وحججه، ويتعظوا بعظاته، ويتفكروا في آياته» (1). ومن المفسرين من قال إن معنى يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ: أنزلناه بلغتك، وكلا التفسيرين يؤولان إلى التيسير الذي خص الله به كتابه الكريم (2).
ثانيا- عالمية رسالة القرآن:
ليس جديدا القول إن رسالة القرآن ودعوة الإسلام جاءت للناس عامة، ولا يتناقض ذلك مع كون القرآن أنزل باللغة العربية على النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم وسط بلاد العرب، لأن البشرية لا تملك لغة عالمية يفهمها الجميع، فكان لا بد من أن تكون الرسالة الخاتمة بإحدى اللغات البشرية، ثم على المؤمنين من أبناء اللغات الأخرى أن يتعلموا من تلك اللغة ما يعرّفهم بمضمون تلك الرسالة. وقد بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بالرسالة، واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (124) [الأنعام] ومن ثمّ أنزل القرآن بالعربية، وكان العرب أول من تلقى الدعوة الجديدة، ثم حملوها إلى الناس أجمعين، قال ابن بطال القرطبي (علي بن خلف ت 449 هـ): «إن الوحي كله إنما نزل بلسان العرب، ولا يرد على هذا كونه صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة عربا وعجما وغيرهم لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي، وهو يبلغه إلى طوائف العرب، وهم يترجمونه إلى غير العرب بألسنتهم» (3).
وجاءت آيات القرآن الكريم تؤكد هذا المعنى وتوضحه، قال الله تعالى:
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (107) [الأنبياء].
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (28) [سبأ].--------------------------------------------
(1) جامع البيان: 16/ 133 و 25/ 138.
(2) البيضاوي: أنوار التنزيل 2/ 41 و 2/ 385.
(3) نقلا عن ابن حجر: فتح الباري 9/ 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ (158) [الأعراف].
قال أهل التفسير: «يقول تعالى ذكره: وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين من قومك خاصة، ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين، العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود … » (1).
وقد بيّن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى أيضا، فجاء في حديث جابر بن عبد الله، الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي» وذكر منهن: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة» (2).
وقد ختمت الرسالات ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (40) [الأحزاب] «فلا تفتح النبوة لأحد من بعده إلى قيام الساعة» (3). وقد قال الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ (19) [آل عمران] وقال: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) [آل عمران]، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (4). قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: «فيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم …
وقوله صلى الله عليه وسلم: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته» (5).--------------------------------------------
(1) الطبري: جامع البيان 22/ 96.
(2) ابن حجر: فتح الباري 1/ 435 و 533.
(3) الطبري: جامع البيان 22/ 16.
(4) صحيح مسلم بشرح النووي 2/ 186.
(5) المصدر نفسه 2/ 188.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
ومع أن رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة للرسالات السابقة فإنها جاءت امتدادا لها، ومكملة لأحكامها، وقد مثل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله الذي رواه البخاري:
«إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللّبنة، وأنا خاتم النبيين» (1).
وقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يقولوا: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) [البقرة].
إن عربية القرآن لا تلغي موقع العرب المتميز في حملها، فقد اختار الله تعالى العرب للإسلام لخصائص طبعيّة ومزايا خلقية ينفردون بها، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، وقد أثبت العرب الأولون حكمة هذا الاختيار بفهمهم العميق لطبيعة الإسلام، وإساغتهم الكاملة لتعاليمه، وتجردهم النادر عن كل ما ينافيها، وحماستهم المنقطعة النظير في نشر الإسلام، وتفانيهم الغريب في إعلاء كلمته، ورفع شأنه، وأمانتهم الدقيقة في حفظ روحه ونفسيته، ونجاحهم المدهش في تسخير القلوب والعقول لقبول عقيدته وثقافته.
لقد ربط الله بين العرب والإسلام إلى الأبد، وربط مصير أحدهما بالآخر، فلا عز للعرب إلا بالإسلام، ولا يظهر الإسلام في مظهره الصحيح إلا إذا قاد العرب ركبه وحملوا مشعله (2)، كما أن الله تعالى ربط بين القرآن والعربية، فالقرآن أكبر عوامل حياة هذه اللغة واستمرارها وانتشارها ووحدتها، وتظل اللغة العربية أساسا لتلاوة القرآن وفهمه وتفسير آياته، ومن ثمّ فإن ما لا يحصى من المسلمين من غير العرب يحبون هذه اللغة الكريمة ويحرصون على تعلمها--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري 6/ 588.
