الأول: أن قوله: "فانتهى الناس … إلخ" من قول الزهري مدرج في الحديث، كما صرح بذلك الحفاظ:
قال البخاري رحمه الله في "جزء القراءة": وقوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري، وقد بينه لي الحسن بن الصباح، قال: ثنا مُبَشر، عن الأوزاعي، قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرءون فيما جهر.
وقال مالك: قال ربيعة: إذا حدثت فبيّن كلامك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى كلام البخاري رحمه الله تعالى(1).
وقال الترمذي رحمه الله: وروى بعض أصحاب الزهري، وذكروا هذا الحرف، قال: قال الزهري: فانتهى الناس عن القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى(2).
وقال البيهقي في "معرفة السنن": قوله: "فانتهى الناس من القراءة" من قول الزهري، قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب "الزهريات"، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبو داود السجستاني، واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حين ميّزه من الحديث، وجعله من قول الزهري. وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة، وأبو هريرة كان يأمر بالقراءة خلف--------------------------------------------
(1) جزء القراءة ص 24.
(2) "جامع الترمذي" جـ 2 ص 232 بنسخة الشرح.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 624)
الإمام فيما جهر بها، وفيما خافت. اهـ(1).
وقال في "كتاب القراءة": رواية ابن عيينة، عن معمر دالة على كونه من قول الزهري، وكذلك انتهاء الليث، وهو من الحفاظ الأثبات
الفقهاء مع ابن جريج برواية الحديث عن الزهري إلى قوله: "مالي أنازع القرآن" دليل على أن ما بعده ليس في الحديث، وأنه من قول الزهري، وقد رواه الأوزاعي، عن الزهري، ففصل كلام الزهري من الحديث بفصل ظاهر، غير أنه غلط في إسناد الحديث. انتهى(2).
وقال الحافظ في "التلخيص": وقوله: "فانتهى الناس" إلى آخره، مدرج في الخبر من كلام الزهري بَيَّنَهُ الخطيب، واتفق عليه البخاري في التاريخ، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، والذهلي، والخطابي، وغيرهم. انتهى(3).
الثاني: أنه لو قدر ثبوت منع القراءة بحديث أبي هريرة هذا لوجب حمل منع القراءة على ما عدا الفاتحة، ويدل على هذا الحمل حديث أبي هريرة نفسه في الأمر بالقراءة، وحديث الخداج، كما يدل عليه فتواه أيضًا، وكما يدل عليه حديث عبادة، وغيره.
قال الحازمي رحمه الله: إنما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "مالي أنازع--------------------------------------------
(1) معرفة السنهن والآثار جـ 2 ص 47 - 48.
(2) جزء القراءة ص 119.
(3) "تلخيص الحبير" جـ 1 ص 231.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 625)
القرآن" فاحتمل أن يكون عَنَى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ خلفه سوى فاتحة الكتاب؛ لأنا وجدنا عمران بن حصين، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل قرأ خلفه بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}: "هل قرأ أحد منكم بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؟ " فقال رجل: نعم أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدقت، قد علمت أن بعضكم خالجنيها".
وقوله: "أنازع" مثل "أخَالَجُ"، فلا يحتمل أن يكون عَنَى في حديث ابن أكيمة أن يقول: "مالي أنازع القرآن" يعني فاتحة الكتاب،
وهو يقول: لا صلاة إلا بها. انتهى(1).
وقال البيهقي رحمه الله: ولا يترك الثابت عن أبي هريرة في الأمر بقراءة فاتحة الكتاب وراء الإمام برواية رجل مجهول، مع احتمال روايته أن يكون المراد بها ما بعد الفاتحة من القرآن كما سبق ذكرنا له. انتهى(2).
قال الجامع عفا الله عنه: أما قوله: برواية رجل مجهول. فقد قاله غيره، كما تقدم في ترجمته عن الحميدي أنه قال: هو رجل
مجهول، ووثقه بعضهم، نقل ذلك عن يحيى بن سعيد، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مقبول. وقال ابن معين: كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال في "ت": ثقة. فإطلاق الجهالة عليه محل نظر، بل الصواب أنه--------------------------------------------
(1) الاعتبار ص 102.
