يروى هذا الا من حديث أبي قيس، قال: أبَى عبدُ الرحمن بن مهدي أن يحدث به، يقول: هو منكر، وقال علي بن المديني: حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة، إلا أنه قال: "ومسح على الجوربين"، وخالف الناس، وقال الفضل بن عتبان: سألت يحيى ابن معين عن هذا الحديث؟
فقال: الناس كلهم يروونه: عَلَى الخفين، غير أبي قيس، قال ابن المنذر: يُرْوَى المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: علي، وعمار، وأبي مسعود الأنصاري، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد. وزاد أبو داود: وأبو أمامة، وعمرو بن حريث، وعمر وابن عباس، فهولاء ثلاثة عشر صحابيا.
والعمدة في الجواز على هؤلاء، رضي الله عنهم، لا على حديث أبي قيس. مع أن المنازعين في المسح متناقضون، فإنهم لو كان هذا الحديث في جانبهم لقالوا: هذه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا يلتفتون إلى ما ذكروه هنا من تفرد أبي قيس، فهذا كان الحديث مخالفا لهم أعلوه بتفرد روايه، ولم يقولوا زيادة الثقة مقبولة، كما هو موجود في تصرفاتهم.
والإنصاف: أن تكتال لمنازعك بالصاع الذي تكتال به لنفسك، فإن في كل شيء وفاء وتطفيفا، ونحن لا نرضى هذه الطريقة، ولا نعتمد على حديث أبي قيس وقد نص أحمد على جواز المسح على الجوربين، وعلل رواية أبي قيس. وهذا من إنصافه، وعدله رحمه الله، وإنما عمدته، هؤلاء الصحابة، وصريح القياس، فإنه لا يظهر بين الجوربين
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 176)
والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه.
هذا نص كلام ابن القيم رحمه الله. ونحن(1) نخالفه في تعليل حديث أبي قيس عن هزيل. لأن رواية أصحاب المغيرة في هذا الحديث المسح على الخفين لا تنفي صحة رواية هزيل بن شرحبيل عنه المسح على الجوربين.
فهذه واقعة، وهذه واقعة.
وقد قلت في شرحي للترمذي ج 1 ص 168: الصواب صنيع الترمذي في تصحيح هذا الحديث، وهو حديث آخر غير حديث المسح على الخفين وقد روى الناس عن المغيرة أحاديث المسح في الوضوء، فمنهم من روى المسح على الخفين، ومنهم من روى المسح على العمامة، ومنهم من
روى المسح على الجوربين.
وليس شَيءٌ منها بمخالف للآخر، إذ هي أحاديث متعددة، وروايات عن حوادث مختلفة، والمغيرة صحب النبي صلى الله عليه وسلم نحو خمس سنين، فمن المعقول أن يشهد من النبي صلى الله عليه وسلم وقائع متعددة في وضوئه، ويحكيها، فيسمع بعض الرواة منه شيئا، ويسمع غيره شيئا آخر. وهذا واضح بديهي.
وأزيد على ذلك: أن العلماء جمعوا بين الأحاديث التي صحت في صفة صلاة الكسوف على أوجه متعددة بأن هذا اختلاف وقائع، لا اختلاف رواية.
مع علمهم بأن وقوع الكسوف والخسوف قليل. فأولى أن يجمع بذلك في صفة الوضوء الذي يتكرر كل يوم مرارا. كما هو بديهي.--------------------------------------------
(1) هذا من كلام العلامة أحمد شاكر.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 177)
وقد تكلف العلامة المباركفوري في شرحه للترمذي (ج 1 ص 100، 102) في تضعيف هذا الحديث تكلفًا شديدًا، ويراه المنصف المدقق غير سديد.
ومن أعجب ما صنع أنه رد على القائلين بأن رواية هزيل هذه زيادة من ثقه، فتقبل فقال: فيه نظر، فإن الناس كلهم رووه عن المغيرة بلفظ.
"مسح على الخفين" وأبو قيس يخالفهم جميعا، فيروي، عن هزيل، عن المغيرة بلفظ "مسح على الجوربين والنعلين"، فلم يزد على ما رووا بل خالف ما رووا، نعم لو روى بلفظ: "مسح على الخفين والجوربين والنعلين"، لصح أن يقال: إنه روى أمرا زائدا، هكذا قال، وهي انتقال نظر، فليس المراد أنه روى زيادة في لفظ الحديث، بل أراد القائلون بأنها زيادة: أنه روى حكما آخر زائدا علي ما رواه غيره، فَرَوَوْا هم المسح على الخفين، وروى هو المسح على الجوربين ولم ينف رواية المسح على الخفين، فروايته على الحقيقة زيادة على روايات غيره. وهذا واضح.
