(أن يلقى الله عز وجل غَدًا) أي يوم القيامة (مسلماً) أراد به كمال الإِسلام المتضمن لانقياد الباطن والظاهر، لا مجرد الاستسلام الظاهري، فهو بمعنى قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، الآية. وجواب الشرط قوله (فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس) أي فليؤدّها مستوفيةَ الشروط والأركان والآداب (حيث ينادى بهن) أي في المكان الذي يؤذن فيه لهن، وهو المسجد، وأراد به أداءهن مع الجماعة (فإِن الله عز وجل شرع لنبيه) ولمسلم: "لنبيكم" (صلى الله عليه وسلم سنن الهدى)، روي بضم السين وفتحها، وهما بمعنى متقارب، أي طرائق الهدى والصواب. قاله النووي رحمه الله(1).
قال الجامع عفا الله عنه: لم يرد بالسنن السنن المتعارفة في عرف الفقهاء التي هي قسيم الواجب وغيره من أقسام الأحكام الخمسة، بل أراد ما يشمل جميع ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور الدين. والله تعالى أعلم.
(وإِنهن من سنن الهدى) أي الصلوات الخمس من جملة طرق الهدى التي أوجب الله تعالى سلوكها، دون ما سواها من الطرائق، قال
الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] الآية. فينبغي أداؤهن على الوجه المطلوب. والإضافة في: "سنن الهدى" للبيان، أي سنن هي الهدى--------------------------------------------
(1) شرح مسلم جـ 5 ص 156.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 568)
(وإِني لا أحسب) بكسر السين وفتحها لغة. قال الفيومي رحمه الله: وحَسِبتُ زيدًا قائمًا، أحْسَبُهُ، من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس، حِسبَانًا -بالكسر-: بمعنى ظننت. انتهى(1).
(منكم أحدًا) "منكم" جار ومجرور صفة لأحد، قدمت عليه، فتكون في محل نصب على الحال (إِلا له مسجد يصلي فية في بيته) أردا به الموضع الذي يصلي فيه الرجل التطوع، حيث إنه مأمور بالتطوع في بيته، مقد أخرج الشيخان، ويأتي للمصنف برقم 1598، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً".
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه الآتي برقم 1599: أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ليالي … الحديث. وفيه: "فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة" (فلو صليتم في بيوتكم) أي لو أديتم الصلوات المكتوبات في مساجد بيوتكم (وتركتم مساجدكم) أي تركتم الصلاة جماعة في المساجد العامة (لتركتم سنة نبيكم) صلى الله عليه وسلم، حيث إنه كان يصلي المكتوبات في المساجد بأصحابه جماعة، ولا يصليها في بيته، إلا من عذر (ولو تركتم سنة--------------------------------------------
(1) المصباح جـ 1 ص 134.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 569)
نبيكم) صلى الله عليه وسلم (لضللتيم)، وفي رواية أبي داود: "لكفرتم". قال الخطابي رحمه الله: معناه أنه يؤدي بكم إلى الكفر بأن تتركوا عرى الإِسلام شيئًا، فشيئًا، حتى تخرجوا من الملة. انتهى.
وهو دليل واضح في كون صلاة الجماعة فرضًا على الأعيان، وأما تأويله بأنه محمول على التغليظ والتهديد في ترك صلاة الجماعة، أو أنه محمول على الترك تهاونًا وقلة مبالاة بها -كما قاله في "المنهل"- فغير صحيح. والله تعالى أعلم.
(وما من عبد مسلم يتوضأ، فيحسن الوضوء) بإتيانه بواجباته، ومستحباته (ثم يمشي إِلى صلاة)، وهي رواية مسلم: "ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد". ومعنى "يعمد": يقصد (إِلا كتب الله عز وجل له بكل خطوة يخطوها) "الخطوة" بفتح الخاء وضمها. قال الفيومي: خطَوت أخْطُو خطْوًا: مشيت، الواحدة خَطْوة، مثل ضَرْب وضَرْبَةَ، والخُطْوَة بالضم: ما بين الرجلين، وجمع المفتوح خَطَوَات على لفظه، مثل شَهْوَة وشَهَوَات، وجمع المضموم خُطىً، وخُطُوات، مثل غرفة وغرفات في وجوهها. اهـ(1).