(2) ينظر: أبو الحسن الندوي: العرب والإسلام ص 3 - 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
وإتقانها في القديم وفي الحديث، لأنها لغة القرآن، ولغة العبادة والدين.
وقد أحسن أبو منصور الثعالبي (ت 430 هـ) التعبير عن العلاقة الخالدة بين العربية والقرآن بقوله: «من أحبّ الله تعالى أحبّ رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ومن أحبّ الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية، التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحب العربية عني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمدا صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد … » (1).--------------------------------------------
(1) فقه اللغة ص 1.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
الفصل الثاني تدوين القرآن الكريم
المبحث الأول كتابة القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم
أولا- القرآن يمحو أميّة العرب:
نزل القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والعرب تغلب عليهم الأمية، قال البلاذري وهو يتحدث عن الكتابة في مكة: «دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب». وقال عن الكتابة في يثرب: إن الإسلام جاء وفيهم عدّة يكتبون، وذكر منهم أحد عشر رجلا (1). ومن ثم قال ابن قتيبة: «وكانت الكتابة في العرب قليلا» (2).
وقد وصف الله تعالى العرب في القرآن بالأميين، ووصف رسوله صلى الله عليه وسلم بالنبي الأمي، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2) [الجمعة]. وقال سبحانه:
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ … (157) … فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) [الأعراف]، والتفسير الذي يذهب إليه أكثر المفسرين لكلمة الأمي هو أنه الذي لا يكتب ولا يقرأ، ومعنى كلمة الأميين هم الذين لا يكتبون ولا يقرءون، وقد وصف القرآن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمي لأنه لم يقرأ--------------------------------------------
(1) فتوح البلدان ص 477 و 479.
(2) المعارف ص 130.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
كتابا، ولا تعلم الكتابة، ووصف العرب بالأميين لأن أكثرهم كانوا لا يكتبون ولا يقرءون (1).
وكان بزوغ شمس الإسلام في بلاد العرب إيذانا بنهضة شاملة، كان أحد مظاهرها انتشار الكتابة واستخدامها في أغراض الحياة المتعددة على الرغم من قلة الكاتبين في بدء الدعوة، وصعوبة وسائل الكتابة، ولا يخفى على القارئ أن الأمر بالقراءة وذكر التعليم بالقلم في أول آيات أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ذو دلالة أكيدة على عناية الدعوة الجديدة بالكتابة والعلم، كما أن تسمية القرآن بالكتاب في آيات كثيرة أمر يدل على استشرافها لآفاق المستقبل الذي يجمع فيه القرآن في كتاب.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أميّا، وكانت الأميّة في حقه فضيلة (2)، لأنها أدلّ على صدق ما جاء به، قال الله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (48) [العنكبوت]، لكنه مع ذلك اعتنى بموضوع الكتابة كثيرا، واتخذ له كتّابا يكتبون له الوحي، ويكتبون رسائله وعهوده وما كان يأمر به، حتى بلغ عدد كتّابه من صحابته أكثر من أربعين كاتبا (3). وشجّع على تعلم الكتابة، حتى إنه جعل فداء أسرى بدر ممن لم يكن له مال أن يعلّم صبيان الأنصار الكتابة (4)، فيعلّم كلّ واحد عشرة من المسلمين الكتابة (5)، فقلّت الأمية بين العرب بعد انتشار الإسلام بينهم، وقد فسر ابن عباس كلمة (الكتاب) الواردة--------------------------------------------
(1) الطبري: جامع البيان 9/ 83 و 28/ 94، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن 7/ 298 و 18/ 91، والبيضاوي: أنوار التنزيل 1/ 362 و 2/ 492.
(2) ينظر: ابن عبد ربه: العقد الفريد 4/ 160.
(3) ينظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 1/ 69، والهوريني: المطالع النصرية ص 13.
(4) ينظر: أبو عبيد: كتاب الأموال ص 128، ومسند الإمام أحمد 1/ 247.
(5) ابن سعد: الطبقات الكبرى 2/ 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ (2) [الجمعة] فسرها بالخط والقلم، وكلمة (الكتاب) مصدر للفعل (كتب) مثل الكتابة (1)، فقال: «الكتاب: الخط بالقلم، لأن الخط فشا في العرب بالشرع، لما أمروا بتقييده بالخط» (2).
