّار هذا، عن الليث بن سعد وغيره، أحاديث مستقيمة، وأما هذا الحديث فهو منكر.
قال أبو إسماعيل(2): ألقيته على أبي عبد الله أحمد بن حنبل فقال: أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر)(3).
وقال أبو إسماعيل: (سألنا أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة، وقال: أكتبتموه من كتاب؛ قلنا: نعم)(4).
قلت: والصواب في هذا الحديث، ما رواه هشام بن عبد الملك--------------------------------------------
(1) "هدى الساري" (1/ 435).
(2) هو محمد بن إسماعيل الترمذي.
(3) "الضعفاء" (2/ 97 - 98).
(4) "تاريخ بغداد" (8/ 283).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 501)
الطيالسي وعبد الرحمن بن غزوان، كلاهما عن عكرمة بن عمار، عن الهِرْماس بن زياد الباهلي، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على ناقته العَضبَاء يوم الأضحى بمنى(1).
وأما المتن الذي جاء في عبد اللّه بن حنظلة بن الراهب فهو متن محفوظ، فقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه(2) من طريق أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد اللّه الكلابي به. وقال الترمذي: (حسن صحيح).
ومن الأمثلة أيضا:
قال عبد اللّه بن أحمد: (حدثنى أبي، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات ومعها جَوار، فقال لها: "ما هذا يا عائشة؟ "، فقالت: هذه خيل سليمان قال: فجعل يضحك من قولها.
سمعت أبي يقول: غريب، لم نسمعه من غير هشيم، عن يحيى بن سعيد)(3).
قلت: مع أن هشيما من كبار الحفاظ كما هو معلوم، ومع ذلك عندما تفرد بهذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري استغربه الإمام أحمد.
وقد جاء موصولا عند أبي داود(4) من طريق يحيى بن أيوب، قال: حدثني عُمارة بن غَزيَّة، أن محمد بن إبراهيم حدثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها.--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (1954)، والنسائي في "الكبرى" (4286).
(2) "جامع الترمذي" (921)، "سنن النسائي" (4067)، "سنن ابن ماجة" (3035).
(3) "العلل" (2/ 277).
(4) "سنن أبي داود" (4932).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 502)
ويحيى بن سعيد أوثق من عمارة بن غَزيَّة، على أن الراوي عنه يحيى بن أيوب متكلم فيه بعض الشيء، وإن كان قد خُرّج له في "الصحيح".
وبناء على ما تقدم:
فإنَّ تفرُّد تابع التابعي محل خلاف من بعض أهل العلم ممن تقدم، والجمهور على قبوله، وهو الراجح، وهذا من حيث الأصل، وأحيانا قد يردّ لقرائن.
وأما تفرّد التابعي فلا خلاف في قبوله عند أهل المعرفة بالحديث، نعم هناك خلاف شاذ من بعض الأصوليين، لكنْ لا يُلتفت إليه.
وأما الطبقة الرابعة، وهم من كان في طبقة شيوخ الأئمة الستة وأمثالهم، فإن تفردهم لا يقبل، كما نصَّ على ذلك الذهبي فيما تقدم، وكما يعلم من الأمثلة السابقة.
وأما ما جاء عن الإمام الشافعي - فيما رواه يونس بن عبد الأعلى -: (ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يروي الثقات حديثا، فيشذ عنهم واحد، فيخالفهم)(1).
وجاء عنه أيضًا: (إذا روى الثقة حديثا ولم يروه غيره، لا يُقال شاذا، إنما الشاذ: أن يروي الثقات حديثا على نص، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم)(2).
فيقال: هذا إما أن يكون موافقا لما تقدم، وذلك بأن يحمل قوله (لم--------------------------------------------
(1) "مناقب الشافعي" لابن أبي حاتم (ص: 233)، "معرفة علوم الحديث" للحاكم (290).