(2) كتاب القراءة ص 122.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 626)
يحتج بحديثه، بل الجواب الصحيح أن تحمل روايته على ما عدا الفاتحة بدليل الأحاديث الأخرى، كما ذكره البيهقي احتمالًا. والله أعلم.
وقال الترمذي رحمه الله: وليس في هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام، لأن أبا هريرة هو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام"، فقال حامل الحديث: إني أكون أحيانًا وراء الإمام؟ قال: اقرأ بها في نفسك. وروى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة، قال: "أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب" انتهى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الراجح تقييد قوله: "فانتهى الناس … إلخ" على تقدير كونه من كلام أبي هريرة رضي الله عنه
بغير الفاتحة، عملًا بالدليلين.
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: واحتج من رأى أن لا يقرأ المأموم خلف الإمام الجاهر بقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}.
قال: وتمام الآية حجة عليهم، لأن الله تعالى قال: {وَإِذَا قُرِئَ--------------------------------------------
(1) جامع الترمذي جـ 2 ص 121 - 122. وحديث أبي عثمان أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما بإسناد صحيح، وصححه ابن القطان. انظر ما كتبه أحمد شاكر على الترمذي جـ 2 ص 122.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 627)
الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 204،205].
قال: فإن كان أول الآية في الصلاة، فآخرها في الصلاة، وإن كان آخرها ليس في الصلاة، فأولها ليس في الصلاة، وليس فيها إلا الأمر بالذكر سرًّا، وترك الجهر، فقط، وهكذا نقول(1).
وذكروا حديث ابن أكيمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما لي أنازع القرآن". وفيه من قول الزهري: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراءة".
وهذا حديث انفرد به ابن أكيمة، وقالوا: هو مجهول(2). ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة؛ لأن الأخبار واجب أن يُضم بعضها إلى بعض، وحرام أن يضرب بعضها ببعض؛ لأن كل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو كله حق، يصدق بعضه بعضًا، ولا يخالف بعضه بعضًا، فالواجب أن يؤخذ كلامه عليه الصلاة والسلام كله بظاهره، كما هو، كما قاله عليه السلام، لا يزاد فيه شيء، ولا ينقص منه شيء، فلا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن، ولا ينازع القرآن، وهذا نص قولنا، ولله الحمد،--------------------------------------------
(1) قال الجامع: فيما قاله أبو محمد ابن حزم في الآية نظر، وسيأتي ما يتعلق بالآية بعد باب إن شاء الله تعالى.
(2) قلت: تقدم أن الراجح كونه معروفًا ثقة. فتنبه.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 628)
وما عدا هذا فزيادة في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقصان منه.
وذكروا أيضًا حديثًا آخر صحيحًا من طريق ابن عجلان، فيه: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون".
فهذا خبر أولى من ينبغي أن يستغفر الله تعالى عند ذكره من مخالفة هذا الحديث الحنفيون، والمالكيون؛ لأنهم مخالفون لأكثر ما فيه، فإنهم يرون التكبير إثر تكبير الإمام، لا معه للإحرام خاصة، ثم يرون سائر التكبير، والرفع، والخفض مع الإمام، لا قبله(1)، ولا بعده، وهذا خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وفيه: "إذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا" فخالفوه إلى خبر كاذب، لا يصح، وإلى ظن غير موجود، فمن العجب أن يحتجوا بقضية واحدة من قضاياه، لا حجة لهم فيها، ويتركون(2) سائر قضاياه التي لا يحل خلافها!!.
وأما نحن فانه عندنا صحيح، وبه كلِّه نأخذ؛ لأن تأليف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضم بعضه إلى بعض، والَأخذ بجميعه فرض، لا يحل سواه. وقد قال عليه السلام: "وإذا قرأ فأنصتوا"، و"لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن". فلابد في جميع هذه الأوامر من أحد وجهين، لا--------------------------------------------
(1) قلت: ذكر "لا قبله" لا وجه له فتأمل.