وجملة "يخطوها" في محل جر صفة "خطوة" (حسنة، أو يرفع له بها درجة، أو يكفر عنه بها خطيئة) هكذا عند المصنف هنا، وفي "الكبرى" بـ"أو" في الموضعين، وفي بعض نسخ "المجتبى" بالواو في قوله: "ويرفع". وفي "مسند أحمد" و"صحيح مسلم" بالواو في--------------------------------------------
(1) المصباح جـ 1 ص 174.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 570)
الموضعين. والظاهر أن "أو" في رواية المصنف بمعنى الواو. والله تعالى أعلم.
(ولقد رأيتنا) أي معاشر الصحابة (نقارب بين الخُطا) جمع خُطوة بالضم، وهو مسافة ما بين الرجلين. أي نقارب المسافة التي بين الرجلين في حالة المشي إلى المساجد تكثيرًا لها ليكثر الأجر والثواب. قال السندي في شرحه. وينبغي أن يكون اختيار أبعد الطرق مثله، لكن لا يخفى أن فضل الخُطا لأجل الحضور في المسجد والصلاة فيه، والانتظار لها فيه، فينبغي أن يكون نفس الحضور خيرًا منه. فليتأمل. والله أعلم. انتهى(1).
(ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها) أي عن صلاة الجماعة في المسجد (إِلا منافق معلوم النفاق)، ولأبي داود: "بيِّن النفاق" أي ظاهرٌ نفاقه (ولقد كان الرجل) أي المريض (يهادى بين الرجلين)، بالبناء للمجهول، أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه، يعتمد عليهما، من ضعفه وتمايله لشدة المرض (حتى يقام) بالبناء للمجهول أيضًا، أي حتى يقيمه الرجلان (في الصف) وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها(2). والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.--------------------------------------------
(1) شرح السندي جـ 2 ص 109.
(2) شرح النووي على صحيح مسلم جـ 5 ص 156 - 157.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 571)
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 50/ 849، وفي "الكبرى" 50/ 922 بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، عن أبي العميس، عن علي بن الأقمر، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر العبدي، عن زكريا بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن عمير، كلاهما عن أبي الأحوص، عنه، وأبو داود فيه عن هارون بن عماد الأزدي، عن وكيع، عن المسعودي به.
وأخرجه أحمد جـ 1/ 414 و419 و455. وابن خزيمة رقم 1483. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف، وهو وجوب المحافظة على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن.
ومنها: أنه لا يجوز لأحد أن يتخلف عن الجماعة في المساجد إلا لعذر؛ لأنها من سنن الهدى التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام بها حق
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 572)
القيام، وحث عليها أمته.
ومنها: أن من ترك الصلاة في الجماعة بدون عذر ضل سعيه وخسر.
ومنها: فضل إكمال الوضوء، والمشي إلى المساجد، وأن كل خطوة يخطوها إليها تستوجب حسنة، وترفع درجة، وتكفر خطيئة.
ومنها: ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من حرصهم على استكثار الخيرات، بحيث يقاربون بين الخُطا في المشي إلى المساجد، ومن شدة ملازمتهم لصلاة الجماعة حتى في حالة المرض.
ومنها: أن التخلف عن الجماعة من علامات النفاق، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
850 - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ أَعْمَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ، يَقُودُنِي إِلَى الصَّلَاةِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى، دَعَاهُ، قَالَ لَهُ: "أَتَسْمَعُ
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 573)
النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَجِبْ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 - (إِسحاق بن إِبراهيم) ابن راهويه، الثقة المثبت الحجة، مات سنة 238، من [10]، تقدم في 2/ 2.
2 - (مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، أبو عبد الله الكوفي، نزيل مكة، ثم دمشق، وهو ابن عم أبي إسحاق الفرازي، ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ، من [8]، أخرج له الجماعة.
