ابن حنبل ويحيى بن معين من حديث أبي معاوية، ثم بحث يحيى عنه فوجد غير أبي الصلت قد رواه عن أبي معاوية.
وقال عباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يوثق أبا الصلت عبد السلام بن صالح، فقلت - أو قيل له -: إنه حدث عن أبي معاوية، عن الأعمش: "أنا مدينة العلم وعلي بابها"؟ فقال: ما تريدون من هذا المسكين، أليس قد حدث به محمد بن جعفر الفَيْدي، عن أبي معاوية؟ هذا أو نحوه.
وقال أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي، فقال: ليس ممن يكذب. فقيل له في حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنا مدينة العلم وعلي بابها"؟ فقال: هو من حديث أبي معاوية، أخبرني ابن نمير، قال: حدث به أبو معاوية قديما ثم كفَّ عنه. وكان أبو الصلت رجلا موسرا يطلب هذه الأحاديث ويكرم المشايخ، وكانوا يحدثونه بها.
وقال عبد المؤمن بن خلف النسفي: سألت أبا علي صالح بن محمد عن أبي الصلت الهروي، فقال: رأيت يحيى بن معين يحسن القول فيه، ورأيت يحيى بن معين عنده وسئل عن الحديث الذي روى عن أبي معاوية - حديث علي: "مدينة العلم" - فقال: رواه أيضًا الفيدي. قلت: ما اسمه؟ قال: محمد بن جعفر)(1).
وابن خزيمة وابن حبان يلتفتان إلى الغرابة ولكنهما قد يتساهلان في الحكم، فيقبلان أحيانا ما كان منكرًا عند غيرهما.--------------------------------------------
(1) "تهذيب الكمال" (18/ 76 - 79)، "تاريخ بغداد" (12/ 318 - 321)، وينظر: "المنتخب من علل الخلال" (120 - 121).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 665)
فأما ابن خزيمة: فهاك أمثلة تدل على منهجه في هذه المسألة:
قال: (ثنا الحسن بن سعيد أبو محمد القَزَّاز الفارسي - سكن بغداد - بخبر غريب الإسناد، قال: ثنا غسان بن عبيد الموصلي، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقبل صلاة إلا بطهور، ولا صدقة من غلول")(1).
قال ابن عدي: (وهذا لا أعلم رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم غير غسان بن عبيد عن عكرمة بن عمار، وروي عن أبي حذيفة عن عكرمة مرفوعًا أيضًا، وغيرهما وقفوه على أبي هريرة، ولغسان بن عبيد غير ما ذكرت من الحديث، والضعفُ على حديثه بين)(2).
قلت: تبين أن في صحة هذا الحديث من هذا الوجه نظرًا، وكأن أبا بكر ابن خزيمة عندما لاحظ هذا، ساقه بعد حديث سماك بن حرب عن مصعب بن سعد عن ابن عمر الذي في مسلم(3)، ثم ذكر بعد حديث غسان حديث كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا بنفس المتن.
وقال ابن خزيمة: (ثنا علي بن الحسين الدِّرِهَمي بخبر غريب غريب، قال: حدثنا معتمر، عن سفيان الثوري، عن مُحَارِب بن دِثار، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة إلا يوم فتح مكة فإنه شغل، فجمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد.
حدثنا أبو عمار، ثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان، عن مُحَارِب بن دِثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة صلى الصلوات كلها بوضوء واحد.--------------------------------------------
(1) "صحيح ابن خزيمة" (9).
(2) "الكامل" (8/ 566).
(3) "صحيح مسلم" (244).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 666)
قال أبو بكر: لم يسند هذا الخبر عن الثوري أحد نعلمه غير المعتمر ووكيع.
رواه أصحاب الثوري غيرهما، عن سفيان، عن مُحَارِب، عن سليمان بن بريدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإن كان المعتمر ووكيع مع جلالتهما حفظا هذا الإسناد واتصاله، فهو خبر غريب غريب)(1).
قلت: رواية الدِّرْهَمي عن معتمر، تابعه عليها عمرو بن علي الفَلَّاسُ كما في "مسند الرُّوياني"(2).
قال عبد الله بن أحمد: (حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان في حديث محارب، عن سليمان بن بريدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني في يوم فتح مكة أنه صلى الصلوات بوضوء واحد. وقال وكيع: عن أبيه.
