صحيح عن الحسن في رجل يصوم -يعني تطوعًا- فتأمره أمه أن يفطر، قال: فليفطر، ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم، وأجر البر، قيل: فتنهاه أن يصلي العشاء في جماعة؟ قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة.
وأما حديث الباب فظاهر في كونها فرض عين؛ لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه، ويحتمل أن يقال: التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركي فرض الكفاية كمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية، وفيه نظر؛ لأن التحريق الذي قد يفضي إلى القتل أخص من المقاتلة؛ ولأن المقاتلة إنما تشرع فيما إذا تمالأ الجميع على الترك.
وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وجماعة من محدثي الشافعية، كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وبالغ داود، ومن تبعه، فجعلها شرطًا في صحة الصلاة، وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه مبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، فلما كان الهم المذكور دالاً على لازمه، وهو الحضور، ووجوب الحضور دليلاً على لازمه، وهو الاشتراط، ثبت الاشتراط بهذه الوسيلة، إلا أنه لا يتم إلا بتسليم أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، وقد قيل: إنه الغالب.
ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية، قال أحمد: إنها واجبة
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 548)
غير شرط. انتهى.
وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وقال به كثير من الحنفية والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة:
منها: ما تقدم.
ومنها:-وهو ثانيها-: ونقله إمام الحرمين، عن ابن خزيمة، والذي نقله عن النووي الوجوب حسبما قال ابن بزيزة: إن بعضهم استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه صلى الله عليه وسلم هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه، وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه. قال الحافظ: وليس فيه أيضًا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين.
ومنها:-وهو ثالثها-: ما قال ابن بطال وغيره: لو كانت فرضًا لقال حين توعد بالإحراقِ مَن تخلف عن الجماعة: لم تجزئه صلاته؛ لأنه وقت البيان، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن البيان قد يكون بالتنصيص، وقد يكون بالدلالة، فلما قال صلى الله عليه وسلم: "لقد هممت" إلخ، دل على وجوب الحضور، وهو كاف في البيان.
ومنها:-وهو رابعها-: ما قال الباجي وغيره: إن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 549)
عقوبة المسلمين بذلك.
وأجيب بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي في الجهاد(1) الدال على جواز التحريق بالنار، ثم على نسخه، فحمل التهديد على حقيقته غير ممتنع.
ومنها:-وهو خامسها-: كونه صلى الله عليه وسلم ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا ما عفا عنهم. قال القاضي عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجة لأنه عليه السلام هَمَّ ولم يفعل، زاد النووي: ولو كانت فرض عين لما تركهم، وتعقبه ابن دقيق العيد، فقال: هذا ضعيف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يَهُمّ إلا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب، لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك، وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه قد جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك، وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت العشاء، وأمرت فتياني يحرقون" … الحديث.--------------------------------------------
(1) وهو حديث سليمان بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث، فقال: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا، فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا، وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما". انتهى "صحيح البخاري" بنسخة "الفتح" جـ 6 ص 258.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 550)
ومنها:-وهو سادسها-: أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة. وهو متعقب بأن في رواية مسلم: "لا يشهدون الصلاة"، أي لا يحضرون، وفي رواية عجلان عن أبي هريرة رضي الله عنه، عند أحمد: "لا يشهدون العشاء في الجميع" أي في الجماعة. وفي حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، عند ابن ماجَهْ مرفوعًا: "لينتهينّ رجال عن تركهم الجماعات، أو لأحرقن بيوتهم".
ومنها:-وهو سابعها-: أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق، والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل، أشار إليه الزين بن المنير، وهو قريب من الوجه الرابع.
ومنها:-وهو ثامنها-: أن الحديث ورد في حق المنافقين، فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصة، فلا يتم الدليل، وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه كان معرضًا عنهم، وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم، وقد قال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه".