ثم إن الحكم على رواية هذا الحديث بتخطئة الرواة الثقات حكم دون دليل كما بينا، وقد تابعه على روايته هذه عمل الصحابة الذين حكى ابن القيم الحجة بعملهم. فهو لم يرو حكما شاذا مخالفا لم يقل به أحد، بل روى عملا ثبت أن الصحابة هؤلاء عملوا به، وأخذوا بحكمه.
3 - وأما حديث أبي موسى الأشعري: فهو في سنن ابن ماجه، برقم 560، (طبعة فؤاد عبد الباقي) وقد أعلوه بعلتين:
أولاهما: أن راويه عيسى بن سنان الحنفي الفلسطيني ضعفه أحمد، وابن معين، وغيرهما. ولكن ذكره ابن حبان في الثقات، فمثل هذا يحتمل ضعفه، ويكون أقرب إلى الحسن منه إلى الضعف خصوصا، وأن البخاري سكت عن هذا الحديث، ولو كان ضعيفا عنده لأبان عن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 178)
ذلك كما سيأتي. وثانيهما: أن التابعي راويه عن أبي موسى، وهو الضحاك بن عثمان بن عرزب لم يسمع من أبي موسى. وهذه دعوى عريضة، ذكرها ابن أبي حاتم، عن أبيه، في ترجمة الضحاك هذا 2/ 1/ 459، فقال: روى عن أبي موسى الأشعري مرسل. ولكن البخاري وهو الحجة في هذا ترجمه في الكبير 2/ 2/ 334، وقال: سمع من أبي موسى. ثم أشار إلى هذا الحديث في ترجمته، إشارته الموجزة كعادته وسكت عنه، ولم يذكر له علة. فدل على أنه حديث مقبول عنده على الأقل.
وبعد فإن هناك حديثا آخر عن أنس بن مالك صريح الدلالة صحيح الإسناد: فروى الدُّولابي في الكنى والأسماء (ج 1 ص 181)، قال: أخبرني أحمد بن شعيب، عن عمرو بن علي، قال: أخبرني سهل بن زياد أبو زياد الطحان، قال: حدثنا الأزرق بن قيس، قال: "رأيت أنس ابن مالك أحدث، فغسل وجهه ويديه، ومسح على جوربين من صوف، فقلت: أتمسح عليهما؟ فقال: إنهما خفان، ولكنهما من صوف".
وهذا إسناد صحيح أحمد بن شعيب: هو النسائي الحافظ صاحب السنن: عمرو بن علي: هو الفلاس، الحافظ الحجة. أبو زياد سهل ابن زياد الطحان ثقة ترجمه البخاري في الكبير 2/ 2/ 103، 104 وابن حاتم في الجرح والتعديل 2/ 1/ 197 فلم يذكرا فيه جرحا، فهو ثقة عندهما.
وذكره ابن حبان في الثقات، في لسان الميزان ج 3 ص 118.
وذكر أن الأزدي قال فيه: منكر الحديث، دون بيان سبب الجرح، والأزدي ينفرد بجرح كثير من الثقات، فلا يؤبه لتجريحه إذا تفرد به،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 179)
والأزرق بن قيس: تابعي ثقة مأمون مترجم في التهذيب.
وهذا الحديث موقوف على أنس، من فعله، وقوله، ولكن وجه الحجة فيه أنه لم يكتف بالفعل، بل صرح بأن الجوربين (خفان، ولكنهما من صوف)
وأنس بن مالك صحابي من أهل اللغة، قبل دخول العُجْمَة واختلاط الألسنة فهو يبين أن معنى الخف أعم من أن يكون من الجلد وحده، وأنه يشمل كل ما يستر القدم ويمنع وصول(1) الماء إليها إذ أن الخفاف كانت في الأغلب من الجلد. فأبان أنس أن هذا الغالب ليس حصرا للخف في أن يكون من الجلد، وأزال الوهم الذي قد يدخل على الناس من واقع الأمر في الخفاف إذ ذاك ولم يأت دليل من الشارع يدل على حصر الخفاف في التي تكون من الجلد فقط.
وقول أنس في هذا أقوى حجة ألف مرة من أن يقول مثله مؤلف من مؤلفي اللغة كالخليل، والأزهري، والجوهري، وابن سيدَهْ، وأضرابهم، لأنهم ناقلون للغة، وأكثر نقلهم يكون من غير إسناد، ومع ذلك يحتج بهم العلماء. فأولى، ثم أولى إذا جاء التفسير اللغوي من مصدر أصلي من مصادر اللغة، وهو الصحابي العربي من الصدر الأول، بإسناد صحيح إليه.
