وهي للتحويل وقد تقدم البحث عنها مستوفى في 57/ 71 وفيه أن سعيد أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدم البحث عنهم في 1/ 1 وفيه قوله: يعني ابن المسيب، وذلك حيث لم ينسبه له شيخه وكذا قوله وهو عبد الله بن زيد، وقد تقدم تمام البحث فيه في 4/ 4.
شرح الحديث
قال الزهري رحمه الله تعالى (أخبرني سعيد- يعني) أي يقصد الزهري بقوله سعيد وزيادة يعني من المصنف، أو ممن فوقه (ابن المسيب) بفتح الياء وكسرها وهو أولى، وإن كان الأول أشهر لأنه كان يكره الفتح وغيره بالفتح فقط، قال السيوطي في ألفيته:
كُلُّ مَسَيَّب فَبالفَتْح سوَى … أبي سَعْيد فَلوَجْهَيْن حَوَى
(وعباد بن تميم) عطف على سعيد، فالزهري يروي هذا الحديث عن شيخيه سعيد، وعباد، وكلاهما يرويانه عن عم عباد المذكور، هكذا أفاده العيني. وقال الحافظ: ما نصه: ثم إن شيخ سعيد فيه يحتمل أن يكون عم عباد، كأنه قال: كلاهما عن عمه، أي عم الثاني، وهو عباد، ويحتمل أن يكون محذوفا، ويكون من مراسيل ابن المسيب، وعلى الأول جرى صاحب الأطراف، ويؤيد الثاني رواية معمر لهذا الحديث عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، أخرجه ابن ماجه، ورواته ثقات، لكن سئل أحمد عنه، فقال: إنه منكر. اهـ فتح ج 2 ص 9.
(تنبيه) وقع في رواية كريمة لصحيح البخاري عن سعيد، عن عباد، بدون واو العطف، وهو غلط؛ لأن سعيدا لا رواية له عن عباد أصلا. أفاده الحافظ رحمه الله فتح ج 2 ص 9.
(عن عمه) أي عم عباد (وهو عبد الله بن زيد) بن عاصم الأنصاري رضي الله عنه. أنه (قال: شُكيَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم) من شكوت فلانا أشكوه
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 476)
شكْوًا، وشكَاية، وشَكَاةً: إذا أخبرتَ عنه بسوء فعله، فهو مَشكُوّ وشَكيّ، والاسم الشكوى، والياء منقلبة عن الواو، وأصله شُكُو بدليل يشكو الشكوى، ويجوز أن تكون أصلية غير منقلبة في لغة من قال: شكى يَشكي. قاله العيني. عمدة ج 2 ص251.
ثم إن "شكى" في رواية المصنف بالبناء للمفعول، وهو الذي في مسلم، والنائب عن الفاعل، قوله (الرجل) ورواية البخاري: شكا بالبناء للفاعل، قال الحافظ كذا في روايتنا شكا بالألف، ومقتضاه أن الراوي هو الشاكي، وصرح بذلك ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان، ولفظه عن عمه عبد الله بن زيد قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل … اهـ فتح ج 2 ص 9 (الرجل) بالرفع على أنه نائب الفاعل. وجملة (يجد الشيء) استئناف، أو صفة للرجل على أن تعريفه للجنس، وجعله حالا بعيد معنى، ويحتمل أن يقال: نائب الفاعل الجارّ والمجرور، والرجل مبتدأ، والجملة خبره، والجملة استئناف، بيان للشكاية، كأنه قيل: ماذا قيل في الشكاية، فأجيب، قيل: الرجل يجد الخ، وأما جعل "شكى" مبنيا للفاعل "والرجل" فاعله في رواية المصنف فبعيد، فإن اللائق حينئذ أن يكتب شكا بالألف، وأن يكون قوله: "لا ينصرف" بالخطاب لا الغيبة. قاله العلامة السندي رحمه الله ج 1 ص 99.
ومعنى قوله يجد الشيء أي الحدث خارجا منه، وصرح به الإسماعيلي ولفظه "يُخَيَّل إليه في صلاته أنه يخرج منه شيء" وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاص اسمه إلا للضرورة. قاله في الفتح ج 2 ص 9 (يجد الشيء في الصلاة) أي يحس حال التلبس بها بالحدث، وكنى عنه بالشيء تأدبا لاستهجان التصريح به. قاله في المنهل ج 2 ص 176. وقال الحافظ: تمسك بعض المالكية بظاهره فخصوا الحكم بمن كان داخل
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 477)
الصلاة، وأوجبوا الوضوء على من كان خارجها، وفرقوا بالنهي عن إبطال العبادة، والنهي عن إبطال العبادة متوقف على صحتها، فلا معنى للتفريق بذلك؛ لأن هذا التخيل إن كان ناقضا خارج الصلاة، فينبغي أن يكون كذلك فيها كبقية النواقض. اهـ فتح ج 1 ص 9 - 10.
