53 - إِعَادَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الرَّجُلِ لِنَفْسِهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدَّالّ على مشروعية صلاة الرجل مع الجماعة بعد صلاته وحده.
857 - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الدِّيلِ، يُقَالُ لَهُ: بُسْرُ بْنُ مِحْجَنٍ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَذَّنَ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ رَجَعَ، وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ "، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا جِئْتَ، فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، أبو رجاء، ثقة ثبت، من [10]، تقدم في 1/ 1.
2 - (مالك) بن أنس إمام، دار الهجرة، الحجة الثبت الفقيه، من [7]، تقدم في 7/ 7.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 628)
3 - (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، ثقة ثبت فقيه، مات سنة 136، من [3]، تقدم في 64/ 80.
4 - (بُسْر بن مِحْجَن) بن أبي محجن الديلي(1)، صدوق، من [4].
كذا قال مالك -بضم الموحدة، بعدها مهملة ساكنة-، وأما الثوري، فقال: بشر -بكسر الموحدة، بعدها معجمة ساكنة-. ونقل الدارقطني أنه رجع عن ذلك. روى عن إليه، وله صحبة. وروى عنه زيد بن أسلم حديثًا واحداً. وقال ابن عبد البر: إن عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني رواه عن زيد بن أسلم، فقال: بشر بن محجن بالمعجمة. وقال الطحاوي: سمعت البرلسي، يقول: سمعت أحمد ابن صالح بجامع مصر، يقول: سمعت جماعة من ولده، ومن رهطه، فما اختلف اثنان أنه بشر، كما قال الثوري -يعني بالمعجمة-.
وقال ابن حبان في "الثقات": عن قال: بشر، فقد وهم. وقال ابن القطان: لايعرف حاله. وقال الإِمام أحمد في مسنده: ثنا وكيع، ثنا سفيان -هو الثوري- عن زيد بن أسلم، عن بشر، أو بسر، عن أبيه، فدكر حديثه. قال الحافظ: فيحتمل أن يكون الشك فيه من وكيع. والله أعلم. أخرج له النسائي(2).--------------------------------------------
(1) بكسر الدال، بعدها مثناة تحتانية ساكنة: نسبة إلى الديل، قبيلة من عبد قيس. أفاده في "اللباب" جـ 1 ص 514 - 515، و"الإنساب" جـ 8 ص 508 - 509.
(2) "تت" جـ 1 ص 438 - 439.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 629)
5 - (محجن) -بكسر أوله، ثم حاء مهملة ساكنة، ثم جيم مفتوحة- بن أبي مِحجن الدِّيلي. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافه من صلاة الفجر، يقال: إنه كان مع زيد بن حارثة في سريه حِسْمَى(1)، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست. أخرج له النسائي(2). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن بسر بن محجن) هكذا في نسخ "المجتبى" بسر بالمهملة، ووقع في "الكبرى": "بشر" بالمعجمة بدل المهملة.
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله: اختلف الناس عن زيد بن أسلم في اسم هذا الرجل، فقال مالك، وأكثر الرواة له، عن زيد فيه: بسر بن محجن بالسين المهملة، كذلك هو في "الموطأ" عند جمهور رواته، وقال فيه: بشر بن عمر الزهراني، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن بشر ابن محجن، فقيل له في ذلك؟ فقال: كان مالك بن أنس يروي هذا الحديث قديمًا عن زيد بن أسلم، فيقول فيه: بشر، فقيل له: هو بشر؟ فقال: عن بسر، أو بشر، وقال بعد ذلك عن زيد بن أسلم، عن ابن محجن، ولم يقل: بسر، ولا بشر.
وقال فيه الثوري، عن زيد بن أسلم: بشر -بالشين المنقوطة-. وكان أبو نعيم يقول: بالسين -كما قال مالك، ومن تابعه. ورواه ابن--------------------------------------------
(1) حِسْمَى -بالكسر- والقصر: أرض بالبادية أفاده في "ق".
(2) "تت" جـ 10 ص 54.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 630)
جريج، عن زيد بن أسلم، فقال فيه: بسر، كما قال مالك.
وروى هذا الحديث أيضًا حنظلة بن علي الأسلمي، عن بشر بن محجن، ولم يذكر أباه. ورواه عبد الله بن جعفر بن نجيح، عن زيد ابن أسلم، عن بشر بن محجن، عن أبيه -بالمنقوطة- كما قال الثوري في رواية أصحاب الثوري عنه. وقد قيل فيه عن الثوري: بسر أيضًا. ثم أخرج بسنده ما تقدم في عبارة "تت" عن الطحاوي. انتهى(1).