وتعقب ابن دقيق العيد هذا التعقب بأنه لا يتم إلا إذا ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه، ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخيرًا، فليس في إعراضه عنهم ما يدلّ على وجوب ترك عقوبتهم.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 551)
انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين، لقوله في صدر حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر" … الحديث. ولقوله: "لو يعلم أحدهم … إلخ"؛ لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين، لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عجلان: "لا يشهدون العشاء في الجميع"، وقوله في حديث أسامة: "لا يشهدون الجماعة".
وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عند أبي داود: "ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة"، فهذا يدلّ على أن نفاقهم معصية، لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياءً وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، نبه عليه القرطبي.
وأيضًا فقوله في رواية المقبري: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية" يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه، لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر، فلا يدلّ على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 552)
من جهة المبالغة في ذم من تخلف عنها.
قال الطيبي: خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم، بل هو من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود رضي الله عنه: "لقد رأيتنا، وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق". رواه مسلم. انتهى كلامه.
وروى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عمير ابن أنس، حدثني عمومتي من الأنصار، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يشهدهما منافق" يعني العشاء والفجر. ولا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه لانتفاء أن يكون المؤمن قد يتخلف، وإنما ورد الوعيد في حق من تخلف؛ لأني أقول: بل هذا يقوي ما ظهر لي أولاً، أن المراد بالنفاق: نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل، لا العاصي الذي يجوز إطلاق المنافق عليه مجازًا، لما دل عليه مجموع الأحاديث.
ومنها:-وهو تاسعها-: ما ادعاه بعضهم أن فرض الجماعة كانت في أول الإِسلام لأجل سدّ باب التخلف عن الصلاة على المنافقين، ثم نسخ. حكاه عياض، ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، وكذا ثبوت نسخ ما تضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدلّ على النسخ الأحاديث الواردة في تفضيل
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 553)
صلاة الجماعة على صلاة الفذ؛ لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز.
قال الجامع عفا الله عنه: وفيه نظر، إذ القول بالفرضية لا ينافي جواز صلاة المنفرد، إلا عند من يرى اشتراط الجماعة لصحة الصلاة، والمختار القول بفرضيتها دون اشتراطها للصحة. فتبصر. والله أعلم.
ومنها:-وهو عاشرها- أن المواد بالصلاة الجمعة، لا باقي الصلوات، ونصره القرطبي. وتعقب بالأحاديث المصرحة بالعشاء، وفيه بحث؛ لأن الأحاديث اختلفت في تعيين الصلاة التي وقع التهديد بسببها، هل هي الجمعة، أو العشاء، أو الفجر، أو العشاء والفجر معًا؟ فإن لم تكن أحاديث مختلفة، ولم يكن بعضها أرجح من بعض، وإلا وقف الاستدلال؛ لأنه لا يتم إلا إن تعين كونها غير الجمعة، أشار إليه ابن دقيق العيد، ثم قال: فليتأمل الأحاديث الواردة في ذلك. انتهى.
قال الحافظ رحمه الله: وقد تأملتها، فرأيت التعيين ورد في حديث أبي هريرة، وابن أم مكتوم، وابن مسعود، رضي الله عنهم، أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فحديث الباب من رواية الأعرج عنه، يومىء إلى أنها العشاء لقوله في آخره: "لشهد العشاء"، وفي رواية مسلم: "يعني العشاء"، ولهما من رواية أبي صالح عنه أيضًا الإيماء إلى أنها العشاء والفجر، وعينها السَّرَّاج في رواية له من هذا الوجه العشاء؛ حيث قال في صدر الحديث: "أخر العشاء ليلة،
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 554)
فخرج، فوجد الناس قليلاً، فغضب" … فذكر الحديث. وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: "يعني الصلاتين، العشاء والغداة". وفي رواية عجلان، والمقبري عند أحمد؛ التصريح لتعيين العشاء، ثم سائر الروايات عن أبي هريرة على الإبهام، وقد أورده مسلم من طريق وكيع، عن جعفر بن بُرقان، عن يزيد بن الأصم، عنه، فلم يسق لفظه، وساقه الترمذي وغيره من هذا الوجه بإبهام الصلاة، وكذلك رواه السرّاج وغيره من طرق عن جعفر، وخالفهم معمر، عن جعفر، فقال: "الجمعة" أخرجه عبد الرزاق عنه، والبيهقي من طريقه، وأشار إلى ضعفها لشذوذها.