فقال يحيى: هو مرسل)(3).
وكذلك قال أبو زرعة والترمذي والدارقطني(4).
والحديث مشهور من رواية علقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، كما في "صحيح مسلم"(5).
وقال ابن خزيمة: (نا محمد بن الوليد بخبر غريب، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن خالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن شَقِيق، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في إنائه - أو في وضوئه - حتى يغسلها؛ فإنه لا يدري أين أتت يده منه")(6).--------------------------------------------
(1) "صحيح ابن خزيمة" (13 - 14).
(2) (68).
(3) "العلل" (4188).
(4) "علل ابن أبي حاتم" (152)، "جامع الترمذي" (62)، "علل الدارقطني" (2861).
(5) (277).
(6) "صحيح ابن خزيمة" (100).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 667)
قلت: الظاهر أن ابن خزيمة يريد بكونه غريبًا عن غُنْدر، لكن تابع ابنَ الوليد الإمامُ أحمد في "المسند"(1)، وأخرجه الدارقطني من طريق محمد بن الوليد به(2)، وقال: (تابعه عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة). فكأنه يريد أن ينفي الغرابة.
وقال ابن خزيمة: (نا محمد بن ميمون، أخبرنا يحيى، نا سفيان، عن معمر، عن ثابت، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في غسل واحد.
قال أبو بكر: هذا خبر غريب، والمشهور: عن معمر، عن قتادة، عن أنس)(3).
ثم أتبعه برواية معمر عن قتادة(4).
قلت: محمد بن ميمون يروي عن ابن عيينة مباشرة، ولم يُذكر (يحيى) في "إتحاف المهرة"(5)، وهو الصواب.
ويريد بكونه غريبًا: عن معمر عن ثابت، وهو مشهور عن معمر عن قتادة، فالظاهر أن ابن عيينة أخطأ، لذا صوّب النسائي عن معمر عن قتادة لا عن ثابت(6).
وقال ابن خزيمة: (حدثنا بُنْدار، نا أبو بكر يعني الحنفي، نا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، أن بلالا كان يقول أول ما أذّن: أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة، فقال له عمر: قل في أثرها: أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل كما أمرك عمر")(7).--------------------------------------------
(1) "مسند أحمد" (9869).
(2) "سنن الدارقطني" (127).
(3) "صحيح ابن خزيمة" (229).
(4) "صحيح ابن خزيمة" (230).
(5) (730).
(6) "السنن الكبرى" (9185).
(7) "صحيح ابن خزيمة" (362).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 668)
قلت: هذا خبر منكر، ويظهر أن الحنفي قد تفرد به، وهذا مما يستدرك به على ابن خزيمة، لأنه خرّجه في "الصحيح".
وقال ابن خزيمة: (نا علي بن حُجْر السعدي غير مرة، أخبرنا شريك، عن مُخوَّل بن راشد، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة {الم (1) تَنْزِيلُ}، و {هَلْ أَتَى}.
نا بُنْدار، نا محمد، عن شعبة، عن مُخوَّل، عن مسلم البَطِين، ح وحدثنا الصنعاني، نا خالد يعني ابن الحارث، أنا شعبة، أخبرني مُخوَّل، قال: سمعت مسلما البَطِين، يحدث عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح {الم (1) تَنْزِيلُ}، و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ}، وفي صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقون.
نا الفضل بن يعقوب الرُّخَامِي بخبر غريب غريب، قال: حدثنا أسد بن موسى، نا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة {الم (1) تَنْزِيلُ}، و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ})(1).
قلت: تابع الرُّخَامِيَ المقدامُ بن داود المصري(2)، وإن كان لا يحتج به، لكنّ الرُّخَامِي ثقة مشهور، وهذه الغرابة عن حماد لا تقبل، والرواة عنه كثر، فلعل الحمل على أسد بن موسى، خاصة وأن له بعض الغرائب.
وقال ابن خزيمة: (حدثنا محمد بن حسان الأَزْرق بخبر غريب غريب - إن كان حفظ اتصال الإسناد -، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن بلال أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبقني بآمين.--------------------------------------------
(1) "صحيح ابن خزيمة" (533).