ثانيا- النبيّ صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابة القرآن:
نزل القرآن مفرقا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يسر الله له حفظ القرآن، فلم تكن به حاجة إلى مصحف يقرأ فيه، وكان يتلوه على صحابته، ويأمرهم بتعهده خشية نسيانه، وآفة الحفظ النسيان، ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن، ونقل عنه أنه قال: «قيّدوا العلم بالكتاب» (3). وهذا القول من جوامع الكلم، فقد جعل صلى الله عليه وسلم الكتابة كالقيد للعلم، فلا يذهب ولا ينسى. وكان القرآن الكريم أولى بالتقييد من غيره، حتى لقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور الذي رواه أبو سعيد الخدري: «لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه» (4). وكان ذلك خشية أن تختلط ألفاظ الوحي بحديثه صلى الله عليه وسلم، وقد أذن لبعض الصحابة بكتابة الحديث بعد ذلك (5).
ونقل الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان كلما نزل عليه الوحي دعا بعض من يكتب له، فيقول له: ضع هذه الآية أو الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا (6)، يعني اسم السورة. وكان كثيرا ما يقول: «ادع لي زيدا، وليجئ باللّوح--------------------------------------------
(1) ابن منظور: لسان العرب 2/ 192 كتب.
(2) ينظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 18/ 92.
(3) الخطيب: تقييد العلم ص 69، وروى الدارمي هذه الكلمة عن عمر بن الخطاب (سنن الدارمي 1/ 127)، وقد يكون عمر اقتبسها عن النبي واستشهد بها.
(4) صحيح مسلم بشرح النووي 18/ 129، والدارمي: كتاب السنن 1/ 119.
(5) ينظر: سنن الدارمي 1/ 125.
(6) أبو داود: كتاب السنن 1/ 209، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص 233، والزركشي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
والدّواة» (1)، فيكتب له الوحي. وكان زيد بن ثابت ألزم الصحابة لكتابة الوحي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما أنه كان جار رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فقد روى ابن أبي داود عن خارجة بن زيد قال: «دخل نفر على زيد بن ثابت، فقالوا:
حدّثنا بعض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ماذا أحدّثكم! كنت جار رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا نزل الوحي أرسل إليّ فكتبت الوحي، … » (2).
ولا ريب في أن كتابة القرآن في المدينة كانت أيسر منها في مكة، لما كان يعانيه المسلمون من القلة والأذى من المشركين، ومع ذلك جاءت روايات تؤكد أن القرآن كان يكتب في مكة- قبل الهجرة- وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته (3).
وقد ورد في قصة إسلام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن أوائل سورة طه كانت مكتوبة في رقعة في بيت أخته فاطمة، يتعلمون منها القرآن (4). ولم تكن هذه الصحيفة إلا واحدة من صحف كثيرة كانت متداولة بين المسلمين في مكة يقرءون فيها القرآن (5).
ويبدو أن عددا غير قليل من الصحابة كانوا يكتبون القرآن، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: «لا تكتبوا القرآن إلا في شيء طاهر» (6). وذلك لحاجتهم إلى الكتابة على الأكتاف والجلود ونحوها، ومن ثم كثرت الصحف التي كتب عليها القرآن في أيدي الصحابة حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن أو المصاحف إلى أرض العدو خشية أن ينالوها (7).--------------------------------------------
البرهان 1/ 234.
(1) البخاري: الجامع الصحيح 6/ 227، والذهبي: سير أعلام النبلاء 2/ 308.
(2) كتاب المصاحف ص 3، وينظر: أبو الشيخ: أخلاق النبي وآدابه ص 19.
(3) ينظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 1/ 68.
(4) ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/ 267، وابن هشام: السيرة النبوية 1/ 344.
(5) محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 309.
(6) أبو عبيد: فضائل القرآن 17 و.
(7) ينظر: ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 179 - 185.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
ثالثا- مراجعة كتابة القرآن:
لم تتوقف كتابة القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى اكتملت كتابته كله، لكنه لم يكن قد جمع في مكان واحد، وإنما كان مفرقا في الرقاع والألواح والعسب (1).
وقد نقل الطبري عن الزهري أنه قال: «قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع في شيء، وإنما كان في الكرانيف والعسب» (2).