ويدل على وهمه فيها رواية أبي داود، والطبراني في "الأوسط" من طريق يزيد بن يزيد بن جابر، عن يزيد بن الأصم، فذكر الحديث، قال يزيد: قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف الجمعة عنَى، أو غيرها؟ قال: صُمَّتْ أذناي إن لم أكن سمعت ألا هريرة يأثره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ذكر جمعة، ولا غيرها
فظهر أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها لا تختص بالجمعة. وأما حديث ابن أم مكتوم رضي الله عنه فسأذكره قريبًا، وأنه موافق لأبي هريرة رضي الله عنه.
وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه فأخرجه مسلم، وفيه الجزم بالجمعة، وهو حديث مستقل؛ لأن مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة، ولا يقدح أحدهما في الآخر، فيحمل على أنهما واقعتان، كما أشار إليه النووي، والمحب الطبري.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 555)
وقد وافق ابن أم مكتوم أبا هريرة رضي الله عنهما على ذكر العشاء، وذلك فيما أخرجه ابن خزيمة، وأحمد، والحاكم من طريق حُصَين بن عمد الرحمن، عن عبد الله بن شداد، عن ابن أم مكتوم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل الناس في صلاة العشاء، فقال: "لقد هممت أَنِّي آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم"، فقام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، قد علمت ما بي، وليس لي قائد -زاد أحمد- وأن بيني وبين المسجد شجرًا، أو نخلاً، ولا أقدر على قائد كل ساعة، قال: "أتسمع الإقامة؟ " قال: نعم. قال: "فاحضرها"، ولم يرخص له.
ولابن حبان من حديث جابر رضي الله عنه، قال: "أتسمع الأذان؟ " قال: نعم، قال: "فأتها ولو حبوًا".
وقد حمله العلماء على أنه كان لا يشق عليه التصرف بالمشي وحده ككثير من العميان.
واعتمد ابن خزيمة وغيره حديث ابن أم مكتوم هذا على فرضية الجماعة في الصلوات كلها، ورجحوه بحديث الباب، وبالأحاديث الدالة على الرخصة في التخلف عن الجماعة، قالوا: لأن الرخصة لا تكون إلا عن واجب، وفيه نظر، ووراء ذلك أمر آخر، ألزم به ابن دقيق العيد من يتمسك بالظاهر، ولا يتقيد بالمعنى، وهو أن الحديث ورد في صلاة معينة، فيدل على وجوب الجماعة فيها دون غيرها،
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 556)
وأشار للانفصال عنه بالتمسك بدلالة العموم، لكن نوزع في كون القول مما ذكر أولاً ظاهرية محضة، فإن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضيه، ولا يستلزم ذلك ترك اتباع المعنى؛ لأن غير العشاء والفجر مظنة الشغل بالتكسب وغيره، أما العصران فظاهر، وأما المغرب فلأنها في الغالب وقت الرجوع إلى البيت، والأكل، ولاسيما للصائم، مع ضيق وقتها، بخلاف العشاء والفجر، فليس للمتخلف عنهما عذر غير الكسل الذموم، وفي المحافظة عليهما في الجماعة أيضا الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار، وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة، ويفتتحوه كذلك. وقد وقع في رواية عجلان عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد تخصيص التهديد بمن حول المسجد.
