ثم صنّف بعد ذلك قوم برعوا في علوم، فكان كل منهم يقتصر في تفسيره على الفن الذي يغلب عليه:
فالنحوي تراه ليس له همّ إلا الإعراب، وتكثير الأوجه المحتملة فيه، ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته، كالزجّاج، والواحدي في «البسيط»، وأبي حيّان في «البحر» و «النهر».
والأخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاءها والإخبار عمّن سلف، سواء كانت صحيحة أو باطلة، كالثعلبي.
والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمهات الأولاد، وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية، والجواب عن أدلة المخالفين، كالقرطبي.
وصاحب العلوم العقلية، خصوصا فخر الدين، قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها، وخرج من شيء إلى شيء، حتى يقضي الناظر فيه العجب من عدم مطابقة المورد للآية، قال أبو حيان في «البحر» (1): جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير.
والمبتدع ليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد، بحيث إنه متى لاح له شاردة من بعيد اقتنصها، أو وجد موضعا فيه أدنى مجال سارع إليه … » (2).--------------------------------------------
(1) البحر المحيط 1/ 341.
(2) الإتقان 4/ 212 - 213.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
المبحث الثاني دراسة موجزة لأشهر التفاسير القديمة
إن دراسة التفاسير التي كتبها علماء السلف دراسة وافية تكشف عن حال كاتبيها، وتبين منهجهم في التفسير، أمر يحتاج إلى مجال أوسع مما تسمح به طبيعة هذه المحاضرات (1)، إلا أن ذلك لا يمنع من معرفة أسماء أشهر التفاسير القديمة، والاتجاهات العامة التي كتبت في إطارها، ودراسة تفاسير تمثل تلك الاتجاهات، حتى يتعرف الطالب عليها وتكون لديه فكرة عنها، تساعده في الرجوع إليها والاستفادة منها، عند الرغبة في ذلك أو الحاجة إليه.
أولا- من كتب التفسير بالمأثور: «جامع البيان للطبري»
الطبري هو محمد بن جرير، أبو جعفر، ولد بآمل سنة 224 هـ، ورحل في طلب العلم، وسمع بالعراق ومصر والشام من خلق كثير، واستوطن بغداد، وأقام فيها حتى وفاته سنة 310 هـ (2).
قال عنه الخطيب البغدادي: «أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه ومعرفته وفضله، وقد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها بأحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في (تاريخ--------------------------------------------
(1) أوسع كتاب في تراجم المفسرين: (طبقات المفسرين) للداودي، وهو مطبوع في جزءين، وأوسع كتاب في اتجاهات التفسير ومناهج المفسرين: كتاب (التفسير والمفسرون) لمحمد حسين الذهبي، وهو مطبوع في جزءين.
(2) ينظر ترجمة الطبري في طبقات المفسرين للداودي 2/ 106 - 114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
الأمم والملوك) وكتاب في (التفسير) لم يصنّف أحد مثله، وكتاب سماه (تهذيب الآثار) لم أر سواه في معناه، إلا أنه لم يتمه، وكتاب حسن في القراءات سماه (الجامع)، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه» (1).
وتفسير الطبري المسمى (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) عظيم القدر، عرف قيمته القدماء والمعاصرون. قال عنه أبو حامد الأسفراييني: «لو رحل رجل إلى الصين في تحصيله لم يكن كثيرا» (2). ووصف ابن تيمية تفسير الطبري بأنه من أجل التفاسير وأعظمها قدرا (3). وقال السيوطي: «فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يعوّل عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف في التفسير مثله» (4).
وتفسير الطبري من أكبر كتب التفسير، يقع في ثلاثين جزءا، وهو مطبوع عدة طبعات. وهو تفسير شامل فسّر فيه الطبري القرآن الكريم آية آية، وكلمة كلمة. وهو يقسّم السورة إلى مجموعات، تضم كل مجموعة آية أو أكثر، ويبدأ تفسير كل مجموعة بقوله: (القول في تأويل (5) قوله تعالى … )، ثم يبيّن المعنى في إيجاز بأسلوبه وعبارته، ثم يقول: (وبمثل الذي قلنا في تأويل الآية قال جماعة من أهل التأويل)، ويعقب ذلك مباشرة بقوله: (ذكر من قال ذلك) فيذكر الروايات المنقولة في الآية أو الكلمة التي يفسرها عن النبي صلى الله عليه وسلم أو مفسري الصحابة والتابعين وتابعيهم. وإذا كان هناك اختلاف في تفسير شيء من القرآن--------------------------------------------
(1) تاريخ بغداد 2/ 163.
