الفصل الرابع عشر الفرق بين الغريب والخبر الذي ظهرت علته
تقدم الكلام على الحديث الغريب وعلاقته بصحة الخبر وضعفه، وفي هذا الفصل أريد أن أبين حقيقة "الغريب" عند الأئمة، وأنه ليس علة في حقيقته، وإنما هو قرينة على العلة، ولكن هذا ليس بلازم؛ ومن هنا لا يُردّ الغريب مطلقا ولا يقبل مطلقا، فمتن الحديث إذا كان في أمر مهم من أمور الشريعة، وكان الإسناد غريبًا مخرجه، خاصة إذا كان أحد رواته ليس بذاك في الحفظ والإتقان وسعة الرواية = غلب على الظن أن ثمة خطأ وقع فيه هذا الناقل؛ كأن يكون وصل مرسلًا، أو وقف مرفوعًا، أو دخل عليه إسناد في إسناد، وربما نقف على حقيقة الخطأ وربما لا نقف، فإن بانت لنا علّته فذاك، وإن لم نتبيّنها فالحديث يكون غريبًا قد يتوجَّب التوقفُ في قبوله، وهذه أمثلة على ذلك:
- قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن خالد أبي الهيثم المدائني.
فقال أبي: جاءني سعيد البَرْذَعي فقال: حدثنا أبو مسعود بن الفرات، عن خالد، عن بكر بن مُضَر، عن راشد بن أبي سَكْنَة، عن معاوية، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال طائفة من أمتي … ".
قال أبي: فأنكرتُ ذلك، وأنكره أبو زرعة، وجعلوا يقولون: هو غريب.
فقلتُ: لم يَرو خالد عن بكر بن مُضَر شيئا.
فقيل لأبي زرعة: مَن خالد هذا؟
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 583)
قال: لا أدري من هو! وأعلم أن الحديث منكر.
فقلت أنا: هو خالد المدانني.
فقيل لأبي زرعة، فقال: صدق، يشبه أن يكون من حديث خالد.
ولم يكن أبو مسعود بيّن لهم من خالد هذا، لكي يحسبون أنه غريب)(1).
قلت: فظهرت علّته، وذلك أن خالد المدائني متروك، قال البخاري: تركه عليّ والناس.
وقال ابن راهويه: كان كذّابا.
وقال الأزدي: أجمعوا على تركه.
قال يحيى بن حسان: جاء المدائني فلزق أحاديث الليث؛ إذا كان عن الزهري عن ابن عمر أدخل سالما، وإذا كان عن الزهري عن عائشة أدخل عروة، فقلت له: اتّق الله، قال: ويجئ أحدٌ يعرف هذا؟
وقال مجاهد بن موسى: أتيت خالدا المدائني فقال: أيّ شيء تريد؟ قلت: حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب، فأعطانيه، فجعلت أكتب على الولاء، وكنا أربعة، فقالوا لي: انتخب، فأبيت، فكتبته ثم أعطيته، فجعل يقرأ ويسند لي، فأقول: ليس ذا في الكتاب! فقال: اكتب كما أقول لك، فقلت: جزاك الله خيرا، وظننت أنه تركها عمدا حتى تبيّنت بعد ذلك(2).
وخالد المدائني كان من أهل الصرفة بالحديث، وكان مكثرًا، ولكنه لم يكن بأمين ولا صادق، فلذا كان يسوّي الأسانيد ويدخل فيها ما ليس منها، وهذا لا يتفطّن له إلا الجهابذة النّقاد، فمثلا: يكون الحديث معروفا--------------------------------------------
(1) "العلل" (964).