(2) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (12/ 58) عن المقدام، عن أسد به.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 669)
قال أبو بكر: هكذا أملى علينا محمد بن حسان هذا الحديث من أصله … فقال: عن بلال، والرواة إنما يقولون في هذا الإسناد: عن أبي عثمان أن بلالا قال للنبي صلى الله عليه وسلم)(1).
وقال ابن خزيمة: (نا يحيى بن حبيب الحارثي، حدثنا خالد بن الحارث، عن محمد بن عَجْلان، عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله عز وجل {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] قال: فهداهم الله للإسلام.
قال أبو بكر: هذا حديث غريب أيضًا)(2).
قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب صحيح، يستغرب من هذا الوجه من حديث نافع عن ابن عمر، ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عَجْلان)(3).
من خلال الأمثلة التي سبق ذكرها يتبين اهتمامه الكبير بمسألة الغرابة، وذلك أنه إذا وقف على الغرابة في الإسناد يبيّنها ولا يتركها، لكنه لا يجعلها علة يرد بها الخبر كأصحاب المذهب الأول، كما أنه ليس من أصحاب المذهب الثالث لأنه يلتفت إليها ويهتم بها، لكنه يقبلها وهو الأكثر، وأحيانا يميل إلى قبولها مع شيء من التردد، ويعلق ذلك بحفظ الراوي لهذا الوجه الغريب، وأحيانا يردها.
وأما ابن حبان: فقد اهتم بهذه المسألة اهتماما بالغا، فتتبعها في ثلاثة مواضع:
الأول: عند بيان حد الحديث الصحيح وما يضاده.--------------------------------------------
(1) "صحيح ابن خزيمة" (573).
(2) "صحيح ابن خزيمة" (623).
(3) "جامع الترمذي" (3005).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 670)
والثاني: عند حكمه على الرواة.
والثالث: عند حكمه على الحديث عمليًّا، ولكنه في الجانب العملي ليس مثل الجانب النظري، فإنه وإن كان نبه على بعض الأحاديث الغريبة التي خرجها في كتابه الصحيح المسمى "التقاسيم والأنواع" إلا أنه لم يعتبرها علة، كما أنه لم ينبه إلى كثير من الغرائب.
ومن الأمثلة على ذلك:
أول حديث في كتابه، خرّجه من طريق الأوزاعي، عن قُرَّة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أَقْطَع".
فهذا حديث منكر؛ وذلك أن وصله غريب جدا، كما رواه الثقات المشاهير عن الزهري.
قال أبو داود: (رواه يونس وعقيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا)(1).
قال الدارقطني: (وهو الصواب)(2).
وخرّج من طريق محمد بن عبد الرحمن بن سهم، عن أبي إسحاق الفَزَارِي، عن مالك بن أنس، عن سالم أبي النَّضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أعرفن الرجل يأتيه الأمر من أمري، إما أمرت به وإما نهيت عنه، فيقول: ما ندري ما هذا، عندنا كتاب الله ليس هذا فيه"(3).
قلت: وصلَه غريب عن مالك، وليس هو في "الموطأ"، وقد رواه ابن--------------------------------------------
(1) "السنن" (4840).
(2) "العلل" (1391).
(3) "صحيح ابن حبان" (13).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 671)
وهب - كما عند الحاكم - عن مالك، عن سالم، عن عبيد الله مرسلا(1).
وقال الدارقطني: (رواه أبو إسحاق الفزاري، عن مالك، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه. ولم يأت به عنه غير ابن سهم، وغيره أثبت منه، وحديث ابن وهب أشهر وأثبت عن مالك)(2).
والمشهور في الموصول رواية ابن عيينة عن سالم به، رواه الحميدي وأبو داود والترمذي وصحّحه(3)، وأخرجه أحمد من حديث ابن لَهيعة عن سالم به(4).
وقال ابن حبان: (أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بِبُسْتَ ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف بنيسابور، قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا خلف بن خليفة، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لتدخلُنّ الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على الله كَشِرَادِ البعير". قالوا: يا رسول الله ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى")(5).
قلت: إسناده حسن إلى المسيب، ولكن لم يثبت له سماع من أبي سعيد، وهو غريب من حديث أبي سعيد، والمشهور حديث أبي هريرة كما عند البخاري(6).--------------------------------------------
(1) "المستدرك" (369).
(2) "الأحاديث التي خولف فيها مالك" (48).
(3) "مسند الحميدي" (561)، "سنن أبي داود" (4605)، "جامع الترمذي" (2867) وفي "تحفة الأشراف" (12019): (حسن).