(2) السيوطي: طبقات الحفاظ ص 307.
(3) مقدمة في أصول التفسير ص 90، ومجموع الفتاوى (له) 13/ 361.
(4) الإتقان 4/ 213.
(5) يستخدم الطبري كلمة (التأويل) مرادفة لكلمة (التفسير).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
بين أهل التفسير فإنه يقول: (وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله … فقال بعضهم … وقال آخرون).
والطبري لا يقف عند حدود النقل، فكثيرا ما يرجح بين الروايات، أو ينقدها، ويختار من ذلك ما يراه أقوى حجة وأوضح دليلا، ويقول: (والصواب عندنا في ذلك). وهو
يذكر وجوه القراءات ويوجهها، ويذكر وجوه الإعراب ويبين آراء النحويين فيها، ويشير إلى الأحكام الفقهية عند تفسيره آيات الأحكام فيبين مذاهب الفقهاء فيها (1).
ويأتي تفسير الطبري على رأس مجموعة من التفاسير التي التزمت بنقل الروايات المأثورة في التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين خاصة، ولعل أشهر التفاسير في هذا الاتجاه بعد تفسير الطبري (2) ما يأتي (3):
1 - بحر العلوم- للسمرقندي، وهو أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم، المتوفى سنة 375 هـ.
2 - الكشف والبيان عن تفسير القرآن- للثعلبي، وهو أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم، المتوفى سنة 427 هـ.
3 - معالم التنزيل- للبغوي، وهو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء، المتوفى سنة 510 هـ.
4 - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز- لابن عطية، وهو أبو محمد عبد الحق بن غالب الأندلسي، المتوفى سنة 546 هـ.--------------------------------------------
(1) ينظر تفصيل منهج الطبري في التفسير: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون 1/ 173 - 174.
(2) ألّف يحيى بن سلام البصري الإفريقي (ت 200 هـ) كتابا جامعا في التفسير، بناه على إيراد الأخبار مسندة، وتعقبها بالنقد والاختيار، ولا يزال مخطوطا (ينظر: محمد الفاضل ابن عاشور: التفسير ورجاله ص 43).
(3) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون 1/ 204.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
5 - تفسير القرآن العظيم- لابن كثير، وهو الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن عمر الدمشقي المتوفى سنة 774 هـ.
6 - الجواهر الحسان في تفسير القرآن- للثعالبي، وهو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الجزائري، المتوفى سنة 876 هـ.
7 - الدر المنثور في التفسير بالمأثور- للسيوطي، وهو جلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر، المتوفى سنة 911 هـ.
الإسرائيليات في كتب التفسير بالمأثور:
وأخذ على كتب التفسير بالمأثور أنه دخلها كثير من الروايات المنقولة عن أهل الكتاب، تتعلق بتفسير الآيات التي تتحدث عن بدء الخليقة وقصص الأنبياء وأخبار الأمم الغابرة، مما لا علاقة له بأمور العقيدة والأحكام الشرعية، وهو ما يسمى عند أهل التفسير بالإسرائيليات نسبة إلى بني إسرائيل (1).
ولا شك في أن القرآن الكريم نسخ الديانات السابقة، كما نسخ كتبها، لكنّ هناك موضوعات أشار إليها القرآن الكريم ورد ذكرها في كتب الأنبياء السابقين مثل التوراة والإنجيل، لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الاطلاع عليها، لكن مع الحذر من أن تكون محرّفة أو منتحلة. فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (2).
كما روى البخاري عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنه قال: «كان أهل--------------------------------------------
(1) تفصيل موضوع الإسرائيليات في كتب التفسير ينظر عند: رمزي نعناعة: الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير. ومحمد محمد أبو شهبة: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير.
(2) مختصر صحيح البخاري 461 كتاب الأنبياء رقم الحديث 1379.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى (136) الآية» (1).
وكان ابن تيمية، رحمه الله، قد ناقش الروايات الإسرائيلية في كتب التفسير، وقسمها على ثلاثة أقسام، فقد قال: «ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد (2)، فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم (3)، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني … كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم … » (4).
وأفاض ابن خلدون في الحديث عن أصل الإسرائيليات وسبب وجودها في كتب التفسير، فقال: «وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء، مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى،--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري 8/ 170.
(2) في تفسير ابن كثير (1/ 5): «تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد».
(3) يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم: « … وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».
(4) مقدمة في أصول التفسير ص 100، ومجموع الفتاوى (له) 13/ 366.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما يعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا علاقة له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الاحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم، وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرّى فيها الصحة التي يجب بها العمل، وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملئوا الكتب بهذه المنقولات، وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنهم بعد صيتهم، وعظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقّيت بالقبول من يومئذ … » (1).