وقد أشار الإمام ابن القيم إلى مثل هذا المعنى إن لم يكن صريحا تماما--------------------------------------------
(1) قال العلامة الألباني قلت: لعل هذا القول سبق قلم من العلامة أحمد شاكر رحمه الله، فإنه ليس في أثر أنس المذكور هذا القيد أو الشرط، بل هو أعم من ذلك، بدليل أن الصوف لا يمنع وصول الماء إلى القدم كما هو معلوم بالتجربة فأرى أن الصواب حذف هذا القول من سياق كلام العلامة رحمه الله، لأنه لا دليل عليه كما سبق، ولانه أليق بموضرع رسالة العلامة القاسمي رحمه الله تعالى الذي اختار جواز المسح على الجورب الرقيق وهو الحق وهذا القول ينافيه كما لا يخفى.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 180)
فيما نقلنا عنه آنفا من قوله: وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس: فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه. فجعل ابن القيم أن الجوربين مقيسان على الخفين قياسًا جليا من غير فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه. ولكن المعنى في حديث أنس أدق. فليس الأمر قياسا للجوربين على الخفين، بل هو أن الجوربين داخلان في مدلول كلمة (الخفين) بدلالة الوضع اللغوي للألفاظ علي المعاني. والخفان ليس علهيما موضع خلاف، فالجوربان من مدلول كلمة (الخفين) فيدخلان فيهما بالدلالة الوضعية اللغوية، وقد ثبت من غير وجه عن أنس: أنه مسح على الجوربين. فهو يؤيد رواية الدولابي التي ذكرها، وانظر المحلى لابن حزم بتحقيقنا. ج 2 ص
84، 85. والحمد لله رب العالمين اهـ تقديم العلامة أحمد شاكر لرسالة القاسمي ص 4، 15.
نص رسالة العلامة جمال الدين القاسمي، رحمه الله
قال رحمه الله بعد خطبة بَيَّن فيها سبب تأليفه لهذه الرسالة ما نصه:
بيان أن مرد الأحكام الشرعية إلى الكتاب الكريم لأنه أصل الأصول.
اعلم أن أصل كل حكم شرعي هو الكتاب الكريم لأنه أصل الأصول، ومأخذ المآخذ، وكلي الكليات، فلا يمكن لحكم ما من الأحكام الشرعية إلا وأن يرجع إليه، ويصدر منه، حتى إن السنة النبوية أصلها كتاب الله تعالى؛ لأنها تفصيل لمجمله، وإيضاح لمبهمه، وطريق من طرق الإستنباط منه، لكل سنة بحث عن أصلها باحث خبير فإنه يجدها في كتاب الله تعالى، مدلولا عليها إما من نص آية أو ظاهرها، أو مفهومها أو إشارتها، أو عمومها، إلى غير ذلك من وجوه الاستنباط التي يعلمها
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 181)
المجتهد، يذكر بعضها في فن الأصول.
إذا علمت ذلك فمسألتنا هذه مسألة المسح على الجوربين أصلها في الكتاب الكريم إما من عموم المسح في آية الوضوء، وإما من عمومات أخَر.
فأما العموم الأول: فسنده قراءة الجر في قوله تعالى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] فإن ظاهرها أن الفرض في الرجلين هو المسح، كما روى ذلك عن ابن عباس، وأنس، وعكرمة، والشعبي وقتادة، وجعفر الصادق، وعلماء سلالته رضي الله عنهم أجمعين، فعلى مذهب هؤلاء الأئمة يكون مفاد الآية وجوب المسح على الرجلين مباشرة أو بما عليها من خف، أو جورب، أو تساخين، فيظهر كون الآية مَأخَذًا للسنة على هذه القراءة.
وأما على قول الجمهور: إن فرض الرجلين هو الغسل. وصرف قراءة الجر إلى قراءة النصب بالأوجه المعروفة في مواضعها فيكون مأخذ مسح الجوربين من الكتاب العزيز عمومات أخر في آياته مثل {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] وآية {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] وآية {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31] وآية {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} ونظائرها مما لا يحصى، وقد تعدد وجوه الاستنباط، ويترجح بعضها بقوة التفرع والارتباط ولا يخفى وجوه الترجيح على الراسخين، والله الموفق والمعين
بيان الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الجوربين والتساخين:
اعلم أن أحاديث هذا الباب منها ما يستفاد جواز المسح على الجوربين من عمومه، ومنها ما يستفاد من خصوصه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 182)
فمن النوع الأول، وهو ما يستفاد من عمومه وإطلاقه جواز السح على الجوربين حديث ثوبان رضي الله عنه.
قال الإمام أحمد رحمه الله في مسنده: في مسند ثوبان رضي الله عنه: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا علي العصائب والتساخين" رواه أبو داود في سننه.
قال العلامة ابن الأثير في النهاية (العصائب) هى العمائم لأن الرأس يعصب بها، والتساخين كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما، ولا واحد لهما من لفظهما.
أقول(1) رجال الحديث ثقات مرضيون، كما يعلم من مراجعة أسمائهم من كتب الرجال.