(4) "مسند أحمد" (23861).
(5) "صحيح ابن حبان" (17)، قال الطبراني في "المعجم الأوسط" (808): (لم يرو هذا الحديث عن العلاء بن المسيب إلا خلف بن خليفة).
(6) "صحيح البخاري" (7280).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 672)
وقال ابن حبان: (أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس السَّامِي، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بالبراق ليلة أسري به مُسْرَجًا مُلْجَمًا ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا، فوالله ما ركبك أحد أكرم على الله منه، قال فَارْفَضَّ عَرَقًا)(1).
قلت: هو حديث غريب، قال أبو عيسى الترمذي: (هذا حديث حسن غريب، ولا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق)(2).
أخرجه البزار(3) عن الحسن بن الصباح ومحمد بن عبد الرحيم، عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر، عن سعيد، عن قتادة به. وقال: (وهذا الحديث إنما يرويه سعيد عن قتادة عن أنس عن مالك بن صَعصعة، وإسماعيل بن عمر عنده مختصر).
وإسماعيل بن عمر قال ابن حجر: ثقة. فالله أعلم.
وقال ابن حبان: (أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد المروزي بالبصرة، قال: حدثنا محمد بن سهل بن عَسْكَر، قال: حدثنا ابن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا تماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار")(4).
ذكر ابن عدي في "الكامل" في ترجمة يحيى بن أيوب، أن هذا--------------------------------------------
(1) "صحيح ابن حبان" (46)، وهو في "مسند أحمد" (12672).
(2) "جامع الترمذي" (3417).
(3) "مسند البزار" (7113)، وأشار الدارقطني لرواية سعيد في "العلل" (7/ 313).
(4) "صحيح ابن حبان" (77).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 673)
الحديث غير محفوظ، وأنه معروف بيحيى بن أيوب، يتفرد به عن ابن جريج(1).
قلت: ورواه ابن وهب، عن ابن جريج فأرسله، أخرجه الحاكم(2).
وقال ابن حبان: (أخبرنا الفضل بن الحُباب الجُمَحي، حدثنا حفص بن عمر الحَوْضِي، حدثنا مُحرّر بن قَعْنَب الباهلي، حدثنا رِيَاح بن عبيدة، عن ذَكْوَان السَّمَّان، عن جابر بن عبد الله، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ناد في الناس: من قال: لا إله إلا إله دخل الجنة"، فخرج فلقيه عمر في الطريق، فقال: أين تريد؟ قلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا، قال: ارجع، فأبيت، فَلَهَزَني لَهْزَةً في صدري ألمُها، فرجعت ولم أجد بُدًّا، قال: يا رسول الله، بعثت هذا بكذا وكذا؟ قال: "نعم"، قال: يا رسول الله، إن الناس قد طمعوا وخشوا، فقال صلى الله عليه وسلم: "اقعد")(3).
قلت: إسناده غريب، ورجاله ثقات عدا مُحرّر بن قَعْنَب، وهو ليس بالمشهور.
والمشهور حديث عكرمة بن عمار، عن أبي كثير السُّحَيْمِي، عن أبي هريرة. كما أخرجه مسلم(4)، وهذا أصح؛ لأنه يبعُد أن تتكرر هذه القصة مرتين.
وقال ابن حبان: (أخبرنا الحسين بن محمد بن مصعب بخبر غريب غريب، حدثنا أبو داود السِّنْجِي سليمان بن مَعْبَد، حدثنا ابن أبي مريم،--------------------------------------------
(1) (10/ 570)، وينظر: "تاريخ الإسلام" (4/ 540 - 541) و"الميزان" (4/ 362 - 363) للذهبي.
(2) "المستدرك" (292).
(3) "صحيح ابن حبان" (151).
(4) "صحيح مسلم" (31).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 674)
حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "الإيمان سبعون أو اثنان وسبعون بابا، أرفعه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان")(1).
قلت: وجدت ابن لَهيعة تابع يحيى بن أيوب، عند ابن بطة(2)، قَرَن بينهما: (يحيى بن أيوب وابن لَهيعة قالا: نا ابن الهاد)، ولكن يخشى أن يكون دلّسه، فإنه كان سيء التدليس، وهذا التصريح بالتحديث يحتمل أن يكون ليحيى وليس له، فإنه قُرن معه في الإسناد كما ترى.
