«كان أول من سمع بالبصرة وجوه القراءات وألّفها وتتبع الشاذ منها، فبحث عن إسناده هارون بن موسى الأعور، وكان من القراء، فكره الناس ذلك، وقالوا قد أساء حين ألّفها … » (1). قال الأصمعي (ت 215 هـ): «كنت أشتهي أن يضرب مكان تأليفه الحروف» (2).
وكما تشكك بعض العلماء في صحة نقل تلك القراءات فإن بعضا منهم حمل القراءات الشاذة المخالفة لخط المصحف على التفسير، فقال أبو بكر بن الأنباري:
«وما يؤثر عن الصحابة والتابعين أنهم قرءوا بكذا وكذا إنما ذلك على جهة البيان والتفسير، لا أن ذلك قرآن يتلى» (3). وقال معلقا على قراءة مروية عن ابن الزبير لقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (104) [آل عمران] ويستعينون الله على ما أصابهم: «وهذه الزيادة من تفسير ابن الزبير، وكلام من كلامه، غلط فيه بعض الناقلين فألحقه بألفاظ القرآن» (4).
وقال أبو جعفر النحاس: «وهذا من القراءات المخالفة للسواد، وأكثرها لا يصح ولا يوجد إلا معلولا» (5). وقال معلقا على إحدى تلك القراءات: «فلا يجوز لأحد أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف، ولو صحت لكانت على التفسير لا على القراءة» (6).
وقال القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني: «وكان منهم من يقرأ التأويل مع التنزيل، نحو قوله تعالى: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى (138) [البقرة] وهي صلاة--------------------------------------------
(1) السخاوي: جمال القراء 1/ 235، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص 181.
(2) أبو شامة: المرشد الوجيز ص 181.
(3) نقلا عن: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 1/ 86.
(4) المصدر نفسه 4/ 165.
(5) القطع ص 425.
(6) القطع ص 474، وينظر: ص 212 و 258 و 511.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
العصر … » (1). وقال أبو حيان الأندلسي: «إن ما جاء مخالفا لخط المصحف هو «في الحقيقة تفسير لا قراءة» (2).
ويؤيد هذا المذهب في فهم القراءات المخالفة لخط المصحف ما روي عن مجاهد بن جبر المكي (ت 103 هـ) تلميذ ابن عباس أنه قال: «لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن، مما سألت» (3).
قال شارح سنن الترمذي: «أي لما وقع في قراءته من تفسير كثير من القرآن» (4).
ذلك هو معنى القراءة الشاذة وموقف العلماء منها، لكن ابن مجاهد (ت 324 هـ) حين ألّف كتاب (السبعة في القراءات) وضمنه القراءات الصحيحة المشهورة قد أوحى بمعنى جديدة للقراءة الشاذة وهو أن كل ما عدا القراءات السبع شاذ، لا سيما أنه ألّف كتابا ذكر فيه (شواذ القراءة) الذي شرحه ابن جني في كتابه (المحتسب). قال ابن جني «وأنا بإذن الله بادئ بكتاب أذكر فيه أحوال ما شذ عن السبعة، على أننا ننحي فيه على كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، رحمه الله، الذي وضعه لذكر الشواذ من القراءة» (5).
وشاع في القرن الرابع هذا المفهوم الجديد للقراءة الشاذة، فإلى جانب دلالة هذا المصطلح على القراءات المخالفة لخط المصحف صار يعني أيضا ما عدا القراءات السبع، حتى وإن كانت موافقة للخط، وقد ألف أبو طاهر بن أبي هاشم تلميذ ابن مجاهد كتابا في (شواذ السبعة) (6)، كما أن ابن النديم تأثر بهذا--------------------------------------------
(1) أبو شامة: المرشد الوجيز ص 241.
(2) البحر المحيط 7/ 65.
(3) الداودي: طبقات المفسرين 2/ 306.
(4) تحفة الأحوذي 8/ 282.
(5) المحتسب 1/ 34 - 35.
