الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضي الله عنه تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
رجال الإسناد: سبعة
1 - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، راوية ابن المبارك ثقة [10] تقدم في 45/ 55.
2 - (عبد الله) بن المبارك بن واضح الحنظلي المروزي ثقة حجة [8] تقدم في 32/ 36.
3 - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري، نزيل اليمن ثقة ثبت [7] تقدم في 10/ 10.
4 - (الزهري) محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، أبو بكر
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 367)
المدني ثقة حجة [4] تقدم في 1/ 1.
5 - (عطاء بن يزيد الليثي) الجُندَعي -بضم الجيم، وسكون النون، وفتح الدال- أبو محمَّد المدني، نزيل الشام، عن تميم الداري، وأبي أيوب، وأبي هريرة، وعنه أبو صالح السمان، وسهيل بن أبي صالح، والزهري، وثقه النسائي قال عمرو بن علي: مات سنة 105، وقال ابن سعد سنة، 9، وقد جاوز، 80 سنة أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة من الثالثة.
6 - (حُمران بن أبان) مولى عثمان كان من النمر بن قاسط سبي بعين التمر، فابتاعه عثمان من المُسَيَّب بن نَجَبَةَ، فأعتقه.
أدرك أبا بكر، وعمر، وروى عن عثمان، ومعاوية، وعنه أبو وائل شقيق بن سلمة، وهو من أقرانه، وأبو صخرة جامع بن شداد، وعروة ابن الزبير، ومعاذ بن عبد الرحمن التيمي، وعطاء بن يزيد الليثي، وأبو التياح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وبيان بن بشر البجلي، وغيرهم. قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: حمران من تابعي أهل المدينة ومحدثيهم، وقال ابن سعد: نزل البصرة وادعى ولده في النمر بن قاسط، وكان كثير الحديث، ولم أرهم يحتجون بحديثه، وحكى قتادة أنه كان يصلي الصبح مع عثمان، فإذا أخطأ فتح عليه، وحكى الليث بن سعد أن عثمان أسرَّ إليه سرًّا، فأخبر به عبد الرحمن بن عوف، فاستأمن له عبد الرحمن عثمان، وأخبره بما أخبر به، فغضب عليه عثمان ونفاه، وذكره في تسمية عمال عثمان، فقال: وحاجبه حمران، وقال في موضع آخر: مات بعده سنة 75.
قال الحافظ: أورد ابن عبد البر نسبه إلى النمر بن قاسط، في ترجمة هشام بن عروة من التمهيد، وقال: إنه ابن عم صهيب بن سنان، يلتقي
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 368)
معه في خالد بن عبد عمرو، قال: وكان حمران أحد العلماء الجلة أهل الوجاهة والرأي والشرف، وروينا بسند صحيح عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن المسْوَر أن عثمان، مرض فكتب العهد لعبد الرحمن بن عوف، ولم يُطلع على ذلك إلا حمران، ثم أفاق عثمان، فأطلع حمرانُ عبدَ الرحمن على ذلك، فبلغ عثمان فغضب عليه فنفاه، وذكره ابن حبان في الثقات، وأرخ ابن قانع وفاته سنة 76، وابن جرير الطبري سنة، 71، أخرج له الجماعة اهـ تهذيب التهذيب، وفي "ت" ثقة من الثانية.
7 - (عثمان بن عفان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أبو عمرو المدني ذو النورين، وأمير المؤمنين، ومجهز جيش العسرة، وأحد العشرة، وأحد الستة، هاجر الهجرتين، له مائة وستة وأربعون حديثا، اتفقا على ثلاثة وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة.
وعنه أبناؤه: أبان، وسعيد، وعمرو، وأنس، ومروان بن الحكم، وخلق. غاب عن بدر لتمريض ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم، قال ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقال ابن سيرين: كان يحيى الليل كله بركعة، قتل في سابع ذي الحجة يوم الجمعة سنة خمس وثلاثين، قال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق إلى يوم القيامة، رضي الله عنه، روى له الجماعة.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين مروزين وهما شيخه، وعبد الله، ويمني وهو معمر، ومدنيين، وهم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 369)
الباقون، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم من بعض، الزهري، وعطاء، وحمران، وهي من رواية الأقران، وفيه الإخبار، والإنباء، والعنعنة، والقول.