(قال) النبي صلى الله عليه وسلم جوابا عن هذا السؤال (لا ينصرف) بالجزم على النهي، ويجوز الرفع على أن "لا" نافية. وفي رواية البخاري "لا ينفتل" أو"لا ينصرف" بالشك، قال الحافظ: هو شك من الراوي، وكأنه من علي -يعني المديني شيخ البخاري؛ لأن الرواة غيره رووه عن سفيان بلفظ "لا ينصرف" من غير شك. اهـ فتح ج 2 ص 10.
قال الجامع: والنفي في الرفع بمعني النهي، بل هو أبلغ.
(حتى يجد ريحا) خارجا من دبره، وعبر بالوجدان، دون الشم، ليشمل ما لو لمس المحل، ثم شم يده. قاله الحافظ.
(أو يسمع صوتا) أي من مخرجه. وأو للتنويع لا للشك.
ثم إن الغاية تدل على أنه إذا وجد ريحا أو سمع صوتا ينصرف لأجل الوضوء، وهو المطلوب، والمقصود بقوله: حتي يجد ريحا الخ، أي حتى يتيقن بطريق الكناية أعم من أن يكون بسماع صوت، أو وجدان ريح، أو يكون بشيءآخر، وغلبة الظن عند بعض العلماء في حكم المتيقن، فبقي أن الشك لا عبرة به، بل يحكم بالأصل المتيقن، وإن طرأ الشك في زواله. قاله السندي. ج 1 ص 99.
وقال الحافظ رحمه الله: دل حديث الباب على صحة الصلاة ما لم يتيقن الحدث، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين؛ لأن المعنى إذا كان أوسع اللفظ كان الحكم للمعنى، قاله الخطابي. اهـ فتح ج 2 ص 10 وكتب العلامة بدر الدين العيني رحمه الله عند قوله: "أو يجد
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 478)
ريحا" ما نصه: وكلمة "أو" للتنويع، قال الإسماعيلي هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن شك في خروج ريح منه لا نفي الوضوء إلا من سماع صوت أو وجدان ريح. وفي صحيح ابن خزيمة، وابن حبان، ومستدرك الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدَكم الشيطانُ، فقال: إنك أحدثت، فليقل كذبت، إلا ما وجد ريحا بأنفه، أو سمع صوتا بأذنه"، وفي مسند أحمد من حديث أبي سعيد أيضا "إن الشيطان ليأتي أحدكم، وهو في صلاته، فيأخذ شعرة من دبره، فيمدها فيرى أنه أحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا" وفي إسناده علي بن زيد بن جُدعان، وقال ابن خزيمة: قوله "فليقل: كذبت" أراد فليقل كذبت بضميره، لا ينطق بلسانه، إذ المصلي غير جائز له أن يقول: كذبت نطقا، قال العيني: ويؤيد ما قاله ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد أيضا مرفوعا "إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك قد أحدثت فليقل في نفسه كذبت" وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة يرفعه "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد" وفي رواية الترمذي "فوجد ريحا بين ألْيَتَيْه" وفي علل ابن أبي حاتم "فوجد ريحا من نفسه" وفي كتاب الطهور لأبي عبيد القاسم بن سلام "يجد الشيء في مقعدته، قال: لا يتوضأ إلا أن يجد ريحا يعرفها، أو صوتا يسمعه" وروى ابن ماجه بسند فيه ضعف(1) عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: رأيت السائب بن يزيد يشم ثوبه، فقلت: ممّ ذلك؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا وضوء إلا من ريح، أو سماع" وروى أبو داود من حديث علي بن طلق يرفعه "إذا فسا أحدكم فليتوضأ" قال مُهَنّا: قال أبو عبد الله: عاصم الأحول يخطئ في هذا الحديث يقول:--------------------------------------------
(1) لكن شهد له أحاديث كثيرة، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفرعًا، "لا وضوء إلا من صوت، أو ريح" أخرجه الترمذي وغيره، وهو حديث صحيح.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 479)
علي بن طلق، وإنما هو طلق بن علي، وأبَى ذلك البخاري، فقال: فيما ذكره أبو عيسى عنه في العلل وذكر حديث علي بن طلق هذا بلفظ: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنا نكون بالبادية، فيكون من أحدنا الريحة، فقال: "إن الله لا يستحيى من الحق، إذا فسا أحدكم فليتوضأ" "فقال: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث، وهو عندي غير طلق بن علي، ولا يعرف هذا من حديث طلق بن علي، ولما ذكره الترمذي في الجامع من حديث علي بن طلق حسنه، وذكره ابن حبان في صحيحه بلفظ "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، ثم ليتوضأ، وليعد صلاته" ثم قال: لم يقل أحد: "وليعد صلاته" إلا جرير ابن عبد الحميد، وقال أبو عبيد في كتاب الطهور إنما هو عندنا علي بن طلق؛ لأنه حديثه المعروف وكان رجلا من بني حنيفة، وأحسبه والد طلق بن علي الذي سأل عن مس الذكر، وممن ذكره في مسند علي بن طلق أحمد بن منيع، والنسائي، والكجي في سننيهما، وأبو الحسين بن قانع في آخرين.
