عقب على ذلك بقوله: "كذا وقع هذا الحديث في الأمهات، ولم يذكر فيه "دحية" بعد قوله: "بعث" والصواب إثباته، وقد ذكره البخاري فيما ذكره الكشميهني معلقًا".
ولاشك أن السياق يؤيد ما قاله القرطبي؛ لأن الضمير في "أَمَرَهُ"، يعود إلى من بعث معه الكتاب -وهو دحية.
4 - ويرجع إلى النسخ العتيقة، ويقارن بينها وبين غيرها ليخرج بفائدة.
ففي حديث عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك. . . الحديث (1).
عقب القرطبي بقوله: "وجدت في بعض نسخ كتاب البخاري، وهي نسخة جيدة عتيقة: "قال أبو عبد اللَّه -أي البخاري- قد رأيت هذا القدح بالبصرة، وشربت فيه، وقد اشتُرِيَ من ميراث النضر بن أنس".
5 - ومن فوائده تعقيبه على حديث رواه البخاري، عن عمران بن ميسرة، عن فضيل قال: حدثنا حصين.
ثم حول السند فقال: وحدثني أُسيد بن زيد، عن هشيم، عن حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وذكر حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب (2).
بين أن في هذا الحديث راويًا ضعيفًا، وهو أسيد بن زيد الذي يكنى--------------------------------------------
(1) رقم (2507) من هذا الكتاب.
(2) صحيح البخاري (رقم: 6541).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
أبا محمد، ويعرف بالجمال، وأن البخاري قد انفرد به، وهو ضعيف، ضعفه ابن معين وغيره، وإنما أدخل البخاري حديثه على معنى الاعتبار.
قال: "وقد نقلت ذلك من حاشية على أصل البخاري" (1).
أقول: مهما يكن من أمر فالعمدة هو الإسناد الأول الذي ليس فيه هذا الراوي.
هكذا لم يكن القرطبي في هذا الكتاب مختصرًا فقط يحذف الأسانيد وبعض المكررات، وإنما كان محققًا ومدقِّقًا، والرجوع إلى الأصول والمقارنة بينها، ويعلق بما يراه من فوائد تضفي على اختصاره أهمية وأضواء على الأصل وهو الصحيح.
* تقريب صحيح البخاري:
على أن هناك جانبًا هامًّا يسير جنبًا إلى جنب مع الاختصار ومصاحبًا له، وهو "تقريب الصحيح".
ويتجلى ذلك فيما يلي:
1 - أنه لا يكثر من التراجم كما فعل البخاري، بل يجمع الأبواب العدة تحت باب واحد، وترجمة واحدة تجمع معانيها.
ففي الصحيح في كتاب الأذان ثلاثة أبواب، هي:
1 - باب جهر الإمام بالتأمين (رقم 111).
2 - باب فضل التأمين (رقم 112).--------------------------------------------
(1) رقم (2875) من هذا الكتاب والتعقيب عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
3 - باب جهر المأموم بالتأمين (رقم 113).
جمعها القرطبي كلها في باب واحد اندرجت تحته الأحاديث في الأبواب الثلاثة، وهو:
"باب ما جاء في التأمين والجهر به وفضله" (1).
2 - وهو لا يلتزم بترتيب البخاري للأحاديث بل يقدم ويؤخر، تبعًا لما تدل عليه الترجمة التي وضعها.
فمثلًا: عقد البخاري ترجمة فقال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (2).
وروى ثلاثة أحاديث تحت هذا الباب؛ الأول منها يعارض نص الترجمة؛ لأنه يدل على أنه لا يأتم المأموم بالإمام إذا صلى الإمام جالسًا ما دام هو صحيحًا.
وهو الحديث الذي صلى فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأصحابه في مرض موته، صلى بهم جالسًا، وصلوا وراءه قيامًا.
ثم أعقب البخاري ذلك بحديثين تدل عليهما الترجمة.
والحديث الأول ناسخ للحديثين الأخيرين.
