حسن جدًا، إلا قوله: وصلاتهن في الجماعة أفضل، فإنه غير مُسَلَّم له، فإن صلاتهن في بيوتهن أفضل، لصحة الأحاديث بذلك:
فمنها: حديث أم حميد المتقدم، وهو حديث حسن، كما تقدم عن الحافظ.
ومنها: حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها"، أخرجه أبو داود بإسناد صحيح. والمخدع -بضم الميم-: بيت صغير، يحرز فيه الشيء، وتثليث الميم لغة. قاله في المصباح.
ومنها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن". أخرجه أبو داود، وأحمد، والحاكم، والبيهقي، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه جماعة آخرون، لكن فيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلس. كما قال الشيخ الألباني. انظر "الإرواء" جـ 2 ص 293 - 294.
قال الجامع: لكنه ينجبر بالأحاديث المذكورة.
وبالجملة فأحاديث الباب صحيحة، فتضعيف ابن حزم لها، وكذا دعواه النسخ فيها على تقدير ثبوتها، مما لا يلتفت إليه.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 652)
والحاصل أن الأرجح من الأقوال المذكورة في هذا الباب قول من قال بوجوب إذن الرجل لامرأته إذا طلبت منه الخروج إلى المساجد، إذا كان على الوجه المشروع لها، بأن لا تتطيب، ولا تتزين، ونحو ذلك، ولكن الأفضل لها أن تصلي في بيتها. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 653)
16 - مَنْ يُمْنَعُ مِنَ الَمسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان الشخص الذي يمنع دخول المسجد.
فمن اسم موصول، و"يمنع" بالبناء للمفعول، والجار والمجرور متعلق به. ويحتمل أن تكون "من" استفهامية مبتدأ، والجملة بعدها
خبر، أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواب من سأل قائلًا: أيُّ شخص يُمْنَعُ من المسْجد؟ والله تعالى أعلم.
707 - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ"، قَالَ أَوَّلَ يَوْمٍ: "الثُّومِ"، ثُمَّ قَالَ: "الثُّومِ، وَالْبَصَلِ، وَالْكُرَّاثِ، فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 - (إِسحاق بن منصور) الكوسج، أبو يعقوب المروزي، ثقة ثبت، من [11] تقدم في 72/ 88.
2 - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة حجة، من [9] تقدم في 4/ 4.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 654)
3 - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه فاضل، كان يدلس ويرسل، من [6] تقدم في 28/ 32.
4 - (عطاء) بن أبي رباح المكي، ثقة فقيه فاضل كثير الإرسال، من [3] تقدم في 112/ 154.
5 - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي الصحابي ابن الصحابي رضي الله عنهما، تقدم في 31/ 35. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج له أبو داود.
ومنها: أنه ليس في الكتب الستة من يسمى إسحاق بن منصور، إلا الكوسج هذا، وإلا إسحاق منصور السَّلُولِيُّ من الطبقة (9).
ومنها: أن فيها جابرًا أحد المكثرين من الصحابة رضي الله عنهم، روى (1540) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) عبد الله رضي الله عنهما، أنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكل) شرطية مبتدأ، جوابها قوله "فلا يقربنا". قال ابن بطال: هذا يدل على إباحة أكل الثوم؛ لأن قوله: "من أكل" لفظ إباحة. وتعقبه ابن المُنَيِّر بأن هذه الصيغة إنما تعطي الوجود، لا
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 655)
الحكم. أي من وجد منه الأكل، وهو أعم من كونه مباحًا، أو غير مباح.
قال الجامع: لكن قد جاء ما يدل على عدم تحريمها، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنه قال: لم نَعْدُ أن فتحت خيبر، فوقعنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك البَقْلَة الثوم، والناس جياع، فأكلنا منها أكلًا شديدًا، ثم رحنا إلى المسجد، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الريح، فقال: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا، فلا يَقْرَبَنَّا في المسجد"، فقال الناس: حرمت، حرمت، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها". انظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ 5 ص 50 - 51.