(2) "ميزان الاعتدال" (1/ 588).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 584)
عن الزهري عن ابن عمر، فيدخِل بينهما سالم بن عمر؛ فيصبح الحديث عندئذ غريبا؛ لأنه قد اشتهر بغير ذكر سالم، وكذا يكون مشتهرًا عن الزهري عن عائشة، فيدخِل بينهما عروة؛ فيكون بذلك غريبا، فما فائدة ذلك عند خالد؟
الجواب: كي يُظنّ أن عنده من الحديث ما ليس عند غيره، وأنه تفرد عن أقرانه، فيقصده الرواة وطلاب الحديث، وذلك أنهم يريدون من رحلتهم وسماعهم على الشيوخ فوائد لا توجد عند عامتهم.
قال أحمد بن حنبل: (إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان. فإذا سمعتهم يقولون: هذا لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح)(1).
لذا كان لا ينتخب على الشيوخ إلا الحفاظ؛ حتى ينتخبوا لهم ما كان بهذه الصفة من الأخبار؛ لأن هؤلاء الرواة قد سمعوا وأكثروا من الرواية، فبعد ذلك إذا أتوا إلى الشيوخ فإنهم يريدون أشياء يستفيدونها لا توجد عند الآخرين.
- قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه مروان الطَّاطَرِي، عن أبي إسحاق الفَزَارِي، عن موسى بن أبي عائشة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه توضأ وخلل لحيته، وقال: "بهذا أمرني ربي عز وجل ".
فقال أبي: هذا غير محفوظ، وحدثنا أحمد بن يونس، عن الحسن بن صالح، عن موسى بن أبي عائشة، عن رجل، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) تقدم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 585)
قال أبي: هذا الصحيح، وكنا نظن أن ذاك غريب، ثم تبيّن لنا علته: ترك من الإسناد نفْسين، وجعل موسى عن أنس)(1).
- وقال: (وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه زهير بن عباد، عن حفص بن ميسرة، عن ابن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام، كأنما ناصيته بيد شيطان".
قال أبي: هذا خطأ، كنا نظن أنه غريب، ثم تبين لنا علته.
قلت: وما علته؟
قال: حدثنا العباس بن يزيد العبدي وإياك، عن ابن عيينة، عن ابن عَجْلان، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مليح بن عبد الله، عن أبي هريرة، موقوف.
قال ابن عيينة: فقدِم علينا محمد بن عمرو، فأتيته فسألته، فحدثني عن مَلِيح بن عبد الله، عن أبي هريرة، موقوف.
وقال أبو زرعة: هذا خطأ، إنما هو عن ابن عَجْلان، عن محمد بن عمرو، عن مِليح، عن أبي هريرة، موقوف.
قال أبي: فلو كان عند ابن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، لم يحدث عن محمد بن عمرو، عن مَلِيح، عن أبي هريرة)(2).
- وقال: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن سليمان الأَصْبهاني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يصلي في اليوم والليلة اثني عشر ركعة؟
فقال أبي: هذا خطأ، رواه سهيل، عن أبي إسحاق، عن المسيب بن--------------------------------------------
(1) "العلل" (84).
(2) "العلل" (223).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 586)
رافع، عن عمرو بن أوس، عن عَنْبْسة، عن أم حبيبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبي: كنت معجبا بهذا الحديث، وكنت أرى أنه غريب، حتى رأيت سهيل، عن أبي إسحاق، عن المسيب، عن عمرو بن أوس، عن عَنْبَسة، عن أم حبيبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعلمت أن ذاك لزم الطريق)(1).
قلت: أي لزم الجادّة، فبانت علته.
- وقال: (وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه محمد بن عيسى بن الطَّبَّاع، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين وعكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة … " الحديث.
قال أبو زرعة: رواه سليمان بن حرب وغير واحد من الثقات، عن حماد بن زيد - لم يذكروا ابن سيرين - عن أبي هريرة، وهو الصحيح، وأحسب الوهم من ابن الطَّبَّاع.
قال أبي: رواه وهيب وابن علية وابن عيينة، فقالوا: عن أيوب، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يذكرون ابن سيرين.
قال أبي: إن كان حديث ابن الطَّبَّاع محفوظا فهو غريب)(2).