(6) ابن النديم: الفهرست ص 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
المفهوم أيضا، فذكر أولا (أخبار القراء السبعة)، ثم ذكر (قراء الشواذ) وهم ما عدا السبعة (1).
ولم يستمر تأثير هذا المفهوم الجديد للقراءة الشاذة طويلا، فقد انحسر تأثيره بظهور مؤلفات في القراءات العشر، بإضافة قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف إلى القراءات السبع، وظل تعريف القراءة الشاذة بأنها ما خالف المصحف هو المعتمد.
قال أبو شامة: «فليس الأقرب في ضبط هذا الفصل إلا ما قد ذكرناه مرارا من أن كل قراءة اشتهرت بعد صحة إسنادها وموافقتها خط المصحف، ولم تنكر من جهة العربية، فهي القراءة المعتمد عليها، وما عدا ذلك داخل في حيز الشاذ والضعيف، وبعض ذلك أقوى من بعض» (2).
وقد بيّن ذلك ابن الجزري بصورة أكثر تفصيلا بقوله: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم العشرة، أم عن الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عن أئمة التحقيق من السلف والخلف» (3).--------------------------------------------
(1) الفهرست ص 33.
(2) المرشد الوجيز ص 178.
(3) النشر 1/ 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
المبحث السابع القراءات القرآنية في الوقت الحاضر
أولا- انتشار قراءة عاصم بن أبي النجود:
دأب علماء القراءة بعد عصر ابن مجاهد، على رواية القراءات السبع، والتأليف فيها، وزاد بعضهم القراءات الثلاث المتممة للعشر، وصارت القراءات العشر مدار القراءة والإقراء، ويميل بعض العلماء من المتأخرين إلى تقسيم القراءات على ثلاثة أقسام: قسم اتفقوا على تواتره وهو السبع، وقسم اختلفوا فيه والراجح أنه متواتر وهو الثلاث بعدها، وقسم متفق على شذوذه وهو ما عدا العشر (1).
وقد تلقت الأمة على مدى العصور القراءات الصحيحة بالقبول، وهي لا ترى أن بعضها أولى من بعض بالقراءة، قال مكي بن أبي طالب القيسي (ت 437 هـ):
«والقراءات الثابتة عندنا كلها من السّنّة التي لا مدفع فيها لأحد» (2). وكان السلف بعضهم يقرأ بهذه القراءة وبعضهم يقرأ بتلك، ولم ينكر واحد على الآخر قراءته، ولم يوجب أحد القراءة بقراءة معينة أو بجميع القراءات الصحيحة، قال الطبري:
«الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة أن تكفّر بأي الكفارات شاءت: إما بعتق أو إطعام أو كسوة … » (3).
ويبدو أن المسلمين اتجهوا في العصور المتأخرة إلى القراءة ببعض القراءات دون بعض، على الرغم من أن رواية العلماء للقراءات المأثورة لم تنقطع، فقد ظل علماء القراءة يحرصون على رواية القراءات السبع وغيرها، بينما صار جمهور--------------------------------------------
(1) السيوطي: الإتقان 1/ 210، والقسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 170.
(2) التبصرة ص 230.
(3) جامع البيان 1/ 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
الناس يكتفون بضبط قراءة واحدة يتلون بها كتاب الله تعالى، وأدى ذلك خلال القرون المتلاحقة إلى انتشار قراءات معينة وانحسار أخرى، بحيث صارت لا تعرف إلا في الكتب، ولا يضبطها إلا المتخصصون بدراسة القراءات وروايتها.
وأكثر القراءات انتشارا في العالم الإسلامي اليوم قراءة عاصم، ويقرأ المسلمون في بلاد المغرب برواية ورش عن نافع، وفي بلاد السودان برواية الدوري عن أبي عمرو بن العلاء، لكن قراءة عاصم آخذة بالانتشار في تلك البلدان أيضا.
ولم يكن تميز قراءة عاصم بالأمر الذي حدث في العصور المتأخرة، فهذا الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241 هـ يسأله ابنه صالح: أي القراءة أحب إليك؟ فقال: قراءة نافع، قال: فإن لم توجد؟ قال: قراءة عاصم (1).