(2) هكذا نسخة "المحلّى" بإثبات نون الرفع، ووجهه أنه حال بتقدير مبتدأ، أي: وهم يتركون … إلخ.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 629)
ثالث لهما(1):
إما أن يكون وجه ذلك أن يقول: إذا قرأ فأنصتوا إلا عن أم القرآن -كما قلنا نحن- وإما أن يكون وجه ذلك أن يقول: لا صلاة
لمن لم يقرأ بأم لقرآن إلا إن قرأ الإمام -كما يقول بعض القائلين-.
وإما أن يكون وجه ذلك أن يقول: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن إلا أن يجهر الإمام- كما يقول آخرون.
فإذ لابد من أحد هذه الوجوه، فليس بعضها أولى من بعض إلا ببرهان، وأما بدعوى فلا، فنظرنا في ذلك، فوجدنا الحديث الذي قد ذكرناه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاة الفجر، وهي صلاة جهر، فقال: "أتقرؤون خلفي؟ " قالوا: نعم، هذًّا يا رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة إلا بها". فكان هذا كافيًا في تأليف أوامره صلى الله عليه وسلم، لا يسع أحدًا الخروج عنه.
وقد مَوَّهَ قوم بأن قالوا: هذا خبر من رواية ابن إسحاق، ورواه مكحول مرة عن محمد بن الربيع، عن عبادة، ومرة عن نافع بن
محمود بن الربيع، عن عبادة.
قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن محمد بن إسحاق أحد الأئمة، وثقه الزهري، وفضله على من بالمدينة في عصره، وشعبة، والسفيانان،--------------------------------------------
(1) فيه نظر، فإن الأوجه ثلاثة، لا وجهان، كما يأتي في كلامه، فتأمل.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 630)
والحمادان، واليزيدان(1)، وإبراهيم بن سعد، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم، قال فيه شعبة: محمد بن إسحاق أمير المحدثين، هو أمير المؤمنين في الحديث.
والعجب أن الطاعنين عليه ههنا هم الذين احتجوا بروايته التي لم يروها غيره في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّ زينب على أبي العاصي بالنكاح الأوَّل بعد إسلامه، فإذا روى ما يظنون أنه يوافق تقليدهم صار ثقة، وصار حديثه حجة، وإذا روى ما يخالفهم صار مجروحًا!! وحسبنا الله، ونعم الوكيل.
وأما رواية مكحول هذا الخبر مرة عن محمود، ومرة عن نافع بن محمود، فهذا قوة للحديث، لا وهن؛ لأن كليهما ثقة، وحتى لو لم يأت هذا الخبر لَمَا وجب بقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا قرأ فأنصتوا" إلا ترك القراءة حين قراءته، ويبقى وجوب قراءتها في سكتات الإمام، فكيف وهذه اللفظة -يعني "وإذا قرأ فأنصتوا"- قد أنكرها كثير من أئمة الحديث، وقالوا: إن محمد بن عجلان(2) أخطأ في إيرادها، وليست من الحديث، قال ذلك ابن معين، وغيره.--------------------------------------------
(1) سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، ويزيد بن زريع، ويزيد بن هارون.
(2) وقع في المحلَّى: "محمد بن غيلان"، والصواب: محمد بن عجلان. انظر "تحقيق الكلام" ص 337 - 338.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 631)
قال: وأما نحن فلا نقول فيما رواه الثقة إنه خطأ، إلا ببرهان واضح، لكن وجه العمل هو ما أوردنا. وبالله تعالى التوفيق. انتهى
كلام ابن حزم رحمه الله تعالى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره أبو محمد رحمه الله تعالى في وجه الجمع بين أحاديث إيجاب الفاتحة على المأموم، وبين حديث: "ما لي أنازع القرآن" تحقيق حسن جدًّا. والله تعالى أعلم.
وقال العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى فيما كتبه على "جامع التومذي":
هذه المسألة -مسألة قراءة المأموم الفاتحة- من أهم مسائل الخلاف بين الفقهاء، والمحدثين، وغيرهم، وقد ألفوا فيها كتبا مستقلة.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في "العارضة" 108:-111 اختلف الناس في صلاة المأموم على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يقرأ إذا أسرّ ولا يقرأ إذا جهر.