ثم اعلم أن حقيقة المعنى في قوله "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" حتى يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع، والشم بالإجماع، فإن الأصم لا يسمع صوتا، والأخشم الذي راحت حاسة شمه لا يشم أصلا، وقال الخطابي: لم يرد بذكر هذين النوعين من الحدث تخصيصهما وقصر الحكم عليهما حتى لا يحدث بغيرهما، وإنما هو جواب خرج على حرف المسألة التى سأل عنها السائل، وقد دخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين، وقد يخرج منه الريح، ولا يسمع لها صوتا ولا يجد لها ريحا فيكون عليه استئناف الوضوء إذا تيقن ذلك، وقد يكون بأذنه وقر، فلا يسمع الصوت، أو يكون أخشم فلا يجد الريح، والمعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 480)
استهل الصبي ورث، وصلي عليه" لم يرد تخصيص الاستهلال الذي هو الصوت دون غيره من أمارات الحيات من حركة وقبض وبسط ونحوها. اهـ عمدة القاري ج 2 ص 252 - 253.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه حديث متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: أخرجه رحمه الله هنا [115/ 160] في المجتبى، وفي [99/ 182] من الكبرى. عن قتيبة، ومحمد بن منصور، كلاهما عن سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب، وعباد بن تميم كلاهما عن عبد الله بن زيد، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثالثة فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه (خ م د ق) فأخرجه (خ) في الطهارة -4 - عن علي بن عبد الله وفي -35/ 2 - عن أبي الوليد، وفي البيوع -5/ 1 - عن أبي نعيم.
وأخرجه (م) في الطهارة [60/ 1] عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير ابن حرب، وعمرو الناقد. وأخرجه (د) في الطهارة -68/ 1 - عن قتيبة ومحمد بن أحمد بن أبي خلف. وأخرجه (ق) في الطهارة -74 - عن محمد بن الصباح كلهم عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد وعباد بن تميم، كلاهما عن عمه عبد الله بن زيد به. أفاده الحافظ المزي في تحفته ج 4 ص 336 لكن اعترض عليه الحافظ بأن رواية أبي الوليد عند البخاري في باب "من لم ير الوضوء إلا من المخرجين" -35/ 2 - إنما هي عن عباد ابن تميم فقط ليس فيها ذكر لسعيد، وكذا رواية أبي نعيم عنده في باب "من لم ير الوساوس" ونحوها من المشبهات في أوائل البيوع -5/ 1 - عن عباد بن تميم فقط. اهـ نكت ج 4 ص 336.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 481)
وأخرجه أبو عوانة في صحيحه -1/ 238 - ، والشافعي -1/ 99 - ، والبيهقي -1/ 14 - ، وأحمد -4/ 40 - . أفاده العلامة الألباني في إرواء الغليل ج 1 ص 144.
المسألة الرابعة: في الفوائد المستنبطة من هذا الحديث:
الأول: أن هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ، سواء حصل الشك في الصلاة أو خارجها، وهذا بالإجماع بين الفقهاء، إلا عن مالك روايتان إحداهما أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة والأخرى يلزمه بكل حال، وحكيت الأولى عن الحسن البصري، وهو وجه شاذ عند الشافعية ذكره الرافعي، والنووي في الروضة، وحكيت الثانية أيضا وجها للشافعية، وهو غريب، وعن مالك رواية ثالثة رواها ابن قانع عنه أنه لا وضوء عليه كما قال الجمهور، وحكاها ابن بطال عنه، ونقل القاضي، ثم القرطبي عن ابن حبيب المالكي أن هذا الشك في
الريح دون غيره من الأحداث، وكأنه تبع ظاهر الحديث، واعتذر عنه بعض المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحل منه شيء بخلاف البول، والغائط، وعن بعض أصحاب مالك أنه إن كان في سبب حاضر كما في الحديث طرح الشك، وإن كان في سبب متقدم فلا، وأما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بالإجماع.
وعلى هذا الأصل من شك في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب، أو غيره، أو أنه صلى ثلاثا أو أربعا، أو أنه ركع أو سجد أم لا؟، أو نوى الصوم، أو الصلاة، أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذه العبادات، وما أشبه هذه
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 482)
الأمثلة، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث. وقالت الشافعية: تُستثنَى من هذه القاعدة بضع عشرة مسألة: منها من شك في خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها، قيل: أو فيها، ومن شك في ترك بعض الوضوء، أوصلاة بعد الفراغ لا أثر له على الأصح.