شرح الحديث
(عن حمران) بضم الحاء المهملة وسكون الميم غير منصرف للعلمية وزيادة الألف والنون (بن أبان) اختلفوا في صرفه وعدمه، والجمهور على صرفه، فمن صرفه جعل الهمزة أصلية فوزنه فَعَال، ومن منعه جعلها زائدة فوزنه أفعل، أفاده النووي.
وفي المصباح: هو في تقدير أفعل لكنه أعل بالنقل، ولم يعتد بالعارض، فلا ينصرف، وبعض العرب يعتد بالعارض، فيصرفه، لأنه لم يبق فيه إلا العلمية، ومنهم من يقول وزنه فعال فيكون مصروفا على
قولهم اهـ باختصار.
أنه (قال: رأيت عثمان بن عفان) رضي الله عنه (توضأ) جملة حالية بتقدير "قد" عند البصريين، كما في قوله تعالى {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: آية 90] ولفظة "رأيت" بمعنى أبصرت فلذلك اكتفت بمفعول واحد، وهو عثمان (فأفرغ) أي الماء، والفاء فيه فاء التفسير والتفصيل، فإن قوله "توضأ" مجمل فصله بقوله "فأفرغ" (على يديه) أي كفيه، كما في رواية البخاري "فأفرغ على كفيه"، ويؤخذ منه الإفراغ عليهما معا، وفي رواية "أفرغ بيده اليمنى على اليسرى" قاله في المنهل جـ 2/ ص 5 (ثلاثا) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف أي إفراغا ثلاثا قاله العيني (فغسلهما) أي يديه معا على ما هو الظاهر.
ويحتمل أنه غسل كل واحدة منهما على حدة، قال ابن دقيق العيد: قوله "غسلهما" قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين، أو متفرقتين،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 370)
والفقهاء اختلفوا أيهما أفضل، قاله في المنهل جـ 2/ ص 5.
(ثم تمضمض) تقدم الكلام عليه في أول الباب، وقال في الفتح: أصل المضمضة في اللغة التحريك، ثم اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم وتحريكه، وأما معناه في الوضوء الشرعي، فأكمله أن يضع الماء في الفم ثم يديره، ثم يمجه، انتهي.
وقال في المنهل: والمبالغة فيه سنة، وأقلها أن يجعل الماء في فمه، ولا يشترط إدارته على المشهور الذي قاله الجمهور.
وقال النووي: قال جماعة من أصحابنا تشترط إدارته، قال ابن دقيق العيد: قال بعض الفقهاء: المضمضة أن يجعل الماء في فيه، ثم يمجه، فأدخل المج في حقيقة المضمضة، فعلى هذا لو ابتلع الماء لم يكن مؤديا للسنة، وهذا الذي يكثر في أفعال المتوضئين أعني الجعل والمجّ، ويمكن أن يكون ذكر ذلك بناء على أنه الأغلب والعادة، لا أنه يتوقف تأدية السنة على مجه اهـ (واستنشق) أي جعل الماء في أنفه، وجذبه بنفسه، لينزل ما فيه من الأوساخ، وليس في هذه الرواية ذكر العدد، وثبتت في رواية أبي داود وغيره.
وقال العيني: وليس في طرق هذا الحديث تقييد المضمضة، والاستنشاق بعدد غير طريق يونس، عن الزهري فيما ذكره ابن المنذر، وكذا فيما ذكره أبو داود من وجهين آخرين عن عثمان رضي الله عنه،
فإن في إحداهما، فتمضمض ثلاثا، واستنثر ثلاثا، وفي الآخر "ثم تمضمض، واستنشق ثلاثا اهـ جـ 2/ ص 300.
(ثم غسل وجهه ثلاثا) عطف بكلمة "ثم"، لأنها تقتضي الترتيب والمهلة، قاله العيني.
وحد الوجه من منابت شعر الرأس المعتاد إلى أسفل الذقن طولا،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 371)
ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضا، وغسلُهُ فرض بالنص بلا خلاف، والتثليث قام الإجماع على سنيته.
والحكمة في تأخير غسل الوجه عن المضمضة، والاستنشاق اعتبار
أوصاف الماء، لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فقدم الأقوى منها، وهو الطعم، ثم اللون، قاله اليدر العيني.