ومن النوع الثاني: وهو ما ورد نصا في الجوربين: حديثا المغيرة، وأبي موسى. فأما حديث المغيرة: فرواه الإمام أحمد في مسنده في مسند الكوفيين في حديث المغيرة بن شعبة قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل(2) بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح علي الجوربين والنعلين" ورواه أبو داود في سننه في باب المسح علي الجوربين، وأخرجه الترمذي وابن ماجه كلاهما في باب المسح على الجوربين، والنعلين.
وأما حديث أبي موسى: فرواه ابن ماجه في سننه قال: حدثنا محمَّد ابن يحيى، حدثنا معلي بن منصور، وبشر بن آدم، حدثنا عيسى بن--------------------------------------------
(1) القائل هو القاسمي.
(2) بالزاي كزبير: تابعي أدرك الجاهلية. اهـ ق.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 183)
يونس، عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب(1) عن أبي موسى الأشعري "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين".
ذكر ما ورد على هذه الأحاديث الثلاثة من الشبه، والجواب عنها
الشبهة الأولى:
قالوا: في إسناد حديث ثوبان الأول راشد بن سعد عن ثوبان، وقد قال الخلال في علله: إن أحمد بن حنبل قال: لا ينبغي أن يكون راشد ابن سعد سمع من ثوبان؛ لأنه مات قديما اهـ. أي فيكون معللا
بالانقطاع، لسقوط راو بين راشد وثوبان.
والجواب: أن هذا إنما يتأتي على مذهب من يشترط في الاتصال ثبوت السماع، وقد أنكر الإمام مسلم ذلك في مقدمة صحيحة إنكارا شديدا، ورأى أنه قول مخترع وأن المتفق عليه أن يكفي للإتصال إمكان(2) اللقاء والسماع، وعليه فالانقطاع في الحديث غير مقطوع به، ويرجع الأمر إلى رجال سنده، فإذا كان رجاله ثقات كان صحيحا، أو--------------------------------------------
(1) براء ثم زاي كجعفر، تابعي. اهـ ق.
(2) قال العلامة الألباني: وهذا الإمكان متحقق، فقد ذكر البخاري أن راشد بن سعد شهد صفين مع معاوية، ومن المعلوم أن وقعة صفين كانت سنة 36 ووفاة ثوبان سنة 54 فقد عاصره 18 سنة وإذا تذكرنا أن العلماء وثقوه دون خلاف يذكر، وأنه لم يرم بالتدليس، ينتج من ذلك أن الإسناد متصل، وأن إعلاله بالإنقطاع مردود لأنه قائم على مذهب من يشترط في الإتصال ثبوت السماع. وهو مرجوح كما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى ومما يقوي ما ذكر أن البخاري أثبت سماع راشد من ثوبان كما تقدم في كلام أحمد شاكر رحمه الله تعالى، وذلك دليل قاطع على لقيه إياه؛ لأن البخاري رحمه الله تعالى، من القائلين بإشتراط ثبوت (*) السماع في الإتصال وأنه لا تكفي فيه المعاصرة، فتأمل. اهـ كلام الألباني.
(*) الصواب ثبوت اللقاء.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 184)
حسنًا جيدًا صالحًا للاحتجاج به، ولذا أخرجه الإمام أحمد في مسنده معولا على الاحتجاج به وتبليغه سنة يعمل بها. وخرجه أيضا أبو داود وسكت عليه، وما سكت عليه فهو صالح للاستدلال به، إذ لا جرح في رواته ولا علة ظاهرة فيه فاستوفَى شروط الحسن. والحسن كالصحيح في الاحتجاج به، والعمل بما فيه. وبالجملة فقصارى أمر هذا الحديث أن يكون حسنا وصالحا ويكفي ذلك. على أن مجرد الإنقطاع ليس قادحا، فقد وقع في مسلم بضعة عشر حديثا منقطعة، وإن تبين وصلها من وجه آخر؛ لأن مقطوع الثقة ليس كغيره، ولذلك قبل من المراسيل مراسيل الثقات، كما تقرر في موضعه.
وتسميتنا لذلك بالحسن جري على قول بعضهم كما في التدريب إن الحسن هو الذي فيه ضعف قريب محتمل. وعلى قول البغوي: إن ما في السنن من الحسان فإن هذين القولين متجهان فيما نراه، وإن اشتهر تفسير الحسن بغيرهما.
قال الإمام النووي في التقريب: وقد جاء عن أبي داود أنه يذكر في سننه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينه، وما لم يذكر فيه شيئا فهو صالح. قال النووي: فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مطلقا ولم يصححه غيره ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود لأن الصالح للاحتجاج لا يخرج عنهما، بل قال ابن رشيد: إن ما سكت عليه أبو داود قد يكون عنده صحيحا، وإن لم يكن كذلك عند غيره. انظر التدريب.