الثاني من الأحكام: ما قالته الشافعية أنه لا فرق في الشك بين تساوي الاحتمالين في وجوب الحدث وعدمه، وبين ترجيح أحدهما وغلبة الظن في أنه لا وضوء عليه، فالشك عندهم خلاف اليقين، وإن كان خلاف الاصطلاح الأصولي، وقولهم موافق لقول أهل اللغة: الشك خلاف اليقين، نعم يستحب الوضوء احتياطا فلو بان حدثه أوَّلًا فوجهان أصحهما لا يجزيه هذا الوضوء لتردده في نيته بخلاف ما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة، فتوضأ، ثم بان محدثا، فإنه يجزئه قطعا؛ لأن الأصل بقاء الحدث فلا يضر التردد معه، ولو تيقن الطهارة والحدث معا وشك في السابق منهما فَأوْجُهٌ: أصحها أنه يأخذ بضدّ ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء مطلقا.
الثالث من الأحكام: قول الخطابي: فيه حجة لمن أوجب الحد على من وُجدَ منه رائحة المسكر، وإن لم يشاهد شربه، ولا شهد عليه الشهود ولا اعترف به، لكن فيه نظر لأن الحدود تدرأ بالشبهة، والشبهة هنا قائمة.
الرابع: فيه مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع، وجواب السائل.
الخامس: فيه ترك الاستحياء في العلم وأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم كل شيء، وأنه يصلي بوضوء واحد صلوات ما لم يحدث.
السادس: فيه قبول خبر الواحد.
السابع: فيه أن من كان على حال لا ينتقل عنه إلا بوجود خلافه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 483)
الثامن: فيه أنهم كانوا يَشْكُون إلى النبي صلى الله عليه وسلم جميع ما ينزل بهم.
التاسع: استدل به بعضهم على أن رؤية المتيمم الماء في صلاته لا ينقض طهارته. قال البدر العيني: لا يصح الاستدلال به لأنه ليس من باب ما ذكرناه من أن المعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى لأنه هو فيما يقع تحت الجنس الواحد، ولا شك أن المقصود به جنس الخارجات من البدن، فالتعدي إلى غير الجنس المقصود به اغتصاب للأحكام، ذكر هذه الفوائد العيني في عمدة القاري ج 2 ص 252 - 254 ونقلته عنه باختصار.
المسألة الخامسة قد ذكر العلامة ابن دقيق العيد في هذه المسألة تحقيقا حسنا أحببت إيراده، وإن كان جُلّه مفهوما مما مر، غير أن فيه زيادة إيضاح، وتفصيل لمآخذ العلماء في إعْمال الأصل وطرح الشك.
قال رحمه الله تعالى: الحديث أصل في إعمال الأصل وطرح الشك، وكان العلماء متفقون على هذه القاعدة، لكنهم يختلفون في كيفية استعمالها.
مثاله: هذه المسألة التي دل عليها الحديث، وهي مَن شك في الحدث بعد سبق الطهارة، فالشافعي أعمل الأصل السابق، وهي الطهارة، وطرح الشك الطارئ، وأجاز الصلاة في هذه الحالة. ومالك منع من الصلاة مع الشك في بقاء الطهارة، وكأنه أعمل الأصل الأول، وهو ترتب الصلاة في الذمة، ورأى أن لا تزال إلا بطهارة متيقنة، وهذا الحديث ظاهر في إعمال الطهارة الأولى، واطراح الشك. والقائلون بهذا اختلفوا: فالشافعي اطرح الشك مطلقا، وبعض المالكية اطرحه بشرط أن يكون في الصلاة وهذا له وجه حسن، فإن القاعدة: أن مورد النص إذا وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبرا في الحكم فالأصل يقتضي اعتباره وعدم اطراحه، وهذا الحديث يدل على اطراح الشك إذا وجد
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 484)
في الصلاة، وكونه موجودا في الصلاة معنىً يمكن أن يكون معتبرا، فإن الدخول في الصلاة مانع من إبطالها على ما اقتضاه استدلالهم في مثل هذا بقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] فصارت صحة الصلاة أصلا سابقا على حالة الشك، مانعا من الإبطال، ولا يلزم من إلغاء الشك مع وجود المانع من اعتباره إلغاؤه مع عدم المانع، وصحة العمل ظاهرًا معنىً ينايسب عدم الالتفات إلى الشك يمكن اعتباره، فلا ينبغي الغاؤه. ومن أصحاب مالك مَنْ قَيَّد هذا الحكم -أعني اطراح هذا الشك- بقيد آخر، وهو أن يكون الشك في سبب حاضر كما جاء في الحديث حتى لو شك في تقدم الحدث على وقته الحاضر لم تبح له الصلاة ومأخذ هذا ما ذكرناه من أن مورد النص ينبغي اعتبار أوصافه التي ينبغي اعتبارها، ومورد النص اشتمل على هذا الوصف، وهو كونه شك في سبب حاضر فلا يلحق به ما ليس في معناه من الشك في سبب متقدم إلا أن هذا القول أضعف قليلًا من الأول؛ لأن صحة العمل ظاهرا، وانعقاد الصلاة سبب مانع مناسب لاطراح الشك، وأما كون السبب ناجزا فإما غير مناسب، أو مناسب مناسبة ضعيفة، والذي يمكن أن يقرر به قول هذا القائل أن يرى أن الأصل الأول -وهو ترتب الصلاة في ذمته- معمول به، فلا يخرج عنه إلا بما ورد فيه النص، وما بقي يعمل فيه بالأصل، ولا يحتاج في المحل الذي خرج عن الأصل بالنص إلى مناسبة كما في صور كثيرة عمل فيها العلماء هذا العمل -أعني أنهم اقتصروا على مورد النص إذا خَرَجَ عن الأصل أو القياس من غير اعتبار مناسبة، وسببه أن إعمال النص في مورده لابد منه، والعمل بالأصل- أو بالقياس المطرد- مسترسل، لا يخرج عنه إلا بقدر الضرورة، ولا ضرورة فيما زاد على مورد النص، ولا سبيل إلى إبطال النص في مورده، سواء كان مناسبا، أو لا، وهذا يحتاج معه إلى إلغاء وصف كونه في صلاة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 485)
ويمكن هذا القائل منع ذلك بوجهين:
أحدهما: أن يكون هذا القائل نظر إلى ما في بعض الروايات، وهو أن يكون الشك لمن هو في المسجد، وكونه في المسجد أعم من كونه في الصلاة، فيؤخذ من هذا إلغاء ذلك القيد الذي اعتبره القائل الآخر، وهو كونه في الصلاة، ويبقى كونه شاكا في سبب ناجز، إلا أن القائل الأول له أن يحمل كونه في المسجد على كلونه في الصلاة، فإن الحضور في المسجد يراد للصلاة، فقد يلازمها فيعبر به عنها وهذا -وإن كان مجازا- إلا أنه يقوى إذا اعتبر الحديث الأول، وكان حديثا واحدا مخرجه من جهة واحدة، فحينئذ يكون ذلك الاختلاف اختلافا في عبارة الراوي بتفسير أحد اللفظين بالآخر ويرجع إلى أن المراد كونه في الصلاة.
الثاني: -وهو أقوى من الأول- ما ورد في الحديث "إن الشيطان ينفخ بين أليتي الرجل"، وهذا المعنى يقتضي مناسبة السبب الحاضر لإلغاء الشك.
قال: وإنما أوردنا هذه المباحث ليتلمح الناظر مآخذ العلماء في أقوالهم فيرى ما ينبغي ترجيحه فيرجحه، وما ينبغي إلغاؤه فيلغيه والشافعي رحمه الله ألغى القيدين معا -أعني كونه في الصلاة، وكونه في سبب
ناجز- واعتبر أصل الطهارة اهـ إحكام الأحكام ج 1 ص 318 - 326.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن في المسألة أربعة أقوال: عدم العمل بالشك مطلقا، العمل به مطلقا، عدم العمل إن عرض في الصلاة، والعمل به إن عرض خارجها، عدم العمل به إن كان في سبب حاضر، والعمل به إن كان شكا في سبب غير حاضر.
ولا يخفى أن الراجح هو عدم العمل بالشك مطلقا كما هو مذهب الشافعي، والجمهور، لوضوح دليله. والله أعلم.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 486)
116 - الوُضُوء مِنَ النَّوْمِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الوضوء من النوم.
والنوم: غَشْية ثقيله تَهجُم على القلب، فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، ولهذا قيل: هو آفة؛ لأن النوم أخو الموت، وقيل: النوم مزيل للقوة والعقل، وأما السِّنة ففي الرأس، والنعاس في العين، وقيل: السنة ريح النوم تبدو في الوجه ثم تنبعث إلى القلب فينعُسُ الإنسان فينام. قاله في المصباح، ج 3 ص 631.
161 - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يُفْرِغَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ".
رجال الإسناد: سبعة
1 - (إسماعيل بن مسعود) الجحدري البصري أبو مسعود ثقة من العاشرة، من أفراد المصنف مات سنة 248، وتقدم في 42/ 47.
2 - (حميد بن مسعدة) السامي الباهلي البصري صدوق من العاشرة مات سنة 244 وتقدم في 5/ 5، وفي 87/ 108.
3 - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري ثقة ثبت من الثامنة مات سنة 82 أو تقدم في 5/ 5، وفي 87/ 108.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 487)
4 - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت -7 - ، وتقدم في 10/ 10.
5 - (الزهري) محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله، أبو بكر المدني الحجة المثبت -4 - تقدم في1/ 1.
6 - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، والصحيح أن اسمه كنيته، ثقة -3 - وتقدم في 1/ 1.
7 - (أبو هريرة) عبد الله بن عمرو على الصحيح، أو عبد الرحمن ابن صخر على المشهور الدوسي الصحابي الجليل نقيب أهل الصفة رضي الله، عنه، تقدم في 1/ 1.
لطائف الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات إلا حميدا، فصدوق، وأنهم ما بين بصريين، وهم من قبل الزهري، ومعمر وإن كان يمانيا إلا أن أصله من البصرة، ومدنيين، وهم الباقون، وفيه أبو سلمة أحد
الفقهاء السبعة المعروفين بالمدينة، وأنه ليس له اسم غير الكنية، وفيه أبو هريرة أحد المكثرين السبعة، روى -5374 - .