وقد نقل البخاري في نهاية الأحاديث الثلاثة عن شخه الحميدي ما يدل على هذا النسخ، ولكن بطريق غير مباشر.
أما القرطبي فقد عقد بابًا للمنسوخ وآخر للناسخ وكل منهما يدل على--------------------------------------------
(1) قبل رقم (423).
(2) خ (1/ 228 - 229) ورقم الباب (51).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
الحديث الذي تحته.
قال أولًا: باب إذا صلى الإمام جالسًا صلى المأموم جالسًا، وإن كان صحيحًا (1).
ثم أدرج تحته المنسوخ.
ثم قال ثانيًا: باب ما جاء مما يدل على نسخ ذلك.
وأتى تحته بالحديث الناسخ، وهو صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في مرضه الأخير (2).
فهذا تقريب لأحاديث البخاري ووضوح في ترجماته.
2 - التراجم الواضحة.
ومن وجوه التقريب أنه وضع تراجم واضحة لأبوابه ليس فيها من الغموض ما يوجد في كثير من تراجم البخاري.
فهو قد استبدل بالتراجم البعيدة الصلة بينها وبين الأحاديث المندرجة تحتها -تراجم واضحة الصلة فلا تحتاج إلى إعمال فكر، ولا إلى الاختلاف في بيان الصلة لخفائها، مما حدى ببعض العلماء إلى تأليف كتب للمناسبات بين التراجم والأحاديث تحتها عند البخاري (3).--------------------------------------------
(1) قبل رقم (376).
(2) قبل رقم (378).
(3) هناك كتاب "المتواري، على تراجم أبواب البخاري، لناصر الدين أحمد بن محمد المعروف بابن المنَيِّر الإسكندراني (620 - 683 هـ) طبع بالكويت 1407 هـ = 1987 م بمكتبة المعلا. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
وهذا كثير لا يحتاج إلى تمثيل.
ولعل المثال الذي سبق في ائتمام الإمام بالمأموم يدل على ذلك.
3 - شرح الغريب.
ومن تقريب البخاري في هذا التلخيص أنه يذيل بعض الأبواب التي فيها من الغريب بشرح هذا الغريب، سواء أكان ذلك في الألفاظ أو التعبيرات.
وهذا كثير لا يحتاج إلى تمثيل.
ومن خصائص هذا الكتاب غير ما تقدم:
1 - الاتجاه الفقهي عند القرطبي:
من خصائص هذا التلخيص أنه سار على المذهب المالكي، مذهب القرطبي - في التراجم، وبين القرطبي فيه اتجاهه العقدي.
أما الأول فإنه إذا قيل: فقه البخاري في تراجمه وهو في هذا يمثل فقه المحدثين - فإن القرطبي يمثل فيه الفقه المالكي.
ذلك أن القرطبي جاء في عصر قد تبلورت فيه المذاهب الفقهية، وأصبح كل عالم من علماء الفقه والأصول، وكذلك كثير من المحدثين على مذهب فقهي معين.
وقد ظهر هذا في تراجم القرطبي.
ففي أحاديث غسل الإناء من ولوغ الكلب ترجم لها.--------------------------------------------
= و"مناسبات البخاري"، لبدر الدين بن جماعة (ت 733 هـ) طبع ونشر بالدار السلفية بالهند.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
بقوله: "باب الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب، وأن ذلك ليس لنجاسته" (1).
والقول بعدم نجاسة سؤر الكلب هو مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى.
وإذا كانت الرواية في ظاهرها تُخالف مذهب مالك -فإن القرطبي يعقب بذكر مذهب مالك الذي يخالف هذا الظاهر، ويؤول الحديث بما يتوافق مع هذا المذهب.
ففي باب بيع المُدَبَّر في الدين جاء حديث جابر بن عبد اللَّه قال: أعتق رجل منا عبدًا له عن دبر، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم به، فباعه" (2).
فظاهر هذا الحديث أنه يجوز بيع المدبر؛ لأنه لا زال عبدًا حتى يموت من دبره.