(من هذه الشجرة) واحدة الشجر، وهو ماله ساق صُلْب يقوم به، كالنخل وغيره، ويجمع أيضًا على شَجَرات، وأشجار. قاله في المصباحُ.
وقال في الفتح: وفي قوله: "الشجرة" مجاز؛ لأن المعروف في اللغة أن الشجرة ما كان لها ساق، وما لا ساق له يقال له: نجم، وبهذا فسر ابن عباس وغيره قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6].
ومن أهل اللغة من قال: كل ما ثبتت له أرومة، أي أصل في الأرض يخلف ما قطع منه، فهو شجر، وإلا فنجم.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 656)
وقال الخطابي: في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثوم، والعامة لا تعرف الشجر إلا ما كان له ساق. انتهى.
ومنهم من قال: بين الشجر والنجم عموم وخصوص، فكل نجم شجر من غير عكس، كالشجر والنخل، فكل شجر نخل، من غير
عكس. انتهى. فتح جـ 2 ص 396.
(قال أوَّلَ يوم: الثوم، ثم قال: الثوم، والبصل، والكراث) وفاعل "قال" ضمير عطاء، كما بينه أبو نعيم في مستخرجه من طريق رَوْح بن عبادة، عن ابن جريج، ولفظه: قال ابن جريج: وقال عطاء في وقت آخر: "الثوم، والبصل، والكراث". أفاده في الفتح.
وحاصل المعنى أن عطاء قال في أول يوم تحديثه بهذا الحديث: "من أكل من هذه الشجرة، الثوم"، ثم قال حين حدث بعد ذلك: "من أكل من هذه الشجرة: الثوم والبصل والكراث"، فزاد البصل والكراث.
فقوله: "أول" منصوب على الظرفية متعلق بقال، وقوله: "الثوم" مقول القول، ولفظه مجرور على الحكاية، فإنه في الأصل بدل من الشجرة.
والثُّومُ -بضم المثلثة، واحدته: ثُومَة. والبَصَلُ- بفتح الباء الموحدة، والصاد المهملة، واحدته بَصَلَة. والكُراَّث، بضم الكاف
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 657)
وفتحها وتشديد الراء، وزان رُمَّان، وكَتَّان. كما في "ق".
(فلا يقربنا) بفتح الراء وضمها، يقال: قَرِبْتُ الأمرَ، أقرَبُهُ، من باب تعب، وفي لغة من باب قتل، قرْبانًا، بالكسر: فَعَلْتُهُ، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]، ومن الثاني قولك: لا تَقْرَب الحِمَى، أي لا تَدْنُ منه. ومنه هذا الحديث، أي لا يَدْنُ منا.
فالفعل على هذا متعد، فَنَا في قوله: "يقربنا" في محل نصب مفعوله.
وأما قَرُبَ -بضم الراء، فلازم، ويتعدى بمن، يقال: قَرُب الشيء منا. كما تفيده عبارة المصباح.
(في مساجدنا) متعلق بيقرب، وهو بصيغة الجمع عند المصنف هنا، وفي "الكبرى" وفي رواية لمسلم "فلا يأتين المساجد"، ووقع في بعض روايات الشيخين "مسجدنا" بالإفراد.
قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: تعلق به بعضهم في أن هذا النهي مخصوص بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وربما يتأكد ذلك بأنه كان مهبط الملك بالوحي، والصحيح المشهور خلاف ذلك، وأنه عام، لما جاء في بعض الروايات "مساجدنا"، ويكون "مسجدنا" للجنس، أو لضرب المثال، فإن هذا النهي معلل: إما بتأذي الآدميين، أو بتأذي
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 658)
الملائكة الحاضرين، وذلك يوجد في المساجد كلها. انظر العمدة بنسخة الحاشية جـ 2 ص 514.