قلت: مقصود أبي حاتم، أن هذا الحديث إن كان ابن الطَّبَّاع قد سمعه من حماد بن زيد فهو غريب؛ لأن الحديث قد اشتهر من غير ذكر ابن سيرين في الإسناد، فهنا علّته لم تظهر، وبالتالي قد يُرد بالغرابة دون بيان علته، وأما إذا كان ابن الطَّبَّاع لم يحفظه وإنما دخل عليه حديث في حديث مثلًا، فتكون عندئذ علته قد ظهرت، فلم يبق للتعليل بالغرابة وجه.--------------------------------------------
(1) "العلل" (288).
(2) "العلل" (1401).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 587)
- قال الطبراني: (حدثنا إسحاق بن جميل الأصبهاني، قال: نا محمد بن عمرو بن العباس الباهلي، قال: نا عبد الملك بن عمرو أبو عامر، عن عبد الله بن بديل الخُزَاعي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَقَاطعوا، ولا تَدَابروا، ولا تَبَاغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام".
هكذا رواه عبد الله بن بُدَيل بن وَرْقاء، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس.
ورواه أصحاب الزهري، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب. وعن الزهري، عن أنس بن مالك، فإن كان عبد الله بن بديل حفظه، فهو حديث غريب، ولا يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه)(1).
قلت: الصواب رواية الجماعة عن الزهري، خاصة أن عبد الله بن بُدَيل ليس من مشاهير أصحابه.
ووجه الشاهد هو قول الطبراني: (فإن كان عبد الله بن بديل حفظه فهو حديث غريب).
- وقال الطبراني: (حدثنا علي بن الحسين الصُّوفي البغدادي، قال: نا يوسف بن واضح، قال: نا قدامة بن شهاب، عن بُرْدِ بن سِنان، عن عَبدةَ بن أبي لُبابةَ، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن الضَّبِّيِّ بن مَعبَد، أنه أَهلَّ بحج وعمرة، فذكر ذلك لعمر، فقال: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.
لم يَرو هذا الحديث عن بُرْدِ بن سِنَان، إلا قدامة بن شهاب.
وخالف بُرْد بن سِنَان سفيان بن عيينة؛ لأن سفيان بن عيينة، رواه عن--------------------------------------------
(1) "المعجم الأوسط" (3030).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 588)
عبد الله بن أبي عامر، عن أبي وائل، عن الضَّبِّيّ، فإن كان بردّ حفظه فهو غريب عن زِرّ)(1).
قلت: يقال في هذا الحديث ما قيل في الذي قبله، وما يأتي من الأمثلة كذلك.
- وقال: (حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خَيْثمة، قال: نا الفضل بن سهل الأعرج، قال: نا أبو الجَوَّاب، قال: نا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي جَميلَةَ، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم".
لم يرو هذا الحديث عن عطاء بن السائب إلا شريك، تفرد به أبو الجَوَّاب، فإن كان أبو الجَوَّاب حفظه، فهو حديث غريب من حديث عطاء بن السائب؛ لأن الناس رووه عن شريك، عن عبد الأعلى الثعلبي، وعن ابن أبي جَمِيلَةَ، عن علي رضي الله عنه)(2).
- وقال: (حدثنا محمد بن يحيى، ثنا القاسم بن دينار، نا حسين بن علي الجعفي، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا ابن جُدْعَان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رجلا كان يسب أبا بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر ساكت، فلما سكت الرجل رد أبو بكر كلمة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم واتّبعه أبو بكر، فقال: يا رسول الله، يسبني وأنت قاعد، فلما رددت - أو انتصرت، أو نحو هذا - قمتَ. قال: "إنه كان ملك يرد عليه، ويقول: كذبت، فلما تكلمت وقع الشيطان، فكرهت أن أجلس.
ثلاث يا أبا بكر كلّهن حق: ليس عبد يظلم بمظلمة فيغضي ابتغاء وجه الله، إلا أعز الله بها نصرة، وليس عبد يفتح باب عطية يبتغي وجه الله أو--------------------------------------------
(1) "المعجم الأوسط" (3781).