قال أبو بكر الأسدي عن أحمد: ثبت حافظ. وقال أبو داود عن أحمد: ثقة، ما كان أحفظه، كان يحفظ حديثه. وقال ابن معين، ويعقوب بن شيبة، والنسائي: ثقة، وقال الدوري: سألت يحيى بن معين عن حديث مروان بن معاوية، عن علي بن أبي الوليد؟ قال: هذا علي بن غراب، والله ما رأيت أحيل للتدليس منه. وقال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: ثقة فيما روى عن المعروفين، وضعفه فيما يروي عن المجهولين. وقال علي بن الحسين بن الجنيد، عن ابن نمير: كان يلتقط الشيوخ عن السكك. وقال العجلي: ثقة ثبت، ما حدث عن المعروفين فصحيح، وما حدث عن المجهولين ففيه ما فيه، وليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق، لا يدفع عن صدقه ويكثر روايته عن
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 574)
الشيوخ المجهولين. قال ابن المثنى، ودحيم: مات فجأة سنة 193 قبل التروية بيوم. وقال الآجري عن أبي داود: كان يقلب الألسماء. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: كان مروان يغير الأسماء يعمي على الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن أبي خالد، وإنما هو حكم بن ظهير.
وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وفي "الميزان". قال ابن معين: وجدت بخط مروان: وكيع رافضي، فقلت له: وكيع خير منك، فسبني. وقال الذهبي: كان عالمًا، لكنه يروي عمن دبّ ودرج، وكان فقيرًا ذا عيال، فكانوا يبرونه -يعني الذين يروي عنهم، كان يجازيهم. أخرج له الجماعة(1).
3 - (عبيد الله بن عبد الله بن الأصمم) العامري، مقبول، من [6].
روى عن عمه يزيد بن الأصم. وعنه عبد الواحد بن زياد، ومروان ابن معاوية، وابن عيينة، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، إلا البخاري، والترمذي(2).--------------------------------------------
(1) "تت" جـ 10 ص 96 - 98. "ميزان الاعتدال" جـ 4 ص 93 - 94.
(2) "تت" جـ 3 ص 20 - 21.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 575)
4 - (يزيد بن الأصم) بن عبيد بن معاوية بن عبادة بن البكّاء بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، واسم الأصم عمرو، ويقال: عبد عمرو بن عبيد، وقيل في نسبه غير ذلك، أبو عوف البكَّائي الكوفي، نزيل الرقة، أمه برزة بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها، يقال: له رؤية، ولا يثبت، وهو ثقة، من [3].
روى عن خالته ميمونة بنت الحارث، وعائشة، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وابن خالته ابن عباس، وغيرهم. وعنه ابنا أخيه عبيد الله وعبد الله ابنا عبد الله بن الأصم، والأجلح الكندي، وأبو فروة راشد بن كيسان، ومحمد بن مسلم الزهري، وميمون بن مهران، وأبو إسحاق الشيباني، وجعفر بن برقان، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. قال: وقال هشام بن محمد: سمى النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأصمَّ: عبدَ الرحمن.
وقال العجلي وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عمار: ربته ميمونة بنت الحارث، يقال: مات سنة 101، وقال أبو عبيد القاسم: مات سنة 103، وقال خليفة: مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، زاد الواقدي. وهو ابن 73 سنة. فهذا يقطع على أنه ولد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بدهر، وكذا نص عليه ابن حبان في "الثقات". وذكره ابن منده، وأبو نعيم في الصحابة، وقال أبو نعيم: لا يصح له صحبة. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 576)
5 - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله موثقون، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، فمروزي، ثم نيسابوري، والصحابي، فمدني، وفيه رواية الراوي عن عمه، وفيه أبو هريرة، أكثر الصحابة حديثًا، روى 5374. حديثًا والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: جاء أعمى إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال النووي رحمه الله: هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم، جاء مفسرًا في "سنن أبي داود" وغيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ويحتمل أن يكون غيره. والله أعلم.
(فقال: إِنه) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (ليس لي قائد يقودني إِلى الصلاة) إن كان الأعمى هو ابن أم مكتوم، فالمراد قائد يلائمه، ففي رواية لأبي داود: "ولي قائد لا يلائمني". وإن كان غيره، فيحتمل أنه لا يجد من يقوده أصلاً (فسأله) أي سأل الأعمى النبيَّ صلى الله عليه وسلم (أن يرخص له أن يصلي في بيته) أي يسهل عليه في التأخر عن الصلاة جماعةً في المسجد (فأذن له) في ذلك (فلما ولّى) أي
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 577)
أدبر الأعمى عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم (دعاه) أي ناداه (قال له) وفي "الكبرى": "فقال" بالفاء (أتسمع النداء بالصلاة) وفي حديث ابن أم مكتوم الآتي بعد هذا: "هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح" (قال) الأعمى (نعم) أسمع ذلك (قال) صلى الله عليه وسلم: (فأجب) أمر من الإحابة.