وقال ابن حبان: (أخبرنا الحسين بن محمد بن أبي مَعْشَر بخبر غريب، قال: حدثنا محمد بن وهب بن أبي كَرِيمَة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أُنَيْسَة، عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، قال: كنت مستترا بحجاب الكعبة، وفي المسجد رجل من ثقيف وَخَتَنَاهُ قرشيان، فقالوا: ترون أن الله يسمع حديثنا؟ … )(3).
قلت: استغربه من أجل تفرد زيد بن أبي أُنَيسة بروايته عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق.
والمشهور رواية الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود، كما أخرجه مسلم(4).
وقد يكون الخطأ من شيخ ابن حبان الحسين بن محمد، فإن ظاهر--------------------------------------------
(1) "صحيح ابن حبان" (181).
(2) "الإبانة الكبرى" (886).
(3) "صحيح ابن حبان" (390).
(4) "صحيح مسلم" (2775)، وأخرجه كذلك عبد الرزاق في "تفسيره" (2701)، وأحمد (3875)، والترمذي (3552).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 675)
كلام ابن حبان يدل على أن الغرابة منه، وأنا أذهب إلى هذا، وأن الحسين هو الذي أتى بهذا الإسناد الغريب.
ثم وقفت على ما أخرجه الطبراني في "الكبير"(1) عن أبي عروبة الحسين بن محمد الحراني وأبو عقيل أنس بن سلم الخولاني، قالا: ثنا أبو المعافى محمد بن وهب به.
وقال ابن حبان: (أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى بخبر غريب، قال: حدثنا قَطَنُ بن نُسَيْر الصيرفي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى شِسْعَ نعله إذا انقطع")(2).
قلت: رواه أبو عيسى الترمذي من طريق أبي داود، عن قَطَنبه، ثم قال: (هذا حديث غريب، وروى غير واحد هذا الحديث عن جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكروا فيه عن أنس.
حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شِسْع نعله إذا انقطع"، وهذا أصح من حديث قَطَن، عن جعفر بن سليمان)(3).
وأخرجه ابن عدي في "الكامل"(4) من طريق القواريري، حدثنا جعفر، عن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، ثم قال: (فقال رجل للقواريري: إن لي شيخا يحدث به عن جعفر، عن ثابت، عن أنس؟ فقال القواريري: باطل. وهذا كما قال).--------------------------------------------
(1) (10/ 140).
(2) "صحيح ابن حبان" (866).
(3) "الجامع" (3949، 3950).
(4) (8/ 701).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 676)
وقال ابن حبان: (أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن محمد الدَّغُولِي بخبر غريب من كتابه، قال: حدثنا محمد بن داود بن دينار الكِرْماني، قال: حدثنا عبد الله بن نافع، قال: حدثنا مالك بن أنس وغيره، عن نافع، عن ابن عمر، قال: عُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، ولم أحتلم، فلم يقْبلني، ثم عُرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فقبلني)(1).
قلت: وجه الغرابة كونه من طريق مالك، وهو منكر عن مالك، فأين أصحابه عن هذا الحديث!؟
والمشهور أنه من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع به، أخرجاه في "الصحيحين"(2).
وقال ابن حبان: (أخبرنا الفضل بن الحُبَابِ الجُمَحِي بالبصرة، حدثنا القَعْنَبي، حدثا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وآمنوا بي وبما جئت به، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله".
تفرد به الدَّرَاوَرْدِي)(3).
قلت: أخرجه مسلم(4) من حديث روح بن القاسم والدراوردي، كلاهما عن العلاء به.
وقال ابن حبان: (أخبرنا ابن قتيبة، حدثنا غالب بن وزير الغَزِّي،--------------------------------------------
(1) "صحيح ابن حبان" (4727).
(2) "صحيح البخاري" (2664)، "صحيح مسلم" (1868).
(3) "صحيح ابن حبان" (174).