وبعد فإن رجال حديث ثوبان كلهم ثقات مرضيون كما يعلم من مراجعة أسمائهم من طبقات الرجال. وقد عرفت الجواب عن شبهة الانقطاع فيه، فقوي، وحسن، وصلح للاحتجاج به. والحمد لله.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 185)
الشبهة الثانية:
بحث بعضهم بأن الدليل من هذا الحديث أخص من الدعوى؛ لأن الحديث يدل على جواز المسح على التساخين في حالة البرد خاصة؛ لأنه جواب السائل في تلك الحالة.
والجواب:
أنه تقرر في الأصول أن اللفظ العام على سبب خاص يحمل على عمومه، ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه، قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي: والدليل عليه هو أن الحجة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم دون السبب، فوجب أن يعتبر عمومه.
وحاصل القاعدة في هذا أن اللفظ الذي يستقل بنفسه يعتبر حكمه، فإن كان خاصا حمل على خصوصه، وإن كان عاما حمل على عمومه، ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه. وما يقال في العام يقال في المطلق، لاشتراكهما في الأحكام، كما تقرر في الأصول، وتقرر أيضا أن ترك الاستفصال في حكايته الحال، ينزل منزلة العموم في المقال. ولا يقال: إن الفعل المثبت لا عموم له كما أطلقه الأصوليون؛ لأنه يقال: إن إطلاقهم مقيد بغير نحو أمر أو نهى؛ لأن هذا ليس حكايته لفعله حتى يقال: إنه لم يقع إلا على صفة واحدة، بل حكايته لصدور أمر بشيء، أو نهي عنه عاما في أقسامه البتة كما اختاره ابن الحاجب، وبسطه في المطولات.
ثم إن ما ورد من مسحه صلى الله عليه وسلم على الجوربين، وهما من التساخين غير مقيد بحالة لا أمرا منه ولا فعلا، وكذا ما صح من مسحه صلوات الله عليه في الوضوء على عمامته، وهي من العصائب غير مقيد بحالة دون أخرى، وسيأتي مزيد لهذا البحث إن شاء الله.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 186)
الشبهة الثالثة:
في حديث المغيرة الثاني قالوا: إن فيه شذوذا، بيانه أن المروزي قال إن الإمام أحمد ذكر أبا قيس أحد رواته فقال: ليس به بأس أنكروا عليه حديثين: حديث المغيرة في المسح، فأما ابن مهدي فأبى أن يحدث به.
وأما وكيع فحدث به. وقال أبو داود في سننه: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين" اهـ. قال السندي: فكان يراه ضعيفا شاذا، والشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه.
والجواب: من وجوه:
الأول: أن تضعيفه بما ذكر يعارضه تصحيح الترمذي له، فقد قال بعد تخريجه له في سننه هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم. وتصحيح الترمذي مقدم على تضعيف غيره؛ لأن الترمذي من الطبقة التي تأخرت عن تلك، ووقفت على كل ما قيل فيه، ورأت أن الحق في تصحيحه، وكذا صححه ابن حبان، وهو ممن استقرأ وسبر أيضا(1).
الثاني: قال العلامة المحقق علاء الدين المارديني في رد قول البيهقي أبو قيس الأودي، وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان مع مخالفتها الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: "مسح على الخفين" ما مثاله:--------------------------------------------
(1) قال المحدث العلامة ناصر الدين الألباني حفظه الله: قلت هذا الوجه لا يستقيم إلا لو كان الترمذي وابن حبان من الأئمة المتثبتين في التصحيح مثل الإمام أحمد ومسلم وغيرهما ممن ضعفوا الحديث، ففي هذه الحالة تصح المعارضة، ويسلم الجواب من الإعتراض لتأخر الترمذي عنهم. لكنهما متساهلان فلا يعتمد عليهما، فالجواب ضعيف، لكن الحديث صحيح الإسناد وما أعلوه به مردود كما تقدم في بيان الشيخ أحمد شاكر، فقد أجاد كل الإجادة. اهـ كلام الألباني بإختصار. ص 30.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 187)
هذا الخبر أخرجه أبو داود وسكت عنه، وصححه ابن حبان، وقال الترمذي حسن صحيح، وأبو قيس عبد الرحمن بن ثروان وثقه ابن معين وقال العجلي: ثقة ثبت، وهزيل وثقة العجلي، وأخرج لهما معا البخاري في صحيحه، ثم إنهما لم يخالفا الناس مخالفة معارضة بل رويا أمرا زائدا على ما رووه بطريق مستقل غير معارض، فيحمل على أنهما حديثان، ولهذا صُحِّحَ الحديثُ كما مر اهـ.
وهكذا قال شيخ الإسلام الشيخ منصور الحنبلي في شرح الإقناع: وتكلم بعضهم في الحديث أي حديث المغيرة، لأن المعروف عن المغيرة "الخفين" قال في المبدع: وهذا لا يصلح مانعا لجواز رواية اللفظين فيصح المسح على ما تقدم أي الجوربين. وكذا قال العلامة ملاّ على القاري في شرح المشكاة: قيل: المعروف من رواية المغيرة المسح على الخفين. وأجيب بأنه لا مانع من أن يروي المغيرة اللفظين وقد عضده فعل الصحابة اهـ وسيأتي تسميتهم وبلوغ ستة عشر صحابيا.