(2) "مناقب الشافعي" لابن أبي حاتم (ص: 233)، "الكامل" لابن عدي (1/ 292)، "مناقب الشافعي" للبيهقي (2/ 30).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 503)
يروه غيره) على معنى: لم يروه غيره في الطبقات المتقدمة التي لا يضر التفرد فيها، وكونه لم يذكر ذلك في التعريف لأنه معلوم.
وإما أن يحمل على ظاهره، وهو الأقرب، فيكون مخالفا لما تقدم، وهذا ما ذهب إليه ابن رجب في فهم كلام الشافعي، لذا قال بعد أن ذكره: (وأما أكثر الحفاظ المتقدمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرّد به واحد، وإن لم يَرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علّة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه؛ كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقدٌ خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه)(1).
قلت: وقولهم هو المقدّم؛ لاختصاصهم بهذا الأمر.
الشرط الثالث: ألّا يكونَ هذا التفرد عن شخصٍ عُرف بكثرة الرواية والأصحاب؛ كالزهري، وقتادة، والأعمش، وهشام بن عروة، ونحوهم، إلا إذا كان المتفرد معروفًا بكثرة الرواية عنه وشدة الملازمة له.
قال أبو الحسين مسلم بن الحجاج: (حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه، قبلت زيادته.
فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته، وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم--------------------------------------------
(1) "شرح علل الترمذي" (1/ 352 - 353).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 504)
في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما، العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، واللّه أعلم)(1).
وفي ترجمة شَبابة بن سَوَّار من "التهذيب"(2)، قال يعقوب بن شيبة: (سمعت علي بن المديني وقيل له: روى شَبَابة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر في الدُّبَّاء، فقال علي: أي شيء نقدر أن نقول في ذاك - يعنى شَبَابة -؛! كان شيخا صدوقا، إلا أنه كان يقول بالإرجاء، ولا ننكر لرجل سمع من رجل ألفا أو ألفين، أن يجيء بحديث غريب.
قال يعقوب: وهذا حديث لم نسمعه من أحد من أصحاب شعبة إلا من شَبَابة، ولم يبلغني أنّ أحدا من أصحاب شعبة رواه غير شَبَابة).
وقال ابن هانئ: (قلت لأبي عبد اللّه: وروى عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي في الدُّبَّاء، فقال: وهذا إنما روى شعبة بهذا الإسناد حديث الحج)(3).
قلت: وهذا موافق لما قرّره الإمام مسلم.
ويدخل في هذا: السلاسل المشهورة؛ كأبي الزِّناد عن الأَعْرج عن أبي هريرة، وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومالك عن نافع عن ابن عمر، فإذا تفرد عنهم راوٍ وأن كان ثقة، فإن تفرده عندئذ مظنة الخطأ، وبيان ذلك في الشرط التالي.--------------------------------------------
(1) "مقدمة الصحيح" (ص: 5 - 6).
(2) "تهذيب الكمال" (12/ 347)، وينظر: "الكامل" لابن عدي (6/ 187 - 188).
(3) "الضعفاء الكبير" (2/ 203).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 505)
الشرط الرابع: مراعاة الصفات التي تعتبر في الراوي حتى يقبل تفرده.
فمن المتقرر في (علم الجرح والتعديل) أنه ليس كل راو يُقبل تفرّده، ولذا فكثيرا ما يحكمون على الراوي بأنه منكر الحديث، وذلك لتفرده بما يُستنكر إسنادًا أو متنًا، وقريبًا منه قولهم: لا يتابَع، ومعنى ذلك: أنه لا يقبَل تفرده.
ويتفرّع عن هذا حكم الأئمة على راوٍ بالضعف بسبب كثرة تفرداته؛ فيقال عنه: مخكر الحديث، مع ملاحظة أن أسباب الضعف كثيرة، ولكن على رأسها ما تقدم.
وكقولهم: يغرب، أو يتفرد، وإن كانت هاتان العبارتان ليستا كالأوليين(1)، وذلك أنهم كثيرًا ما يقرنونها بنحو: صالح الحديث، لا بأس به، أو فوق ذلك - كما سيأتي إن شاء اللّه في الفصل الآتي -، فتكون مُشعِرة بأن هذا الراوي قد يُتوقف فيما يتفرد به؛ بل بما يرويه في الجملة، وتوضيح ذلك في الفصل الآتي(2).