(4) "صحيح مسلم" (34).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 677)
حدثنا وكيع، قال: حدثني الأعمش، عن المَعْرُور بن سُوَيد، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعبد عابد من بني إسرائيل، فعبد الله في صومعته، ستين عاما، فأمطرت الأرض، فاخضرت، فأشرف الراهب من صومعته، فقال: لو نزلت فذكرت الله لازددت خيرا، فنزل ومعه رغيف أو رغيفان، فبينما هو في الأرض لقيته امرأة، فلم يزل يكلمها وتكلمه حتى غشيها، ثم أغمي عليه، فنزل الغدير يستحم، فجاءه سائل، فأومأ إليه أن يأخذ الرغيفين أو الرغيف، ثم مات، فوزنت عبادة ستين سنة بتلك الزنية، فرجحت الزنية بحسناته، ثم وضع الرغيف أو الرغيفان مع حسناته، فرجحت حسناته فغفر له".
قال أبو حاتم: سمع هذا الخبر غالب بن وزير عن وكيع ببيت المقدس، ولم يحدث به بالعراق، وهذا مما تفرد به أهل فلسطين عن وكيع)(1).
قلت: هذا حديث منكر، ويظهر أن غالب تفرد به عن وكيع(2).
فيلاحظ عليه - كما مر في الأمثلة - أنه قد اعتنى بهذا الأمر اعتناء بالغا.
وكذلك في حكمه على الرجال الثقات:
فقال في "المشاهير": (حُصَيْن بن نُمَير أبو عمر، من الأثبات في الروايات، وكان يغرب)(3).
وقال عن علي بن المبارك: (من المتقنين وأهل الفضل في الدين، ممن يغرّب فيجود)(4).--------------------------------------------
(1) "صحيح ابن حبان" (378).
(2) ينظر: "لسان الميزان" (6/ 301).
(3) "مشاهير علماء الأمصار" (1408).
(4) المرجع السابق (1251).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 678)
وقال عن عبيد الله بن شَوْذَب: (كان متيقظا، يغرب)(1).
وقال في "الثقات" عن عبيد الله الأشجعي: (يغرب ويتفرد)(2).
وقال عن حمدان بن ذي النون: (مستقيم الحديث، يغرب)(3).
وقال عن داود بن حماد الجَرْمي: (وكان صاحب حديث حافظا، يغرب)(4).
وقال عن سفيان بن مِسْكِين: (تفقدت حديثه على أن أرى فيه شيئًا يغرب، فلم أره إلا مستقيم الحديث)(5).
وقال عن إبراهيم بن الأَشْعث البخاري: (يغرب ويتفرد، ويخطئ ويخالف)(6).
وقد لاحظ هذا أيضًا على الرواة الضعفاء، فكثيرا ما يقول: (لا يقبل إذا انفرد).
قال عن إبراهيم بن مُهاجِر: (كثير الخطأ، تستحب مجانبة ما انفرد من الروايات، ولا يعجبني الاحتجاج بما وافق الأثبات؛ لكثرة ما يأتي من المقلوبات)(7).
وقال عن عبد الحميد بن الحسن الهلالي: (كان ممن يخطئ، حتى خرخ عن حد الاحتجاج به إذا انفرد)(8).
وقال عن إبراهيم بن علي الرافعي: (كان يخطئ، حتى خرج عن حد--------------------------------------------
(1) المرجع السابق (1435).
(2) "الثقات" (8/ 403).
(3) المرجع السابق (8/ 220).
(4) المرجع السابق (8/ 236).
(5) المرجع السابق (8/ 289).
(6) المرجع السابق (8/ 66).
(7) "المجروحين" (1/ 97).
(8) المرجع السابق (2/ 125).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 679)
من يحتج به إذا انفرد)(1).
وقال عن إبراهيم بن عمر بن أبان: (ليس ممن يحتج بخبره إذا انفرد)(2).
وقال عن عطاء الجمَّال: (يروي عن علي ما لا يتابع عليه، وليس من العدالة بالمحل الذي يعتمد عليه عند الانفراد)(3).
وقال في مقدمة "المجروحين": (فمن لم يحفظ سنن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها، ولا عرف الثقات من المحدثين ولا الضعفاء من المتروكين، ومن يجب قبول انفراد خبره ممن لا يجب قبول زيادة الألفاظ في روايته … )(4).