الثاني: يقرأ في الحالين.
الثالث: لا يقرأ في الحالين.
قال بالأول مالك، وابن القاسم. وقال بالثاني الشافعي، وغيره، لكنه قال: إذا جهر الإمام قرأ هو في سكتاته.--------------------------------------------
(1) المحلى جـ 3 ص 239 - 242.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 632)
وقال بالثالث ابن حبيب، وأشهب، وابن عبد الحكم.
والصحيح وجوب القراءة عند السرّ، لقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". ولقوله للأعرابي: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن". وتركه في الجهر بقوله تبارك، وتعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. وفي صحيح مسلم: "إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعو، وإذا قرأ فأنصتوا". ولو لم يذكر هذا الحديث لكان نص القرآن به أولى.
ويقال للشافعي: عجبًا لك! كيف يقدر المأموم في الجهر على القراءة؟ أينازع القرآن الإمام، أم يعرض عن استماعه، أم يقرأ إذا سكت؟ قال: فإن قال: يقرأ إذا سكت، قيل له: فإن لم يسكت الإمام -وقد أجمعت الأمة على أن سكوت الإمام غير واجب- متى يقرأ؟ ويقال له: أليس في استماعه لقراءة الإمام قراءة منه؟ وهذا كاف لمن أنصفه، وفهمه. وقد كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام، وكان أعظمَ الناس اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم(1).
قال ابن شاكر رحمه الله: والمسألة أدقُّ من هذا التسهيل الذي--------------------------------------------
(1) قال الجامع: فيما قاله ابن العربي في الاعتراض على الشافعي نظر، أما قوله: فإن لم يسكت متى يقرأ؟ فإن الشافعي إنما يقول ذلك فيما إذا كان للإمام سكتات، وأما إذا لم يكن له سكتات، فيقرأ متى شاء. وأما ما ذكره من مذهب ابن عمر فيقال له: المرفوع
الصحيح يقدم على مذهب ابن عمر، فإنه لا رأي، ولا قول مع قوله صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 633)
صوّرها به ابن العربي، وقد تعارضت فيها الأدلة تعارضًا شديدًا، فإن كتاب الله صريح في الأمر بالإنصات لقراءة القرآن، وهو يشمل الصلاة وغيرها، ثم ورد الأمر بالإنصات للإمام أيضًا، وجاءت أحاديث صحاح متواترة أنه "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وكل ركعة صلاة، وكل مصل داخل تحت هذا العموم الصريح، إمامًا كان أو مأمومًا، أو منفردًا، وورد حديث مرسل عن عبد الله بن شداد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة". رواه الدارقطني، وغيره.
قال المجد ابن تيمية في "المنتقى": وقد روي مسندًا من طرق كلها ضعاف، والصحيح أنه مرسل. وقال البخاري في "جزء القراءة": هذا خبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز، وأهل العراق لإرساله وانقطاعه. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: ضعيف عند جميع الحفاظ، وقد استوعب طرقه، وعلله الدارقطني وغيره.
وهذا الحديث أثار عصبية شديدة بين علماء الحنفية، وعلماء الشافعية؛ لأنه ورد في بعض أسانيده من رواية أبي حنيفة موصولًا مسندًا عن جابر، فلم يتردد بعض المحدثين، والشافعية في الحكم بضعف أبي حنيفة من جهة حفظه، ثم غلوا، فطعنوا طعنًا، لا نرضاه. وانظر نصب الراية جـ 2 ص 7 ت 12، وإنما جاء ضعف الحديث من أن كل رواته رووه مرسلًا، لم يذكروا فيه جابرًا، وأين صحة الإسناد إلى
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 634)
أبي حنيفة بروايته موصولًا؟!.
ثم الصحابة اختلفوا في هذا المقام كما ترى، فأبو هريرة وغيره يقيمون الأحاديث على ظاهرها، فيوجبون على المأموم قراءة الفاتحة في الجهر والسرّ على السواء، وأن يقرأ في نفسه، وجابر بن عبد الله يذهب إلى أن المأموم ليس عليه قراءة، فكأنه يتأول الحديث، كما قال الترمذي.