(عن محجن) بن أبي محجن الديلي رضي الله عنه (أنه كان في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) الجار والمجرور خبر "كان"، والظرف حال من اسمها (فأذن بالصلاة) ببناء الفعل للمفعول. وفي رواية لأحمد: قال. أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأقيمت الصلاة … (فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي إلى محل الصلاة (ثم رجع) أي إلى مجلسه بعدما صلى. ففي رواية مالك في الموطأ "فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى، ثم رجع .... ".
تنبيه: قال السندي في شرحه: قوله: مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع. ظاهره أن المجلس كان في غير المسجد، وعلى هذا، ينبغي إن سمع النداء يعيد الصلاة، ويحتمل أن المراد: فقام، أي إلى الصلاة، ثم رجع، أي فرغ عنها، والأقرب أن موضع المجلس من المسجد، كان غير موضع الصلاة، وعلى هذا فالمجلس كان في المسجد، وهو الأظهر الأوفق بالروايات، والله أعلم. وقوله: إذا جئت. على الأول معناه أي جئت إلى محل ما سمعت فيه النداء، وعلى الثاني ظاهر. انتهى--------------------------------------------
(1) "التمهيد" جـ 4 ص 222 - 224.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 631)
كلامه بحروفه.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح السندي رحمه الله في هذا الموضع محل نظر. فإن الحديث بعيد مما ذكره من الاحتمالات(1). والله أعلم.
(ومحجن في مجلسه) جملة اسمية في محل نصب على الحال، وفيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: وأنا في مجلسي، وكذا في قوله: (فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم) إذ الظاهر أن يقول: فقال لي (ما منعك أن تصلي) زاد في رواية الموطأ: "مع الناس". و"ما" استفهاميةٌ استفهامًا إنكاريًا، أي أي شيء منعك أن تصلي مع المصلين جماعة (ألست برجل مسلم) فيه أن من لم يصل لا يسمى مسلمًا (قال) محجن (بلى)، وفي الموطأ: "بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم". أي أنا مسلم.
قال الفيومي رحمه الله: و"بلى" حرف جواب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا؟ وقلت: بلى، فمعناه التقرير، والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام، وإما في أثنائه، كقوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} [القيامة: 3]. والتقدير: بلى نجمعها،--------------------------------------------
(1) فأين دلالة الحديث على أن المجلس كان في غير السجد، أو في المسجد؟ ومن أين استنبط "إن سمع النداء يعيد الصلاة"؟ فهل من جاء دون أن يسمع الأذان لا يعيد مع الناس؟ وأي معنى لقوله: "وهو الأظهر الأوفق بالروايات"؟ فهل هناك روايات نصت على أن قضية محجن مع النبي صلى الله عليه وسلم كانت في المسجد حتى توافقها هذه الرواية؟ سبحان الله!.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 632)
وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، كما تقدم، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات. انتهى(1).
وفي رواية أحمد: "فلما صلى، قال لي: "ألست بمسلم؟ "، قلت: بلى، قال: "فما منعك أن تصلي مع الناس" … " (ولكني كنت قد صليت في أهلي) أراد بهذا الاعتذار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركه الصلاة معه، وحاصل اعتذاره أن الذي منعه أن يصلي مع الناس مع كونه مسلمًا كونه صلى في بيته، وظن أن من صلى صلاة لا يعيد تلك الصلاة، وإن وجد جماعة.
(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِذا جئت) أي إلى المسجد (فصل مع الناس، وإِن كنت قد صليت) وفي رواية لأحمد من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم: "ولو كنت قد صليت في أهلك"(2). وفي رواية من طريق وكيع، عن سفيان: "فإذا فعلت، فصل معهم، واجعلها نافلة"(3). وفيه أن الأولى هي الفريضة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث محجن بن أبي محجن الديلي رضي الله عنه هذا صحيح.--------------------------------------------
(1) "المصباح" جـ 1 ص 62.
(2) مسند أحمد جـ 4 ص 34.