والأمر كما قال ابن رجب: (وأما أكثر الحفاظ المتقدمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يروِ الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، وجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقدٌ خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه)(3).--------------------------------------------
(1) أي: منكر الحديث، ولا يتابع.
(2) فصل في منهج النقاد في التعامل مع الرواة الذين ينفردون ببعض المتون والأسانيد عن شيوخهم وأقرانهم.
(3) "شرح علل الترمذي" (1/ 352 - 353).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 506)
فعلى هذا لابد أن يكون المتفرِّد: متصفا في نفسه بالإتقان، ومعروفا بالملازمة لشيخه وكثرة الرواية عنه.
قال أبو عيسى الترمذي - وهو يعدِّد أنواع الغريب -: (وربَّ حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فرض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى، من المسلمين، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير.
قال: وزاد مالك في هذا الحديث: من المسلمين.
وروى أيوب السختياني وعبيد اللّه بن عمر وغير وأحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه: من المسلمين.
وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يعتمد على حفظه.
وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به؛ منهم الشافعي وأحمد بن حنبل)(1).
قال مسلم بن الحجاج: (والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يُعثر عليهم الوهم في حفظهم)(2).
فإذا توفرت هذه الشروط صار التفرد مقبولا، وإلا فإنه قد يرد، مع ملاحظة أن لكل حديث نقد خاص - كما قال ابن رجب -، فأحيانا تتوفر هذه الشروط ومع ذلك لا يقبل التفرد.--------------------------------------------
(1) "العلل الصغير" (ص: 68 - 69).
(2) "التمييز" (ص: 128)، وفي "شرح العلل" لابن رجب: (1/ 435)؛ (يكثر) بدل (يعثر).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 507)
كما ينبغي التنبيه على أن الحكم في ذلك إنما هو للمتخصصين الذين أكثروا من النظر في كلام الأئمة، وعرفوا مناهجهم، وساروا على طريقتهم، مع الحذر من الغلو في ذلك كما حصل لبعضهم، والحذر من التساهل في ذلك كما وقع للبعض الآخر، ومع الورع التام، وحسن القصد، واللّه ولي التوفيق.
* * *
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 508)
الفصل الثامن الفرق بين الغريب والمنكر
قال ابن سعد في ترجمة يونس بن يزيد الأيلي: (ربما جاء بالشيء المنكر)(1).
قال الذهبي معلقا: (ليس ذاك عند أكثر الحفاظ منكرا، بل غريب)(2).
قلت: فهناك فرق بين الغريب والمنكر، فكل منكرٍ غريبٌ، وليس كل غريب منكرًا.
فالمنكر هو الخبر الذي حُكم بردّه، وظهر ضعفه، وذلك إما بظهور علته وتبين أنه خطأ، أو أن راويَه لا يُحتمل تفرده.
أما الغريب، فإنه يحتمل أن يكون مردودا كما تقدم، ويحتمل أن يكون محفوظا؛ فظهر الفرق بينه وبين المنكر.
هذا وإنَّ بعض الحفاظ يعدون الغريب في كثير من الأحيان منكرا؛ كأحمد والبرديجي وأبي حاتم الرازي والأزدي، كما سوف يأتي(3).
* * *--------------------------------------------
(1) "الطبقات الكبير" لابن سعد (9/ 529).
(2) "سير أعلام النبلاء" (6/ 300).
(3) (ص: 653).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 509)
الفصل التاسع ذكر تصرفات الحفاظ في الغريب من الحديث
- قال الترمذي: (حدثنا محمود بن غَيْلَان، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمْرة، قال: سألنا عليا عن صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من النهار؛ فقال: إنكم لا تطيقون ذاك، فقلنا: من أطاق ذاك منا، فقال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى ركعتين، وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلى أربعا، وصلى أربعا قبل الظهر وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعا، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
قال أبو عيسى هذا حديث حسن.