وقال مكي عن قراءة عاصم: «فقراءته مختارة عند من رأيت من الشيوخ، مقدّمة على غيرها، لفصاحة عاصم، ولصحة سندها، وثقة ناقلها» (2). فهذه ثلاثة أسباب ذكرها مكي لتميز قراءة عاصم، سوف نقف على شواهدها التاريخية بعد قليل، إن شاء الله.
وليس من اليسير القول إن قراءة عاصم سادت بلدان المشرق الإسلامي في قرن معين، ولكن لدينا شواهد وأقوال توضح جانبا من هذه القضية الكبيرة، منها أن الخطيب البغدادي ذكر أن أحمد بن سهل الأشناني المتوفى سنة 307 هـ «هو أحد القراء المجودين، قرأ على عبيد بن الصبّاح روايته عن حفص بن سليمان حرف عاصم بن أبي النجود، واشتهر بهذه القراءة» (3).
وتمضي قرون حتى نلتقي بقول أبي حيان الأندلسي (ت 754 هـ) الذي يذكر فيه أن قراءة نافع هي التي ينشأ عليها أهل المغرب وأن قراءة عاصم هي القراءة--------------------------------------------
(1) السخاوي: جمال القراء 2/ 464.
(2) التبصرة ص 219.
(3) تاريخ بغداد 4/ 185.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
التي ينشأ عليها أهل العراق (1). وهذا دليل تاريخي يؤكد سيادة قراءة عاصم في العراق في القرن الثامن الهجري.
ونلتقي بنص آخر من القرن الثاني عشر الهجري يدل على انتشار قراءة عاصم إلى مناطق خارج العراق، فهذا محمد المرعشي المتوفى سنة 1150 هـ يقول:
والمأخوذ به في ديارنا قراءة عاصم برواية حفص عنه (2)، وهو يعني بلدته مرعش، وهي مدينة بين الشام وبلاد الروم (3). وهي اليوم تابعة لتركيا تقع جنوبيها.
ولعل اختراع المطابع وطباعة المصاحف بها قد ساعد على انتشار قراءة عاصم أيضا، فأول مصحف أخرجته المطابع ورأى النور كان في سنة (1694 م- 1106 هـ تقريبا) الذي وقف على طبعة هنكلمان في مدينة هامبورج بألمانيا، وكان مضبوطا على قراءة عاصم (4).
وخلاصة القول في هذا الأمر أن قراءة عاصم انتشرت في الأمصار الإسلامية في وقت مبكر، وسادت في كثير من البلدان، لا سيما في العراق وما حوله من بلدان المشرق الإسلامي منذ القرن الثامن الهجري في الأقل، وأن القرون اللاحقة شهدت سيادتها في مناطق أخرى.
أما عاصم صاحب القراءة فهو عاصم بن أبي النّجود أبو بكر الأسدي، مولاهم، الكوفي، وقيل إن اسم أبيه بهدلة، وقيل هو اسم أمه، وأن اسم أبيه هو عبد الله (5)، ومهما يكن من أمر فإنه اشتهر باسم عاصم بن أبي النّجود. وكان من--------------------------------------------
(1) البحر المحيط 1/ 11.
(2) جهد المقل ص 293.
(3) صفي الدين البغدادي: مراصد الاطلاع 3/ 1259.
(4) تراجع الفقرة الخاصة بطباعة المصحف في الفصل الثاني من هذا الكتاب.
(5) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 6/ 340، وابن الجزري: غاية النهاية 1/ 346.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
التابعين لأنه روى عن عدد من الصحابة (1)، لكن أكثر شيوخه في الحديث وقراءة القرآن من التابعين.
وقد أجمع علماء الحديث على توثيقه، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: «ثقة رجل صالح خير»، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: محله عندي محل الصدق، صالح الحديث، وحديثه مخرج في الكتب الستة (2).