(3) مسند أحمد جـ 4 ص 338.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 633)
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 53/ 857، وفي "الكبرى" 53/ 930 بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مالك في "الموطأ" ص 102. وأحمد جـ 4 ص 34 و338.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله، وهو مشروعية إعادة الصلاة مع الجماعة لمن صلى لنفسه. قال أبو عمر رحمه الله: وفي هذا الحديث أن من صلى في بيته، ثم دخل المسجد، فأقيمت تلك الصلاة أنه يصليها معهم، ولا يخرج حتى يصلي، وإن كان قد صلى في جماعة أهله، أو غيرهم؛ لأن قوله: صليت في أهلي. أي في جماعة أهلي، ويحتمل أن يكون صلى في بيته وحده. اهـ(1). وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "ألست برجل مسلم؟ " يدل على أن من لم يصل ليس بمسلم، ومن صلى الصلاة مواظبًا عليها شُهِدَ له بالإِسلام.
ومنها: أن من أقر بعمل الصلاة، وإقامتها على ما يجب وُكِلَ إلى قوله، وقُبل منه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبل من ابن محجن قوله: قد صليت في بيتي.--------------------------------------------
(1) الاستذكار جـ 5 ص 355.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 634)
ومنها: أن الحديث دليل لمذهب الجمهور القائلين بصحة صلاة المنفرد، ووحه الاستدلال أنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصله مع قيام الاحتمال، هل صلى مع الجماعة، أم صلى وحده؟ وهذا لا ينافي القول بوجوب الجماعة؛ لأن الراجح أنها واجبة، وليست شرطاً لصحة الصلاة، كما تقدم تحقيقه في محله. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم من صلى صلاة، ثم وجد جماعة:
ذهب جمهور الفقهاء -كما قال الحافظ أبو عمر رحمه الله إلى أن من صلى في بيته وحده، ثم دخل المسجد، فأقيمت تلك الصلاة يصليها معهم، ولا يخرج حتى يصلي، وأما من صلى جماعة، فلا يعيد، وممن قال بهذا القول مالك بن أنس، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم. واحتجوا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين". وسيأتي للمصنف بعد بابين.
وذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهو قول داود إلى أنه يصليها ثانية في جماعة. قال أحمد: ولا يجوز له أن يخرج إذا أقيمت الصلاة حتى يصليها، وإن كان قد صلى في جماعة واحتج بقول أبي هريرة رضي الله عنه في الذي خرج عند الإقامة من المسجد: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.
وروي عن أبي موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وصِلَة بن زُفَر، والشعبي، والنخعي إعادة الصلاة في جماعة
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 635)
لمن صلاها في جماعة، وبه قال حماد بن زيد، وسليمان بن حرب.
واتفق أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه على أن معنى حديث اين عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصلوا صلاة في يوم واحد مرتين"، قالا: إنما ذلك أن يصلي الإنسان الفريضة، ثم يقوم، فيصليها ثانية. ينوي بها الفرض مرة أخرى يعتقد ذلك، فأما إذا صلاها مع الإِمام على أنها سنة تطوع، فليس بإعادة للصلاة.
قال أبو عمر: قد علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر الذي صلى في أهله وحده أن يعيد في جماعة من أجل فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، ليتلافى ما فاته من فضل الجماعة، إذا كان قد صلى منفردًا، والمصلي في جماعة قد حصل له الفرض والفضل، فلم يكثر لإعادته الصلاة وجه، إلا أن يتطوع بها، وسنة التطوع أن يصلي ركعتين؛ لحديث: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". وللنهي عن القصد إلى التطوع بعد العصر والصبح. انتهى كلام أبي عمر رحمه الله باختصار(1).
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله أبو عمر نظر، بل الظاهر إطلاق الإعادة للجميع، سواء صلى وحده، أو مع الجماعة عملاً بظاهر النص؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. فإنه صلى الله عليه وسلم ما استفصل محجنًا، لما قال له: قد صليت في أهلي.--------------------------------------------
(1) التمهيد جـ 4 ص 243 - 247.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 636)
هل صلى وحده، أم صلى مع الجماعة؟ بل قال له: "إذا جئت، فصل مع الناس". وكذا ما استفصل الرجلين في الحديث الآتي، في الباب التالي، هل صليا وحدهما، أم صليا مع جماعة، بل قال لهما: "فصليا معهم".