وقال إسحاق بن إبراهيم: أحسن شيء روي في تطوع النبي صلى الله عليه وسلم في النهار هذا.
وروي عن ابن المبارك أنه كان يضعِّف هذا الحديث، وإنما ضعفه عندنا - والله أعلم - لأنه لا يُروى مثل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي.
وعاصم بن ضَمْرة هو ثقة عند بعض أهل الحديث، قال علي بن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 511)
المديني: قال يحيى بن سعيد القطان: قال سفيان: كنا نعرف فضل حديث عاصم بن ضَمْرة على حديث الحارث)(1).
قال الجُوْزَجاني عن عاصم: (روى عنه أبو إسحاق حديثا في تطوع النبي صلى الله عليه وسلم ست عشرة ركعة … ، فيا لعباد اللّه! أما كان ينبغي لأحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه يحكي هذه الركعات، إذ هم معه في دهرهم.
والحكاية عن عائشة رضي الله عنها في الاثنتي عشرة ركعة من السنة، وابن عمر عشر ركعات، والعامة من الأمة - أو من شاء اللّه - قد عرفوا ركعات السّنة الاثنتي عشرة، منها بالليل ومنها بالنهار.
فإن قال قائل: كم من حديث لم يروه إلا واحد؟ قيل: صدقت، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس فيتكلم بالكلمة من الحكمة لعله لا يعود لها آخر دهره، فيحفظها عنه رجل، وهذه ركعات - كما قال عاصم - كان يداوم عليها، فلا يشتبهان)(2).
- قال علي بن الحسين بن حبان: (وجدت في كتاب أبي بخط يده: سئل أبو زكريا يحيى بن معين عن حديث عطاء، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفعة. قال: هو حديث لم يحدث به أحد إلا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، وقد أنكره عليه الناس، ولكن عبد الملك ثقة صدوق لا يُرد على مثله.
قلت له: تكلم شعبة فيه؟ قال: نعم، قال شعبة: لو جاء عبد الملك بآخرَ مثل هذا لرميت بحديثه)(3).--------------------------------------------
(1) (604، 605).
(2) "أحوال الرجال" (ص: 35).
(3) "تاريخ بغداد" (12/ 134 - 135).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 512)
- قال الدُّوري: (حدثنا يحيى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر إذا طلقها وهي حائض لم تعتد بتلك الحيضة.
قال يحيى: وهذا غريب؛ ليس يحدث به إلا عبد الوهاب الثقفي)(1).
- قال ابن حبان(2): (وجدت في كتاب أبي بخط يده: سئل أبو زكريا(3) عن الحكم بن مروان، فقال: ما أُراه إلا كان صدوقا.
قلت له: ما أنكرتم عليه بشيء؛ قال: أما أنا فما أنكرت عليه بشيء.
قلت له: إنه حدث بحديث عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كبّر غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
فقال أبو زكريا: هذا باطل، ريح، شُبِّه له)(4).
قلت: ترجمة (زهير، عن أبي الزبير، عن جابر) مشهورة جدا، وخرّج مسلم منها أكثر من عشرين إسنادًا(5)، فكون الحكم يتفرد بهذا دليل على خطئه.
- قال ابن مُحْرِز: (سمعت يحيى يقول: يزيد بن زُرَيع، عن يونس، عن الحسن في بعير تَردَّى في بئر، قال: صار أعلاه أسفله.
قال يحيى: هذا حديث غريب جدًّا)(6).
- قال عباس الدوري: (سئل يحيى عن نوح بن دَرَّاج، قال: لم يكن--------------------------------------------
(1) "تاريخ ابن معين" رواية الدوري (4/ 297).
(2) هو علي بن الحسين بن حبان.
(3) هو يحيى بن معين.
(4) "تارخ بغداد" (9/ 124).
(5) ينظر: "تحفة الأشراف" للمزي (2/ 298) وما بعدها.