(ثم غسل يديه) وتقدم وجه العطف بثم، واليدين تثينة يد، قال في المصباح: واليد مؤنثة، وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع، ولامها محذوفة، وهي ياء، والأصل يدي، قيل: بفتح الدال، وقيل: بسكونها اهـ لكن سقط ما وراء المرفق بالنص، وقوله (اليمنى) بدل تفصيل من يديه، مؤنث اليمين ضد اليسار، وأنثه لأن اليد مؤنثة (إلى المرفق) بفتح الميم وكسر الفاء، وعكسه لغتان، وهو موصل الذراع بالعضد.
ولا خلاف في وجوب غسل اليدين للنص، والجمهور على "وجوب غسل المرفق، وخالف في ذلك زفر من الحنفية، وداود الظاهري، ويأتي تحقيق المسألة في المسائل آخر الباب إن شاء الله تعالى (ثلاثا) أي غسلا ثلاثا (ثم اليسرى مثل ذلك) أي ثلاثا (ثم مسح برأسه) بزيادة الباء، وفي رواية للبخاري "رأسه" بلا باء، وهي رواية أبي داود.
قال القرطبي: الباء للتعدية يجوز حذفها، وإثباتها، وقال في الفتح: دخلت الباء لتفيد معنى آخر، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به والمسح لغة لا يقتضي ممسوحا به، فلو قال "وامسحوا رؤسكم" لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسحوا برؤسكم الماء فهو على القلب، والتقدير امسحوا رؤسكم بالماء اهـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 372)
والمسح لغة: إمرار اليد على الشيء، قال في المصباح: مسحتُ الشيء بالماء مسحا: أمررت اليد عليه، قال أبو زيد: المسح في كلام العرب يكون مسحا، وهو إصابة الماء، ويكون غسلا يقال: مسحت يدي بالماء إذا غسلتها، وتمسحت بالماء إذا اغتسلت، فالمسح مشترك بين معنيين. اهـ بحذف.
ثم إن ظاهر الحديث: يدل على أنه مسح جميع الرأس، لأن اسم الرأس حقيقة في العضو كله وسيأتي تحقيق المسألة في المسائل الآتية آخر الباب إن شاء الله تعالى.
(ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا) والقدم مؤنثة، لذا أنث اليمنى، وتصغر على قُدَيمة وجمعها أقْدَام مثل سَبَب وأسباب، أفاده في المصباح.
قال ابن دقيق العيد: قوله: "ثلاثا"، يدل على استحباب التكرار في غسل الرجل ثلاثا، وبعض الفقهاء لا يرى هذا العدد في الرجل كما في غيرها من الأعضاء، وقد ورد في الروايات "فغسل رجليه، حتى أنقاهما" ولم يذكر عددا، فاستدل به لهذا المذهب، وأكد من جهة المعنى بأن الرجل لقربها من الأرض في المشي عليها تكثر فيها الأوساخ والأدْرَان، فيُحَال الأمر فيه على مجرد الإنقاء من غير اعتبار العدد، والرواية التي فيها ذكر العدد زائدة على الرواية التي لم يذكر فيها، فالأخذ بها متعين، والمعنى المذكور لا ينافي اعتبار العدد، فليعمل بما دل عليه لفظ الحديث اهـ إحكام الأحكام جـ 1 ص 183 - 184.
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا الذي قاله ابن دقيق العيد أخيرا نهاية التحقيق، والقول المخالف له بعيد عن الصواب سَحيق، والله أعلم.
(ثم) غسل قدمه (اليسرى مثل ذلك) أي ثلاثا (ثم قال) عثمان
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 373)
رضي الله عنه (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ) جملة حالية، لأن "رأى" بصرية كما مر (نحو وضوئي) أي مثله في الكيفيات المذكورة (ثم قال) صلى الله عليه وسلم (من توضأ نحو وضوئي هذا) قال النووي: إنما قال "نحو وضوئي" ولم يقل مثل، لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره، ورده العيني بأنه جاء في رواية البخاري في الرقاق "من توضأ مثل هذا الوضوء" وجاء في رواية مسلم أيضا "من توضأ مثل وضوئي هذا" وكل واحد من لفظ "نحو" ومثل من أدوات التشبيه، والتشبيه لا عموم له، سواء قال نحو وضوئي هذا، أو مثل وضوئي، فلا يلزم ما ذكره.