(2) "المعجم الأوسط" (5376).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 589)
صلة، إلا زاده الله بها كثرة، وليس عبد يفتح باب مسألة يبتغي بها كثرة، إلا زاده الله بها قلة".
لم يَرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلا سفيان بن عيينة، ولا رواه عن سفيان إلا حسين الجعفي، تفرد به القاسم بن دينار.
ورواه الناس عن سفيان بن عيينة، عن ابن عَجْلان، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة. فإن كان حسين الجعفي حفظه، فهو غريب من حديث علي بن زيد عن ابن المسيب)(1).
- وقال: (حدثنا محمد بن أبان، ثنا علي بن حسان العَطَّار، ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا قُرَّة بن خالد، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لَقِيط بن صَبِرة، عن أبيه وافد بني المُنْتَفِق، أنه أتى عائشة هو وصاحب له يطلبان النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجداه …
لم يَرو هذا الحديث عن قُرَّة بن خالد إلا يحيى بن سعيد، تفرد به علي بن حسان، فإن كان علي بن حسان حفظه، فهو غريب من حديث قُرَّة بن خالد؛ لأن غير علي بن حسان رواه عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن كثير)(2).
- وقال: (حدثنا أحمد بن محمد الجُمَحيّ المِصِّيصِيّ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيْنِي، حدثنا عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى".
غريب، لم يَرو هذه اللفظة "والنهار" عن العمري إلا الحُنَيْنِي)(3).
- وقال: (حدثنا عثمان بن أحمد بن عثمان الدَّبَّاغ المصمري بمصر،--------------------------------------------
(1) "المعجم الأوسط" (7239).
(2) "المعجم الأوسط" (7446).
(3) "المعجم الصغير" (47).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 590)
حدثنا محمد بن عمرو بن نافع الطَّحَّان المُعَدَّل، حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي، فكان يرد علينا قبل أن نخرج إلى أرض الحبشة، فلما رجعنا من أرض الحبشة أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسلّمت عليه، فلم يرد عليّ السلام، فأخذني ما قرب وما بعد، فقلت: ما لي!؟ أحدثَ فيَّ حدثٌ أو نزل فيَّ شيء؟ فقال: "لا يا ابن مسعود، إن الله يحدث في أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة".
هكذا روى الحديث عبد الغفار عن سفيان، فإن كان حفظه فهو غريب من حديث منصور.
ورواه الحميدي وغيره من أصحاب سفيان، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن عبد الله، وهو المحفوظ)(1).
- وقال: (حدثنا أحمد بن علي الجارُودي الأَصبهاني، ثنا محمد بن عيسى الزَّجَّاج، ثنا الحسين بن حفص، ثنا حماد بن شعيب، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن خباب، قال: كان لي على العاص بن وائل دين، وكنت رجلا قينا، فأتيته أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لمبعوث بعد الموت؟ قال: نعم. قال: فإنه سيكون لي مال وولد. قال: فأنزل الله عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} [مريم: 77] إلى {فَرْدًا} [مريم: 80].
قال أبو القاسم: هكذا رواه حماد بن شعيب، عن الأعمش، عن أبي وائل.--------------------------------------------
(1) "المعجم الصغير" (527).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 591)
ورواه الناس كما ذكرناه أولا عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب، فإن كان حماد بن شعيب ضبطه عن الأعمش فهو غريب من حديث أبي وائل)(1).
* * *--------------------------------------------
(1) "المعجم الكبير" (3665).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 592)
الفصل الخامس عشر ذكر بعض الرواة الدين تُكلّم فيهم بسبب روايتهم للغرائب وتفردهم ببعض الأحاديث عن أقرانهم
قال البخاري: (مسلم بن مريم، مولى لبني سليم، مدني، سمع علي بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، ومسلم هذا غريب الحديث، ليس له كبير حديث)(1).