وقال في مقدمة "الصحيح": (وإني أمثِّل للاعتبار مثالا يُستدرك به ما وراءه: وكأنا جئنا إلى حماد بن سلمة، فرأيناه روى خبرا عن "أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم" لم نجد ذلك الخبر عند غيره من أصحاب أيوب، فالذي يلزمنا فيه التوقف عن جرحه، والاعتبار بما روى غيره من أقرانه، فيجب أن نبدأ فننظر هذا الخبر: هل رواه أصحاب حماد عنه، أو رجل واحد منهم وحده؟ فإن وجد أصحابه قد رووه، علم أن هذا قد حدث به حماد، وإن وجد ذلك من رواية ضعيف عنه، ألزق ذلك بذلك الراوي دونه، فمتى صح أنه روى عن أيوب ما لم يتابع عليه، يجب أن يتوقف فيه، ولا يلزق به الوهن، بل ينظر: هل روى أحد هذا الخبر من الثقات عن ابن سيرين غير أيوب؟ فإن وجد ذلك، عُلم أن الخبر له أصل يرجع إليه، وإن لم يوجد ما وصفنا، نُظر حينئذ: هل روى أحد هذا الخبر عن أبي هريرة غير ابن سيرين من الثقات؟ فإن وجد ذلك، علم أن الخبر له--------------------------------------------
(1) المرجع السابق (1/ 99).
(2) المرجع السابق (1/ 107).
(3) المرجع السابق (2/ 113).
(4) المرجع السابق (1/ 13).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 680)
أصل، وإن لم يوجد ما قلنا، نُظر: هل روى أحد هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير أبي هريرة؟ فإن وجد ذلك، صحَّ أن الخبر له أصل، ومتى عدم ذلك، والخبر نفسه يخالف الأصول الثلاثة، عُلم أن الخبر موضوع لا شك فيه، وأن ناقله الذي تفرد به هو الذي وضعه)(1).
ولكن عند التطبيق كأنه لم يلتزم ما نظّر له، بل تساهل في بعض ما خرّج من الغرائب، حتى صحّح أحاديثَ منكرة إسنادًا ومتنًا كما تقدم، وليست بكثيرة بالنسبة لسائر الأحاديث التي خرجها في كتابه "التقاسيم والأنواع".
ويلحق بهما يحيى بن محمد بن صاعد(2).
وأما أبو عبد الله الحاكم: ففي كتابه "المستدرك" في أحيانٍ كثيرة لا يلتفت إلى الغرابة والتفرد، وأحيانا يلتفت ولكنه لا يجعلها علة.
ولقد خرّج من طريق حبيب بن الشهيد، ثنا حميد بن هلال، ثنا هِصَّان بن كاهِل - وفي حديث ابن أبي عدي كاهِن - قال: جلست مجلسا فيه عبد الرحمن بن سَمُرة ولا أعرفه، فقال: حدثنا معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما على الأرض نفس تموت لا تشرك بالله شيئًا، تشهد أني رسول الله، يرجع ذلك إلى قلب موقن، إلا غفر الله لها".
قال: فقلت: أأنت سمعت من معاذ، فعنّفني القوم، فقال: دعوه فإنه لم يُسِئِ القول، نعم، أنا سمعته من معاذ بن جبل، وزعم معاذ أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح، وقد تداوله الثقات، ولم يخرجاه--------------------------------------------
(1) (1/ 155).
(2) ينظر: "الجزء الخامس من الأفراد" لابن شاهين، الأحاديث: (10، 12، 16، 18).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 681)
جميعًا بهذا اللفظ، والذي عندي - والله أعلم - أنهما أهملاه لهِصَّان بن كاهِل، ويقال: ابن كاهِن، فإن المعروف بالرواية عنه حميد بن هلال العدوي فقط، وقد ذكر ابن أبي حاتم، أنه روى عنه قُرَّة بن خالد أيضًا، وقد أخرجا جميعًا عن جماعة من الثقات لا راوي لهم إلا واحد، فيلزمهما بذلك إخراج مثله، والله أعلم)(1).
وخرّج من طريق محمد بن سابق، ثنا إسرائيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء".
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بهؤلاء الرواة عن آخرهم، ثم لم يخرّجاه، وأكثر ما يمكن أن يقال فيه: أنه لا يوجد عند أصحاب الأعمش، وإسرائيل بن يونس السبيعي كبيرهم وسيدهم، وقد شارك الأعمش في جماعة من شيوخه، فلا ينكر له التفرد عنه بهذا الحديث)(2).
وقد قال الترمذي - وقد خرجه من طريق ابن سابق -: (هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن عبد الله من غير هذا الوجه)(3).