وقال الحافظ بعد ذكر الروايات التي فيها مثل: وعلى هذا فالتعبير بنحو من تصرف الرواة، لأنها تطلق على المثلية مجازا، ولأن مثل وإن كانت تقتضي المساواة ظاهرا لكنها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم
الروايتان ويكون المتروك بحيث لا يخل بالمقصود اهـ فتح جـ 1/ ص 313.
لكن رد عليه العيني قوله من تصرفات الروات، لأنه تطلق على المثلية مجازا، أنه ليس بشيء لأنه ثبت في اللغة مجيء نحو بمعنى مثل، يقال: هذا نحو ذاك: أي مثله اهـ.
وقال في المنهل: والفرق بين مثل، وبين نحو، أن مثل يقتضي ظاهرها المساواة من كل وجه إلا في الوجه الذي يقتضي التغاير بين الحقيقتين بحيث يخرجهما عن الوحدة، ونحو لا تقتضي ذلك اهـ.
(ثم صلى ركعتين) وهما مستحبتان، وقالت الشافعية: هذه الصلاة سنة مؤكدة، قاله في المنهل (لا يحدث نفسه فيهما بشيء) جملة في محل نصب صفة لركعتين، أي لا يحدث فيهما بشيء من أمور الدنيا، لما ثبت في الترمذي الحكيم "لا يحدث نفسه بشيء من الدنيا"، وأما ما يتعلق بالصلاة من أمور الآخرة كالتدبر في معاني الآيات المتلوة،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 374)
والتسابيح، فلابد منه، لأن به تمام الخشوع والثواب، وكذا ما لا يتعلق بالصلاة من أمور الآخرة، لما رُوي عن عمر أنه قال: "إني أجَهِّزُ الجيشَ، وأنا في الصلاة". ولو عرض له حديث، فأعرض عنه، فبمجرد إعراضه عفي عن ذلك، وحصلت له هذه الفضيلة، لأن هذا ليس من فعله، وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تَعرض، ولا تستقر، لما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به، أو تعمل به" اهـ المنهل.
وقال الحافظ: المراد به ما تسترسل النفس معه، ويمكن قطعه، لأن قوله "يحدث" يقتضي تكسبا منه، فأما ما يَهجُم من الخَطَرات، والوساوس، ويتعذر دفعه، فذلك معفو عنه.
ونقل القاضي عياض عن بعضهم: أن المراد من لم يحصل له حديث النفس أصلا، ورأسا، ويشهد له ما أخرجه ابن المبارك في الزهد بلفظ "لم يُسرَّ فيهما".
ورده النووي فقال: الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرة، نعم من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلا أعلى درجة بلا ريب.
ثم إن تلك الخواطر منها ما يتعلق بالدنيا، والمراد دفعه مطقا، ووقع في رواية للحكيم الترمذي في هذا الحديث "لا يحدث نفسه بشيء من الدنيا" وهي في الزهد لابن المبارك أيضا، والمصنف لابن أبي شيبة.
ومنها ما يتعلق بالآخرة فإن كان أجنبيا أشبه أحوال الدنيا، وإن كان من متعلقات تلك الصلاة فلا. اهـ فتح جـ 1/ ص 313.
وقال ابن دقيق العيد: الخواطر والوساوس الواردة على النفس قسمان:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 375)
أحدهما: ما يَهْجُم هَجْما يتعذر دفعه عن النفس.
والثاني: ما تسترسل معه النفس، ويمكنه قطعه ودفعه، فيمكن حمل الحديث على هذا، دون الأول، لعسر اعتباره، ويشهد لذلك لفظة "يحدث نفسه" فإنه يقتضي تكسبا منه، وتفعلا لهذا الحديث، ويمكن أن يُحمَل على النوعين معا، لأن العسر إنما يجب دفعه عما يتعلق بالتكاليف، والحديث إنما يقتضي ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص، فمن حصل له ذلك العمل حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا، وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه، نعم لابد أن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول، أعني الوصف المترتب عليه الثواب المخصوص، والأمر كذلك فإن المتجردين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله على قلوبهم وعمرها تحصل لهم تلك الحالة.