وقال: (روى ربيعة بن سيف المَعَافِري الإسكندراني أحاديث لا يتابع عليه، نسبه هشام بن سعد، روى عنه مُفَضَّل بْن فَضالة، وسعيد بن أبي أيوب)(2).
وقال: (روى رَوْح بن غُطَيف بن أبي سفيان الثقفي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه: "تُعاد الصلاة من قدر الدرهم"، وهذا لا يتابع عليه)(3).
وقال: (وروى هلال عن أنس: حرم النبي صلى الله عليه وسلم البُسْر والتمر، ولا يدخر شيء لغد. ولا يتابع عليه)(4).
وقال: (صالح بن محمد بن زائدة أبو واقد الليثي، تركه سليمان بن حرب، منكر الحديث.--------------------------------------------
(1) "التاريخ الكبير" (7/ 273).
(2) "التاريخ الأوسط" (3/ 218).
(3) "التاريخ الأوسط" (3/ 219).
(4) "التاريخ الأوسط" (3/ 425).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 593)
روى عن سالم، عن أبيه، عن عمر رفعه: "من غَلَّ فأحرقوا متاعه"، لا يتابع عليه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الغالّ: "صلوا على صاحبكم"، لم يحرق متاعه)(1).
وقال: (حدثنا محمد، قال: حدثني عمرو بن محمد، قال: حدثنا عمار بن محمد أبو يَقْظان، وكان أوثق من سيف ابن أخت سفيان الثوري.
وأما عمار بن سيف الضَّبِّي، فيروى عنه، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان في قُطْرَبُّل وصَرَاة، لا يتابع عليه، منكر ذاهب)(2).
وقال: (كنية عباس بن الفَضْل أبو الفَضْل الأنصاري، نزل الموصل، عن القاسم بن عبد الرحمن.
قال أحمد: حديثه عن يونس وخالد وداود وشعبة صحيح، وأنكرت من حديثه عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة أو جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال لي كعب: "يلي من ولدك رجل"، هو كذب. وكان من أصحاب شعبة.
يروي عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مغفل: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، لا يتابع عليه، سمع منه الحسن بن بِشْر)(3).
وقال: (محمد بن سلام الخزاعي، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي البهيمة، والرجل يصبح في غضب الله، قاله دُحَيم عن ابن أبي الفُدَيك، قال: حدثني محمد، لا يتابع عليه)(4).--------------------------------------------
(1) "التاريخ الأوسط" (3/ 508).
(2) "التاريخ الأوسط" (4/ 785).
(3) "التاريخ الأوسط" (4/ 837)، وينظر: "العلل" لأحمد رواية عبد الله (2412).
(4) "التاريخ الكبير" (313).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 594)
وقال: (محمد بن معاوية أبو علي النَّيْسابُوري، سكن بغداد، ثم سكن مكة فمات بها، سمع الليث، ومحمد بن سلمة، روى أحاديث لا يتابع عليها)(1).
وقال: (محمد بن يوسف بن عبد الله بن سَلَام بن الحارث الخَزْرَجي الأَنْصاري، نسبه الزبيدي.
وقال لي الحِزامِي: حدثنا محمد بن صَدَقة، سمع عثمان بن الضَّحَّاك بن عثمان، أخبرني محمد بن يوسف بن عبد الله بن سَلَام، عن أبيه، عن جده: ليُدفننَّ عيسى بن مريم مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته. قال محمد: هذا لا يصح عندي، ولا يتابع عليه)(2).
قلت: سيأتي بيان مذهب البخاري في الغرابة والتفرد، وأنه وسط بين طرفين، ومما يدل على اهتمامه بالغرابة والتفرد وأنها كثيرا ما تكون علّةً أمورٌ:
الأول: إكثاره من استعمال (منكر الحديث)، وذلك في كتابه "الضعفاء الصغير"، وهي أكثر عبارة أطلقها على الرواة في الحكم عليهم(3)، سواء كانت منه أو نقلها عن غيره، وهذه العبارة من أشد العبارات عنده، وإن كان عنده ما هو أشد منها، والدليل على ذلك قوله: (منكر الحديث، لا--------------------------------------------
(1) "التاريخ الكبير" (779)
(2) "التاريخ الكبير" (839).