قال: وقد أطلت في هذا الموضع لارتباط بعض الكلام ببعض، واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب عشرة أجوبة، لا توجد مجموعة في غير هذا الشرح. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره من حمل المطلق على المقيد غير صحيح؛ لأن قاعدة حمل المطلق على المقيد إنما تتمشى إذا لم يكن هناك دليل يمنع من ذلك، وهنا أدلة المنع ظاهرة، كحديث الأعمى المذكور، وكحديث: "من سمع النداء، فلم يأت، فلا صلاة له، إلا من عذر" كما سيأتي قريبًا.--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 339 - 343.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 557)
والحاصل أن القول بفرضية الجماعة هو الراجح، وما استدل به القائلون على عدم الفرضية قد عرفت ما فيها من الخدشات، فيما تقدم من كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وإن كان آخر كلامه يميل إلى رأيهم، لكنه ما ذكر حجة مقنعة لذلك. فتبصر. ومن أدلة القائلين بالفرضية حديث أبي هريرة رضي الله عنه، المذكور في الباب.
ومنها: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعمى، فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى، دعاه، وقال له: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأجب".
ومنها: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سمع النداء، فلم يجب(1)، فلا صلاة له، إلا من عذر". أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وصححه الحاكم، على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي(2).
ومنها: حديث ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم، أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول على أعواده: "لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجماعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين"--------------------------------------------
(1) لفظ ابن ماجه: "فلم يأته".
(2) انظر تعليق العلامة أحمد محمد شاكر على المحلى جـ 4 ص 190.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 558)
أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح. وأخرجه مسلم بلفظ "الجمعة". فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على فرضية الجماعة للصلوات المكتوبات.
وقد نقل عن جماعة من السلف ما يوافق النصوص المذكورة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه رأى إنسانًا خرج من المسجد بعد النداء، فقال: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم". رواه أبو داود، وروى مسلم نحوه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: "حافظوا على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن" … الحديث، ويأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: "من سمع المنادي، فلم يجب من غير عذر، فلا صلاة له". صححه الحاكم، ووافقه عليه الذهبي، وعن ابن مسعود رضي الله عنه مثله.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: "لأن يمتلىء أذنا ابن آدم رصاصًا مُذَابًا خير له من أن يسمع المنادي فلا يجيبه". وعن عائشة رضي الله عنها: "من سمع النداء فلم يأته، فلم يُرِد خيرًا، ولم يُرَد به". وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. فقيل له: يا أمير المؤمنين: ومَن جار المسجد؟ قال: من سمع الأذان"(1).--------------------------------------------
(1) وقد ورد حديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" مرفوعًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عند الدارقطني، والحاكم، وفي إسناده سليمان بن داود اليمامي منكر الحديث. ومن حديث جابر عند الدارقطني، وفي إسناده محمد بن سُكَين، وهو ضعيف. ولذا قال الحافظ في التلخيص: حديث "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" مشهور بين الناس، وهو ضعيف. اهـ، تعليق العلامة أحمد محمد شاكر على "المحلى" باختصار جـ 4 ص 195.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 559)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "من سمع النداء، ثم لم يأت فلا صلاة له إلا من عذر". وعن عطاء: "ليس لأحد من خلق الله تعالى في الحضر والقرية يسمع النداء والإقامة رخصة في أن يدع الصلاة". وعنه: "كنا نسمع أنه لا يتخلف عن الجماعة إلا منافق".
وعن إبراهيم النخعي: " أنه كان لا يرخص في ترك الصلاة في الجماعة إلا لمريض، أو خائف". وعن الحسن، قال: "إذا سمع الرجل الأذان فقد احتُبسَ". وسأل رجل سعيد بن المسيب عن بعض الأمر، ونادى المنادي، فأراد أن يخرج، فقال له سعيد: قد نودي بالصلاة، فقال له الرجل: إن أصحابي قد مضوا، وهذه راحلتي بالباب، فقال له سعيد: لا تخرج، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يخرج من هذا المسجد بعد النداء إلا منافق، إلا رجل خرج، وهو يريد الرجعة إلى الصلاة". فأبى الرجل إلا الخروج، فقال سعيد: دونكم الرجل، قال: فإني عنده ذات يوم إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا محمد، ألم تر ذلك الرجل الذي خرج، وقع عن راحلته، فانكسرت رجله. قال سعيد: قد ظننت أنه سيصيبه أمر. نقل هذه الآثار الإِمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه "المحلى" جـ 4 ص 194 - 196.