وكانت كتابة القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تخضع للمراجعة والتدقيق، في مرحلتين، الأولى عند كتابة الآيات التي ينزل بها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، والثانية مراجعة القطع التي كتب عليها القرآن وترتيبها.
روى سليمان بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد أنه قال: «كنت أكتب الوحي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يملي عليّ، فإذا فرغت قال: اقرأه، فأقرؤه، فإن كان فيه سقط أقامه، ثم أخرج به إلى الناس» (3). ومعنى قوله: (فإن كان فيه سقط أقامه) إن وجد في الكتابة نقصا أصلحه.
وروى المحدّثون عن زيد بن ثابت أنه قال: «كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلّف القرآن من الرّقاع» (4)، ومعنى التأليف: الترتيب، لأنه يقال في اللغة: ألّفت الشيء تأليفا، إذا وصلت بعضه ببعض، وجمعت بعضه إلى بعض (5). والرقاع--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري 9/ 12، والقسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 51.
(2) جامع البيان 1/ 28.
(3) الفسوي: المعرفة والتاريخ 1/ 377، والطبراني: المعجم الكبير 5/ 142، والصولي: أدب الكتاب ص 165، والسمعاني: أدب الإملاء ص 77، والهيثمي: مجمع الزوائد 8/ 257.
(4) الترمذي: كتاب السنن 5/ 690، والحاكم: المستدرك 2/ 229، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، والبيهقي: دلائل النبوة 7/ 147، وأبو شامة:
المرشد الوجيز ص 44.
(5) ابن منظور: لسان العرب 10/ 352 ألف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
جمع رقعة، وهي تطلق على ما كان يكتب عليه القرآن آنذاك (1). وقد قال البيهقي معلقا على هذا الحديث: «وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب: الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم» (2).
وبناء على ذلك نصّ العلماء على أن كتابة القرآن سنّة نبوية ثابتة حفظ الله تعالى بها القرآن من الزيادة أو النقصان أو التحريف، فقال الحارث المحاسبي (ت 243 هـ): «كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرّقا في الرقاع والأكتاف والعسب» (3). وقال أبو عمر الداني (ت 444 هـ):
«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنّ جمع القرآن وكتابته وأمر بذلك وأملاه على كتبته، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى حفظ القرآن جماعة من أصحابه» (4).
وإنما لم يجمع القرآن في صحف منظمة أو مصحف واحد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لأن القرآن كان ينزل مفرقا، فربما نزل بعض السورة وتأخر نزول تتمتها، فكانت الآيات تكتب على الرقاع وتراجع بين آونة وأخرى لترتيبها في سورها بتوجيه من النبي صلى الله عليه وسلم «فلما ختم الله، عز وجل، دينه بوفاة نبيه صلى الله عليه وسلم وكان قد وعد له حفظه بقوله عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9) [الحجر]، وفّق الله خلفاءه لجمعه عند الحاجة إليه بين الدّفتين، وحفظه كما وعده» (5).--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه 9/ 491 رقع. وينظر: السيوطي: الاتقان 1/ 168، حيث ذكر أن القرآن كتب آنذاك على قطع الأديم، والأكتاف، والأقتاب، والقتب خشب الرّحل، واللّخاف، وهي الحجارة الدقاق، والعسب، وهو كرب النخيل، والرقاع، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد.
(2) دلائل النبوة 7/ 147.
(3) نقلا عن السيوطي: الاتقان 1/ 168.
(4) جامع البيان 10 و.
(5) البيهقي: دلائل النبوة 7/ 154، وينظر: ابن حجر: فتح الباري 9/ 12، والسيوطي:
الاتقان 1/ 164.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
إن الأحداث الجسام، والظروف الصعبة، والكفاح المستمر الذي صاحب حياة النبي صلى الله عليه وسلم وإن وسائل الكتابة الخشنة البدائية الصعبة الاستخدام، مع قلة الكتبة وضعف خبراتهم الكتابية- كل ذلك لم يحل دون كتابة القرآن، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو كتّاب الوحي ويأمرهم بكتابة ما ينزل عليه من القرآن، ويراجعه معهم.