(3) وذلك نحو الربع من عدد الرواة، وهذا غير قوله: منكر الحديث جدا، عنده مناكير، حديثه مناكير، في حديثه مناكير، في حديثه بعض المناكير، فيه بعض المناكير، تعرف وتنكر، روى أحاديث مناكير، فإذا أضفنا هذه العبارات فقد تصل النسبة إلى ثلث الكتاب أو أكثر.
وأحيانا يستعمل (فيه نظر) بمعنى التوقف، كما في "العلل الكبير" للترمذي عن البخاري (ص: 390): (وحكيم بن جبير لنا فيه نظر. ولم يعزم فيه على شيء).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 595)
يكتب حديثه)، (ما كان من حديثه مرفوع فهو منكر، وهو ضعيف جدا)، (تركوه، منكر الحديث)(1).
وجاء بأنه استعملها فيما دون ذلك، ولكن ذلك لم يثبت؛ كقوله: (يحيى بن صالح الشامي ثقة، وفي حديثه بعض المناكير)(2). وقوله: (سهيل بن مهران أخو حزم القطعي البصري، عن ثابت، ليس بالقوي عندهم، روى عنه ابن عيينة، وهو سهيل بن أبي حزم، روى عنه هدبة بن خالد، منكر الحديث)(3).
الثاني: إكثاره عند الحكم على الراوي من قوله: (لا يتابع عليه)(4).
الثالث: إكثاره من قوله: (فيه نظر)، أو (بعض النظر). وهذه اللفظة يستعملها فيما يستنكره من الحكم على الرواة أو الأحاديث.
* * *--------------------------------------------
(1) ينظر: "الضعفاء الصغير" (230، 178، 71).
(2) ينظر: (148)، على اختلاف النسخ في إثبات كلمة (ثقة).
(3) ينظر: (158)، والراجح دون قوله: (منكر الحديث) كما جاء ذلك عند العقيلي في "الضعفاء" (3/ 94).
(4) وهذا كثير أيضا، كما في "التاريخ الكبير".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 596)
الفصل السادس عشر: عسر الحكم بالغرابة
الناظر في منهج الأئمة في كتابة الحديث وتدوين السنة، لا يشك في حرصهم الشديد على تتبع الحديث ولقاء المحدثين، حتى جمعوا مئات الألوف من الأسانيد، سواء كانت مرفوعة أو موقوفة على الصحابة أو مقطوعة على من دونهم، فتجد الحديث الواحد يرويه الفئام من الناس، خاصة كلما تأخرت طبقة من رواة، فتجد أن بعض الأئمة يقولون عند الحكم على خبر ما: هذا الحديث لا يرويه إلا فلان، ولم يروه عنه إلا فلان. أو: هو من هذا الوجه غريب. أو: لم يروه إلا أهل البصرة، أو الشام، أو مصر.
ولا شك أن الحكم بهذا من الصعوبة بمكان، مع ملاحظة ما تقدم، وبهذا يعسر الحكم على الحديث بالغرابة والتفرد.
كما قال أبو داود: (سمعت أحمد سئل عن حديث سفيان بن عيينة، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر كان لا يصلي إلى أميال ميّلها مروان، من أيوب؟
قال أحمد: السختياني.
قيل له: إن سعيدا - يعني: ابن منصور - رواه عن أيوب بن موسى.
فأنكر ذلك أحمد أن يكون عن أيوب بن موسى، وقال: ما زلنا نسمع أنه غريب من حديث أيوب السختياني، لم يروه إلا سفيان. يعني ابن عيينة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 597)
قال أبو داود: رواه معمر، عن أيوب السختياني)(1).