والحاصل أن الراجح قول أحمد، وإسحاق، ومن قال بقولهما من إعادة من صلى إذا وجد جماعة مطلقًا، سواء صلى وحده، أو مع جماعة. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: في اختلاف العلماء، هل تعاد جميع الصلوت، أم لا؟:
قال أبو عمر رحمه الله: واختلف الفقهاء فيما يعاد من الصلوات مع الإِمام لمن صلاها في بيته، فقال مالك رحمه الله: تعاد الصلوات كلها مع الإِمام، إلا المغرب وحدها، فإنه لا يعيدها؛ لأنها تصير شنفعًا. قال: ومن صلى في جماعة، ولو مع واحد، فإنه لا يعيد تلك الصلاة إلا آن يعيدها في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى. وقال: إنه لا يدري أيّ صلاتيه فريضته، وإنما ذلك إلى الله، يجعلها أيتها شاء، ولا يقول: إنها نافلة ونقل مثل ذلك عن ابن عمر، وابن المسيب رحمهما الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: لكن هذا معارض للنص؛ حيث جعل الثانية هي النافلة، وتأويلهم بأن النافلة بمعنى فضيلة، وزيادة خير،
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 637)
وليس بمعنى التطوع، كما في قوله تعالى: {نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] تأويل بعيد؛ إذ لا دليل عليه، والله أعلم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله: لا يعيد المصلي وحده العصر مع الإِمام، ولا الفجر ولا المغرب، ويصلي معه الظهر والعشاء، ويجعل صلاته مع الإِمام نافلة. قال محمد بن الحسن رحمه الله: لأن النافلة بعد العصر والصبح لا تجوز، ولا تعاد المغرب؛ لأن النافلة لا تكون وترًا في غير الوتر.
وقال الأوزاعي رحمه الله: يعيد جميع الصلوات، إلا المغرب والفجر، وهو قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ لحديث: "لا وتران في ليلة"، وحديث "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس". وأما العصر فقد ثبت جواز الصلاة بعدها ما كانت الشمس بيضاء نقية، والنهي الوارد محمول على ما بعد ذلك.
وهذا مذهب جماعة من السلف، كابن عمر رضي الله عنهما، وقد تقدم تمام البحث في ذلك في [باب الرخصة في الصلاة بعد العصر] برقم 36/ 573.
وقال الشافعي رحمه الله: تعاد الصلوات كلها، لحديث محجن المذكور في الباب، حيث لم يخص له صلى الله عليه وسلم صلاة من صلاة، بل قال له: "فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت"، قال: والأولى هي الفريضة، والثانية سنة، وهو قول داود بن علي رحمه الله، إلا أنه يرى الإعادة في الجماعة على من صلى وحده فرضًا، ولا يحتسب عنه
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 638)
بما صلى وحده، وأما من صلى في جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فالإعادة هاهنا استحباب.
واختلف عن الثوري رحمه الله، فروي عنه: يعيد الصلوات كلها، كقول الشافعي، وروي عنه مثل قول مالك، ولا خلاف عنه أن الثانية تطوع.
وقال أبو ثور رحمه الله: يعيدها كلها إلا الفجر والعصر، إلا أن يكون في مسجد، فتقام الصلاة، فلا يخرج حتى يصليها، وحجته النهي عن صلاة النافلة بعد العصر، وبعد الصبح. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله بالاختصار(1).
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه الشافعي، وداود رحمهما الله من إعادة جميع الصلوات، عن غير استثناء شيء من الصلوات، لقوة دليله؛ حيث عمم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "فَصَلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت" من غير استثناء شيء. بل حديث يزيد بن الأسود الآتي، نص في أن ذلك كان بعد الصبح. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: في بيان اختلاف العلماء في أن الفريضة هي الأولى، أم الثانية:
ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الفريضة هي الأولى، وبه قال--------------------------------------------
(1) "التمهيد" جـ 4 ص 249 - 256.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 639)
الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وداود،
وذهبت طائفة إلى أن الفريضة هي الثانية، إن كانت الأولى صليت بلا جماعة. وعزا هذا القول العلامة الشوكاني رحمه الله إلى الأوزاعي، والهادي، وبعض أصحاب الشافعي، قال: وهو قول الشافعي القديم.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يُدْرَى أيّ الصلاتين هي الفريضة، وإنما ذلك إلى الله تعالى، وعزا هذا القول ابن عبد البر إلى مالك، قال: وروي عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب مثل قوله.
وحجة الأولين حديث يزيد بن الأسود الآتي في الباب التالي: "فصليا معهم، فإنها لكما نافلة". وما رواه أبو ذر، وابن مسعود، وأبو هريرة، رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "سيكون عليكم بعدي أمراء، يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة"(1). وقد تقدم حديث أبي ذرّ، وابن مسعود رضي الله عنهما برقم 2/ 778 و779.