والواجب في مثل هذا المقام، إذا تعارضت الأدلة الرجوع إلى القواعد الصحيحة السليمة في الجمع بينهما، إذا لم نعرف الناسخ منها من المنسوخ، كما هنا، فإنه لا دليل في شيء منها على أن بعضها ناسخ لبعض، وإن زعم الحازمي في "الاعتبار" ص 72 - 75 أن أحاديث الوجوب ناسخة لأحاديث النهي عن القراءة خلف الإمام، وليس له على ذلك دليل.
أما نحن فإنا نذهب إلى أنه ليس شيء منها منسوخًا، ونذهب إلى الجمع بينها مع الترجيح.
أما الآية فإنها عامة تشمل المصلي وغيره، وأحاديث وجوب القراءة عامة أيضًا تشمل الإمام والأموم والمنفرد، وحديث "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" خاص بالمأموم، ولكنه عام في قراءة أي شيء من القرآن؛ الفاتحة، أو غيرها، وليس إسناده مما يحتج به أهل العلم بالحديث، فلو كان هذا الحديث صحيحًا، ولم يأت معارض له أقوى
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 635)
منه كان خصوصه حاكمًا على عموم غيره، مما يوجب قراءة الفاتحة على المأموم، فإن الخاص حاكم على العام، ومُقيد له، ولكن حديث عبادة ابن الصامت أقوى منه، وأخص، أما قوته وصحته فقد بيناها في موضعها، وأما خصوصه فإنه نص في معناه، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمأمومين نهيًا لهم عن القراءة خلف الإمام:"فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". وقد تأيد هذا النص بأحاديث أخرى، هي نص مثله خاص، فقد روى البخاري في "جزء القراءة" ص 55:
"حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا عبد الله، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: "أتقرؤون في صلاتكم، والإمام يقرأ؟ " فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل، أو قائلون: إنا لنفعل، قال: "فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه". ونقله الهيثمي في "مجمع الزوائد" جـ 2 ص 11 وقال: رواه أبو يعلى، والطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.
ونقل أيضًا 7: 111 - عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ خلف الإمام، فليقرأ بفاتحة الكتاب". رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون.
ونقل أيضًا عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعلكم تقرؤون، والإمام يقرأ؟ "، قالها ثلاثًا، قالوا: إنا لنفعل
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 636)
ذلك، قال: "فلا تفعلوا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه". رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
فهذه الأحاديث الصحاح، أو الحسان هي نص في موضوعها، وهي من الخاص الصريح بالنسبة إلى الأدلة الأخرى، فلو كان حديث: "من كان له إمام" حديثًا صحيحًا، لكانت هذه الروايات دالة على أن المراد به أن قراءة الإمام له قراءة في غير الفاتحة، وأن على المأموم أن يقرأ أم القرآن التي وجبت عليه ركنًا من أركان صلاته، ثم يكف عن القراءة، وينصت لإمامه، فلا ينازعه القرآن، وهي تدل أيضا على تخصيص الآية، وحديث: "وإذا قرأ فأنصتوا" بما عدا حالة قراءة المأموم الفاتحة.
وهذا هو الجمع الصحيح بين الأدلة، فنُعمِلُها جميعًا، ولا نهْمِل شيئًا منها، ولا نضرب بعضها ببعض. وانظر المحلى لابن حزم في
المسألة رقم 36 جـ 3 ص 236 - 243.
انتهى كلام العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى في الجمع بين أدلة الباب تحقيق حقيق بالقبول، لكونه
مؤيدًا بالمنقول والمعقول، وما عداه رأي مَرْذُول، لا ينبغي أن يَلتَفِتَ إليه--------------------------------------------
(1) تعليق أحمد شاكر على جامع الترمذي جـ 2 ص 124 - 127.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 637)
من كان من الفحول.
وبهذا يتبين لك ضعف ما رجحه بعض أهل العلم من أهل عصرنا من وجوب قراءة القراءة على المأموم في الصلاة السرية فقط، مدعيًا النسخ للوجوب في الجهرية(1)، بلا بينة واضحة، ولا حجة مقنعة، فتنبه لذلك، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد.