(6) "تاريخ ابن معين" رواية ابن محرز (1/ 146).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 513)
يدري ما الحديث، ولا يحسن شيئًا، كان عنده حديث غريب عن ابن شُبْرمة، عن الشعبي، في المحرم يضطر إلى الميتة أو الصيد، ليس يرويه أحد غيره، ولم يكن ثقة، وكان أسد بن عمرو أوثق منه)(1).
- قال عبد اللّه: (حدثنى أبي، قال: حدثنا هُشَيم، قال: حدثنا محمد بن قيس، عن مولى لقريش، عن الشعبي قال: ليس من المروءة النظر في مرآة الحجام.
سمعت أبي يقول: حديث غريب)(2).
- وقال: (حدثنى أبي، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن هشام بن أبي عبد اللّه، عن عامر الأَحْول، عن الحسن، أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى أن تُنكَح الأمة على الحرة.
قال أبي: حديث سفيان عن هشام بن أبي عبد اللّه، غريب، إنما رواه عمرو بن عبيد، وهو غريب من حديث عامر الأَحْول.
قال أبي: وحدثناه الفَزَاري - يعني مروان - عن هشام بن أبي عبد اللّه)(3).
- قال الخلّال: (أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد، ثنا ابن حنبل، قال: حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، قال: سمعت عبد الرحمن - قال ابن مهدي: هو ابن علقمة، قال: سمعت ابن عمر، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "اعفوا اللحى وأحفوا الشوارب".
قال أبو عبد اللّه: هذا غريب)(4).--------------------------------------------
(1) "تاريخ ابن معين" رواية الدوري (2978).
(2) "العلل" (2/ 273).
(3) "العلل" (3/ 91).
(4) "الوقوف والترجل من مسائل الإمام أحمد" (77).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 514)
- قال الخطيب: (أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل - هو أبو إسماعيل الترمذي -، قال: حدثنا الحسن بن سَوَّار أبو العلاء الثقة الرضا - وقلت له: الحديث الذي حدثتنا: رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت، أعده عليّ وكان قد حدثني به قبل هذه المرة بسنتين. قال: نعم - حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضَمْضَم بن جَوْس، عن عبد اللّه بن حنظلة بن الراهب، قال: رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت على ناقة لا ضَرْبَ ولا طَرْدَ، ولا إليك إليك.
قال أبو إسماعيل: سألنا أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة، وقال: أكتبتموه من كتاب؟ قلنا: نعم)(1).
قلت: يظهر أن الإمام أحمد استنكر هذا الحديث، فسأل: (أكتبتموه من كتاب؟)، لأنهم لو كتبوه من حفظه لعُلم السبب في استنكاره، فيكون الشيخ حدث به على جهة التوهم.
- قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن أمية الئاوي، عن عيسى بن موسى التيمي، عن عبد اللّه بن كَيْسان، قال: سمعت محمد بن واسع، يحدث عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تحرم النار على كل هين لين، سهل سمح".
فسمعت أبي يقود: هو حديث غريب منكر، حدثنا به الحسن بن علي بن مهران المَتُّوثِي، عن أحمد بن محمد بن أمية، عن أبيه محمد بن أمية)(2).--------------------------------------------
(1) "تاريخ بغداد" (8/ 282).
(2) "العلل" (1851).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 515)
قلت: مع أن ظاهر هذا الإسناد أنه صالح، لكن استنكره لغرابته.
وعبد اللّه بن كَيْسان، قال النسائي والدارقطني: (لم يكن بالقوي)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ولكن ضعفه أبو حاتم، وقال العقيلي: (في حديثه وهم كثير)(1).
ولعل كلامهم فيه بسبب ما تفرد به، فقد قال ابن عدي بعد أن ساق له أحاديث: (ولعبد اللّه بن كَيْسان عن عكرمة عن ابن عباس، أحاديث غير ما أمليت غير محفوظة، وعن ثابت عن أنس كذاك)(2).