ثم بين علة النهي، فقال: (فإِن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإِنس) الفاء للتعليل، أي لأن الملائكة. . . إلخ، أي إن سبب النهي عن الدُّنُوِّ من المسجد تأذي الملائكة برائحة تلك الشجرة. وفي رواية لمسلم "فلا يقربَنَّ مسجدنا، ولا يؤذِيَنَّا بريح الثوم". فدل أن تأذي الآدميين سبب للنهي أيضًا. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (16/ 707)، وفي "الكبرى" (16/ 786) عن إسحاق ابن منصور، عن يحيى القطان، عن ابن جريج، عن عطاء، عنه.
وفي الوليمة من "الكبرى" عن إسحاق بن منصور به. وعن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن جريج، به. وأخرجه من طريق ابن شهاب، عن عطاء، في الوليمة أيضًا: عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عنه، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 659)
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" (211/ 2) عن عبد الله بن محمد، عن أبي عاصم، عن ابن جريج به. وأخرجه البخاري أيضًا من رواية ابن شهاب، عن عطاء في "الأطعمة" (49/ 2) عن علي بن عبد الله، عن أبي صفوان عبد الله بن سعيد، عن يونس، عنه به، وفي "الصلاة" (311/ 3) عن سعيد بن عفير، وفي "الاعتصام" (25/ 5) عن أحمد بن صالح، كلاهما عن ابن وهب عن يونس، به.
ولفظه في الصلاة: عن ابن شهاب، زعم عطاء، أن جابر بن عبد الله زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أكل ثومًا أو بصلًا، فليعتزلنا، أو قال: فليعتزل مساجدنا، وليقعد في بيته"، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقِدْر فيه خَضِرَات من بقول، فوجد لها ريحًا، فسأل؟ فأخبر بما فيها من البقول، فقال: "قربوها- إلى بعض أصحابه، كان معه، فلما رآه كره أكلها، قال: "كل، فإني أناجي من لا تناجي".
قال الجامع: هذا فيه تصريح في كونها حلالًا. والله أعلم.
وأخرج له مسلم فيه عن محمد بن حاتم، عن يحيى القطان، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن بكر، وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، ثلاثتهم عن ابن جريج به، ومن رواية ابن شهاب عن عطاء عن أبي الطاهر، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب، به.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 660)
وأبو داود في الأطعمة (41/ 1) عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، به.
والترمذي في الأطعمة (13/ 1) عن إسحاق بن منصور، عن يحيى، به.
وأخرجه من رواية ابن شهاب، عن عطاء: البخاري ومسلم والنسائي.
وأخرجه أحمد في مسنده جـ 3 ص 380، 397، 400، وابن خزيمة رقم 1664، و 1665. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن الشخص الذي يمنع من دخول المسجد هو الذي أكل من هذه البقول، فلا يجوز له أن يدخل
المسجد حتى يذهب ريحها.
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: هذا صريح بنهي من أكل الثوم، ونحوه عن دخول كل مسجد، وهذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي عياض رحمه الله عن بعض العلماء أن النهي خاص في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم في بعض روايات مسلم "فلا يقربن مسجدنا". وحجة الجمهور "فلا يقربن المساجد". انتهى. جـ 5 ص 48.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 661)
ووقع في صحيح البخاري من رواية أنس رضي الله عنه "من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا، أو لا يصلين معنا".
قال في "الفتح": وليس في هذا تقييد النهي بالمسجد، فيستدل بعمومه على إلحاق المجامع بالمساجد، كمصلى العيد، والجنازة، ومكان الوليمة، وقد ألحقها بعضهم بالقياس، والتمسك بهذا العموم أولى، ونظيره رواية "وليقعد في بيته".
لكن قد علل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة، وترك أذى المسلمين، فإن كان كل منهما جزء علة اختص النهي بالمساجد، وما في معناها، وهذا هو الأظهر، وإلا لعم النهي كل مجمع كالأسواق، ويؤيد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم "من أكل من هذه الشجرة شيئًا فلا يقربنا في المسجد".