وهذا ما أخذ به بعض العلماء كالشافعي (3).
ولكن هذا لا يجوز في مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى.
ولهذا أول القرطبي الحديث على هذا المذهب بأن النبي صلى الله عليه وسلم باعه في دين سبق التدبير، فكأن التدبير لا شيء في هذه الحالة، مع هذا الدين الواجب الأداء.
قال: "ويعضد هذا التأويل ما ذكره مالك من أن الأمر المجمع عليه عندهم أن المدبر لا يوهب ولا يُحَرَّك عن حاله".--------------------------------------------
(1) قبل رقم (139).
(2) رقم (1237).
(3) الأم، كتاب اختلاف الحديث (10/ 307 رقم 4267 بتحقيقنا).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
2 - الاتجاه العقدي عند القرطبي:
وفي العقيدة يعلق القرطبي بما يبين مذهبه، ويفسر الأحاديث تبعًا لذلك.
فهو يجيز تأويل الصفات، وإن كان يرجح عدم الخوض فيها، والإيمان بها كما جاءت في كتاب اللَّه، وسنة رسوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، دون إجرائها على الحقيقة والظاهر، ودون تأويلها.
ففي حديث أبي هريرة قول رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "لقد عجب اللَّه، أو ضحك اللَّه من فلان، وفلانة" (1).
قال عقبه: "قول: عجب اللَّه" أي عظَّم ذلك الصنع تعظيم ما يتعجب منه. و"ضحك اللَّه" أي رضي ذلك، كما يرضى من يضحك بما سره، واللَّه أعلم.
وهذا تأويل، وقدمه، ولم ينكر عليه مما يدل على أنه يرضاه، ولكنه يميل إلى التسليم، والإيمان بما في الكتاب والسنة كما جاء.
وهذا هو مذهب السلف، وهو معنى قولهم: "أَمِرُّوها -أي: الصفات- كما جاءت".
ففي حديث أنس الذي جاء فيه قول رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فنقول: قط، قط" (2).
قال القرطبي عقبه: مذهب السلف في المشكلات أن لا يتعرض--------------------------------------------
(1) في البخاري رقم (4889) وفي هذا الكتاب رقم (2184).
(2) في (خ) رقم (4850) وفي هذا الكتاب (2166).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
لتأويلها، مع القطع باستحالة حملها على ظواهرها. وقد تعرض كثير من العلماء إلى تأويلها وردها إلى مجازات كلام العرب واستعارتها، فمن ذلك أنّ وَضْعَ القدم والرِّجْل في هذا الحديث يمكن حمله على أن المراد بذلك تذليل جهنم عند طغيانها. وقولها: هل من مزيد. فيذللها اللَّه تعالى تذليل من يُوضَعُ تحت الرجل. ويؤيده قوله "فيضع قدمه عليها" وقيل غير هذا. والتسليم أسلم. واللَّه أعلم.
* النسخ التي طبع عليها الكتاب:
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على ثلاث مخطوطات، ثنتان منها في دار الكتب المصرية، وتحتويان على نصف الكتاب تقريبًا، وهو النصف الأول.
وإحداهما سقطت منها ورقات من أولها، وتكملها الأخرى وهما بخط النسخ، ورمزت لإحداهما بـ "ص" والثانية بـ "د" والثالثة من مكتبة القرويين بفاس، وهي تمثل النصف الأخير من الكتاب، وهي بخط مغربي.
ورمزت لها بـ "ق" من حرف القاف في القرويين (1).
* نسبة الكتاب إلى أبي العباس القرطبي:
الكتاب وثيق النسبة إلى القرطبي أبي العباس، فلقد أشار فيه إلى كتابه المفهم أكثر من مرة، وهو كتابه المشهور وينقل منه الشراح كثيرًا من أقوال القرطبي.--------------------------------------------
(1) من الطريف أن بعضهم رأى هذه المخطوطة، وهي تبدأ بإسلام عمر من باب المناقب، فذكر أن هذا هو أول الكتاب. مقدمة تحقيق "المفهم" (ص: 39).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
قال عقب "باب حكم قصر الصلاة في السفر ومسافته": "اختلف في تأويل عائشة وعثمان الذي حملهما على الإتمام في السفر على أقوال، ذكرناها في كتابنا المفهم" (1).