واحتج أصحاب القول الثاني: بما أخرجه أبو داود عن يزيد بن عامر رضي الله عنه، قال: جئت، والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجلست، ولم أدخل معهم في الصلاة، فانصرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآني جالسًا، فقال. ألم تسلم يا يزيد؟ قال: بلى يا رسول الله، قد أسلمت، قال: "فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟ " قال:--------------------------------------------
(1) التمهيد جـ 4 ص 257 - 259.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 640)
إني كنت قد صليت في منزلي، وأنا أحسب أنكم قد صليتم، فقال: "إذا جئت إلى الصلاة، فوجدت الناس، فصل معهم، وإن كنت قد صليت، تكن لك نافلة، وهذه مكتوبة".
ولكنه ضعيف؛ لأن في سنده نوح بن صعصعة المكي، قال الدارقطني: مجهول الحال(1). ومع هذا فقد خالف حديثه أحاديث الأثبات، فلا يصلح للاحتجاج به.
قال الشوكاني رحمه الله: وعلى فرض صلاحية حديث يزيد بن عامر للاحتجاج به، فالجمع بينه وبين حديث الباب ممكن، يحمل حديث الباب على من صلى الصلاة الأولى في جماعة، وحمل هذا على من صلى منفرداً، كما هو الظاهر من سياق الحديثين. انتهى(2).
قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي لهذا الجمع، إذ الحديث ضعيف مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا ينبغي أن يتكلف له.
فقد تبين مما ذكر من الأقوال وأدلتها أن الراجح قول من قال: إن الفريضة هي الأولى، وإن الثانية نافلة، كما هو النص الصريح في الأحاديث المذكورة. والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…--------------------------------------------
(1) انظر "تت" جـ 10 ص 485.
(2) نيل الأوطار جـ 3 ص 383 - 384.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 641)
54 - إِعَادَةِ الْفَجْرِ مَعَ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على مشروعية إعادة صلاة الفجر مع الجماعة لمن صلاها منفردًا.
858 - أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ الْعَامِرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ، لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، قَالَ: "عَلَيَّ بِهِمَا"، فَأُتِيَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ " قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 - (زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي، أبو هاشم الطوسي
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 642)
الأصل، يلقب دَلُّويه، وكان يغضب منها، ثقة حافظ، مات سنة 252، من [10]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. تقدم في 101/ 132.
2 - (هشيم) بن بشير بن القاسم بن دينار، أبو معاوية بن أبي خازم السلمي الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي، مات سنة 183، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 88/ 109.
3 - (يعلي بن عطاء) العامري، ويقال: الليثي الطائفي، ثقة، مات سنة 120 أو بعدها، من [4]، أخرج له البخاري في "جزء القراءة خلف الإِمام"، ومسلم، والأربعة. تقدم في 40/ 584.
4 - (جابر بن يزيد بن الأسود) السوائي، ويقال: الخزاعي، صدوق، من [3]. روى عن أبيه، وله صحبة، وعنه يعلي بن عطاء. قال ابن المديني: لم يرو عنه غيره. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وخرج حديثه في "صحيحه". أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
5 - (يزيد بن الأسود) السُّوَائي، ويقال: ابن أبي الأسود الخزاعي، ويقال: العامري، حليف قريش، عداده في الكوفيين. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا في الصلاة. وعنه ابنه جابر، وأما أبوه، فقال ابن سعد: إنه مدني. وقال خليفة: سكن الطائف. وقال ابن حبان: مكي. وقال أبو عيسى الترمذي: إنه حجازي. أخرج له
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 643)
أبو داود، والترمذي، والنسائي.
وفي "ت": صحابي نزل الطائف، ووهم من ذكره في الكوفيين. والله تعالى أعلم.
من لطائف هذا الإسناد
أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن يزيد بن الأسود) العامري رضي الله عنه، أنه (قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر) وفي رواية أبي داود: "أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو غلام شاب … ". وفي رواية الترمذي: "قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته، فصليت معه الصبح في مسجد الخيف .. " (في مسجد الخيف) هو مسجد منى.
قال الفيومي رحمه الله: الخيف ساكن الياء: ما ارتفع من الوادي قليلاً عن مسيل الماء، ومنه مسجد الخيف بمنى؛ لأنه بني في خيف الجبل، والأصل مسجد خيف مني، فخفف بالحذف، ولا يكون خيف إلا بين جبلين. انتهى(1).