قال الجامع عفا الله عنه: ولولا الأحاديث الدالة على جواز صلاة الرجل وحده كحديث: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" المتقدم برقم 42/ 837، وحديث: "صلاة
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 560)
الرجل أفضل من صلاة أحدكم وحده … " المتقدم برقم 42/ 838، وحديث: "صلاةُ الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده" … المتقدم 45/ 843 لقلت -كما قالت الظاهرية-: إنها من شروط صحة الصلاة.
وخلاصة القول أن صلاة الجماعة فرض عين على من ليس له عذر من الرجال، وأما النساء فلا خلاف في أن شهودهن الجماعة ليس فرضًا عليهن. والله سبحانه وتعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله؛ عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 561)
50 - الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَي بِهِنَّ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على وجوب المحافظة على الصلوات المكتوبات في المكان الذي يؤذن لها فيه، كالمساجد.
849 - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ عز وجل غَدًا مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَي بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل شَرَعَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَإِنِّي لَا أَحْسَبُ مِنْكُمْ أَحَدًا إِلاَّ لَهُ مَسْجِدٌ، يُصَلِّي فِيهِ فِي بَيْتِهِ، فَلَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَتَرَكْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَمْشِى إِلَى صَلَاةٍ إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ عز وجل لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، أَوْ يَرْفَعُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ يُكَفِّرُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَلَقَدْ
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 562)
رَأَيْتُنَا نُقَارِبُ بَيْنَ الْخُطَا، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا، وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومٌ نِفَاقُهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (سويد بن نصر).
2 - (عبد الله بن المبارك)، تقدما قبل باب.
3 - (المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي، صدوق اختلط قبل موته، من [7].
قال الأثرم: سمعت أبا محمد الله يُسأل عن أبي العميس، والمسعودي؟ قال: كلاهما ثقة، والمسعودي أكثرهما حديثًا، قلت: هو أخوه؟ قال: نعم. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: سماع وكيع من المسعودي قديم، وأبو نعيم أيضا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالكوفة والبصرة، فسماعه جيد. وقال حنبل عن أحمد: سماع أبي النضر، وعاصم، وهؤلاء من المسعودي بعدما اختلط.
وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن يحيى: من سمع منه في زمان أبي جعفر، فهو صحيح السماع. وقال
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 563)
يعقوب بن شيبة، عن يحيى: المسعودي ثقة، وقد كان يخلط فيما يروي عن عاصم، والأعمش، والصغار، يخطىء في ذلك، ويصحح له ما روى عن القاسم، ومعن، وشيوخه الكبار. وقال عباس الدوري، عن ابن معين: أحاديثه عن الأعمش مقلوبة، وعن عبد الملك أيضًا، وأما عن أبي حصين، وعاصم، فليس بشيء، إنما أحاديثه الصحاح عن القاسم، وعن عون. وقال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: المسعودي ثقة، وقد كان يغلط فيما روى عن عاصم، وسلمة، ويصحح فيما روى عن القاسم، ومعن.
وقال ابن نمير: كان ثقة، واختلط بآخره، سمع منه ابن مهدي، ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة، وما روى عنه الشيوخ فهو مستقيم. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى يقول: رأيت المسعودي سنة رآه عبد الرحمن بن مهدي، فلم أكلمه، وقال أيضًا: سمعت معاذ بن معاذ يقول: رأيت المسعودي سنة (54) يطالع الكتاب، يعني أنه تغير حفظه. وقال يحيى بن سعيد: آخر ما لقيت المسعودي سنة سبع، أو ثمان وأربعين، ثم لقيته بمكة سنة 58، وكان عبد الله بن عثمان ذلك العام معى، وعبد الرحمن بن مهدي، فلم يسأله عن شيء.