ويبدو أن تعليل ابن خلدون سبب ضعف تلك الروايات بأنها أخذت عن أهل الكتاب الذين كانوا يسكنون البادية لا ينطبق على جميع ما روي من تلك المنقولات، فقد جاء في الحديث السابق الذي رواه أبو هريرة، رضي الله عنه، أن أهل الكتاب كانوا يقرءون التوراة بالعبرانية ويترجمونها إلى العربية لأهل الإسلام، وهؤلاء لا يمكن وصفهم بأنهم من أهل البادية الذين لا علم عندهم، ولكن هذا النقل المباشر عن التوراة لا يمنع من وصف تلك الروايات بالضعف، أو عدم القطع بصحتها، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم)، لأن تلك الروايات قد تكون صحيحة، وقد تكون مكذوبة، بسبب ما تعرضت له كتبهم من التحريف والزيادة.
إن أكثر ما يروى في كتب التفسير من الإسرائيليات يرجع إلى أربعة أشخاص هم (2):--------------------------------------------
(1) المقدمة ص 439 - 440.
(2) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون 1/ 183.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
1 - الصحابي الكريم عبد الله بن سلام، توفي بالمدينة سنة 43 هـ.
2 - كعب الأحبار، كعب بن ماتع الحميري، توفي بحمص سنة 32 هـ.
3 - وهب بن منبّه الصنعاني، توفي بصنعاء سنة 144 هـ على خلاف.
4 - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، توفي سنة 150 هـ.
وينبغي الحذر من اتهام هؤلاء الأربعة بالدس على الدين، فقد كانوا من جلة العلماء، وعبد الله بن سلام صحابي مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلاثة الآخرون من مشهوري التابعين، وصف ابن حجر كل واحد منهم بأنه ثقة (1).
أما ما نقل عنهم من روايات فيجب أن ننظر إليه من خلال المنهج الصحيح الذي أشرنا إليه قبل قليل بشأن الإسرائيليات، فقد نقل هؤلاء الأربعة ما سمعوه أو قرءوه في كتب أهل الكتاب، وقد يكون صوابا وقد يكون باطلا، «ولكن يجب أن نفرّق في هذا المقام بين ما يصح أن يقال فيهم، وما يصح أن ينقل عنهم، فأما ما يصح أن يقال فيهم فهو الثقة والتقدير، على نحو ما ألمحنا، وأما الذي ينقل عنهم فمنه الصحيح وغير الصحيح، لكن عدم صحة ما لم يصح لا يعلل باتهامهم وتجريحهم … » (2).
ثانيا- من التفاسير اللغوية: «معاني القرآن وإعرابه- للزجاج»
يقف هذا التفسير على رأس مجموعة من الكتب اتجهت بالتفسير اتجاها خاصا، وهو الاهتمام بالناحية اللغوية والنحوية لكلمات القرآن وعباراته، ومحاولة فهم النص القرآني من خلال ذلك، وتسمى هذه التفاسير بكتب معاني القرآن، ويذكر الزركشي أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح قال: «وحيث رأيت في كتب التفسير (قال أهل المعاني) فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن، كالزجاج ومن قبله» (3).--------------------------------------------
(1) تقريب التقريب 1/ 366، و 2/ 494 و 652.
(2) محمد عبد العظيم الزرقاني: مناهل العرفان 1/ 495.
(3) البرهان 1/ 291، وينظر: السيوطي: الإتقان 2/ 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
وذكر ابن النديم في كتابه (الفهرست) خمسة وعشرين كتابا في معاني القرآن ومشكله ومجازه، من تأليف كبار علماء العربية، منهم: الكسائي، والأخفش، ويونس بن حبيب، والمبرد، وقطرب، وأبو عبيدة، والفراء، وابن كيسان، وابن الأنباري، والزجاج، وثعلب، وغيرهم (1).
وأشهر كتب معاني القرآن المعروفة في زماننا كتاب (معاني القرآن) لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت 207 هـ)، وكتاب (معاني القرآن) لأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش (ت 211 هـ)، و (مجاز القرآن) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت 210 هـ على خلاف)، وكتاب (معاني القرآن وإعرابه) لأبي إسحاق إبراهيم بن السّريّ الزجاج (ت 311
هـ)، وهو الكتاب الذي نريد أن نتحدث عنه ممثلا لاتجاه متميز في تفسير القرآن الكريم، يهتم بالناحية اللغوية أكثر من الجوانب الأخرى في التفسير.