قلت: الشاهد من هذا استدراك أبي داود على شيخه الإمام أحمد، مع سعة روايته وكثرة محفوظه.
والأمثلة على هذا كثيرة أكتفي منها بواحد:
قال الطبراني في "المعجم الأوسط"(2): (حدثنا محمد بن عبد الله بن رُسته، ثنا أبو كامل الجحدري، ثنا أبو عوانة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان في البدن مثل الطعام".
لم يَرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا أبو عوانة، تفرد به أبو كامل).
قلت: أخرجه ابن حبان(3) من طريق أبي كامل به.
ولم ينفرد به أبو كامل كما قال الطبراني، فقد رواه الترمذي عن قتيبة، حدثنا أبو عوانة به. وقال: (حسن صحيح)(4).
ولذا قال ابن حجر: (من مظان الأحاديث الأفراد "مسند أبي بكر البزار"، فإنه أكثر فيه من إيراد ذلك وبيانه، وتبعه أبو القاسم الطبراني في "المعجم الأوسط"، ثم الدارقطني في "كتاب الأفراد"، وهو ينبئ على اطّلاع بالغ، ويقع عليهم التعقب فيه كثيرا، بحسب اتساع الباع وضيقه أو الاستحضار وعدمه.
وأعجب من ذلك، أن يكون المتابع عند ذلك الحافظ نفسه، فقد تتبع العلامة مغلطاي على الطبراني ذلك في جزء مفرد.--------------------------------------------
(1) "مسائل الإمام أحمد" (2022).
(2) (7517).
(3) (4224).
(4) "جامع الترمذي" (1193).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 598)
وإنما يحسن الجزم بالإيراد عليهم حيث لا يختلف السياق، أو حيث يكون المتابع ممن يعتبر به؛ لاحتمال أن يريدوا شيئا من ذلك بإطلاقهم، والذي يرِد على الطبراني ثم الدارقطني من ذلك أقوى مما يرِد على البزار؛ لأن البزار حيث يحكم بالتفرد إنما ينفي علمه، فيقول: (لا نعلمه يروى عن فلان إلا من حديث فلان)، وأما غيره فيعبِّر بقوله: (لم يروه عن فلان إلا فلان)، وهو وإن كان يلحق بعبارة البزار على تأويل، فالظاهر من الإطلاق خلافه، والله أعلم)(1).
قال عبد الله بن أحمد: (قلت لأبي: ابن الحِمَّاني حدث عنك، عن إسحاق الأَزْرق، عن شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أبردوا بالصلاة"؟
فقال: كذب، ما حدثته به.
فقلت: إنهم حكوا عنه أنه قال: سمعته منه في المذاكرة على باب إسماعيل بن عُلَيَّة.
فقال: كذب، إنما سمعته بعد ذلك من إسحاق الأَزْرق، وأنا لم أعلم تلك الأيام أن هذا الحديث غريب، حتى سألوني عنه بعد ذلك هؤلاء الشباب - أو قال: هؤلاء الأحداث -)(2).
قلت: فالإمام أحمد لم يكن يعلم بغرابته، حتى كثر السؤال عنه، فعلم أنه غريب.
فكما ترى هؤلاء الأئمة الذين جمعوا من الحديث ما لم يجمعه من أتى بعدهم، قد تخفى عليهم غرابة بعض الأحاديث.--------------------------------------------
(1) "النكت على كتاب ابن الصلاح" (2/ 708).
(2) "العلل" (4077).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 599)
لذا، لا يُجزم بغرابة الحديث إلا بتنصيص الأئمة، فإذا نصَّ أحدٌ من الأئمة على ذلك ولم يُستدرك، أو تتابعوا عليه؛ فالأمر ظاهر.
فأما إذا اختلفوا فالأمر أصعب، فعندئذ يحتاج الناظر إلى التأني أكثر، فإن ترجّح له فذاك، وإلا فالتوقف خير.