قال القاضي ابن العربي: ذكر الصفة في الحكم يدل على التعليل بها، ومن ثَمَّ رُدَّ على المازري حيث قال: لو أن جماعة مسجد أكلوا كلهم ماله رائحة كريهة لم يمنعوا منه، بخلاف ما إذا أكل بعضهم؛ لأن المنع لم يختص بهم، بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول المنع من تناول شيئًا من ذلك، ودخل المسجد مطلقًا، ولو كان وحده.
ومنها: أن بعضهم استدل به على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين.
قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله: هذا الحديث صريح في
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 662)
التخلف عن الجماعة في المساجد بسبب أكل هذه الأمور، واللازم عن ذلك أحد أمرين: إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحًا، وصلاة الجماعة غير واجبة على الأعيان، أو تكون الجماعة واجبة على الأعيان، ويمتنع أكل هذه الأشياء إذا آذت، إن حملنا النهي عن القربان على التحريم، وجمهور الأمة على إباحة أكلها، لقوله عليه السلام "ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكني أكرهه"، ولأنه علل بشيء يختص به، وهو قوله عليه السلام "فإني أناجي من لا تناجي"، ويلزم من هذا أن لا تكون الجماعة في المسجد واجبة على الأعيان.
وتقريره أن يقال: أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة، وترك الجماعة في حق آكلها جائز، ولازم الجائز جائز، وذلك ينافي الوجوب. انتهى. "إِحْكَام الأَحكام" جـ 2 ص 512 - 513.
قال الجامع عفا الله عنه: قد رد بعض المحققين هذا التقرير، فقال: ليس هذا التقرير بجيد، والصواب أن أكل هذه الخضروات ذوات الرائحة الكريهة لا ينافي كون الجماعة فرض عين، كما أن حضور الطعام يسوغ ترك الجماعة لمن قدم بين يديه مع كون ذلك مباحًا.
وخلاصة الكلام أن الله سبحانه يسر على عباده، وجعل مثل هذه المباحات عذرًا في ترك الجماعة لمصلحة شرعية، فإذا أراد أحد أن يتخذها حيلة لترك الجماعة حرم عليه ذلك. والله أعلم.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 663)
قال الجامع: هذا تحقيق حسن جدًّا. والله أعلم.
ومنها: أن ابن دقيق العيد قال: ونقل عن أهل الظاهر، أو بعضهم تحريم أكل الثوم بناء على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان.
وتقرير هذا أن يقال: صلاة الجماعة واجبة على الأعيان، ولا تتم إلا بترك أكل الثوم، لهذا الحديث، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فترك أكل الثوم واجب. انتهى. عمدة.
قال في "الفتح": وكذا نقله غيره عن أهل الظاهر، لكن صرح ابن حزم منهم بأن أكلها حلال مع قوله بأن الجماعة فرض عين، وانفصل عن اللزوم المذكور بأن المنع من أكلها مختص بمن علم بخروج الوقت قبل زوال الرائحة. ونظيره أن صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسفر، وهو في أصله مباح، لكن يحرم على من أنشأه بعد سماع النداء. انتهى. "فتح" جـ 2 ص 400.
قال الجامع: ما قاله ابن حزم رحمه الله هو الصواب، لموافقته للنصوص المتقدمة.
وحاصله أن صلاة الجماعة فرض عين، وأن أكل هذه الأشياء مباح، وأنه يسقط عمن أكلها فرض صلاة الجماعة، حتى تزول رائحتها.
فتبين بهذا أن قول الخطابي: توهم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله، إذ حرم فضل الجماعة. انتهى. غير صحيح، بل الصواب أنه عذر في الخلف لظاهر
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 664)
النص؛ لأن من فعل ما أبيح له لا يعاقب على فعله، فتنبه. والله أعلم.