وقال عقب "باب يصلي المريض قاعدًا": "وقد بسطنا القول فيها في الكتاب المفهم" (2).
وعقب باب دعاء التهجد، وفي تفسير غريبه قال: "واختلف في الصغائر التي لا تزري بالمناصب. هل يصح وقوعها منهم -أي من الأنبياء- على قولين، قد بينا متمسكات كلٍّ منهما في كتابنا المفهم" (3).
وعقب الحديث رقم (1561) قال: وقيل غير ذلك على ما ذكرناه في كتابنا المفهم.
وفي التعقيب على أحاديث لعن المصورين أحال في التفصيل على المفهم (4).
* العمل في التحقيق:
1 - كتبت النص من المخطوطات كتابة حديثة.
2 - رقمت الأحاديث ترقيمًا متسلسلًا.
3 - قابلت أحاديث الكتاب بصحيح البخاري كنسخة من نسخ الكتاب،--------------------------------------------
(1) عقب رقم (569) من هذا الكتاب.
(2) عقب رقم (581) من هذا الكتاب.
(3) بعد رقم (597).
(4) أرقام (2619 - 2626).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
وأثبت الفروق، فربما تمثل نسخًا أخرى من الكتاب، أو هي كذلك.
4 - ربطت بين هذا المختصر بصحيح البخاري فبينت مواضع الأحاديث منه وأرقامها فيه، وطرقها.
وكان الاعتماد في ذلك على الطبعة السلفية المفردة عن طبعة فتح الباري عند السلفية أيضًا.
5 - شرحت ما يحتاج إلى شرح مما لم يتعرض القرطبي لشرحه.
6 - ضبط ما يحتاج إلى ضبط، وكان جل اعتمادي في ذلك على نسخة مطبوعة في تركيا في المكتبة العامرة باستانبول.
7 - وإذا كان القرطبي يحيل في الأحاديث المكررة إلى ما سبق منها، وكان هذا يمثل صعوبة في تحديد مواضعها -فقد استعضت عن ذلك بذكر بيانات الحديث الذي كرره فيه البخاري، وهو الموضع الذي أشار فيه القرطبي إلى ما سبق من الروايات.
كما وضعت فهرسًا يساعد على تحديد موضع الحديث الذي أحيل عليه.
8 - ربطت بين المطبوع والمخطوطات بذكر أرقام لوحات المخطوطات.
واللَّه العلي القدير أسأل أن ينفع بهذا الكتاب وأن يسترنا، ويغفر لنا ما وقعنا فيه من زلل أوخطأ.
ولا يفوتني أن أشكر الأستاذ أحمد حسني بكار على مساعدته لي في تحقيق هذا الكتاب، وإعداده.
وأسأل اللَّه تعالى أن يجعله في ميزان حسناته، وأن يكون له من العلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
الذي يُنْتَفَع به نصيب، وينفعه في الدنيا والآخرة.
وصلى اللَّه تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد للَّه رب العالمين.