والزجاج رجل يشهد الذين ترجموا له بأنه كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، رفعته همته من مهنة كان فيها يخرط الزجاج، إلى علم شامخ بين اللغويين والنحاة، ذلك أنه آنس من نفسه ميلا إلى النحو واشتهى التبحر فيه، فأخذه عن ثعلب رأس النحاة الكوفيين في بغداد في زمانه، ثم انتقل عنه إلى المبرد رأس النحاة البصريين في بغداد في زمانه، وقد خلّف الزجاج التآليف في تفسير القرآن، واللغة، والنحو، والعروض (2).
ويقوم منهج الزجاج في كتابه (معاني القرآن وإعرابه) على ذكر الآية، ثم اختيار ألفاظ منها ليحللها تحليلا لغويا، فيذكر أصل الكلمة، والمعنى الذي تدل عليه، ويستشهد بما يؤيد رأيه من كلام العرب، وقد يستطرد فيشرح الأمثلة التي يستشهد بها، ثم يعود لإعراب الآية إن كان فيها ما يحتاج إلى إعراب.--------------------------------------------
(1) الفهرست ص 34.
(2) ينظر: الداودي: طبقات المفسرين 1/ 7 - 10، ومصطفى الجويني: مناهج في التفسير ص 93 - 94.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
ويقرر الزجاج أن هناك ترابطا بين الإعراب والمعنى حيث قال: «إنما نذكر مع الإعراب المعنى والتفسير لأن كتاب الله ينبغي أن يبيّن، ألا ترى أن الله يقول:
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ (1) فحضضنا على التدبر والنظر، ولكن لا ينبغي لأحد أن يتكلم إلا على مذهب أهل اللغة أو ما يوافق نقلة أهل العلم» (2).
ويعنى الزجاج في كتابه القراءات القرآنية، معتمدا في ذلك على كتاب أبي عبيد القاسم بن سلّام (ت 224 هـ) في القراءات، قال: «وأكثر ما أرويه من القراءة في كتابنا هذا فهو عن أبي عبيد، مما رواه إسماعيل بن إسحاق، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي عبيد» (3).
ويبدو أن هذا المنحى في تفسير القرآن الكريم أصابه بعد الزجاج تطور أخرجه من دائرة التفسير إلى ميدان النحو، فالزجاج كان قد عنون كتابه (معاني القرآن وإعرابه)، ثم جاء أبو جعفر النحاس (أحمد بن محمد ت 338 هـ) بعد الزجاج وفصل بين معاني القرآن وإعراب القرآن، فألف كتابا في (معاني القرآن) وآخر في (إعراب القرآن)، فظهرت بعدئذ كتب إعراب القرآن التي تعنى بالناحية الإعرابية والوجوه النحوية، دون الاهتمام بالتفسير والمعنى، كما يظهر ذلك جليا في كتاب (مشكل إعراب القرآن) لمكي بن أبي طالب القيسي (ت 437 هـ) وكتاب (البيان في غريب إعراب القرآن) لأبي البركات الأنباري (ت 577 هـ)، وكتاب (التبيان في إعراب القرآن) لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (ت 616 هـ).
ولا يعني ذلك أن اهتمام المفسرين بالناحية اللغوية والإعرابية لآيات القرآن قد اختفى من كتب التفسير، فالمعرفة اللغوية والنحوية من أدوات المفسر الضرورية، لكن هذه الناحية لم تعد سمة بارزة في تفاسير القرآن الكريم، وقد--------------------------------------------
(1) في سورة النساء آية 28، وسورة محمد آية 24.
(2) معاني القرآن وإعرابه 1/ 161.
(3) المصدر نفسه 1/ 157.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
تبرز في بعض التفاسير، مثل تفسير (البحر المحيط) لأبي حيان الأندلسي (محمد ابن يوسف ت 745 هـ) الذي اعتنى فيه بالناحية اللغوية والنحوية عناية كبيرة، لكنه لم يهمل النواحي الأخرى التي لها اتصال بالتفسير (1).
ومن التفاسير التي تميزت بجانب من جوانب الدراسة اللغوية تفسير الزمخشري (محمود بن عمر ت 538 هـ) المعروف باسم (الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل)، فقد امتاز تفسير الزمخشري باهتمامه بالناحية البلاغية لأسلوب القرآن الكريم، وبيان جمال أسلوبه وبديع نظمه- على الرغم من النزعة الاعتزالية فيه- فالزمخشري يكثر في تفسيره من الكلام على أنواع الاستعارات والمجازات والأشكال البلاغية الأخرى، فحوى تفسيره ثروة بلاغية في المعاني والبيان لا تكاد توجد في تفسير آخر، وقد ترك الكشاف من هذه الناحية أثرا واضحا في التفاسير الأخرى (2).