الثالث: وهو جوابنا عن دعوى شذوذه علما أن الشذوذ مختلف في معناه، وأنه ليس بعلة على الإطلاق ولا بمتفق عليها.
توضيحه: أن السيوطي قال في التدريب في شرح قول النووي في حد الصحيح وهو ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة ما مثاله: قيل لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال: أحدها: مخالفة الثقة لأرجح منه. والثاني: تفرد الثقة مطلقا. والثالث: تفرد الراوي مطلقا قال ورد الأخيرين فالظاهر أنه أراد هنا الأول.
قال شيخ(1) الإسلام: وهو مشكل لأن الإسناد إذا كان متصلا--------------------------------------------
(1) يريد الحافظ ابن حجر العسقلاني.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 188)
ورواته كلهم عدولا ضابطين فقد انتفت عنه العلل الظاهرة ثم إذا انتفى كونه معلولا فما المانع من الحكم بصحته؟ فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه، أو أكثر عددا، لا يستلزم الضعف، بل يكون من باب صحيح وأصح. قال: ولم أر مع ذلك من أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة.
وقال الإمام النووي في بحث الشاذ فإن لم يخالف الراوي بتفرده غيره وإنما روى أمرًا لم يروه غيره، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بضبطه كان تفرده صحيحا وإن لم يوثق بحفظه، ولم يبعد عن درجة الضابط كان ما انفرد به حسنا، وإن بَعْدُ كان شاذًا منكرًا مردودًا. اهـ.
وبه يعلم أن الشذوذ ليس علة قادحة في صحة المروي، بل هي على هذا التفصيل، وإن كان عدلا، حافظا موثوقا بضبطه، كان تفرده صحيحًا.
وممن اعترض جعل الشذوذ قادحا في صحة الحديث الإمام ابن دقيق العيد، فقد قال العراقي: أما السلامة من الشذوذ والعلة فقال ابن دقيق العيد في الاقتراح: إن أصحاب الحديث زادوا ذلك في حد الصحيح، قال وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون لا تجري على أصول الفقهاء، وقال ابن الصلاح: وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعضها. اهـ.
فأفاد أن اشتراط السلامة من الشذوذ ليس بمتفق عليه، بل هو مختلف فيه، ولذا حدّ الإمام الخطابي الصحيح بأنه: ما اتصل سنده وعدلت نقلته. قال العراقي: فلم يشترط ضبط الراوي، ولا السلامة من الشذوذ والعلة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 189)
وحكى أن مثل هذه الشروط مردها إلى اجتهاد المجتهدين في تحري المأثور، ولذلك تفاوتت مستنداتهم ومخرجاتهم بتفاوت شروطهم.
كما بسطناه في مقدمة كتاب حياة البخاري، وكل ما يبحث عن تصحيحه باعتبار السند وقواعد المصطلح فذاك من حيث رعاية صحته سندا، وأما من حيث تصحيحه باعتبار أمر أجنبي عنه، وهو المسمى بالصحيح لغيره، فذاك نوع آخر على ما سيأتي بيانه.
الشبهة الرابعة:
قول الإمام النووي في شرح المهذب: واحتج أصحابنا بأنه لا يمكن متابعة المشي عليه فلم يجز كالخرقة قال: والجواب عن حديث المغيرة من أوجه: أحدها أنه ضعيف ضعفه الحفاظ، وقد ضعفه البيهقي، ونقل تضعيفه عن سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، ومسلم بن الحجاج، وهؤلاء هم أعلام أئمة الحديث، وإن كان الترمذي قال: حديث حسن صحيح فهؤلاء مقدمون عليه، بل كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة.
الثاني: أنه لو صح يحمل على الذي يمكن متابعة المشي عليه جمعا بين الأدلة، وليس في اللفظ عموم يتعلق به.
الثالث: حكاه البيهقي رحمه الله عن الأستاذ أبي الوليد النيسابوري أنه حمله على أنه مسح على جوربين منعلين، لا أنه جورب منفرد ونعل منفردة فكأنه قال: مسح على جوربيه المنعلين. اهـ.
والجواب عن ذلك: أما قول الإمام النووي: واحتج أصحابنا بأنه لا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 190)
يمكن متابعة المشي عليه: فهذا قد يراه المقلد حجة، أما المحدث والأصولي فعنده الحجة الكتاب والسنة وما رجع إليهما من بقية الأدله، وقانون المناظرة يقضي بأن يدفع القوي بالأقوي، والحديث بمثله أو بآية، لا برأي، أو قياس، وإلا فيكون ذهابًا إلى ما رمي به أهل الرأي، وليس ثمة في الباب آية ترد هذا الحديث، ولا حديث يرده، لا بل ثمة ما يؤيده من الكتاب والسنة كما مر، وهذا هو الحجة المعروفة في الأصول.