وحديث النفس يعم الخواطر المتعلقة بالدنيا، والخواطر المتعلقة بالآخرة، والحديث محمول والله أعلم على ما يتعلق بالدنيا، إذ لابد من حديث النفس فيما يتعلق بالآخرة، كالفكر في معاني المتلو من القرآن
العزيز، والمذكور من الدعوات والأذكار، ولا نريد بما يتعلق من أمر الآخرة كل أمر محمود، أو مندوب إليه فإن كثيرا من ذلك لا يتعلق بأمر الصلاة فإدخاله فيها أجنبي عنها، اهـ كلام ابن دقيق العيد، إحكام جـ 1 ص 189 - 192.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ، وابن دقيق العيد من أن أمور الآخرة التي لا تعلق لها بالصلاة غير داخلة فيما يستثنى من حديث النفس، بل المغتفر ما يتعلق بالصلاة فقط، فيه نظر لما تقدم من تقييد حديث النفس بأمور الدنيا في حديث الترمذي الحكيم، فتبصر. والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 376)
(غفر له) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (ما تقدم من ذنبه) والجملة خبر "مَنْ" الموصولة في قوله "من توضأ" قاله العيني.
والذنب: الإثم، فإن تُوُعِّد عليه كان كبيرا، وإلا فصغيرا، قاله في المنهل.
ثم ظاهر الحديث يعم غفران الصغائر والكبائر، لكن خصه العلماء بالصغائر لما في بعض الأحاديث من التقييد بها.
ففي صحيح مسلم عن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله" فهذا صريح في الذُّنُوب الصغائر، وحديث الباب مطلق، فحملوا المطلق على المقيد.
قال الحافظ في الفتح: هو في حق من له كبائر وصغائر، ومن ليس له إلا الصغائر كفرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه منها بقدر ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر يزاد في حسناته بنظير ذلك اهـ ومثله لابن دقيق العيد، فإن قيل: إذا كان الوضوء وحده مكفرًا للصغائر كما في حديث عثمان الآخر الذي فيه "خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره" فما الذي يكفره الوضوء مع صلاة النافلة، كما في حديث الباب، وإذا كانت هذه مكفرة أيضا، فما الذي تكفره المكتوبات؟ أجيب بأن جميع ما ذكر صالح للتكفير فإن صادف شيء منها شيئا من الذنوب المذكورة كفره، وإلا كفر بقدرها من الكبائر، فإن لم يوجد شيء من الصغائر ولا من الكبائر زيد في حسناته كما تقدم اهـ المنهل جـ 2/ ص 15.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 377)
مسائل تتعلق بحديث الباب
الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه.
الثانية: في ذكر مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف هنا عن سويد ابن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران بن أبان، عن عثمان بن عفان.
وفي الباب 94 عن أحمد بن عمرو بن السرح، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري به، وفي 96 عن أحمد بن محمَّد بن المغيرة، عن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في الطهارة الباب 25 عن عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد،، وفي 29 عن أبي اليمان، عن شعيب، وفي الصوم الباب 27 عن عبدان عن ابن
المبارك، عن معمر.
وأخرجه مسلم في الطهارة الباب 3 الحديث 1 عن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة بن يحيى كلاهما عن ابن وهب، عن يونس و 3/ 2 عن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه أربعتهم عن الزهري عنه به.
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن معمر به، قاله في تحفة الأشراف.
وأخرجه الدارقطني، والبيهقي.
المسألة الرابعة: هكذا الحديث أصل عظيم في صفة الوضوء اشتمل على مسائل كثيرة نلخصها فيما يأتي:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 378)
فمنها: قوله "فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما" يدل على مشروعية غسل الكفين، أوَّلًا قبل إدخالهما الإناء، ولو لم يكن عَقِبَ النوم، وهذا مستحب بلا خلاف، وقد استوفينا الكلام على هذه المسألة في أول هذا الشرح عند الكلام على الحديث الأول، فلنكمل ما تبقَّى، فنقول:
المسألة الخامسة: (قوله: ثم تمضمض واستنشق) فيه دلالة على مشروعية المضمضة والاستنشاق، وقد اختلف العلماء في حكمها على مذاهب:
أحدها: أنهما واجبتان في الوضوء والغسل وهو مذهب أحمد في المشهور، وإسحاق، وأبي(1) عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن أبي ليلى، وحماد بن أبي سليمان، والهادي، والقاسم، والمؤيد بالله.