وفي "الكبرى": "فأجبه"، والفاء فصيحية، أي فإذا كنت تسمع النداء بالصلاة فأجبه بالفعل. وهي حديث ابن أم مكتوم الاتي: "فحَيَّ هَلاً" أي أقبل إلى الصلاة. قال السندي رحمه الله: ظاهره وجوب الجماعة، لا بمعنى أنها واجبة في الصلاة حتى تبطل بدونها، بل بمعنى أنها واجبة على المصلي، يأثم بتركها. انتهى(1).
وقال النووى رحمه الله: وهي هذا الحديث دلالة لمن قال: الجماعة فرض عين. وأجاب الجمهور عنه بأنه سأل هل له رخصة أن يصلي في بيته، وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره، فقيل. لا. ويؤيد هذا أن حصور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ودليله من السنة: حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه المتقدم في [باب الجماعة في النافلة] 46/ 844.
قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال: إنها فرض عين لمن لا عذر له، هو الراجح كما أسلفناه، وأما تأويل الجمهور المذكور فبعيد--------------------------------------------
(1) شرح السندي جـ 2 ص 109 - 110.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 578)
وتأييده بحديث عتبان ليس كما ينبغي؛ إذ حديثه نص في تحقق عذره، فقد تقدم بالرقم المذكور أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله؛ إن السيول لتحول بيني وبين مسجد قومي … فهذا عذر قائم، وأما الأعمى المذكور فعذره هو العمى، ومعلوم أن كثيرًا من العميان لا يشق عليهم المشي إلى المساجد، كما هو مشاهد، وهذا الأعمى منهم، بدليل أنه صلى الله عليه وسلم لم يرخص له، مع كونه رخص لكثير من أصحاب الأعذار، كعتبان، وكمن حضر لديه طعام، وكمن يدافعه الأخبثان، وفي حالة وجود الأمطار. كما يأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى.
والحاصل أن حديث الباب دليل واضح على فرضية الجماعة لمن لا عذر له، وأن مجرد العمى ليس عذرًا يسقط الجماعة. والله تعالى أعلم.
وقال النووي رحمه الله أيضًا: وأما ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم له، ثم رده، وقوله: "فأجب" فيحتمل أنه بوحي نزل في الحال، ويحتمل أنه تغير اجتهاده صلى الله عليه وسلم، إذا قلنا بالصحيح، وقول الأكثر: إنه يجوز له الاجتهاد، ويحتمل أنه رخص له أوّلاً، وأراد أنه لا يجب عليك الحضور، إما لعذر، وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين، ثم ندبه إلى الأفضل، فقال: الأفضل لك، والأعظم لأجرك أن تجيب، وتحضر، فأجب. والله أعلم. انتهى(1).--------------------------------------------
(1) شرح مسلم جـ 5 ص 155.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 579)
فقال الجامع عفا الله عنه: قوله. ويحتمل أنه تغير اجتهاده … إلخ. الأرجح عندي أنه بوحي نزل عليه، لظاهر قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]. وقوله: وأراد أنه لا يجب عليك الحضور … إلخ، غير صحيح؛ لأنه يرده ظاهر الأمر في قوله: "فأجب" مع الأدلة الأخرى لوجوب الجماعة. فتبصر. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 50/ 850، وفي "الكبرى" 50/ 923 بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم، وسويد بن نصر، ويعقوب بن إبراهيم، كلهم عن مروان بن معاوية بسند المصنف رحمه الله. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف، وهو وجوب المحافظة على الصلوات في المساجد.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 580)
ومنها: أن العمى ليس عذرًا يسقط الجماعة، وإن لم يجد قائدًا، والظاهر أن هذا فيما إذا كان يعرف طريق المسجد، ولا يخاف عليه من الهلاك.
ومنها: أن من سمع النداء لا يجوز له أن يتخلف إلا بعذر.