وأما قوله: إنه ضعيف ضعفه الحفاظ، ثم نقل تضعيفه عمن ذكره، فجوابه ما قدمناه قبل في الوجه الثالث من درء الشبهة الثالثة من معارضة ذلك بتصحيح من صححه على أن سند تضعيفه هو دعوى شذوذه، وقد أوضحنا أن الشذوذ ليس علة مضعفة على إطلاقها، بل من كان عدلا ضابطا كان تفرده صحيحا، لا سيما وقد عضده ما رُوي بمعناه من حديث التساخين المتقدم، وما قواه من عمل الصحابة كما سيأتي.
ولذا صححه الإمام الترمذي، ولا يخفى أن المضعفين له مهما كثروا فإن حجة تضعيفهم شذوذه، وقد عرفت ما فيها. فليس المقام مقام ترجيح بالكثرة والقلة، بل المقام مقام استدلال، واحتجاج، وانطباق على القواعد المرعية، وإلا فإن الكثرة ليست من الحجج والبراهين المعروفة، ولذا قال الأصوليون في بحث خبر الآحاد: إن عمل أكثر بخلافه، أي بخلاف خبر الآحاد لا يمنع وجوب العمل به؛ لأن عمل
الأكثر ليس بحجة، وعللوه بأن الحجة هي الإجماع، وعمل الأكثر ليس بإجماع؛ لأن الإجماع اتفاق مجتهدي الأمة بخلاف خبر الواحد فإنه حجة بنفسه.
على أنا لو أردنا أن نكاثر من ضعفه لكاثرنا بأضعاف ما عنده، فإن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 191)
المسح على الجوربين أثر عن الصحابة منهم عمر بن الخطاب، وعلي، وأبو مسعود، والبراء، وأنس، وأبو أمامة، وسهل، وعمرو بن حريث، وابن عباس، وابن عمر، وابن أبي وقاص، وعمار، وبلال، وابن أبي أوفي، والمغيرة، وأبو موسى رضي الله عنهم.
ومن التابعين عن قتادة، وابن المسيب، وابن جريج، وعطاء، والنخعي، والحسن، وخِلَاس، وابن جبير، ونافع رحمهم الله تعالى. وسيأتي إسناد ذلك إليهم، فذهاب هؤلاء الأخيار رضي الله عنهم إلى العمل به مما يعضد صحة حديث المغيرة، ويقويه، ويصححه بلا ريب؛ لأنه إن لم يكن هو سندهم فغيره مما هو في معناه، وهذا يتوقف فيه من له أدنى مسكة، على أن حديث الجوربين قد تلقاه بالقبول أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن حزم، وهؤلاء كلهم أئمة الفقه والإجتهاد، وجميعهم احتج به في الفقه المدون عنه، وقد عرف في فن مصطلح الحديث أن الحديث يحكم له بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول، وإن لم يكن له إسناد صحيح.
قال أبو الحسن بن الحصار في تقريب المدارك علي موطأ مالك: قد
يعلم صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب بموافقة آية من كتاب الله، أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به اهـ ويسمى هذا الصحيح لغيره، والصحيح لغيره نظير الصحيح لذاته في الاحتجاج به والعمل بمقتضاه، والأخذ بعمومه، وخصوصه، وإطلاقه، وتقييده. ولمعرفة صحة الحديث من جهة غير السند طرق ومدارك يدريها المجتهد كما قرره ابن الحصار.
وبهذا نجيب عفا نقول بصحته مما لم يخرجه الإمام البخاري، وذلك أن البخاري إنما خرج ما صح من طريق السند، ولم يخرج ما صح
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 192)
مطلقا، ولذا قال البخاري ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحالة الطول، وكذا قال مسلم: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه، ولذا قال النووي في التقريب: ولم يستوعبا الصحيح، ولا التزماه. على أن ظاهر كلامهما أنهما تركا ما صح من جهة السند أيضا الذي هو وجهة المحدث خيفة الطول، فأحرى أن يكونا تركا ما صح لغير السند، وهو الصحيح لغيره وذلك لأن الصحيح لغيره ليس له قاعدة مطردة، وإنما هو أمر يعرفه سديد الرسوخ في الأصول والفروع، النَّهم بدرس الهدي النبوي، ومعرفة سر التشريع، ودرك حقيقة الفقه في الدين.
وقد كان بعض المحققين يسمي هذه الطريقة بطريقة (قبول الأخبار) بالاستدلال ليعادل ما بحثه الأصوليون في مسألة (رد الخبر بالاستدلال) كما تراه مبسوطا في المسودة وغيرها من مطولات الأصول، وعبارة المسودة: مما يرجح فيه الخبر، ويقدم أن يعتضد بعموم كتاب، أو سنة، أو قياس، أو معنى عقلي.