دار القرآن والحديث في:
17 من جمادى الأولى 1433 هـ - 9/ 4/ 2012 م
رفعت فوزي عبد المطلب
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه (أبو العباس القرطبي)القسم: كتب السنة
الكتاب: اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه
المؤلف: أبو العباس القرطبي ضياء الدين أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي (578 هـ - 656 هـ)
المحقق: رفعت فوزي عبد المطلب
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، 1435 هـ - 2014 م
عدد الأجزاء: 5
أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 4 صفر 1440
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
اختصار صحيح البخاري وبيان غربيه
تأليف
الإمام أبي العباس القرطبي
ضياء الدين أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي
المولود بالأندلس سنة 578 هـ والمتوفي بالإسكندرية سنة 656 هـ رحمه اللَّه تعالى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
قال الشيخ الفقيه الإمام العالم العامل الورع الزاهد، قدوة الحفاظ، عمدة المحدثين - جمال الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي رضي الله عنه:
الحمد للَّه الذي خص أهل السنة بالتوفيق، وسلك بهم في صحيح نقلها، وإيضاح معانيها سواء الطريق، ورقَّاهم ببركة الاقتداء بها من حضيض التقليد إلى ذِرْوة التحقيق، وأسكت بصولة حججها كل مهذار مِنْطِيق.
أحمده، وهو بجميع المحامد حقيق، وأشكره شكر من علم لمن شكر نعمه مِنَّةٌ وتوفيق.
وأشهد ألا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة من انشرح صدره بمعارفها، واتسع لقبولها من غير ضيق.
وأشهد أن محمدًا رسول خُصَّ من الرسالة الإلهية بالركن الوثيق، ومن المِلَّة الحنيفية بالمنهج الواضح الأنيق، ومن الرئاسة الإنسانية بالشرف الشامخ والكرم العريق.
صلى اللَّه عليه، وعلى آله وأزواجه وذريته، صلاة توصل إلى الرحب، وتنجي من المضيق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)
ورضي اللَّه عن جميع صحابته، الملتئم من كل صِدِّيقَةٍ وصِدِّيق.
أمّا بعد:
فلما قضت نتائج العقول، وأدلة الشرع المنقول بأن سعادة الدارين لا تنال إلا بمتابعة هذا الرسول، وأن الهداية الحقة باقتفاء سنته، وسنته واجبة الحصول - انتهضت همم أعلام العلماء، والسادة الفضلاء من الصحابة السابقين والتابعين اللاحقين إلى البحث عن سنته، وآثاره، وأقواله وفعاله، فحصلوا ذلك ضبطًا وحفظًا، وقيدوه معنى ولفظًا، واستنبطوا معانيه فقهًا وعقلًا، وبلغوها إلى غيرهم مشافهة ونقلًا.
ثم لم يزل أهل العلم يتناقلون ذلك جيلًا بعد جيل، ويتوارثونه جليلًا بعد جليل، إلى أن انتهى ذلك إلى عصر الأئمة المصنفين الذين اختارهم اللَّه لحفظ هذا الدين، وارتضاهم لإظهار سنة سيد المرسلين.
فأولهم تصنيفًا وترصيفًا، وأولاهم إمامة وتشريفًا أبو عبد اللَّه مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي فهو الذي حاز قَصَبَات السِّبَاق؛ إذ هو المشهود له بأنه أمير المؤمنين في الحديث والعلم بالاتفاق.
ثم تلاه أئمة المصنفين، متسابقين، مُصَلِّين وتالين ومُسَلِّين (1)، وكل من بعده منهم لم يَغْرِف إلا من فضالته، ولم يَسْرِ ذلك المَسْرى إلا بدلالته.
وهؤلاء الأئمة هم:
أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجُعْفِي، البخاري (2)، وأبو--------------------------------------------
(1) المُصَلِّي هو الفرس التالي في السباق، والمُسَلِّي: هو الأخير في السباق، والتالي: الذي يأتي بعد المصلي.
(2) انظر ترجمة للبخاري في "تاريخ بغداد" (2/ 322 - 357 رقم 374)، و"تهذيب =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 4)
الحسين مسلم بن الحَجَّاج القشيري النيسابوري، وأبو داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتَاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي.
فهؤلاء صدور الأئمة الأبرار الذين هجروا في طلب حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الأوطان والأوطار، وأنفقوا في تحصيله نفائس الأموال والأعمار، وارتحلوا في جمعه إلى متفرقات البلدان والأقطار، وبذلوا وسعهم في تمييز صحيحه من سقيمه، ومعوجه من مستقيمه.