وكان عاصم ممن اشتهروا بالعلم والفضل، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السلمي، جمع بين الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن (3)، قال تلميذه أبو بكر بن عياش: كان عاصم نحويا فصيحا (4)، وقال أبو إسحاق السّبيعي: ما رأيت أحدا أقرأ للقرآن من عاصم بن أبي النجود (5)، وقال ابن مجاهد: وكان عاصم متقدما في زمانه، مشهورا بالفصاحة، معروفا بالإتقان (6).
وكانت وفاته في آخر سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل سنة ثمان وعشرين، فلعله مات في أولها، بالكوفة (7)، رحمه الله تعالى.
ثانيا- أصول قراءة عاصم:
أما شيوخ عاصم في القراءة فيروى أنه قرأ على أنس بن مالك، لكن أشهر--------------------------------------------
(1) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 347.
(2) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 6/ 341، وابن الجزري: غاية النهاية 1/ 348.
(3) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 347.
(4) الذهبي: معرفة القراء 1/ 75.
(5) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 70.
(6) المصدر نفسه.
(7) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 348.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
شيوخه في القراءة جماعة من علماء القراءة من التابعين في الكوفة، منهم أبو عبد الرحمن السّلمي، وزرّ بن حبيش، وأبو عمرو سعد بن إياس الشيباني (1).
أما أبو عبد الرحمن السّلمي فاسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت لأبيه حبيب صحبة، قال أبو عبد الرحمن: كان أبي قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد (2)، وكانت نشأته في المدينة، فتلقى العلم من كبار الصحابة الذين أدركهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب (3). وكان زيد بن ثابت أكثر من أخذ القراءة عنه، فيروى أنه أتى عثمان بن عفان للقراءة عليه، فقال إنك تشغلني عن أمور الناس، ولكن اذهب إلى زيد بن ثابت فاقرأ القرآن عليه (4).
وحين أمر عثمان بن عفان بانتساخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار بعث مع مصحف أهل الكوفة أبا عبد الرحمن السلمي (5)، فاقام في الكوفة بعد ذلك، قال ابن مجاهد: «وأول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان، رضي الله تعالى عنه، الناس عليها أبو عبد الرحمن السّلمي، واسمه عبد الله بن حبيب، فجلس في المسجد الأعظم، ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة … وكان أخذ القراءة عن عثمان وعن علي بن أبي طالب وزيد ابن ثابت وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب، رضي الله عنهم. وكان يقول:
قرأت على أمير المؤمنين علي، رضي الله عنه، القرآن كثيرا، وأمسكت عليه المصحف، فقرأ عليّ. وأقرأت الحسن والحسين، رضي الله تعالى عنهما، حتى--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه 1/ 347.
(2) ابن عبد البر: الاستيعاب 1/ 323.
(3) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 5/ 37، وابن الجزري: غاية النهاية 1/ 413.
(4) الذهبي: معرفة القراء 1/ 48.
(5) المارغني: دليل الحيران ص 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
قرءا عليّ القرآن … فلما مات أبو عبد الرحمن [سنة 74 هـ] رحمه الله تعالى خلفه في موضعه أبو بكر عاصم بن أبي النجود» (1).
أما زرّ بن حبيش الأسدي الكوفي فإنه أخذ القراءة عن عدد من الصحابة في مقدمتهم عبد الله بن مسعود، قال عاصم: ما رأيت أقرأ من زر، وكان عبد الله ابن مسعود يسأله عن العربية، يعني عن اللغة، وقال يحيى بن معين: زر بن حبيش ثقة. وكانت وفاته سنة 82 هـ (2).
وكان أبو عمرو الشيباني قد قرأ على عبد الله بن مسعود أيضا، وكانت وفاته سنة 96 هـ (3).