ومنها: وجوب إجابة المؤذن بالفعل، كما يجب بالقول، لحديث: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" متفق عليه. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
851 - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ، قَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَحَيَّ هَلاً". وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 581)
رجال هذا الإسناد: ثمانية
1 - (هارون بن زيد(1) بن أبي الزرقاء) التغلبي، أبو محمد الموصلي، نزيل الرملة، صدوق، من [10].
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مسلمة بن قاسم: ثقة. مات بعد 250، روى عنه أبو داود، والمصنف.
2 - (زيد بن أبي الزرقاء) يزيد التغلبي(2)، أبو محمد الموصلي، نزيل الرملة، ثقة، من [9].
قال ابن معين: ليس به بأس، كان عنده "جامع سفيان"، رأيته بمكة، وقال ابن عمار الموصلي: لم أر مثل هؤلاء الثلاثة في الفضل: المعافى بن عمران، وزيد بن أبي الزرقاء، وقاسم الجرمي. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يغرب، وحكي في اسم أبيه بُريد -بالراء، والموحدة أيضًا.
وقال أحمد بن أبي رافع: كان زيد يُلْقِي ما في الحديث من غلط وشك، ويحدث بما لا يشك فيه. وقال أبو زكريا الأزدي في الطبقة--------------------------------------------
(1) وقع في النسخة الهندية: هارون بن يزيد، والصواب ما هنا.
(2) في "تت" برقم ص 413 - 414: الثعلبي بالثاء المثلثة، والعين المهملة، وفي "تك": التغلبي بالمثناة الفوقية، والغين المعجمة، وهو الصواب، قال: كان زيد بن أبي الزرقاء ينتمي إلى بني تغلب. اهـ جـ 10 ص 74.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 582)
الثالثة من أهل الموصل: ومنهم زيد بن يزيد بن أبي الزرقاء الثعلبي من أهل الفضل والنسك، خرج من الموصل إلى الرملة مهاجرًا لِفِتْنَةٍ، كانت فيها سنة 193، ومات هناك سنة 194، وقال أحمد بن صالح: ليس له بأس. وقال أبو حاتم: ثقة، وكذا قال ابن معين في رواية الدوري. أخرج له أبو داود، والمصنف.
3 - (عبد الله بن محمد بن إِسحاق) الجزري، أبو عبد الرحمن الأذْرَمي(1) الموصلي، ثقة من [10]، أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في 6/ 503.
4 - (قاسم بن يزيد(2)) الجَرْمِي(3) أبو يزيد الموصلي، ثقة عابد، مات سنة 194، من [9]، أخرج له أبو داود في "مراسيله"، والنسائي. تقدم في 102/ 135.
5 - (سيفان) بن سعيد الثوري الكوفي، الإِمام الحجة الثبت، مات نسة 161، من [7]، أخرج له الجماعة. تقدم في 33/ 37.
6 - (عبد الرحمن بن عابس) بن ربيعة النخعي الكوفي، ثقة،--------------------------------------------
(1) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة، وفتح الراء، آخره ميم: نسبة إلى أَذْرَمَةَ، قرية عند نَصِيبين، من الجزيرة. اهـ اللباب جـ 1 ص 38.
(2) هكذا في النسخة "الهندية" و"الكبرى": "يزيد" وهو الصواب، ووقع في بعض نسخ "المجتبى": "بن زيد"، بدلاً من يزيد، وهو خطأ. فتنبه.
(3) بفتح الجيم، وسكون الراء: نسبة إلى قبيلة من طيء. قاله في اللباب جـ 2 ص 273 - 274.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 583)
مات سنة 119، من [4].
قال ابن معين وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي. ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه ابن نمير، وابن وضاح. وقال الصريفيني: مات سنة 119، أخرج له الجماعة إلا الترمذي.
7 - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة، مات سنة 86، من [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 86/ 104.