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله قال: إذا استيقظ) أي انتبه، وليست السين والتاء للطلب، بل هو لازم بمعنى التيقظ. (أحدكم) ليس الرجال مخصوصا بهذا الحكم، بل النساء كذلك، فإنهن شقائق الرجال (من منامه) أي نومه، فالمنام مصدر ميمي لنام، وجواب "إذا" قوله (فلا يدخل) وفي الرواية المتقدمة في 1/ 1 "فلا يغمس" قال في الفتح ج 1 ص 317: رواية الغمس أبين في المراد من رواية الإدخال؛ لأن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 488)
مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة، كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن يلامس يده الماء. اهـ. فقوله يدخل مجزوم بلا الناهية.
(يده في الإناء) أي الإناء الذي فيه ماء الوضوء فأل عوض عن المضاف إليه لما في الرواية الأخرى "في الوَضُوء"، بفتح الواو، قال العلامة السندي رحمه الله تعالى: فهذا يدل على أن الوقت وقت لإدخال اليد في الوَضوء وأخذ منه المصنف الترجمة. اهـ ج 1 ص 101.
وقال الحافظ رحمه الله: الظاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء، ويلحق به إناء الغسل لأنه وضوء وزيادة، وكذا باقي الأنية قياسا، لكن في الاستحباب من غير كراهة، لعدم ورود النهي فيها، وخرج بذكر الإناء البرَك والحيَاض التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها فلا يتناولها النهي. اهـ فتح ج 10 ص 317 - 318.
وهل هذا النهي للتحريم أم للتأديب تقدم الكلام فيه. في 1/ 1.
(حتى يُفرغ عليها) من الإفراغ، أي يصب على يده (ثلاث مرات) من الغسل، قال الشافعي رحمه الله: فإن لم يغسلها إلا مرة أو مرتين أو لم يغسلها أصلا حين أدخلها في وضوئه فقد أساء (فإنه) الفاء للتعليل (لا يدري) أي لا يعلم (أبن باتت يده) كلمة "أين" سؤال عن مكان الشيء، أي في أيّ محل من جسده، أفي محل نجس، أم في محل طاهر؟ وفيه كما قال البيضاوي إيماء إلى علة النهي، وهي احتمال النجاسة، وسبب ذلك كما قال الشافعي رحمه الله: أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة
وبلادهم حارّة، فهذا نام أحدهم وعَرقَ، فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على بثرة، أو قملة، أو قذر، وغير ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: إذا كانت العلة هي احتمال النجاسة فهل إذا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 489)
تيقن الطهارة تزول المشروعية لغسل اليد أم لا؟، الظاهر الثاني لأن الأحكام إنما يحتاج إلى أسبابها في الابتداء لا في الانتهاء، كما في مشروعية الرمل في الطواف. والله أعلم.
ومسائل هذا الحديث جميعها تقدمت في 1/ 1 فلا نطيل الكتاب بإعادتها. وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(تنبيهات)
(الأول) في مذاهب العلماء في انتقاض الوضوء بالنوم:
قد فصل المذاهب في هذه المسألة الإمام النووي رحمه الله في شرح المهذب تفصيلا حسنا أحببت إيراده هنا لحسنه:
قال رحمه الله: الصحيح في مذهبنا -يعني الشافعية- أن النائم الممكن مقعده من الأرض، أو نحوها لا ينتقض وضوءه، وغيره ينتقض سواء كان في صلاة أو غيرها، وسواء طال نومه أم لا، وحكي عن أبي
موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وأبي مجْلَز، وحميد الأعرج أن النوم لا ينقض بحال، ولو كان مضطجعا، قال القاضي أبو الطيب وإليه ذهبت الشيعة. وقال إسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، القاسم بن سلام والمزني: ينقض النوم بكل حال، ورواه البيهقي بإسناده عن الحسن البصري، قال ابن المنذر: وبه أقول، وروي معناه عن ابن عباس، وأنس، وأبي هريرة رضي الله عنهم. وقال مالك، وأحمد في إحدى الروايتين ينقض كثير النوم بكل حال دون قليله، وحكاه ابن المنذر عن الزهري، وربيعة، والأوزاعي، وقال أبو حنيفة، وداود إن نام على هيئة من هيئات المصلي كالراكع، والساجد، والقائم، والقاعد، لم ينتقض، سواء كان في الصلاة أم لا، وإن نام مستلقيا أو مضطجعا انتقض. ولنا قول: إن نوم المصلي خاصة لا ينقض كيف كان، وحكاه أصحابنا عن ابن المبارك، وحكاه الماوردي عن جماعة من التابعين.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 490)
فهذه ستة أقوال ذكرها في المجموع، وزاد في شرح مسلم قولين آخرين:
الأول: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد. قال النووي: وروي مثل هذا عن أحمد بن حنبل، ولعل وجهه أن هيئة الركوع والسجود مظنة للإنتقاض. قال الشوكاني رحمه الله: وقد ذكر هذا المذهب صاحب البدر التمام، وصاحب سبل السلام بلفظ "إنه ينقض إلا نوم الراكع والساجد" بحذف "لا"، واستدلاله بحديث "إذا نام العبد في سجوده" الحديث، قال: وقاس الركوع على السجود، والذي في شرح مسلم للنووي بلفظ: إنه لا ينقض، بإثبات "لا" فلينظر. اهـ نيل ج 1 ص 289.