ثالثا- من التفاسير الفقهية: «الجامع لأحكام القرآن- للقرطبي»
نظر عدد من المفسرين إلى الآيات القرآنية من ناحية تضمنها أحكاما فقهية، فبحثوا في تلك الآيات وفسروها، وبينوا ما يستنبط منها من أحكام، واحتجوا له. وظهرت مصنفات مستقلة تتناول آيات الأحكام دون ما سواها، أو مركّزة على تلك الآيات إلى جانب تفسير ما سواها من آيات القرآن، وأشهر التفاسير في هذا الاتجاه (3):
1 - أحكام القرآن- للإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ)، الذي طبع منه ما جمعه أبو بكر البيهقي.--------------------------------------------
(1) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون 1/ 318.
(2) المصدر نفسه 1/ 443.
(3) ينظر: الزركشي: البرهان 2/ 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
2 - أحكام القرآن- لأبي بكر أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصاص، الفقيه الحنفي، المتوفى سنة 370 هـ.
3 - أحكام القرآن- لأبي الحسن علي بن محمد المعروف بالكياالهراسي، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة 504 هـ.
4 - أحكام القرآن- لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، الفقيه المالكي، المتوفى سنة 543 هـ.
5 - الجامع لأحكام القرآن- لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، الفقيه المالكي، المتوفى سنة 671 هـ.
والجامع لأحكام القرآن للقرطبي من أوسع التفاسير التي عنيت بالأحكام الفقهية، قال الداودي في ترجمة المؤلف: مصنف التفسير المشهور الذي سارت به الركبان، كان من عباد الله الصالحين والعلماء العارفين، جمع في تفسير القرآن كتابا كبيرا في خمسة عشر مجلدا، وهو من أجل التفاسير، أسقط منه القصص والتاريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ (1).
وقد وضح القرطبي في أول الكتاب هدفه من التأليف، وبيّن منهجه فيه، فقال: «وبعد، فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع، الذي استقل بالسّنّة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري، وأستفرغ فيه منّتي (2)، بأن أكتب فيه تعليقا وجيزا، يتضمن نكتا من التفسير واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام … ونحن نشير إلى جمل من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. وأضرب عن كثير من قصص المفسرين--------------------------------------------
(1) طبقات المفسرين 2/ 65 - 66.
(2) المنّة: القوة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
وأخبار المؤرخين، إلا ما ندر منه ولا غنى عنه للتبيين، واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام، بمسائل تسفر عن معناها، وترشد الطالب إلى مقتضاها، فضمنت كل آية تتضمن حكما أو حكمين فما زاد مسائل نبيّن فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير والغريب والحكم، فإن لم تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل، هكذا إلى آخر الكتاب، وسميته ب (الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان … » (1).
والذي يقرأ في هذا التفسير يجد أن القرطبي، رحمه الله، قد وفّى بما شرطه على نفسه في هذا التفسير، فهو يعرض لذكر أسباب النزول والقراءات، والإعراب، ويبين معنى الغريب من ألفاظ القرآن، ويحتكم إلى اللغة كثيرا، ويكثر من الاستشهاد بأشعار العرب، وهو ينقل عن السلف كثيرا مما أثر عنهم في التفسير والأحكام، مع نسبة كل قول إلى قائله، وممن نقل عنهم كثيرا: ابن جرير الطبري، وابن عطية، وابن العربي، والكيا الهراسي، وأبو بكر الجصاص (2).
والقرطبي حين يبحث في آيات الأحكام، ويذكر مسائل الخلاف، يورد أدلة كل رأي، ويعلق عليها، ولا يتعصب لمذهبه المالكي، فربما رجح رأي غير الإمام مالك في بعض المسائل، وهو حين يرد أو ينقد فإنه يسوق ذلك في أدب وعفة، ويبتعد عن التعصب والتجريح (3).
رابعا- من التفاسير المتأثرة بالنزعة العقلية:
«التفسير الكبير- للفخر الرازي»
اعتمد عدد من المفسرين على النظرة العقلية في تفسير القرآن الكريم، فتوسعوا في تفسير آيات العقيدة والآيات الكونية، مستندين إلى ما تمخضت عنه--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن 1/ 2 - 3.
(2) ينظر: محمد حسين الذهبي 2/ 458.
(3) ينظر: مناع القطان: مباحث في علوم القرآن ص 380 - 381.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
الحضارة الإسلامية من ثقافة وعلوم عقلية في العصور المتعاقبة، فظهر أثر ذلك على عدد من التفاسير أشهرها (1):
1 - التفسير الكبير المسمى مفاتيح الغيب- لأبي عبد الله محمد بن عمر فخر الدين الرازي، المتوفى سنة 606 هـ.