قال أبو محمَّد بن حزم في المحلى: وممن صح عنهم الأمر بذلك جماعة من السلف روينا عن علي بن أبي طالب: "إذا توضأت فانثر فأذهب ما في المنخرين من الخبث"، وعن شعبة قال حماد بن أبي سليمان فيمن نسي أن يمضمض ويستنشق قال: يستقبل، وعن شعبة عن الحكم بن عتيبة فيمن صلى وقد نسي أن يمضمض ويستنشق قال: أحب إلى أن يعيد، يعني الصلاة، وعن وكيع، عن سفيان الثوري، عن
مجاهد: الاستنشاق شطر الوضوء، وعن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري عن حماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى قالا جميعا: إذا نسي المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد يعنون الصلاة، وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: من نسي المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد يعني الصلاة اهـ المحلى جـ 1/ ص 51.
الثاني: واجبتان في الغسل، دون الوضوء، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري، وزيد بن علي.--------------------------------------------
(1) لعل أبا عبيد وأبا ثور وابن المنذر لهم مذهبان لما يأتي بَعدُ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 379)
الثالث: أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضة، وهو مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، وداود، ورواية عن أحمد، قال ابن المنذر: وبه أقول.
الرابع: أنهما سنتان فيهما، وهو مذهب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والليث، والحسن البصري، والزهري، وربيعة، ويحيى ابن سعيد، وقتادة، والحكم بن عتيبة، ومحمد بن جرير الطبري، والناصر من أهل البيت.
واحتج من قال بالوجوب فيهما بأدلة:
منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم -كان يفعلهما وفعله بيان للطهارة المأمور بها، قاله في المجموع.
ومنها: حديث أبي هريرة المتفق عليه: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر".
ومنها: حديث سلمة بن قيس عند الترمذي، والنسائي بلفظ "إذا توضأت فانتثر".
ومنها: ما أخرجه أحمد، ومالك، والشافعي، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وأهل السنن الأربع من حديث لقيط بن صبرة في حديث طويل، وفيه "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" وفي رواية من هذا الحديث "إذا توضأت فمضمض" أخرجهما أبو داود وغيره.
قال الحافظ في الفتح: إن إسنادها صحيح، وقد رَدَّ الحافظ أيضا في التلخيص ما أُعِلُّ به حديثُ لقيط من أنه لم يروه عن عاصم بن لقيط بن صبرة إلا إسماعيل بن كثير، وقال: ليس بشيء لأنه روي عنه، وعن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 380)
غيره، وصححه الترمذي، والبغوي، وابن القطان، وقال النووي: هو حديث صحيح، رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة.
ومنها: حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق" رواه الدارقطني، وقال: لم يسنده عن حماد غير هدبة وداود بن المحبر، وغيرهما يرويه عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يذكر أبا هريرة،. قال المجد ابن تيمية في المنتقى: قلت: وهذا لا يضر لأن هدبة ثقة مُخَرَّجٌ عنه في الصحيحين، فيقبل رفعه، وما ينفرد به، انتهى، وقال الشوكاني في النيل: وقد ذكر هذا الحديث ابن سيد الناس في شرح الترمذي منسوبا إلى أبي هريرة، ولم يتكلم عليه، وعادته التكلم على ما فيه وهن اهـ.
ومنها: ما قدمناه عن المجموع أنهما من تمام غسل الوجه، فالأمر بغسله أمر بهما، قالوا: وهذا وإن كان مستبعدا في بادئ الرأي باعتبار أن الوجه في لغة العرب معلوم المقدار، لكن يعضد دعوى دخولهما في
الوجه أنه لا موجب للتخصيص بظاهره دون باطنه، فإن الجميع في لغة العرب يسمى وجها.
فإن قلت: قد أطلق على خرق الفم،، والأنف اسم خاص، فليسا في لغة العرب وجها، قلت: كذلك أطلق على الخدين، والجبهة، وظاهر الأنف والحاجبين، وسائر أجزاء الوجه أسماء خاصة، فلا تسمى وجها، وهذا في غاية السقوط، لاستلزامه عدم غسل الوجه.
فإن قلت: يلزم على هذا وجوب غسل باطن العين، قلت: يلزم ذلك لولا اقتصار الشارع في البيان على غسل ما عداه، وقد بَيَّنَ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نزل إلينا فداوم على المضمضة والاستنشاق، ولم يحفظ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 381)
أنه أخلَّ بهما مرة واحدة كما ذكره ابن القيم في الهدي، ولم ينقل عنه غسل باطن العين مرة واحدة، على أنه قد ذهب إلى وجوب غسل باطن العين ابن عمر، والمؤيد بالله، وروي في البحر عن الناصر والشافعي أنه يستحب، واستدل لهم بظاهر الآية اهـ نيل بتصرف.