ثم دونوا وألفوا، وأسندوا وصنفوا، ثم بذلوا لمن ابتغاه، قاصدين بذلك وجه الإله، فأجورهم دائمة الاستمرار والاستقامة؛ "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (1)، خصوصًا إمامي علماء الصحيح، المُبَرِّزِينَ في علم الجرح والتعديل: أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري؛ فإنهما جمعا كتبهما على شرط الصحيح، وبذلا جهدهما في ترتيبهما من كل عِلَّة، فتم لهما المراد، وانعقد الإجماع على تلقيهما باسم الصحيحين أو كاد.
فجازى اللَّه جميعهم عن الإسلام أحسن الجزاء، ووفاهم من أجر من انتفع بكتبهم أفضل الإجزاء؛ فلقد حفظ اللَّه بهذين الإمامين الصحيح من سنن الدين، وأنهض بكتبهما حجة المحدثين والعلماء الراسخين.--------------------------------------------
= الكمال" (6/ 227 - 237) رقم (5648)، و"سير أعلام النبلاء" (12/ 391) رقم (171).
(1) م: (2/ 705) رقم (69/ 1017) (12)، كتاب الزكاة (20)، باب: الحث على الصدقة في حديث طويل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
غير أن أئمة النقل، وجهابذة النقد اختلفوا فيمن السابق منهما ومن المُصَلِّي؛ إذ ليس في حلبتهما تالٍ ولا مُسَلِّي.
فذهبت طائفة إلى ترجيح البخاري وكتابه، وإليه ذهب أكثر المشارقة.
وذهبت طائفة أخرى إلى ترجيح مسلم وكتابه، وإليه ذهب أكثر المغاربة، واحتجت كل طائفة منها بما انتهى إليها من مناقب مرجحها.
ونحن ننقل من عيون أخبارهما ما يدل على مناقبهما؛ لتعرف مقاديرهما، محذوفة الإسناد؛ لشهرتها في كتب المؤرخين النقاد على منهاج المباحث الفقهية، وتقرير الطريقة النظرية.
ومما يُحتج به للطائفة البخارية ما قاله أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: "ما تحت أديم السماء أعلم من البخاري بالحديث" (1).
وقال مسلم بن الحجاج للبخاري، وقد مسألة عن عِلَّة حديث خفيت على مسلم فأجابه عن ذلك بما أعجبه، فقال له: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك" (2).
وقال أبو بكر الجوزقي: سمعت أبا حامد الشَّرَقِي يقول: رأيت مسلم ابن الحجاج بين يدي البخاري كالصبي بين يدي مُعَلّمه (3).
وقال الدارقطني: "لولا البخاري ما ذهب مسلم ولا جاء".
وقال أحمد بن محمد الكرابيسي: رحم اللَّه الإمام أبا عبد اللَّه البخاري؛--------------------------------------------
(1) "سير أعلام النبلاء" (12/ 431).
(2) المصدر السابق (12/ 437).
(3) المصدر السابق (12/ 433).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
فإنه الذي ألف الأصول، وبين للناس، وكل من عمل بعده قد أخذ من كتابه، كمسلم بن الحجاج، فرق كتبه في كتابه، وتجلد فيه حق الجلادة، حيث لم ينسبه إلى قائله.
ومنهم من أخذ كتابه فنقله بعينه كأبي زرعة وأبي حاتم (1).
وقال أبو المصعب: محمد بن إسماعيل عندنا؛ لو أدركت مالكًا ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل، لقلت: كلاهما واحد في الفقه والحديث.
وقال يعقوب الدورقي: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.
وذكر أبو أحمد بن عدي أن البخاري لما قدم بغداد امتحنه المحدثون بأن قلبوا أسانيد مئة حديث، فخالفوا بين أسانيدها ومتونها، ثم فرقوها على عشرة من طلحة الحديث، لكل منهم عشرة.