2 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل- للقاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي، المتوفى سنة 685 هـ على خلاف.
3 - مدارك التنزيل وحقائق التأويل- لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، المتوفى سنة 701 هـ.
4 - غرائب القرآن ورغائب الفرقان- لنظام الدين بن الحسن النيسابوري، المتوفى سنة 728 هـ.
5 - لباب التأويل في معاني التنزيل- لعلاء الدين أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم، المعروف بالخازن، المتوفى سنة 741 هـ.
6 - السراج المنير في الإعانة على معرفة معاني كلام ربنا الحكيم الخبير- لمحمد ابن محمد، المعروف بالخطيب الشربيني، المتوفى سنة 977 هـ.
7 - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم- لأبي السعود محمد بن محمد ابن مصطفى المتوفى بالقسطنطينية سنة 982 هـ.
ولم يكن الرازي أول من اتجه بالتفسير هذه الوجهة، لكنه كان أكثر توسعا من غيره فيها، وفتح الطريق واسعا للمفسرين من بعده للمضي فيه، فظهرت مجموعة من
التفاسير اعتمدت على النظرة العقلية في تفسير القرآن، من غير أن تهمل التفسير المنقول، وكانت هذه التفاسير تعكس في الغالب شخصية المفسر--------------------------------------------
(1) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون 1/ 289.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
العلمية، فتنوعت لذلك طريقة معالجة تفسير الآيات في هذه التفاسير ولكن جميعها تعتمد على النظرة العقلية والاجتهاد في التفسير بالرأي المبني على الدليل، وسوف نتحدث عن تفسير الرازي الذي يقف في مقدمة هذه المجموعة من التفاسير.
أما الرازي فهو محمد بن عمر بن الحسين، أبو عبد الله، فخر الدين المفسّر، المتكلم، إمام وقته في العلوم العقلية، وأحد الأئمة في العلوم الشرعية، صاحب المصنفات المشهورة، والفضائل الغزيرة المذكورة، ولد في شهر رمضان سنة 544 هـ، ببلاد الري، وكانت وفاته في يوم الاثنين يوم عيد الفطر من سنة 606 هـ بمدينة هراة (1).
وكانت قاعدة ثقافة الرازي واسعة جدا، يظهر ذلك من قائمة كتبه، فهي في معارف متنوعة، وفنون عدة: في العلوم النقلية والعقلية والطبيعية، فقد ألّف في تفسير القرآن، والفقه، واللغة، والأدب، والتاريخ، وعلم الكلام، والمنطق، والفلسفة، والرياضة، والفلك، والطب (2).
وتفسير الرازي هو (التفسير الكبير)، ويسمى أيضا (مفاتيح الغيب)، وكان هناك شك في إتمام الرازي تأليف هذا التفسير، وقيل: إنه كتب معظمه وأتمه بعض المتأخرين (3)، لكن رجح بعض الباحثين المحدثين أن يكون الرازي قد كتب التفسير كله (4).--------------------------------------------
(1) تنظر ترجمة الرازي عند: الداودي: طبقات المفسرين 2/ 213 - 217.
(2) ينظر: محسن عبد الحميد: الرازي مفسرا ص 19 و 35. والداودي: طبقات المفسرين 2/ 216.
(3) محمد الفاضل بن عاشور: التفسير ورجاله ص 119، ومحمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون 1/ 291.
(4) محسن عبد الحميد: الرازي مفسرا ص 52 - 63.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
والرازي حين بدأ بتفسير سورة الفاتحة أطال الكلام فيها كثيرا، وأورد في تفسيرها من المسائل والفوائد الشيء الكثير، لكنه عاد حين أخذ في تفسير سورة البقرة إلى المنهج المعروف في التفسير الذي يدور على ألفاظ وعبارات الآيات القرآنية بشكل مباشر، ومع ذلك فإن تفسير الرازي يعد من التفاسير المطولة، لكثرة المسائل التي يثيرها الرازي وهو يفسر آيات القرآن.
وأكثر الرازي في تفسيره من إيراد قضايا علم الكلام ومسائل العقيدة، لأنه يعتقد أن هذا العلم من أشرف العلوم، بسبب اتصاله بالله الخالق، سبحانه وتعالى، لأنه لا طريق، في رأيه، إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال.