8 - (ابن أم مكتوم) عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن زائدة، ويقال: زياد القرشي العامري الأعمى الصحابي المشهور، قدير الإِسلام، ويقال: اسمه عبد الله، ويقال: الحصين، كان النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة، مات في آخر خلافة عمر رضي الله عنهما، تقدم في 9/ 637. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله ثقات
ومنها: أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، فللمصنف في هذا الحديث سندان، أحدهما: هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، والثاني: عبد الله بن محمد بن إسحاق، عن قاسم بن يزيد، وكلاهما يرويان عن سيفان الثوري، وقد تقدم الكلام على مثل هذا غير مرة.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 584)
ومنها: أن فيه روايةَ تابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن أم مكتوم) رضي الله عنه (أنه قال: يا رسول الله، إِن المدينة كثيرة الهوام) يعني وأخشى منها الأذى، فهل يرخص لي في التأخر عن الجماعة.
والهوام، جمع هامّة كدابّة ودوابّ، وهي ما له سم يقتل، كالحية، قاله الأزهري، وقد تطلق على ما لا يقتل، كالحشرات، ومنه حديث كعب بن عجرة، وقد قال له عليه الصلاة والسلام: "أيؤذيك هوامّ رأسك"، والمراد القمل على الاستعارة بجامع الأذى. قاله الفيومي(1)، والمراد هنا المعنى الأول.
(والسباع) جمع سبع بفتح المهملة، وضم الموحدة، مثل رجل ورجال، حيوان معروف، وإسكان الباء لغة حكاها الأخفش، وغيره،
وهي الفاشية عند العامة، وقرىء بهما قوله تعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} الآية [المائدة: 3] وجمعه على لغة السكون في القلة أسْبُع، مثل فلس وأفلس، ويقع السبع على كل ما له ناب يعدو به، ويفترس كالذئب، والفهد، والنمر، وأما الثعلب، فليس بسبع، وإن كان له ناب؛ لأنه--------------------------------------------
(1) المصباح جـ 2 ص 641.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 585)
لا يَعْدُو، ولا يَفْتَرِس، وكذلك الضبع، قاله الأزهري(1). وهذا الإطلاق الثاني هو المراد هنا.
(قال) صلى الله عليه وسلم: (هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟) وأراد به الأذان، وخص هذين اللفظين بالذكر لما فيهما من معنى الطلب.
وأخرج أبو داود بسنده عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رزبن، عن ابن أم مكتوم، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم. قال: "لا أجد لك رخصة".
(قال) ابن أم مكتوم رضي الله عنه (نعم) أسمع ذلك (قال) صلى الله عليه وسلم: (فحَيَّ هَلاً) بالتنوين، وجاء بالألف بلا تنوين، وبسكون اللام. قاله السندي. وقال بعضهم: يجوز في حي هل سكون اللام وفتحها مع التنوين، وبغير تنوين، ويجوز رسمها كلمتين، وكلمة واحدة.
قال الخطابي رحمه الله: كلمة حث واستعجال. وقال في "النهاية": هما كلمتان، جعلتا كلمة واحدة، فـ"حيّ" بمعنى "أقبل"،--------------------------------------------
(1) أفاده في المصباح جـ 1 ص 264.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 586)
و"هلا" بمعنى أسرع وقال في "مرقاة الصعود": وفي "شرح المفصل": هو اسم من أسماء الأفعال مركب من "حيّ" و"هلا"، وهما صوتان، معناهما الحث، والاستعجال، وجمع بينهما، وسمي بهما للمبالغة، وكان الوجه أنه لا ينصرف، كحضرموت، وبعلبك، إلا أنه قد وقع موقع فعل الأمر، فبنى، كصَهْ، ومَهْ، وتارة يستعمل حيّ وحده، نحو: حي على الصلاة، وتارة هلا وحدها، واستعمال حيّ وحده أكثر. انتهى(1).
(ولم يرخص له) أي لم يسهل له في التخلف عن الجماعة بسبب ما ذكره من كون المدينة كثيرة الهوام والسباع؛ حيث علم صلى الله عليه وسلم أنه لا يلحقه منها ضرر، فلم يجعلها من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجماعة.
وفيه أن مجرد العمى ليس عذرًا في التخلف عن الجماعة، إلا إذا شق عليه، وتحقق الضرر، كأن يكون هناك سيل، أو بئر يخاف عليه التردي فيه، أو نحو ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن أم مكتوم رضي الله عنه هذا صحيح.--------------------------------------------
(1) انظر المنهل جـ 4 ص 243.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 587)