الثاني: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد، قال النووي: يُروَى أيضا عن أحمد، ولعل وجهه أن مظنة الانتقاض في السجود أشد منها في الركوع.
قال الجامع: فمجموع الأقوال في هذه المسألة ثمانية.
ثم ذكر رحمه الله أدلتهم فقال: واحتُجَّ لأبي موسى، وموافقيه بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية [المائدة: 6] فذكر سبحانه نواقض الوضوء، ولم يذكر النوم، وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" رواه الترمذي وغيره بأسانيد صحيحة، قالوا: ولأنا أجمعنا نحن وأنتم على أن النوم ليس حدثا في عينه، وأنتم أوجبتم الوضوء لاحتمال خروج الريح، والأصل عدمه فلا يجب الوضوء بالشك. قال: واحتج أصحابنا -يعني الشافعية- بحديث علي رضي الله عنه مرفوعا "العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ" رواه أبو داود، وابن ماجه وغيرهما بأسانيد حسنة، وبحديث صفوان رضي الله عنه "ولكن من غائط، أو بول، أو نوم" وهو حديث حسن، وقد تقدم للنسائي في 113/ 158، قال: وفي
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 491)
المسألة أحاديث كثيرة، ولأن النائم غير الممكن يخرج منه الريح غالبا، فأقام الشرع هذا الظاهر مقام اليقين كما أقام شهادة الشاهدين التي تفيد الظن مقام اليقين في شغل الذمة.
والجواب عن احتجاجهم بالآية من وجهين:
(أحدهما) أن جماعة من المفسرين قالوا: وردت الآية في النوم، أي إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، فاغسلوا وجوهكم، وكذا حكاه الشافعي في الأم عن بعض أهل العلم بالقرآن قال: ولا أراه إلا كما قال.
(الثاني) أن الآية ذكر فيها بعض النواقض، وبينت السنة الباقي، ولهذا لم يذكر البول، وهو حدث بالإجماع، وأما الجواب عن حديث أبي هريرة: فهو أنه ورد في دفع الشك لا في بيان أعيان الأحداث وحصرها، ولهذا لم يذكر فيه البول والغائط وزوال العقل، وهي أحداث بالإجماع، ونظيره حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه "لا ينصرف حتي يسمع صوتا أو يجد ريحا"، وأما قولهم: خروج الخارج مشكوك فيه: فجوابه ما قدمنا أن الشرع جعل هذا الظاهر كاليقين، كما جعل شهادة شاهدين كاليقين. والله أعلم.
واحتج من قال: ينقض بكل حال بعموم حديثي علي، وصفوان،
رضي الله عنهما، وبالقياس على الإغماء. واحتج أصحابنا -يعني الشافعية-(1) بحديث أنس رضي الله عنه: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضئون" رواه مسلم وهذا لفظه، ورواه أبو داود بلفظ "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء--------------------------------------------
(1) قد تقدم قوله واحتج أصحابنا، والفرق بين الاحتجاجين أن الأول في رد قول من يقول بعدم كون النوم من النواقض وهذا في الاحتجاج على الفرق بين نوم الممكن مقعده فلا ينتقض، وبين نوم غيره فينتقض. فتنبه. اهـ الجامع.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 492)
الآخرة حتى تخفقَ رؤوسهم ثم يصلون، ولا يتوضئون" وإسناده صحيح وكذلك رواه الشافعي رحمه الله في مسنده، وغيره، وفي رواية لأبي داود، والبيهقي، وغيرهما "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضأون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية للبيهقي "لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيط، ثم يقومون، فيصلون، ولا يتوضأون".
وعن أنس رضي الله عنه قال: "أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل لي حاجة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يناجيه حتى نام القوم، أو بعض القوم، ثم صلوا"، وفي رواية "حتى نام أصحابه، ثم جاء فصلى بهم" رواه مسلم وعن ابن عمر رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل ليلة عن العشاء، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استقيظنا، ثم خرج علينا". وعن ابن عباس رضي الله عنهما "أعتم رسول الله في بالعشاء حتى رقد الناس، واستيقظوا، ورقدوا، واستيقظوا"، رواهما البخاري في صحيحه. وظاهرهما أنهم صلوا بذلك الوضوء، وروى مالك، والشافعي، بإسناد صحيح أن ابن عمر رضي الله عنهما كان ينام، وهو جالس، ثم يصلي، ولا يتوضأ. ورَوَى البيهقي، وغيره معناه عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وأبي أمامة، رضي الله عنهم، فهذه دلائل ظاهرة من الأحاديث الصحيحة والآثار.