والحاصل أن الراجح قول من قال بوجوب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقًا، سواء كانت الصلاة سرية، أو جهرية، وسواء كان يسمع قراءة الإمام، أم لا، لكن استحب بعض أهل العلم فيما إذا كان للإمام سكتات أن يقرأها المأموم في سكتاته، وإلا قرأها معه، أو قبله، أو بعده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.--------------------------------------------
(1) وذكر هذا القائل حديث أبي هريرة: "فانتهى الناس … إلخ" دليلًا على النسخ، وقد تقدم الكلام على هذه الجملة، هل هي من قول أبي هريرة، أم من قول الزهري، وعلى تقدير كونها لأبي هريرة، فدعوى النسخ بها دونه خرط قتاد، وقد تقدم إبطال ذلك فيما قاله المباركفوري، وابن حزم، وأحمد محمد شاكر، وغيرهم، فلا حاجة إلَى إعادته. فتأمل بإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف. والله تعالى ولي التوفيق.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 638)
29 - قِرَاءَة أمّ القُرْآنِ خَلْفَ الإِمَامِ فِيماَ جَهَرَ بهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدَّال على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم خلف إمامه في الصلاة الجهرية.
أراد المصنف رحمه الله تعالى أن ما تقدم في حديث الباب الماضي من إنكاره صلى الله عليه وسلم على من نازعه القرآن محمول على ما عدا أم القرآن، لحديث الباب، فإنه خاص، فيقدم على العام، وهذا كما ذكرناه في الباب الماضي هو المذهب الحقّ الذي لا مرية فيه. والله تعالى أعلم.
920 - أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ صَدَقَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: "لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ، إِلاَّ بِأُمِّ الْقُرْآنِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (هشام بن عمار) بن نُصَير السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، مات سنة
245، من كبار [10]، أخرج له البخاري، والأربعة، تقدم في
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 639)
134/ 202.
2 - (صدقة) بن خالد القرشي الأموي، أبو العباس الدمشقي، مولى أم البنين أخت معاوية بن أبي سفيان، قاله البخاري، وأبو حاتم،
وقيل: أخت عمر بن عبد العزيز، قاله هشام بن عمار، ثقة من [8].
ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة، وذكره خليفة بن خياط في الطبقة السادسة.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة ليس به بأس، أثبت من الوليد بن مسلم، صالح الحديث. وقال ابن معين، ودُحَيم، وابن نمير، والعجلي، ومحمد بن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. زاد ابن نمير: وهو أوثق من صدقة بن عبد الله، وصدقة بن يزيد. وقال ابن معين: كان صدقة أحب إلى أبي مسهر من الوليد، وكان يحيى بن حمزة قَدَريًّا، وصدقة أحب إليّ منه. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا مسهر يقول: صدقة صحيح الأخذ، صحيح الإعطاء. وقال الآجري، عن أبي داود: من الثقات، هو أثبت من الوليد بن مسلم، روى الوليد عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، منها عن نافع أربعة. قال دُحيم، وغيره: مولده سنة 118، وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ثقة توفي سنة 170 أو 171، وقال هشام بن عمار، وغيره: مات سنة 180 وقال دحيم: مات سنة 184، وكان كاتبًا لشعيب.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 640)
وذكره ابن حبان، وهو مولى أم البنين أخت معاوية بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان، وقال النسائي في الكنى، وابن عمار: ثقة. أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، والترمذي(1).
3 - (زيد بن واقد) القرشي أبو عُمَر، ويقال: أبو عمرو الشامي الدمشقي، ثقة، من [6].
قال أحمد، وابن معين، ودحيم، والعجلي، والدارقطني: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: سألت عبد الرحمن بن إبراهيم -يعني دُحَيما -أيُّ أصحاب مكحول أعلى، فذكر جماعة، ثم قال: لكن زيد بن واقد من كبارهم. وقال أبو حاتم: لا باس به، محله الصدق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال عبد الله بن يوسف التنيسي: كان يتهم بالقدر.