ثالثا- رواة قراءة عاصم:
كان عاصم يقرئ القرآن في مسجد الكوفة الجامع، فقرأ عليه أناس يخرجون عن العد والحصر، لكن الذين أخذوا عنه القراءة من العلماء كانوا بضعة عشرات، فقال السخاوي: روى عنه القراءة ثمانية وأربعون من الأئمة والعلماء (4). وذكر ابن الجزري في كتابه (غاية النهاية في طبقات القراء) أسماء أكثر من عشرين قارئا أخذوا قراءتهم عن عاصم، وقال بعد أن ذكرهم: «وروى عنه القراءة خلق لا يحصون» (5). ولعل أشهر تلامذته اثنان: أبو بكر شعبة بن عياش، وحفص بن سليمان أبو عمر الأسدي اللذان تنقل كتب القراءات عنهما قراءة عاصم (6).
والقراءة التي يقرأ بها المسلمون اليوم هي قراءة عاصم برواية حفص عنه.--------------------------------------------
(1) كتاب السبعة ص 68 - 69.
(2) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 3/ 623، وابن الجزري: غاية النهاية 1/ 294.
(3) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 303.
(4) جمال القراء 2/ 465.
(5) غاية النهاية 1/ 347.
(6) مكي: التبصرة ص 182، والداني: التيسير ص 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
أما أبو بكر شعبة بن عياش فإنه كان لا يمكّن من نفسه من أراد أخذ قراءة عاصم منه (1). كما أنه قطع الإقراء قبل موته سنة 193 هـ- بسبع سنين وقيل بأكثر (2). ولعل هذا هو السر في انتشار قراءة عاصم من رواية حفص الذي كان متفرغا للقراءة، بينما كان أبو بكر مشتغلا برواية الأحاديث إلى جانب القراءة، ومن ثم قال يحيى بن معين: هو أصح قراءة من أبي بكر، وأبو بكر أوثق منه، يعني في الحديث (3).
أما حفص بن سليمان فإنه كان ربيب عاصم، ابن زوجته، وكان ينزل معه في دار واحدة، فقرأ عليه القرآن مرارا، حتى صار أضبط من روى القراءة عن عاصم (4)، قال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن قراءة عاصم هي رواية أبي عمر حفص بن سليمان. وقال أبو الحسين بن المنادي عن حفص: إنه قرأ على عاصم مرارا، وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ بها على عاصم، وقال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلمهم بقراءة عاصم (5).
ولم يلبث حفص أن غادر الكوفة، فأقام في بغداد، وذكر الخطيب البغدادي أنه كان ينزل في الجانب الشرقي من بغداد في محلة سماها سويقة نصر، وأنه لو رأيته لقرّت عينك به علما وفهما (6). وكان يقرئ بها القرآن. ثم رحل للحج، وجاور بمكة فأقرأ بها أيضا (7). وذكر أبو بكر الأنباري أنه يروي قراءة عاصم--------------------------------------------
(1) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 71.
(2) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 326.
(3) الذهبي: ميزان الاعتدال 1/ 55.
(4) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 6/ 186.
(5) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 254.
(6) تاريخ بغداد 6/ 186.
(7) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 254.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
برواية حفص عن أبيه، عن عمه، عن الفضل بن يحيى الأنباري الذي أقام بمكة مجاورا حتى أخذ القراءة عن حفص (1). ولا نعلم مقدار مكث حفص في بغداد ولا مقدار مجاورته في مكة، ولكننا نعلم أنه أقرأ القرآن فيهما، وأنه توفي سنة 180 هـ- أو بعدها (2). ويبدو أن تنقل حفص بن سليمان بين الكوفة وبغداد ومكة قد أسهم في انتشار قراءة عاصم من ذلك الزمان، حتى صارت أشهر قراءة للقرآن في العالم الإسلامي كله.
ومن خلال العرض السابق يتبين أن القراءة التي يقرأ بها المسلمون القرآن اليوم هي قراءة عاصم بن أبي النجود برواية تلميذه حفص بن سليمان، وأن أشهر شيوخ عاصم في القراءة أبو عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش اللذان أخذا القراءة عن خمسة من كبار الصحابة: عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب. ورواية حفص تمثل القراءة التي أخذها عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي، فقد قال حفص لعاصم: أبو بكر، يعني شعبة بن عياش، يخالفني في القراءة، فقال عاصم: أقرأتك بما أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، وأقرأته بما أقرأني زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود (3). مع عدم إغفال أثر ظاهرة الاختيار في قراءته.