المبحث الثاني جمع القرآن في الصحف
أولا- أسباب جمع القرآن:
كان القرآن الكريم قد كتب مفرقا في الرقاع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن لم يجمع في صحف منظمة، وحين تولى أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، الخلافة في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة سعى إلى تثبيت أسس الدولة التي بناها رسول صلى الله عليه وسلم وكان أول ما واجهه- في خلافته- ارتداد قبائل من العرب وامتناعهم عن أداء بعض حقوق الإسلام، ووقف الصديق من هؤلاء موقفا حازما، وقال كلمته المشهورة: «والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدّونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه» (1). وانضم بعض المرتدين إلى مدّعي النبوات الكاذبة، فجهّز الصديق الجيوش التي كان في طليعتها كبار الصحابة، لقتال هؤلاء الخارجين، ولم تمض إلا مدة يسيرة حتى عادت الجزيرة العربية كلها إلى حظيرة الإسلام، واندفعت جيوش الصحابة نحو الشام والعراق.
وقد استشهد في تلك الحروب عدد من الصحابة، رضوان الله عليهم، كان من بينهم عدد من حفاظ القرآن. وكانت معركة اليمامة، التي أذلّ الله فيها مسيلمة الكذاب وجمعه، من أعظم الغزوات في حروب الردة، وأبعدها أثرا، وقد استشهد--------------------------------------------
(1) تاريخ خليفة 1/ 79.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
فيها عدد من كبار الصحابة المهاجرين والأنصار، كان من بينهم نحو خمسين من حملة القرآن (1).
وكانت هذه الأحداث، وما رافقها من مقتل عدد كبير من الصحابة من حفاظ القرآن، من أهم العوامل التي جعلت عددا من الصحابة يفكرون في ضرورة جمع القرآن في صحائف موحدة، بدل تلك القطع المتفرقة، خشية أن يقتل عدد آخر من حفاظ القرآن من الصحابة، أو أن تذهب تلك القطع التي كتب عليها، فيتعرض القرآن إلى ضياع
شيء منه أو نسيانه، وكانت حرب اليمامة ونتائجها السبب المباشر الذي وضع تلك الفكرة موضع التنفيذ.
وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قد أحزنه مقتل الصحابة في اليمامة، لا سيما أخوه زيد بن الخطاب، وأقلقه مقتل الحفاظ منهم، مثل سالم بن معقل مولى أبي حذيفة، وهو من أشهر حفاظ القرآن، فجاء إلى الخليفة الصديق وقال له: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تهافتوا يوم اليمامة تهافت الفراش في النار، وإن القتل استحرّ بأهل اليمامة من قراء المسلمين، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القراء، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن (2).
ولم تلق الفكرة في بدء الأمر موافقة الخليفة الصديق، الذي كان شديد الحرص ألّا يعمل عملا لم يعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن المراجعة التي حصلت بعد عرض الفكرة أدت إلى اقتناع الخليفة بها وتكليف زيد بن ثابت بالقيام بأعبائها.
ثانيا- كيفية جمع القرآن:
نقلت كتب الحديث والتاريخ تفاصيل عملية جمع القرآن في الصحف، من القطع التي كتبت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري وغيره، عن محمد--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه 1/ 90.
(2) ينظر: الطبري: جامع البيان 1/ 26، والطبراني: المعجم الكبير 5/ 130.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
ابن شهاب الزهري، عن عبيد بن السبّاق، عن زيد بن ثابت أنه قال (1): «أرسل إليّ أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر، رضي الله عنه، إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ (2) يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بقراء القرآن في المواطن كلها، فيذهب كثير من القرآن، إلّا أن تجمعوه، وإني أرى أن تأمر من يجمع القرآن. قال أبو بكر:
قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت الذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شابّ، عاقل، لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبّع القرآن فاجمعه. قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو بكر: هو والله خير. فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما.
قال زيد: فقمت فتتبعت القرآن، أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور (3) الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ (128) [التوبة] حتى خاتمة براءة، مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره (4)، فألحقتها في سورتها.--------------------------------------------
(1) البخاري: الجامع الصحيح 6/ 89 و 6/ 225 و 9/ 92، والترمذي: كتاب السنن 5/ 264، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 6 - 8، والطبراني: المعجم الكبير 5/ 146 - 148، وابن النديم: الفهرست ص 27.
(2) استحرّ معناه: اشتد وكثر.
(3) ذكر ابن حجر (فتح الباري 9/ 15): أن الواو في (وصدور الرجال) بمعنى (مع) أي:
أكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدور.