وقد ذهب كثير من أئمة الأصول إلى أن الحديث المتلقى بالقبول يفيد العلم، والحديث الذي عضده عمل الصحابة وكذا ما اختلفوا فيه بين أخذ به ومؤول، وما يوافق مشروعا موافقة تصحح المشابهة بينهما، كما تراه في جمع الجوامع وغيره، ومطولات مصطلح الحديث.
إذا تقرر هذا فحديث الجوربين مما تُلُقِّيَ بالقبول، وعضده عمل الصحب عليهم رضوان الله، ووافق آية {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] على قراءة الجر والنصب إذا رجعت إليه، ويندرج تحت قاعدة رفع الحرج، ويوافق مسح الخف، وجميع هذه مما يصحح المروي أيما تصحيح.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 193)
وبالجملة فقد اجتمع في حديث الجوربين الصحتان معا: صحته من حيث السند، كما صرح به الترمذي، وابن حبان، وكما حققناه من درء الشذوذ المزعوم فيه، وصحته من غير السند، وهي الأمور التي سردت الآن، ومتى صح الحديث فليس إلا السمع والطاعة.
وأما قول الإمام النووي: إنه لو صح يحمل على الذي يمكن متابعة المشي عليه جمعا بين الأدلة، فمطلوب البيان من جهة الجورب، فأين الدليل على اشتراط أن يمكن تتابع المشي عليه فيه؟ ومعلوم أن الجورب غير الخف، ولكل حكمه، وإذا أطلق الدليل في الأصول فلا ينصرف إلا إلى الكتاب والسنة وما رجع إليهما، ولا تعارض إلَّا بين دليلين متكافئين، وهناك يتلمس الجمع وإلا فإن المدار على الأقوى فالأقوى اتفاقا، وليس في الباب إلا إطلاق الجوربين وعموم التساخين في حديثهما.
وأما قوله: وليس في اللفظ عموم يتعلق به، فيقال فيه: هذا إشارة إلى ما ذكر في الأصول من أن الفعل المثبت لا عموم له، فحكايته لا تقتضي العموم لا للأقسام، ولا لجهات الوضع، ولا للأزمان. إلا أن
هذا على مذهب من لم يقل بعموم المشترك، ولا بعموم جهات الوضع فأما من ذهب إلى العموم فيهما فقد ذهب إلى العموم فيه. كذلك قيد المحققون دعوى العموم فيه بما إذا لم يوجد في ظاهر اللفظ دليل العموم كلام الاستغراق "كالجوربين" و"التساخين" فإنه يفيد العموم، ودليلهم أن المحكي عنه صلى الله عليه وسلم واقع على صفة معينة فيكون في معنى المشترك، فإن رجح بعض الوجوه فذاك، وإن ثبت التساوي فالبعض بفعله، والباقي بالقياس عليه.
وقد اعترض بأن فعله صلى الله عليه وسلم إنما وقع بحال معين. وأجيب بعدم التسليم لجواز أن تتعدد جهات وقوع الفعل كما أوضحه العلامة الفناري في
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 194)
فصول البدائع.
وأما قوله: إن البيهقي حكى عن النيسابوري أنه حمله على أنه مسح على جوربين منعلين لا أنه جورب منفرد، ونعل منفردة، وكأنه قال مسح على جوربيه المنعلين، فيعني بذلك ما قاله البيهقي في سننه، وقد حكى ذلك، ثم قال بعده وقد وجدت لأنس أثرا يدل على ذلك فأسند عنه أنه مسح على جوربين أسفلهما جلود وأعلاهما خز اهـ. وتعقبه العلامة علاء الدين المارديني في الجوهر النقي بقوله: الحديث أي حديث المغيرة، ورد بعطف النعلين على الجوربين وهو يقتضي المغايرة، فلفظه مخالف لهذا التأويل، وكون أنس مسح على الجوربين منعلين لا يلزم منه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك، فلا يدل فعل أنس على تأويل الحديث بما لا يحتمله لفظه اهـ.
وقال ابن الهمام في فتح القدير في رد هذا التأويل: إن تخصيص الجواز بوجود النعل حينئذ قصر للدليل أعني الحديث والدلالة عن مقتضاه بغير سبب اهـ أي بغير ما يدعو له من لفظه ولا من مقتضاه، فإن صريحه أنه صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين، وعلى النعلين كلا على انفراده، وأيده في النعلين أحاديث كثيرة في دواوين السنة:
1 - فروى الإمام أبو داود في سننه عن أوس بن أبي أوس الثقفي (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه وقدميه).
2 - وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أوس بن أوس قال: رأيت أبي يوما توضأ فمسح على النعلين، فقلت له: أتمسح عليها؟ فقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.
3 - وأخرج الإمام أحمد أيضا عن أوس قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه، ثم قام إلى الصلاة).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 195)