فلما استقر بالبخاري المجلس قام إليه واحد من العشرة، فذكر له حديثًا من عشرته وسأله عنه فقال: لا أعرف هذا، ثم سأله عن بقية العشرة واحدًا واحدًا، والبخاري يقول في كل ذلك: لا أعرف، ثم قام بعده ثان ففعل مثل ذلك، فأجابه البخاري: بلا أعرف، ثم قام ثالث كذلك، إلى أن أكمل العشرة المئة الحديث المقلوبة، فظن كل من في المجلس عجز البخاري وانقطاعه، فعند ذلك دعا البخاري الأول فرد متون أحاديثه إلى أسانيدها، وكذلك فعل بجميعهم، فبهت السائلون، وأعجب بذلك الحاضرون والسامعون.--------------------------------------------
(1) أي: أخذ كتاب "التاريخ الكبير" للبخاري، وهذا ليس بصحيح، فـ "الجرح والتعديل" فيه الكثير مما ليس في كتاب البخاري، وخاصة في الجرح والتعديل. انظر: كتابنا "عبد الرحمن بن أبي حاتم وأثره في علوم الحديث" (ص: 185 - 197).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
وقال محمد بن حمدويه: سمعت البخاري يقول: أحفظ مئة ألف حديث صحيح، وأعرف مئتي ألف حديث غير صحيح (1).
وقال جعفر بن محمد القطان: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن أكثر من ألف شيخ، ما عندي حديث إلا أذكر سنده (2).
ونقل أبو الفرج ابن الجوزي عن البخاري أنه قال: صنفت كتاب "الصحيح" في ست عشرة سنة، من ست مئة ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين اللَّه (3).
وقال إبراهيم بن معقل: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتاب "الجامع" إلا ما صح، وقد تركت من الصحيح (4).
وقال محمد بن مطر: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت وصليت ركعتين.
وقال عبد القدوس بن همام: سمعمت عدة من المشايخ يقولون: دَوَّن البخاري تراجم كتابه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين (5).
ولما علم أهل زمانه فضله على أقرانه وتقدمه على علماء أوانه كان يجتمع عليه في مجلسه أكثر من عشرين ألفًا.--------------------------------------------
(1) "تهذيب الكمال" (6/ 236).
(2) المصدر السابق (6/ 231).
(3) المصدر السابق (6/ 232).
(4) المصدر السابق (6/ 230).
(5) المصدر السابق (6/ 231).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
وقال الفِرَبْرِي: سمع كتاب البخاري تسعون ألفًا، فما بقي أحد يرويه غيري (1).
هذا مع علو إسناده، فقد أدرك جماعة ممن أدركوا متأخري التابعين كمكيّ بن إبراهيم البلخي، وأبي عاصم النَّبِيل، ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاري، وعصام بن خالد الحمصي.
وقد روى عنه جماعة من الأئمة؛ كمسلم بن الحجاج، وأبي حاتم الرازي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي حامد بن الشرقي، وأبي عيسى الترمذي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، في آخرين يطول ذكرهم.
فقد حصل بالنقل المتواتر، والإصفاق أن البخاري جاز قصب السباق.
وللطائفة النيسابورية أن تقول: نحن لا ننازع في صحة ما نقلتم، ولا ننكر فضل من فَضَّلْتم، ولكنا ننقل من فضائل صاحبنا (2) وأخباره نحو ما ذكرتم، ثم نثبت له ولكتابه من المزية ما يوجب لها أولوية.
فمن ذلك ما قاله أبو علي الحسن بن علي النيسابوري: "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم، وما رأيت أحفظ منه".
ويلزم من هذا القول أنه أعلم بالصحيح من كل من تحت أديم السماء، وهذا نحو مما قاله ابن خزيمة في البخاري.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (6/ 231).
(2) هو مسلم بن الحجاج، وانظر ترجمته في "تاريخ بغداد" (15/ 121 - 125) رقم (7541)، و"تهذيب الكمال" (7/ 95 - 97)، و"سير أعلام النبلاء" (12/ 557 - 580) رقم (217).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)