(4) أي لم أجدها مكتوبة مع غيره، لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة (ينظر: السيوطي:
الاتقان 1/ 167).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر».
وتبيّن هذه الرواية المفصلة أن القرآن لم يجمع في صحف منظمة قبل هذا الجمع، وهو ما دلت عليه الروايات التي عرضناها عند الحديث عن كتابة القرآن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسمية ما جمع فيه زيد القرآن بالصحف لا يعني أن تلك الصحف لم تكن على شكل منظم، فقد جاء في بعض الروايات أن تلك الصحف كانت محفوظة بين لوحين، كما روي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال: «رحمة الله على أبي بكر، كان أول من جمع القرآن بين اللوحين» (1). وجاء في بعض الروايات تسمية تلك الصحف بالمصحف، كما نقل الطبري «أن أبا بكر أول من ورّث الكلالة، وجمع المصحف» (2).
ولعل التسمية بالصحف كانت قد ظهرت أولا، أخذا من قوله تعالى: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2) [البينة]، لا سيما أن القرآن كان أول كتاب عرفه المسلمون في تلك الفترة. ثم ظهرت كلمة (المصحف) بعد ذلك، وهو في اللغة: الجامع للصحف المكتوبة بين الدفتين (3).
ولا شك في أن تلك الصحف كانت من مادة تشبه الورق، ويمكن أن يعمل منها قطع متساوية، يسهل ضمها بين دفتين، على خلاف القطع التي كتب عليها القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإنها كانت غير متجانسة ولا يمكن أن يضم بعضها إلى بعض فتشكل ما يشبه الكتاب. ولا يتبين من الروايات نوع المادة التي كانت منها تلك الصحف، فجاء في رواية أنها من القرطاس، وهو الورق الذي يعمل من--------------------------------------------
(1) ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 5.
(2) جامع البيان 1/ 28.
(3) ابن منظور: لسان العرب 11/ 88 صحف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
البردي في مصر قديما (1). وفي رواية أنها من الورق (2)، وقيل إن زيدا كتبه في قطع الأدم (3).
ثالثا- التدقيق في جمع القرآن:
إن ما بأيدي الدارسين اليوم من روايات تتعلق بجمع القرآن الكريم في المصحف تشير إلى أن زيد بن ثابت لم يعمل منفردا، وإن كان قد تحمل العبء الأكبر من العمل، لما توفر له من الصفات التي جعلت الخليفة يختاره لهذه المهمة، فقد روي أن أبا بكر الصديق طلب من عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت أن يقعدا على باب المسجد، ويناديا: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكانا لا يقبلان من أحد شيئا، حتى يشهد شهيدان (4). وقد قيل إن المراد بالشهيدين أن يشهدا على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، (5) قال أبو شامة:
«إنما كان قصدهم أن ينقلوا من عين المكتوب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتبوا من حفظهم … » (6).
ويتبين من ذلك أن زيد بن ثابت اتبع في جمع القرآن طريقة التحقيق العلمي التي تنأى عن الخطأ، وقد اتبع الطريقة بدقة دونها كل دقة، فقد طلب أبو بكر إلى كل من عنده من القرآن شيء مكتوب أن يجيء به إلى زيد، واجتمع لزيد من الرقاع والأكتاف وجريد النخل ورقيق الحجارة، ومن كل ما كتب أصحاب رسول--------------------------------------------
(1) ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 9، وابن حجر: فتح الباري 9/ 16.
(2) أبو شامة: المرشد الوجيز ص 64، والسيوطي: الاتقان 1/ 169.
(3) الطبري: جامع البيان 1/ 26.
(4) ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 6، والسيوطي: الاتقان 1/ 166.
(5) أبو شامة: المرشد الوجيز ص 55، وابن حجر: فتح الباري 9/ 15.
(6) المرشد الوجيز ص 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
الله صلى الله عليه وسلم القرآن عليه، الشيء الكثير، عند ذلك جعل يرتبه ويوازنه ويستشهد عليه، ولا يثبت آية إلا إذا اطمأن إلى إثباتها كما أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1)
ويتحصل من ذلك حقيقتان اثنتان هما (2):
الأولى: إن عمل زيد، رضي الله عنه، في جمع القرآن لم يكن كتابة مبتدأة، ولكنه إعادة لمكتوب، فقد كتب كله في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عمل زيد هو البحث عن الرقاع التي كان قد كتب عليها والتأكد من سلامتها.