ومثل الحاكم ابن شاهين(4)، ولا يخفى أنهما من الحفاظ الكبار، فهما منتبهان للغرابة - مع تساهل عند الحاكم -، ولكنهما عند الحكم يتساهلان في قبول هذه الغرائب.
المذهب الرابع: وهو منهج الذين لا يلتفتون إلى الغرابة أو التفرد،--------------------------------------------
(1) "المستدرك" (16).
(2) "المستدرك" (29).
(3) "جامع الترمذي" (2104).
(4) ينظر: "الجزء الخامس من الأفراد" الأحاديث: (2، 5 - 7، 10، 17، 25).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 682)
حيث إنهم لا يرونها علة، بل قد يعيبون في بعض الأحيان من يعل الحديث بها(1).
قال القاضي أبو يعلى: (ومعنى قول أحمد: ضعيف: على طريقة أصحاب الحديث؛ لأنهم يضعفون بما لا يوجب تضعيفه عند الفقهاء؛ كالإرسال، والتدليس، والتفرد بزيادة في حديث لم يروها الجماعة، وهذا موجود في كتبهم: تفرد به فلان وحده)(2).
ومثله عند ابن عقيل في "الواضح في أصول الفقه"(3).
وقال ابن دقيق العيد في تعريف الحديث الصحيح: (ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين: على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التيقظ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة، على ما قُرر من الفقه، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسندًا.
وزاد أصحاب الحديث: أن لا يكون شاذًا ولا معللًا، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى مذهب الفقهاء؛ فإن كثيرًا من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء.
وبمقتضى ذلك حُدَّ الحديث الصحيح بأنه: الحديث المسند الذي يتصل إسناده، بنقل العدل الضابط عن العدد الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معللًا.
ولو قيل في هذا: الحديث الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا .. إلى آخره، لكان حسنًا؛ لأن من لا يشترط مثل هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف، ومن شرط الحد أن يكون جامعًا مانعًا)(4).--------------------------------------------
(1) ينظر ما تقدم: فصل في مخالفة المتأخرين في مسألة الغرابة وأنها ليست بعلّة.
(2) "العدة في أصول الفقه" (3/ 941).
(3) (5/ 22).
(4) "الاقتراح في بيان الاصطلاح" (ص: 186).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 683)
وسار على هذا جمعٌ من المحدثين ممن تأخر:
منهم: أبو جعفر ابن جرير الطبري، كما في كتابه "تهذيب الآثار"، قال: (وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح، وذلك أنه خبر لا يعرف له مخرج عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه)(1).
والأمثلة على ذلك كثيرة في كتابه "تهذيب الآثار".
وكذلك أبو محمد بن حزم(2)، وابن القطان الفاسي، وغيرهم.
معنى قولِ أحمدَ: ضعيفٌ، على طريقةِ أصحابِ الحديث، وقولُه: والعملُ عليه. كلامُ فقيهٍ يُعَوِّلُ على ما يقوله الفقهاءُ من إلغاءِ التضعيفِ من المحدّثين؛ لأنَّهم يُضعِّفونَ. مما لا يوجبُ ضعفًا عند الفقهاءِ؛ كالإرسالِ والتدليسِ والتفرّدِ بالروايةِ، وهذا موجودٌ في كتبهم، يقولون: وهذا الحديث تفرَّدَ به فلانٌ وحده.
والمنهج الذي سار عليه علي بن المديني والبخاري ومن وافقهما هو أقرب المناهج، والله أعلم.
* * *--------------------------------------------
(1) "تهذيب الآثار، مسند علي" (3/ 4).
(2) ذكر الذهبي في "السير" (18/ 195) أن لابن حزم مختصرًا في علل الحديث يقع في مجلد، وهذا المختصر يحتمل أن يكون لزكريا بن يحيى الساجي، فإن له كتابًا في العلل كما ذكر الذهبي في "السير" (14/ 199). وقد ذكر ابن القطان في "بيان الوهم" (5/ 405) أن ابن حزم اختصر كتاب الساجي في الرجال، ولا يبعد أن يكونا كتابًا واحدًا، وقد يكون مصنفًا مستقلًا.
ولا يخفى أن العلّة لا تنحصر في القادح الخفي، بل إنها تطلق في الأمور الظاهرة؛ كانقطاع الإسناد، وضعف الراوي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 684)