وأما إذا لم نقف على تنصيص أحد من الأئمة، ولم نجد إلا هذا الإسناد، فهل نحكم بالغرابة؟
الأوْلى عدم الحكم؛ لكثرة الأسانيد، وغياب بعضها مما لم يصلنا؛ كـ "مسند علي بن المديني المعلل" ويعقوب بن شيبة، وغيرها، ولذا تجد الدارقطني في "العلل" يذكر طرقا ليست موجودة في الكتب التي بين أيدينا.
لكن إذا قامت القرائن على ذلك؛ كتتابع أصحاب الدواوين المشهورة على روايته على وجه معين، خاصة إذا كان هذا الوجه ضعيفًا، أو ليس في الدرجة العليا من الصحة، أو يُروى من طريق راوٍ معين عن إمام مشهور - كشعبة والثوري ومالك - ولم يذكروا طريقا سواه، أو يروونه بإسنادٍ رواتُه لم تشتهر رواية بعضهم عن البعض الآخر = فهذه قرائن تفيد أن هذا الخبر ليس له إلا هذه الطريق.
واعلم أن بعض المتأخرين قد يتعقّب بعض الأئمة في الغرابة، ولكن عند التأمل يتبين أن هذا المتعقِّب قد أخطأ، وذلك بأن تكون هذه المتابعة خطأ ولا أصل لها، ولذا لم يلتفت إليها الأئمة ولم يشيروا إليها، وهذا كثير.
قال الطبراني: (حدثنا أحمد، قال: نا علي بن حُجْر، قال: نا شَرِيك، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 600)
لم يروه عن شريك إلا علي)(1).
قال الخطيب: (أخبرني ابن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نعيم، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يحيى الحِيري، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الغَسِيلي، قال: حدثنا لُوَين محمد بن سليمان المِصِّيصِي، قال: حدثنا شَرِيك، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي".
قال ابن نعيم سمعت محمد بن العباس الضَّبِّي، يذكر أن الغَسِيلي لما حدث بهَراة بهذا الحديث، شَنَّعوا عليه، وأنكروه، وقالوا: هذا حديث علي بن حُجْر)(2).
قلت: الذي يظهر أن الغسيلي قد أخطأ في هذا الإسناد
نعم، قد يكون التعقب في محله، وذلك إذا تبين بالدليل الواضح أن هذه المتابعة صحيحة ولها أصل.
* * *--------------------------------------------
(1) "المعجم الأوسط" (681).
(2) "تاريخ بغداد" (6/ 538).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 601)
الفصل السابع عشر: الكتب التي عنيت بالغريب
وهي خمسة:
1 - كتاب "الجامع" للترمذي، وهو أوسعها، وتقدم الكلام عنه.
2 - "مسند البزار" المطبوع باسم "البحر الزخار"، وهو كتاب علل، وفيه كلام على الأحاديث وشرح لعللها، خاصة ربعه الأول، فإن التفصيل فيه أكثر.
3 - معجما الطبراني "الأوسط" و"الصغير"، قال أحمد بن جعفر الفقيه: (سمعت أبا عبد الله بن حمدان وأبا الحسن المديني وغيرهما، يقولون: سمعنا الطبراني يقول: هذا الكتاب روحي. يعني "المعجم الأوسط")(1).
وهذه الكتب الثلاثة - "جامع الترمذي" و"مسند أبي بكر البزار" و"المعجم الأوسط" و"الصغير" لأبي القاسم الطبراني - هي أهم الكتب التي بين أيدينا الآن في الحديث عن الغريب.
ويتميز كتاب أبي عيسى عنهما بحكمه على الحديث من حيث الصحة والحسن أو الضعف، مع بيانه للغرابة، نعم يذكر البزار درجة الحديث، ولكن أحيانا فقط، أمّا الطبراني فقلَّما يبين حكم الحديث.
كما أن البزار والطبراني يتميزان عن الترمذي بذكر مَن المتفرد بهذا--------------------------------------------
(1) "سير أعلام النبلاء" (16/ 124).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 603)