ومنها: أنه اختلف هل كان أكل الثوم ونحوه حرامًا على النبي صلى الله عليه وسلم وسلم أولًا؟ والراجح الحل لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "وليس بمحرم". كما رواه ابن خزيمة من حديث أبي أيوب رضي الله عنه. قاله في الفتح.
ومنها: أنه نقل ابن التين عن مالك، قال: الفُجْل إن كان يظهر ريحه فهو كالثوم، وقيده عياض بالجشاء.
قال الحافظ: وفي الطبراني الصغير من حديث أبي الزبير عن جابر التنصيص على ذكر الفجل في الحديث، لكن في إسناده يحيى بن راشد، وهو ضعيف.
وألحق بعضهم بذلك من بفيه بَخَرٌ، أو به جرح له رائحة. وزاد بعضهم، فألحق أصحاب الصنائع كالسَّمَّاك، والعاهات كالمجذوم، ومن يؤدي الناس بلسانه. وأشار ابن دقيق العيد إلى أن ذلك كله توسع غير مرضي. انتهى. "فتح" جـ 2 ص 400.
قال الجامع: الحق ما قاله ابن دقيق العيد رحمه الله، فلا ينبغي إلحاق هذه الأشياء بالمنصوص؛ لأن هذه الأشياء كانت موجودة في ذلك الوقت، ومع ذلك لم يرد النص بنهي أصحابها عن دخول المسجد، مع وجود الحاجة إلى بيانها. والله أعلم.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 665)
فائدة:
قال الحافظ رحمه الله: حكم رحبة المسجد، وما قرب منها حكمه، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج من وجدت منه إلى البقيع، كما ثبت في مسلم عن عمر رضي الله عنه. ويأتي للمصنف في الباب التالي.
تنبية:
وقع في حديث حذيفة عند ابن خزيمة: "من أكل من هذه البقلة الخبيثة، فلا يقربن مسجدنا، ثلاثًا". وبوب عليه "توقيت النهي عن إتيان الجماعة لآكل الثوم". قال الحافظ: وفيه نظر، لاحتمال أن يكون قوله "ثلاثًا" يتعلق بالقول، أي قال ذلك ثلاثًا، بل هذا هو الظاهر؛ لأن علة المنع وجود الرائحة، وهي لا تستمر هذه المدة. انتهى. فتح جـ 2 ص 400.
قال الجامع: ما قاله الحافظ رحمه الله حسن جدًّا. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 666)
17 - مَنْ يُخْرَجُ مِنَ الَمْسجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الشخص الذي يستحق أن يخرج من المسجد، لكونه أحل بحرمته، حيث فعل ما لا يليق به، من أكله ماله رائحة كريهة. والله تعالى أعلم.
708 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: "إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ مِنْ شَجَرَتَيْنِ مَا أُرَاهُمَا إِلاَّ خَبِيثَتَيْنِ، هَذَا الْبَصَلُ وَالثُّومُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا، فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا".
رجال هذا الإسناد: سبعة
1 - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري، ثقة ثبت، من [10] تقدم في 64/ 80.
2 - (يحيى بن سعيد) القطان البصري، ثقة ثبت حجة، من [9] تقدم في 4/ 4.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 667)
3 - (هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي البصري، ثقة ثبت، من [7] تقدم في 30/ 34.
4 - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة حجة، من [4] تقدم في 30/ 34.
5 - (سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي الغطفاني الكوفي، ثقة يرسل كثيرًا، من [3] تقدم في 61/ 77.
6 - (معدان بن أبي طلحة) ويقال: ابن طلحة الكناني اليَعْمَرِي، بفتح التحتانية والميم، بينهما مهملة، شامي، ثقة، من [2].
قال ابن معين: أهل الشام يقولون: ابن طلحة، وقتادة، وهؤلاء يقولون: ابن أبي طلحة، وأهل الشام أثبت فيه. وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره ابن سعد، ومسلم، وخليفة في الطبقة الأولى من أهل الشام. أخرج له الجماعة إلا البخاري.