- وسئل الجورْجاني: (من الثبت في الزهري؟ قال: مالك من أثبت الناس فيه، وكذلك أبو أويس، وكان سماعهما من الزهري قريبًا من السواء؛ إذ كانا يختلفان إليه جميعًا، ومعمر إلا أنه يهم في أحاديث.
وتختلف الثقات من أصحاب الزهري، فإذا صحت الرواية عن الزبيدي فهو أثبت الناس فيه، وكذلك شعيب وعقيل، ويونس بعدهم، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر والليث بن سعد.
فأما الأوزاعي فربما يهم عن الزهري.
وسفيان بن عيينة كان غلامًا صغيرًا حين قدم عليهم الزهري، وإنما أقام - يعني الزهري - تلك الأيام مع بعض ملوك بني أمية بمكة أيامًا يسيرة، وفي حديثه - يعني ابن عيينة - عن الزهري اضطراب شديد.
وسفيان بن حسين وصالح بن أبي الأخضر وسليمان بن كثير، متقاربون في الزهري. يعني في الضعف.--------------------------------------------
(1) انظر: "تهذيب التهذيب" (2/ 410)، "علل الدارقطني" (6/ 384).
(2) "الكامل" (7/ 32).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 516)
فأما ابن أبي ذئب فقد كان له معه صحبة، إلا أنه يحكى عنه أنه لم يسمع من الزهري، ولكن عرض عليه.
والزبيدي وشعيب لزماه لزومًا طويلًا، إذ كانا معه في الشام في قديم الدهر، وعقيل قد سأله عن مسائل كثيرة تدل على خبر به، وكذا أبو أويس لزمه سنة وسنتين.
فما وجدت من حديث يحكى عن الزهري ليس له أصل عند بعض هؤلاء، فتأنّ في أمره.
وابن إسحاق روى عن الزهري، إلا أنه يمضغ حديث الزهري بمنطقه، حتى يعرف من رسخ في علمه أنه خلاف رواية أصحابه عنه.
وإبراهيم بن سعد صحيح الرواية من الزهري.
وذكر قومًا رووا عن الزهري قليلًا أشياءَ يقع في قلب المتوسع في حديث الزهري أنها غير محفوظة، منهم بُرْد بن سنان، وروح بن جناح، وغيرهما)(1).
قلت: بُرْد وثقه الجمهور، ولكن ما تفرد به عن الزهري لا يقبل؛ وذلك لأنه ليس من أصحابه الذين اشتهروا بصحبته، بخلاف ما تفرد به مثلا عن مكحول فهو مقبول، وذلك لكونه من كبار أصحابه.
وقول الجوزجاني: (فتأن في أمره)، قد يكون غير محفوظ.
وقوله: (يمضغ حديث الزهري)، يعني لا يرويه بلفظ الزهري، وإنما يرويه بلفظه هو، فيأتي بسياق للحديث يخالف سياق أصحابه، فيقع في الخطأ.--------------------------------------------
(1) "شرح علل الترمذي" (2/ 481 - 482).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 517)
وتقدم قريبا كلام الجوزجاني في حديث عاصم بن ضمرة عن علي.
- قال أبو داود: (حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا خالد بن نزار، حدثني القاسم بن مَبْرُور، عن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها قالت: شكا الناس إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه.
قالت عائشة: فخرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر صلى الله عليه وسلم وحمد اللّه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "إنكم شكوتم جَدْبَ دياركم، وَاسْتِئْخَارَ المطر عن إِبَّانِ زمانه عنكم، وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم"، ثم قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 2، 3]، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين"، ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فانشأ اللّه سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الْكِنِّ ضحك صلى الله عليه وسلم، حتى بدت نواجذه، فقال: "أشهد أن اللّه على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله".
قال أبو داود: وهذا حديث غريب، إسناده جيد، أهل المدينة يقرءون {ملك يوم الدين} [الفاتحة:4]، وإن هذا الحديث حجة لهم)(1).
- قال الترمذي: (حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه--------------------------------------------
(1) "السنن" (1173).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 518)