واحتج من قال بوجوبهما في الغسل دون الوضوء: بقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: آية 6] فإنه أمر بتطهير جميع البدن إلا ما تعذر إيصال الماء إليه، وداخل الفم والأنف لا يتعذر إيصاله إليه بخلاف الوضوء، فإن الواجب فيه غسل الوجه، وهو ما تقع به المواجهة وهي فيهما منعدمة.
واستدلوا بما رواه الدارقطني عن عائشة بنت عجرد في جُنُب نسي المضمضة والاستنشاق، قالت: قال ابن عباس: يمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة.
ورواه عنها من عدة طرق، وقال: عائشة بنت عجرد لا يحتج بها اهـ ولا وجه للتفرقة بين الوضوء والغسل فيهما، فإن ما احتجوا به من الآية مجمل بُيِّنَ بنحو حديث أبي ذر الآتي، وفيه "إذا وجد الماء فليمسه بشرته" والبشرة ظاهر الجلد، فلا تشمل داخل الفم والأنف.
واحتجوا أيضا على عدم الوجوب في الوضوء بحديث "عشر من سنن المرسلين" وقد رده الحافظ في التلخيص، وقال: إنه لم يرد بلفظ "عشر من السنن" بل بلفظ من الفطرة، ولو ورد لم ينتهض دليلا على الوجوب لأن المراد به السنة: أي الطريقة، لا السنة بمعناها الاصطلاحي الأصولي، واستدلوا أيضا بحديث ابن عباس مرفوعا بلفظ "المضمضة والاستنشاق سنة" رواه الدارقطني، وهو حديث ضعيف.
وبحديث "توضأ كما أمرك الله" وليس في القرآن ذكر المضمضة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 382)
والاستنشاق.
ورد بأن الأمر بغسل الوجه أمر بهما، وبأن وجوبهما ثبت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمر منه أمر من الله بدليل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: آية 7] {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: آية 31].
قال الشوكاني: ويمكن مناقشة هذا بأنه إنما يتم لو أحاله فقط كما وقع لابن دقيق العيد، وغيره، وأما بالنظر إلى تمام الحديث وهو "فاغسل وجهك، ويديك، وامسح رأسك، واغسل رجليك" فيصير نصا على أن المراد كما أمرك الله في خصوص آية الوضوء، لا في عموم القرآن، فلا يكون أمره صلى الله عليه وسلم بالمضمضة داخلا تحت قوله للأعرابي "كما أمرك الله" فيقتصر في الجواب على أنه قد صح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما، والواجب الأخذ بما صح عنه، ولا يكون الاقتصار على البعض في مبادئ التعليم ونحوها موجبا لصرف ما ورد بعده وإخراجه عن الوجوب، وإلا لزم قصر واجبات الشريعة بأسرها على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة مثلا، لاقتصاره على ذلك المقدار في تعليمه، وهذا خرق للإجماع، واطِّرَاح لأكثر الأحكام الشرعية، اهـ ما قاله الشوكاني.
واحتج من قال بوجوب الاستنشاق دون المضمضة بما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر" وبما رواه الدارقطني عن ابن سيرين قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستنشاق في الجنابة ثلاثا" وقالوا: إن المضمضة ثابتة بفعله صلى الله عليه وسلم لا بأمره، بخلاف الاستنشاق فإنه ثابت بهما، وفعله لا يفيد الوجوب، وفي قولهم هذا نظر، فقد روى الدارقطني عن عائشة، وسليمان بن موسى، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من توضأ فليتمضمض وليستنشق" فلا وجه للتفرقة، قاله في المنهل جـ 2/ ص 6.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 383)
واحتج من قال بسنيتهما في الغسل والوضوء بقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} وقوله {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: آية 6] والوجه عند العرب ما حصلت به المواجهة، وبقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر، وقد سأله عن الجنابة تصيبه، ولا يجد الماء "الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإن وجد الماء فليمسه بشرته" حديث صحيح، قال أهل اللغة: البشرة ظاهر الجلد، وأما باطنه فأدَمَة بفتح الهمزة والدال.
واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" وهو صحيح وقد سبق الجواب عنه.
قال الجامع عفا الله عنه:
إذا علمت هذا كله، فالذي يترجح عندي، قول من قال بوجوبهما، فيهما، وهو الذي رجحه الشوكاني في النيل، قال: وقد اعترف جماعة من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق، والاستنثار، قال الحافظ في الفتح: وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا بكونه لا يعلم خلافا في أن تاركه لا يعيد، وهذا دليل فقهي، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين، إلا عن عطاء.
قال الجامع: وقد مر عن ابن حزم أنه نقل عن مجاهد أنه قال: الاستنشاق شطر الوضوء، وعن حماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى والزهري، من نسي المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد الصلاة، فظهر بهذا أن عطاء ليس منفردا به والله أعلم.
قال الشوكاني: وذكر ابن سيد الناس في شرح الترمذي بعد أن ساق حديث لقيط بن صبرة، ما لفظه: وقال أبو بشر الدولابي فيما جمعه من
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 384)
حديث الثوري: حدثنا محمَّد بن بشار، أخبرنا ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن عاصم بن لقيط، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق، إلا أن تكون صائما"، قال أبو الحسين(1) بن القطان: وهذا صحيح، فهذا أمرصحيح صريح، وانضم إليه مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم فثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا مع المواظبة في الفعل انتهى.
ومن جملة ما أورده في شرح الترمذي من الأدلة القاضية بوجوبها حديث عائشة عند البيهقي بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه" وقد ضعف بمحمد بن الأزهر الجوزجاني.
وقد رواه البيهقي لا من طريقه: فرواه عن أبي سعد أحمد بن محمَّد الصوفي، عن ابن عدي الحافظ، عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث، عن الحسين بن علي بن مهران، عن عصام بن يوسف، عن ابن المبارك، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة عنها اهـ نيل جـ 1/ ص 214.
قال الجامع:
لكن نقل البيهقي عن أبي بكر الفقيه عن علي هو ابن عمر الدارقطني الحافظ أنه قال: تفرد به عصام، ووهم فيه، والصواب عن ابن جريج عن سلميان بن موسى، مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والحاصل أن أدلة القائلين بالوجوب واضحة، فوجب القول به، والله أعلم.
المسألة السادسة: قوله "ثم غسل وجهه ثلاثا" فيه دليل على مشروعية غسل الوجه.--------------------------------------------
(1) لعله أبو الحسن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 385)
قال العلامة ابن رشد في كتابه بداية المجتهد: اتفق العلماء على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء لقوله تعالى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: آية 6] واختلفوا في ثلاثة مواضع: في غسل البياض الذي بين العذار والأذن، وفي غسل ما انسدل من اللحية، وفي تخليل اللحية، فالمشهور من مذهب مالك أنه ليس البياض الذي بين العذار والأذن من الوجه، وقد قيل في المذهب بالفرق بين الأمرد والملتحي، فيكون في المذهب ثلاثة أقوال.
وقال أبو حنيفة والشافعي: هو من الوجه.
وأما ما انسدل من اللحية فذهب مالك إلى وجوب إمرار الماء عليه، ولم يوجبه أبو حنيفة، ولا الشافعي في أحد قوليه، وسبب اختلافهم في هاتين المسألتين هو خفاء تناول اسم الوجه لهذين الموضعين، أعني هل يتناولهما أو لا يتناولهما؟ وأما تخليل اللحية: فمذهب مالك أنه ليس واجبا، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في الوضوء، وأوجبه ابن عبد الحكم من أصحاب مالك.
وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة الآثار التي ورد فيها الأمر بتخليل اللحية، والأكثر على أنها غير صحيحة، مع أن الآثار الصحاح التي ورد فيها صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام ليس في شيء منها التخليل اهـ بداية جـ 1/ ص 11.
قال الجامع: سيأتي الكلام على أحاديث التخليل إن شاء الله تعالى.
وقال النووي رحمه الله: غسل الوجه واجب في الوضوء بالكتاب والسنن المتظاهرة والإجماع اهـ المجموع جـ 1/ ص 371.
وقال في المسألة الأولى، وهي مسألة البياض الذي بين العذار والأذن: كونه من الوجه هو مذهب الشافعي، وحكاه أصحاب الشافعي
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 386)