(فلما قضى صلاته إِذا هو برجلين في آخر القوم) وفي رواية--------------------------------------------
(1) المصباح جـ 1 ص 186.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 644)
أبي داود: "إذا رجلان، لم يصليا في ناحية المسجد" (لم يصليا معه) جملة في محل نصب على الحال من "رجلين" لوصفه بالجار والمجرور (قال) صلى الله عليه وسلم (عَلَيَّ بهما) قال في "اللسان": عَلَيَّ زيدًا، وعلي يزيد: معناه أعطني زيدًا. اهـ(1).
وأراد هنا إحضارهما لديه ليسألهما عن عدم صلاتهما معه (فأتي بهما) لبناء الفعل للمفعول، أي جيء بالرجلين (تُرعَد فرائصهما) ببناء الفعل للمفعول أيضًا(2)، أي تَرْجُف، وتَضْطَربُ من الخوف. و"الفرائصُ" نائب فاعله، وهي جمع فريصة -بالصَاد المهملة- وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف. قاله في "النهاية" قال ابن سِيدَهْ: الفريصة لحمة عند نُغْض(3) الكتف في وسط الجنب عند مَنْبِضِ القلب(4)، وهما فريصتان تُرعَدَان عند الفزع.
وإنما ارتعدت فرائصهما لما اجتمع في رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهيبة والحرمة الجسيمة لكل من رآه، مع كثرة تواضعه (فقال: ما منعكما أن تصليا معنا) "ما" استفهامية للإنكار والتوبيخ (قالا) اعتذارًا عن عدم الصلاة معهم (يا رسول الله قد صلينا في رحالنا) أي منازلنا، ومأوانا (قال: فلا تفعلا) أي قال صلى الله عليه وسلم لهما: لا تصنعا مثل صنيعكما--------------------------------------------
(1) جـ 4 ص 3092.
(2) هو من الأفعال التي سُمِعَت مبنية للمجهول، كجُنَّ، كما تفيده عبارة "ق" وما كتب في هامشه في مادة "رعدَ"، وقريب منه عبارة "اللسان". فما وقع في نسخة "المجتبى" من ضبطه بالبناء للفاعل بضبط القلم غير صحيح. فتنبّه.
(3) النُّغض بالضم: غُرْضُرف الكتف، أو حيث يجيء، ويذهب منه. اهـ "ق".
(4) منبض القلب -بفتح فسكون فكسر- حيث تراه يَنْبِضُ (أي يتحرك). اهـ "ق".
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 645)
هذا (إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة) قال الشوكاني رحمه الله: ظاهره أن ذلك مختص بالجماعات التي تقام في المساجد، لا التي تقام في غيرها، فيحمل المطلق من ألفاظ حديث الباب، كلفظ أبي داود: " إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإِمام، فليصلها معه" - على المقيد بمسجد الجماعة، قال: ويؤيد ذلك، ما أخرجه أبو داود، والنسائي، عن سليمان بن يسار مولى ميمونة، قال: رأيت ابن عمر جالسًا على البلاط -وهو موضع مفروش بالبلاط بين المسجد والسوق بالمدينة- وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ فقال: قد صليت، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين"(1).
انتهى كلام الشوكاني(2).
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله الشوكاني نظر؛ بل الأظهر عدم التقييد؛ لأن ذكر بعض أفراد المطلق الموافق له في الحكم لا يقيد، على الأصح عند الأصوليين، كما تقدم نقلُ الشوكانيِّ نفسِهِ عنهم، وما استدل به من حديث ابن عمر رضي الله عنهما الراجح أنه محمول على من يصلي صلاة مرتين لا لغرض الجماعة، وسيأتي الكلام عليه بعد باب إن شاء الله تعالى.--------------------------------------------
(1) سيأتي للمصنف بعد باب برقم 56/ 860.
(2) نيل الأوطار جـ 3 ص 384.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 646)
(فإِنها لكما نافلة) أي إنّ تلك الصلاة التي صليت مع الناس نافلة. وهذا صريح في كون الأولى هي الفريضة، والثانية المعادة نافلة، وظاهره عدم الفرق بين أن تكون الأولى قد صليت في جماعة أو فرادى؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. والله تعالى أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث يزيد بن الأسود العامري رضي الله عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 54/ 858، وفي "الكبرى" 54/ 931 بالسند المذكور، وفي 78/ 1334، وفي "الكبرى" 112/ 1257 عن يعقوب، عن يحيى القطان، عن سفيان الثوري، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد ابن الأسود، عنه. مختصراً، ولفظه: "أن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما صلى انحرف". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن حفص بن عمر، عن شعبة، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، وعن مسدد، عن يحيى القطان، عن الثوري، كلاهما عن يعلي بن عطاء، به. والترمذي عن
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 647)