والناظر في هذا التفسير يجد نفسه أمام منهج عقلي يقوم على ما امتاز به الرازي من غزارة في العلم وقوة في الحجة. وهذا الاتجاه العقلي عند الرازي في تفسيره لا يعني أنه كان يفضل ثمرات العقول على صحيح المنقول، فإنه كان إذا ثبت النقل فسر الآية به، ولم يعدل عنه إلى غيره، فالمقصود بالمنهج العقلي عند الرازي هو تفسير القرآن الكريم فيما لم يرد فيه نص، لأن النقل إذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وحيا من الله تعالى، قاطعا في معناه، غير مخالف لما تؤدي إليه العقول، لأن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح، لأنهما صادران من مبدع واحد، فمن المحال أن يتعارضا تعارضا حقيقيا (1).
والرازي في تفسيره يهتم بكثير من القضايا ذات الصبغة العامة، فهو يكثر من الاستطراد إلى العلوم الرياضية والطبيعية، عند تفسير الآيات الكونية، ويناقش مسائل العقيدة كلما سنحت الفرصة لذلك، وهو لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا يذكر مذاهب الفقهاء فيها، ويستطرد كذلك إلى ذكر المسائل الأصولية والنحوية والبلاغية، ومؤكدا على مظاهر ووجوه إعجاز القرآن، وبالجملة فالكتاب أشبه بموسوعة في التفسير وعلم الكلام وعلوم الكون والطبيعة (2).--------------------------------------------
(1) ينظر: المصدر السابق ص 67 وما بعدها.
(2) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون 1/ 294.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
وهذا الشمول في تفسير الرازي هو الذي يوضح لنا قول أبي حيان في تفسيره (البحر المحيط): «جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير» (1).
ويبدو ان الرازي كان يشعر بتوسعه في المباحث العقلية والكونية، فقال مدافعا عن موقفه: «وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال: إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم، وذلك خلاف المعتاد، فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته … إن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار وكيفية أحوال الضياء والظلام وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وذكر هذه الأمور في أكثر السور، وكررها وأعادها مرة بعد أخرى، فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالها جائزا لما ملأ الله كتابه منها … » (2).
خامسا- من التفاسير الصوفية: «لطائف الإشارات» - للقشيري:
التصوف منهج في الحياة ينحو نحو الزهد في زينة الدنيا، والاجتهاد في العبادة، وتهذيب النفس، وهو منهج إسلامي أصيل النشأة، لكنه تطور حتى صار على أيدي بعض المتأخرين فلسفة تتضمن أفكارا تتعارض مع التوحيد الخالص، وجاءت بتفسيرات تؤدي إلى تعطيل أحكام الشرع. وكتب عدد من كبار المتصوفة تفاسير للقرآن الكريم وفق منهجهم الذي يستند إلى الفكرة القائلة بأن لكل آية معنى ظاهرا ومعنى باطنا، وأنهم عن طريق الرياضة الروحية والتأمل العميق تنكشف لهم معاني للآيات تتجاوز دلالة الألفاظ اللغوية المتعارف عليها في اللغة العربية.--------------------------------------------
(1) البحر المحيط 1/ 341، وينظر: السيوطي: الإتقان 4/ 213.
(2) التفسير الكبي 14/ 120 - 122.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
ومن أشهر التفاسير التي سلكت هذا المنهج (1):
1 - تفسير القرآن العظيم- لسهل بن عبد الله التستري، المتوفى سنة 283 هـ.
2 - حقائق التفسير- لأبي عبد الرحمن محمد بن الحسن السلمي، المتوفى سنة 412 هـ.
3 - لطائف الإشارات- لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، المتوفى سنة 465 هـ.
4 - عرائس البيان في حقائق القرآن- لأبي محمد روزبهان الشيرازي، المتوفى سنة 606 هـ.
5 - تفسير ابن عربي- وهو أبو بكر محمد بن علي، المتوفى سنة 638 هـ.
6 - التأويلات النجمية- لنجم الدين داية، المتوفى سنة 654 هـ، وأكمله علاء الدولة السماني المتوفى سنة 736 هـ.
وأغلب ما في هذه التفاسير لا يعطي توضيحا بيّنا لآيات القرآن الكريم، ولا يقدم نموذجا صالحا لتمثيل التصوف الإسلامي بأمانة وصدق، حتى نجد الواحدي يقول في (حقائق التفسير) للسلمي: «إن كان اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر!» (2).