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، إلا أنه اختلط في آخر عمره، ورواية المتقدمين عنه صحيحة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عيينة: ما أعلم أحدًا أعلم بعلم ابن مسعود من المسعودي.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 564)
وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: تغير قبل موته بسنة أو سنتين. وقال سليمان بن حرب، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل: مات سنة ستين ومائة. وقال يعقوب بن شيبة: توفي سنة 65، وكان ثقة صدوقًا، إلا أنه تغير بآخره.
وقال ابن عمار: كانت ثبتًا قبل أن يختلط، ومن سمع منه ببغداد، فسماعه ضعيف. وقال العجلي. ثقة، إلا أنه تغير باخره. وقال ابن خراش: نحو ذلك. وقال ابن حبان: اختلط حديثه، فلم يتميز، فاستحق الترك. وقال أبو النضر، هاشم بن القاسم: إني لأعرف اليوم الذي اختلط فيه المسعودي، كنا عنده، وهو يعزَّى في ابن له، إذ جاءه إنسان، فقال له: إن غلامك أخذ من مالك عشرة آلاف وهرب، ففزع، وقام، فدخل منزله، ثم خرج إلينا، وقد اختلط. علق له البخاري، كما قاله الحافظ المزي رحمه الله، وإن كانت اعترض عليه الحافظ، وأخرج له الأربعة(1).
4 - (علي بن الأقمر) بن عمرو بن الحارث بن معاوية بن عمرو ابن الحارث بن ربيعة بن عبد الله بن وادعة الهمداني الوادعي، أبو الوازع الكوفي، ثقة من [4].
قال ابن معين، والعجلي، ويعقوب بن سيفان، والنسائي، وابن--------------------------------------------
(1) "ت" جـ 6 ص 210 - 212.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 565)
خراش، والدارقطني. ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم بينه وبين كلثوم بن الأقمر قرابة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وجزم هو، وعمران بن محمد بن عمران الهمداني في طبقات رجال همدان أنه أخوه، وتبع في ذلك ابن سعد، وكذلك ذكره في الطبقة الثالثة، ووقع في "التهذيب" أنه ذكره في الرابعة. أخرج له الجماعة(1).
5 - (أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نضْلَة الجشمي(2) مشهور بكنيته، ثقة، من [3].
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال غيره: قتلته الخوارج أيام الحجاج بن يوسف. وقال ابن سعد: كان ثقة، له أحاديث، كان أبو عبد الرحمن السلمي يقول: لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص. وقال النسائي في "الكنى": كوفي ثقة، أنا أحمد بن سليمان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر بن عياش، سمعت أبا إسحاق، يقول: خرج أبو الأحوص إلى الخوارج، فقاتلهم، فقتلوه. وذكر الخطيب في "تاريخه" أنه شهد مع علي قتال--------------------------------------------
(1) " تت" جـ 7 ص 283 - 284. "ت" ص 243.
(2) بفتح النون، وسكون المعجمة، والجشمي -بضم الجيم، وفتح المعجمة- اهـ "ت" ص 267.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 566)
الخوارج بالنَّهْرَوَان، فإن ثبت ذلك، فلا يدفع سماعه منه. والله أعلم أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون(1).
6 - (عبد الله) بن مسعود الهذلي، الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم في 35/ 39. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي، إلا المسعودي، فما أخرج له مسلم، وعلق عنه البخاري على ما قاله المزي، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، وابن المبارك، فمروزيان.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (أنه كان يقول: من سره) "من" شرطية، و"سره" بمعنى أفرحه، يقال: سَرَّهُ، يَسُرُّهُ سُرُورًا -بالضم، والاسم السَّرُور بالفتح: إذا أفرحه. قاله الفَيُّوميّ--------------------------------------------
(1) "ت" 267. "تت" جـ 8 ص 169.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 567)