7 - (عمر بن الخطاب) العدوي الخليفة الثاني رضي الله عنه، تقدم في 60/ 75. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا معدان، فما أخرج له البخاري.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 668)
ومنها: أن الثلاثة الأولين بصريون، وسالمًا كوفي، ومعدان شامي، وعمر رضي الله عنه مدني.
ومنها: أن شيخه من مشايخ الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، قتادة، عن سالم، عن معدان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن معدان بن أبي طلحة) الكناني الشامي (أن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (قال) أي في خطبة الجمعة.
وحديث عمر رضي الله عنه هذا حديث طويل مشتمل على أشياء، منها قصة البصل والثوم، فأخرجها المصنف هنا، وفي الوليمة من "الكبرى" ومنها قصة الكلالة، فأخرجها في التفسير من الكبرى.
وقد ساقه مسلم رحمه الله تعالى بطوله في كتاب الصلاة من صحيحه، فقال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة: أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة، فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أبا بكر، قال: إني رأيت كأن ديكًا نَقَرَنِي ثلاث نَقَرات، وإني لا أرَاه إلا حضور أجلي، وإن قومًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن عجل بي أمر فالخلافة شُورَى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 669)
وهو عنهم راض، وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا ذلك، فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال.
ثم إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن باصبعه في صدري، فقال: "يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء"، وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن، ومن لا يقرأ القرآن.
ثم قال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، وإني إنما بعثتهم عليهم، ليعدلوا عليهم، وليعلموا الناس دينهم، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ويقسموا فيهم فيئهم، ويرفعوا إليَّ ما أشكل عليهم من أمرهم.
ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أرَاهُما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله إذا وجد ريحها من الرجل في المسجد أمر به، فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا". صحيح مسلم بشرح النووي جـ 5 ص 51 - 54.
(إِنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين) وقد تقدم في الباب الماضي أن الشجر عند أكثر أهل اللغة اسم لما له ساق، وأما ما لا ساق له فهو النجم، لكن جعل بعض أهل اللغة الشجر أعم، وهو الراجح، ويؤيده هذا الحديث، والحديث المتقدم "من أكل من هذه الشجرة،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 670)
فلا يقربنا".
(ما أراهما) ولمسلم "لا أراهما"، أي لا أعتقدهما (إِلا خبيثتين) قال النووي رحمه الله: سماهما خبيثتين، لقبح رائحتهما، قال أهل اللغة: الخبيث في كلام العرب: المكروه من قول، أو فعل، أو مال، أو طعام، أو شراب، أو شخص. انتهى شرح مسلم جـ 5 ص 50.
(هذا البصل، والثوم) مبتدأ وخبر، بيان للشجرتين.
(ولقد رأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم إِذا وجد ريحهما من الرجل) ولمسلم زيادة "في المسجد" (أمر به) أي بإخراج ذلك الرجل (فأخرج إِلى البقيع) على بناء الفعل للمفعول، أي تأديبًا له على ما فعل من الدخول في المسجد مع الرائحة الكريهة. قاله السندي.
قال النووي رحمه الله: هذا فيه إخراج من وجد منه ريح الثوم، والبصل، ونحوهما من المسجد، وإزالة المنكر باليد لمن أمكنه. انتهى.
وفيه أيضًا أن رحبة المسجد له حكم المسجد، حيث إنه لم يخرج إليه، بل أمر بإبعاده إلى البقيع. وقد تقدم هذا في الباب الماضي.
(فمن أكلهما) أي من أراد أكل البصل، والثوم (فليمتهما طبخًا) أي ليزل رائحتهما الكريهة بالطبخ، وإماتة كل شيء: كسر حدته، ومنه قولهم: قتلت الخمر: إذا مزجها بالماء، وكسر حدتها. والله أعلم، ومنه التوفيق وعليه التكلان.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 671)