وقد احتل (لطائف الإشارات) للقشيري موقعا متميزا بين تفاسير المتصوفة بفضل منزلة مؤلفه وثقافته الواسعة واعتداله في مسلكه الصوفي، قال محقق الكتاب:
«ونستطيع بعد ذلك أن نميز بين تفسير القشيري في (لطائفه) وبين أولئك الذين تنسب تفاسيرهم إلى التصوف وأهله، أولئك الذين أسرفوا حين حملوا النص القرآني فوق ما يحتمل، وبدلا من أن يخضعوا للنص القرآني أخضعوا النص القرآني لنصرة مذاهبهم، وساروا في الدروب العقلية حتى جمحوا، وابتعدوا عن--------------------------------------------
(1) ينظر: إبراهيم بسيوني: مقدمة تحقيق لطائف الإشارات 1/ 15 - 18.
(2) ينظر: الزركشي: البرهان 2/ 171.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
الخط الأصيل، حتى صارت تفاسيرهم جديرة بالدرس في مجالس الفلسفة والكلام لا في مجالس الرياضات والمجاهدات والأحوال، أما عند القشيري فليس هناك مذهب عقلي خبيء، ولا عقيدة باطنية مستورة» (1).
أما القشيري فهو الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن، النيسابوري، الملقب زين الإسلام، ولد سنة 376 هـ، وتوفي سنة 465 هـ، كان فقيها بارعا، أصوليا محققا، متكلما سنّيا، محدثا حافظا، مفسرا متفننا، نحويا لغويا، أديبا كاتبا شاعرا، مليح الخط جدا، شجاعا بطلا، له في الفروسية واستعمال السلاح الآثار الجميلة (2).
وهو صاحب (الرسالة) المشهورة الموصوفة بالرسالة القشيرية في التصوف، وكان قد أخذ التصوف عن أبي علي الدقاق خاصة.
وكان من جملة ما ألفه القشيري (التفسير الكبير)، ألفه قبل سنة 410 هـ، وهو من أجود التفاسير وأوضحها (3)، استوفى فيه تفسير القرآن الكريم على الطريقة المعروفة بالاهتمام بالتفسير والاهتمام بفنون اللغة بما يوضح معاني الآيات (4).
وألّف القشيري بعد ذلك تفسيره (لطائف الإشارات)، وهو تفسير صوفي للقرآن الكريم، وهو يعد أهم تفسير للقرآن الكريم على طريقة أرباب المجاهدات والأحوال.
والذي يعنينا من أمر هذا النوع من التفسير، الذي يسميه بعض الدارسين بالتفسير الإشاري، هو أن نقف على الحجة التي يستند إليها، وحقيقة المنهج الذي يسير عليه في تفسير آيات القرآن الكريم.--------------------------------------------
(1) إبراهيم بسيوني: مقدمة تحقيق لطائف الإشارات 1/ 36.
(2) ينظر: الداودي: طبقات المفسرين 1/ 338 - 346.
(3) المصدر نفسه 1/ 344.
(4) إبراهيم بسيوني: مقدمة تحقيق لطائف الإشارات 1/ 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
أما الحجة التي يستند إليها فهي رواية منقولة عن الحسن البصري، مرفوعة مرة وموقوفة أخرى، ونصها: «لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع». وهذه
الرواية بين أن تكون حديثا ضعيفا لإرساله، لأن الحسن، رحمه الله، لم يسمّ الصحابي الذي أخذ عنه هذا الحديث، وبين أن تكون من كلام الحسن البصري (1).
وكان عبد الرزاق الصنعاني قد نقل الرواية في مصنفه عن الحسن، هكذا:
«عن الحسن، قال: … والذي نفسي بيده ما منه آية إلا ولها ظهر وبطن، وما فيه حرف إلا وله حد، ولكل حد مطلع».
قال عبد الرزاق: فحدثت به معمرا، قال: امحه، لا تحدث به أحدا» (2).
وفي معنى الرواية آراء للعلماء لخصها الزركشي بقوله: «أما قوله: «ظهر وبطن» ففي تأويله أربعة أقوال:
أحدها: وهو قول الحسن، أنك إذا بحثت عن باطنها، وقسته على ظاهرها، وقفت على معناها.
الثاني: قول أبي عبيد (3)، إن القصص ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها عظة للآخرين.
الثالث: قول ابن مسعود، رضي الله عنه، أنه ما من آية إلا عمل بها قوم، ولها قوم سيعملون بها.
الرابع: قاله بعض المتأخرين، إن ظاهرها لفظها، وباطنها تأويلها. وقول أبي عبيد أقربها» (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى 13/ 232، والسيوطي: الإتقان 4/ 196.
(2) المصنف 3/ 358.
(3) في البرهان (أبي عبيدة) والتصحيح من السيوطي: الإتقان 4/ 196.
(4) البرهان 2/ 169، وينظر: السيوطي: الإتقان 4/ 196.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)