قال الحسن بن محمد بن بكار: مات في سنة 138. له في صحيح البخاري حديث واحد في فضل أبي بكر رضي الله عنه. وقال ابن حبان في "الثقات": يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عبد الخالق. وقال أبو بكر البزار: ليس به بأس، يجمع حديثه. أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، والترمذي(2).
4 - (حرام بن حكيم) -بمهملتين مفتوحتين- بن خالد بن سعد--------------------------------------------
(1) "تك" جـ 13 ص 128 - 132. "تت" جـ 4 ص 414 - 415.
(2) "تك" جـ 10 ص 108 - 111. "تت" جـ 3 ص 426 - 427.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 641)
ابن الحكم الأنصاري، ويقال: الْعَبْثَمِيُّ، ويقال: العنسي -بالنون- الدمشقي، وهو حرام بن معاوية، كان معاوية بن صالح يقوله على
الوجهين، ووَهِمَ من جعلهما اثنين، وهو ثقة، من [3].
روَى عن عمه عبد الله بن سعد، وله صحبة، وأبي ذرّ، ونافع بن محمود بن ربيع، وقيل: ربيعة الأنصاري، وأنس، وأبي مسلم الخولاني. وعنه العلاء بن الحارث، وزيد بن واقد، وعبد الله بن العلاء ابن زَبْر، وزيد بن رفيع، وعدّة.
قال دُحَيم، والعجلي: ثقة. وقال البخاري: حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد، وغيره، وعنه زيد بن واقد وغيره، ثم ذكر بعد تَرْجَمَةٍ: حَرَامُ بنُ معاويةَ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مُرْسَلٌ، قاله معمر، عن زيد ابن رفيع. قال الخطيب: وهم البخاري في فصله بين حرام بن حكيم، وبين حرام بن معاوية؛ لأنه رجل واحد، اختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه، ثم قال الخطيب: وقيل: إنه يرسل الرواية عن أبي ذرّ، وعن أبي هريرة، وذكره الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" كما ذكره البخاري، وكأنه اعتمد على قوله، ونَقَلَه من تاريخه.
وقد تبع البخاري ابنُ أبي حاتم، وابن ماكولا، وأبو أحمد العسكري، وغيرهم. وفي "الثقات" لابن حبان: حرام بن حكيم المذكور في التابعين، وذكر أبو موسى المديني حرامَ بن معاوية في
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 642)
الصحابة، وأورد له حديثه المرسل، ونقل بعض الحفاظ عن الدارقطني أنه وثق حرام بن حكيم، وقد ضعفه ابن حزم في "المحلى" بغير مستند، وقال عبد الحق عقب حديثه: لا يصح هذا، وقال في موضع آخر: حرام ضعيف، فكأنه تبع ابن حزم، وأنكر عليه ذلك ابن القطان الفاسي، فقال: بل مجهول الحال، وليس كما قالوا: ثقة، كما قال العجلي وغيره. أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والباقون إلا مسلمًا(1).
5 - (نافع بن محمود بن ربيعة) ويقال: اسم جده ربيع الأنصاري المدني، نزيل بيت المقدس، ثقة(2) من [3].
روى عن عبادة بن الصامت في القراءة خلف الإمام. وعنه مكحول الشامي، وحرام بن حكيم، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: متن خبره في القراءة خلف الإمام يخالف متن خبر محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، كأنهما حديثان، وعند مكحول الخبران جميعًا عن محمود بن الربيع، وعن نافع بن محمود بن ربيعة، وعند الزهري الخبر عن محمود بن الربيع مختصر غير مستقصى. انتهى(3).--------------------------------------------
(1) "تت" جـ 2 ص 222 - 223. "تك" جـ 5 ص 517 - 525.
(2) قال عنه في "ت": مستور. قلت: الأولى توثيقه، فقد وثقه الدارقطني، وابن حبان، وابن حزم، والذهبي في الكاشف، وإنما انفرد ابن عبد البر بقوله: مجهول. فتنبه. والله تعالى أعلم.
(3) ثقات ابن حبان جـ 5 ص 47.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 643)