الثانية: إن عمل زيد لم يكن عملا فرديا، بل كان عملا جماعيا شارك فيه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان معهم من القرآن الذي كتبوه من قبل.
واستغرقت عملية جمع القرآن ما يقرب من سنة، فقد تم ذلك بعد معركة اليمامة، التي وقعت في الأشهر الأخيرة من السنة الحادية عشرة، وقبل وفاة الصديق، رضي الله عنه، التي كانت في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة (3). ولا شك في أن جمع القرآن تم قبل وفاة الصديق بمدة، إذ إن الرواية تشير إلى أن الصحف التي جمع فيها القرآن أودعت عنده حتى توفاه الله.
لقد كان جمع القرآن من جلائل الأعمال التي ازدان بها عهد الصديق، إن لم يكن أجلها (4)، لأنه جاء في وقته المناسب، واعتمد على أوثق ما هو متاح من الوثائق. وقد قال الإمام علي، رضي الله عنه: «أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر، فإنه أول من جمع القرآن بين اللوحين»، وروي أنه قال: «رحم الله أبا بكر، كان أول من جمع القرآن بين اللوحين» (5).--------------------------------------------
(1) محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 322.
(2) ينظر: محمد أبو زهرة: المعجزة الكبرى ص 33.
(3) تاريخ خليفة 1/ 105.
(4) محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 16.
(5) ابن أبي داود كتاب المصاحف ص 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
المبحث الثالث توحيد المصاحف
أولا- تعدد المصاحف واختلاف القراءات:
امتدت رقعة الدولة الإسلامية في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، (من سنة 13 - 23 هـ) وواكب ذلك الامتداد جهود كبيرة لتعليم الناس القرآن والفقه في الدين، وكان يشرف على تلك الجهود ويوجهها الخليفة نفسه، فقد أرسل عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، إلى الكوفة، ليعلم أهلها القرآن والفقه (1). وأرسل عبد الله بن قيس المشهور بأبي موسى الأشعري إلى البصرة ليعلم الناس فيها قراءة القرآن (2). وبعد فتح الشام كتب واليها يزيد بن أبي سفيان إلى الخليفة عمر بن الخطاب: أن أهل الشام قد كثروا وملئوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن، ويفقههم، فأعنّي يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فأرسل إليه عمر كلا من أبي الدرداء ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت، وهم من علماء الصحابة بالقرآن والفقه (3).
وكان علماء الصحابة الذين نزلوا في الأمصار الإسلامية يعلّمون الناس أمور الدين، ويقرءونهم القرآن، على ما كانوا يقرءون في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رخّص لهم بقراءة القرآن بالنطق الذي يستطيعونه، نظرا لاختلاف لهجاتهم، وتقدّم أعمارهم، ولم يحملهم النبي صلى الله عليه وسلم على تعلم نطق معين، وقد عبّر عن تلك الرخصة قوله المشهور: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسّر منه».
وسيأتي تفصيل ذلك في موضوع قراءة القرآن، إن شاء الله.--------------------------------------------
(1) ابن سعد: الطبقات الكبرى 6/ 7، وابن مجاهد: كتاب السبعة ص 66.
(2) ابن سعد: الطبقات الكبرى 2/ 345.
(3) ابن سعد: الطبقات الكبرى 2/ 357.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
وقد أتاحت حركة الفتوح أن يلتقي المسلمون من التابعين تلامذة الصحابة، رضي الله عنهم، وكانوا من قبائل شتى وفيهم العربي وغير العربي، وكانوا يتدارسون القرآن، وكان كل واحد يقرؤه على نحو ما تعلمه من الصحابي، فتراجعوا في بعض وجوه القراءات، وادّعى بعضهم أن قراءته أصح من قراءة غيره.
وكانت مظاهر تلك الحالة أشد وضوحا في خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وتنقل الروايات التاريخية صورا متعددة لذلك الاختلاف في القراءة، فمن ميادين القتال إلى ميادين التعليم (1). وتكاثرت أخبار ذلك الاختلاف ووصلت إلى مسامع الخليفة في المدينة، ومعه كبار الصحابة، مما جعلهم يفكرون في الوسائل التي يمكن أن تحافظ على النص القرآني وتمنع وقوع الاختلاف فيه.