واحتج جماعة من أصحابنا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نام جالسا فلا وضوء عليه، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء"، وبحديث حذيفة رضي الله عنه قال: "كنتَ أخفق برأسي فقلت يا رسول الله وجب علي وضوء؟ قال: لا حتى تضع جنبك"، لكن الحديثان ضعيفان بين البيهقي ضعفهما، وفيما سبق ما يغني عنهما.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 493)
وأما الجواب عن حديث علي، وصفوان رضي الله عنهما فهو أنه محمول على نوم غير الممكن، وهذا يتعين المصير إليه للجمع بين الأحاديث الصحيحة. وأما قياسهم على الإغماء فالفرق ظاهر؛ لأن المغمى عليه ذاهب العقل لا يحيى بشيء أصلا، والنائم يحس، ولهذا إذا صيح به تنبه.
واحتج من قال ينقض كثير النوم كيف كان دون قليله بحديث أنس رضي الله عنه: "أنهم كانوا ينامون، فتخفق رؤوسهم" وهذا يكون في النوم القليل، ولأنه مع الاستثقال يغلب خروج الخارج بخلاف القليل. واحتج أصحابنا بالأحاديث السابقة وليس فيها فرق بين القليل والكثير، والجواب عن حديث أنس أنا قد بينا أنه حجة لنا وليس فيه فرق بين قليله وكثيره، ودعواهم أن خفق الرؤوس إنما يكون في القليل لا يقبل، وأما المعنى الذي ذكروه فلا نسلمه؛ لأن النوم إمّا أن يجعل حدثًا في عينه كالإغماء، وهم لا يقولون به، وإما دليلا على الخارج، وحينئذ إنما تظهر دلالته إذا لم يكن المحل ممكنا، وأما المتمكن فيبعد خروجه منه، ولا يحيى به، فلا ينتقض بالوهم.
واحتج من قال لا ينقض النوم على هيئة من هيئآت الصلاة بما رواه أبو خالد الدّالاني عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال قال النبي صلى الله عليه وسلم "إنما الوضوء على من نام مضطجعا فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" وبحديث حذيفة الذي قدمناه أنه نام جالسا فقال يا رسول الله أمن هذا وضوء؟ قال: "لا حتى تضع جنبك على الأرض".
واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة السابقة كحديث علي، وصفوان وغيرهما من غير تعرض لهذا الفرق الذي زعموه، ولا أصل له، ولأنه نام غير ممكن مقعده من الأرض فأشبه المضطجع، ولأنا اتفقنا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 494)
نحن وهم على أن النوم ليس حدثا في عينه، وإنما هو دليل للخارج، فضبطناه نحن بضابط صحيح جاءت به السنة، ومناسبته ظاهرة، وضبطوه بما لا أصل، ولا معنى، يقتضيه، فإن الساجد والراكع كالمضطجع، ولا فرق بينهما في خروج الخارج.
وأما حديث الدَّالاني فجوابه أنه حديث ضعيف باتفاق أهل الحديث، وممن صرح بضعفه من المتقدمين أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبو داود، قال أبو داود، وإبراهيم الحربي: هو حديث منكر، ونقل إمام الحرمين في كتابه الأساليب إجماع أهل الحديث على ضعفه، وهو كما قال، والضعف عليه بين. وأجاب أصحابنا عنه بأجوبة وتأولوه تأويلات لا حاجة إليها مع الاتفاق على ضعفه، فإنه لا يلزم الجواب عما ليس بدليل. وأما حديث حذيفة فضعيف أيضا كما سبق بيانه قريبا.
واحتج من قال: لا ينتقض وضوء النائم في الصلاة كيف كان بحديث المباهاة وهو ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا نام العبد في صلاته باهى الله به ملائكته يقول انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده ساجد بين يدي". ولأن الحاجة تدعوا إليه، ولا يمكن لمتهجد ونحوه الاحتراز منه إلا بعسر، فعفي عنه كما عفي عن أشياء كثيرة في الصلاة للحاجة.
واحتج أصحابنا بما احتجوا به على القائلين: لا ينقض النوم على هيئة المصلي، وأجابوا عن حديث المباهاة بالاتفاق على ضعفه،(1) ولو صح لكان تسميته ساجدا باسم ما كان عليه فمدحه على مكابدة العبادة.
وأما المعنى الذي ذكروه فلا يقبل لأن الأحداث لا تثبت إلا توقيفا، وكذا العفو عنها، فحصل في هذه المسألة جمل من الأحاديث جمعنا--------------------------------------------
(1) وقد أشبع الحافظ الكلام في تضعيف حديث المباهاة في التلخيص ج 1 ص 120 بما لا مزيد عليه فارجع إليه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 495)