وكانت كتابة القرآن في الأمصار تعتمد على قراءات الصحابة الذين نزلوا فيها، فكان أهل الكوفة يكتبون مصاحفهم على قراءة عبد الله بن مسعود (2)، وكان أهل دمشق قد كتبوا مصحفهم على قراءة أبي الدرداء (3)، وهكذا في بقية الأمصار، وكانت تلك المصاحف تعكس الاختلاف الذي ظهر في القراءة، وكانت تعتمد على الجهد الفردي في الغالب، ولم يتوافر لشيء منها ما كان قد توافر للصحف التي جمع فيها زيد بن ثابت القرآن في خلافة أبي بكر الصديق.
قال ابن عطية: «وانتشرت في خلال ذلك صحف في الآفاق كتبت عن الصحابة، كمصحف ابن مسعود، وما كتب عن الصحابة بالشام، ومصحف أبيّ، وغير ذلك، وكان في ذلك اختلاف حسب الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها» (4).
برزت إذن بشكل واضح مشكلة اختلاف المسلمين في قراءة القرآن ووجود--------------------------------------------
(1) ينظر الطبري: جامع البيان 1/ 27، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 12 - 14.
(2) ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 137.
(3) المصدر نفسه ص 155.
(4) المحرر الوجيز 1/ 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
مصاحف متعددة غير موحدة بسبب اختلاف القراءات، وربما بسبب تفاوت الحفظ وتباين الدقة في الكتابة. وكانت هذه المشكلة موضع اهتمام الخليفة الثالث عثمان، وألهمه الله تعالى القيام بعمل عظيم جمع الأمة على المصحف الذي كتبه زيد بن ثابت من الرقاع التي كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانيا- نسخ الصحف في المصاحف:
قرر عثمان بن عفان، رضي الله عنه، جمع المسلمين على مصحف موحد في رسمه وترتيبه، يعتمد على قراءة واحدة، وهي القراءة العامة التي كان الصحابة يقرءون بها في المدينة، والتي كتب زيد بن ثابت القرآن بها زمن النبي صلى الله عليه وسلم وجمعه في الصحف في خلافة الصديق. وكان أول ما بدأ به الخليفة الثالث لتحقيق ذلك العمل العظيم هو استشارة الصحابة الذين في المدينة، في جمع الناس على مصحف واحد، فقالوا: نعم ما رأيت (1).
والرواية المشهورة التي تحكي خطوات ذلك العمل الكبير هي التي رواها كثير من المحدّثين والمؤرخين (2)، ونص هذه الرواية كما نقلها البخاري عن أنس ابن مالك هو: «إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا
أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف، ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان.
فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن--------------------------------------------
(1) ابن أبي داود: المصاحف ص 22.
(2) الترمذي: كتاب السنن 5/ 265، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 18، وابن النديم:
الفهرست ص 27، والداني: المقنع، وابن الأثير: الكامل 3/ 55، والزركشي: البرهان 1/ 236، والسيوطي: الإتقان 1/ 169.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
ابن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل القرآن بلسانهم.
حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق» (1).
والناظر في هذه الرواية يجد أنها بينت جملة أمور هي:
أ- السبب الذي حمل عثمان على القيام بنسخ الصحف في المصاحف، وهو الاختلاف الذي حصل في قراءة القرآن، وعدم وجود المصاحف الموحدة بأيدي الناس لكي يرجعوا إليها في ضبط قراءتهم.
ب- المصدر الذي اعتمد عليه في كتابة المصاحف، وهو الصحف التي جمع فيها زيد بن ثابت القرآن في خلافة أبي بكر الصديق، معتمدا على القطع التي كتب عليها القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك تكون المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان تمثل نسخة مرتبة للقرآن الذي كتب بإملاء النبي صلى الله عليه وسلم.
ج- وسائل حسم الخلاف بين المسلمين وهي:
1 - نشر المصاحف الموحدة في الأمصار الإسلامية.
2 - وكتابة المصاحف على لغة من نزل القرآن بلسانهم، وهي لغة قريش، ليكون موافقا في رسمه لنطق النبي صلى الله عليه وسلم.
3 - إحراق ما سوى المصاحف التي كتبها الصحابة في المدينة من الصحف، سواء كانت صحفا أو مصاحف كاملة، مهما كانت، ولولا هذه الخطوة لما أعطى ذلك العمل ثماره ولا حقق أهدافه.--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري 6/ 226.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)