ومن خلال العرض السابق أيضا ندرك صحة قول مكي عن قراءة عاصم (4):
«فقراءته مختارة عند من رأيت من الشيوخ، مقدمة على غيرها، لفصاحة عاصم، ولصحة سندها، وثقة ناقلها» (5).--------------------------------------------
(1) إيضاح الوقف والابتداء 1/ 113.
(2) الذهبي: معرفة القراء 1/ 116، وابن الجزري: غاية النهاية 1/ 255.
(3) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 254.
(4) التبصرة ص 219.
(5) كان حفص بن سليمان قد اعتنى بقراءة القرآن وتعليمها أكثر من عنايته برواية الحديث، ومن ثم قال عنه يحيى بن معين: هو أصح قراءة من أبي بكر، وأبو بكر أوثق منه في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
المبحث الثامن علم التجويد
علم التجويد هو العلم الذي يعنى بنطق ألفاظ القرآن نطقا صحيحا، وذلك بإعطاء كل صوت حقه من المخرج والصفات، وما يلحقه في التركيب من أحكام، وهو بذلك يختلف عن علم القراءات الذي يهتم بضبط وجوه النطق التي رواها علماء القراءة من التابعين وتابعيهم عن الصحابة، رضي الله عنهم، على نحو ما بينا في المباحث السابقة.
وقد ميّز علماء القراءة بين العلمين على الرغم من أن ميدانهما واحد وهو قراءة القرآن، قال محمد المرعشي (ت 1150 هـ): «إن قلت: ما الفرق بين علمي التجويد والقراءات؟ قلت: علم القراءات علم يعرف فيه اختلاف أئمة الأمصار في نظم القرآن في نفس حروفه أو في صفاتها، فإذا ذكر فيه شيء من ماهية صفات الحروف فهو تتميم، إذ لا يتعلق الغرض به، أما علم التجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف، فإذا ذكر فيه شيء من اختلاف الأئمة فهو تتميم» (1).--------------------------------------------
الحديث (الذهبي: ميزان الاعتدال 1/ 55). وقال الذهبي (معرفة القراء 1/ 117): «أما في القراءة فثقة ثبت ضابط لها، بخلاف حاله في الحديث». وتضعيف حفص في الحديث لا يقدح في ضبطه للقراءة. وحاولت أن أقف على علة تضعيفه في الحديث فإذا هي لا تقدح بصحة روايته للقراءة، لأن الأمر يرجع إلى أنه أخذ من شعبة بن الحجاج كتابا فلم يردّه، وكان ياخذ كتب الناس فينسخها. (البخاري: كتاب الضعفاء ص 32، وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 3/ 173). فكأنهم ضعفوه لأنه ينسخ كتب الحديث من غير سماع، ولعل له عذرا في ذلك بانشغاله بعلم القراءة، أما عدم رده كتاب شعبة فلا أحسب أنه سبب كاف لعدم الثقة به، لا سيما أن وكيع بن الجراح وهو أحد أئمة الحديث قال عن حفص: وكان ثقة (الداني: التيسير ص 6).
(1) جهد المقل ص 84.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
وقال المرعشي في موضع آخر: «اعلم أن علم القراءة يخالف علم التجويد لأن المقصود من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف مع قطع النظر عن الخلاف فيها، مثلا يعرف في علم التجويد أن حقيقة التفخيم كذا وحقيقة الترقيق كذا، وفي القراءة يعرف فخّمها فلان ورققها فلان» (1).
وكان مكي بن أبي طالب (ت 437 هـ) قد ألمح في أكثر من موضع من كتابه (الرعاية لتجويد القراءة) إلى هذا المعنى، فقال: «ولست أذكر في هذا الكتاب إلا ما لا اختلاف فيه بين أكثر القراء» (2). وقال: «فليس هذا كتاب اختلاف، وإنما هو كتاب تجويد ألفاظ ووقوف على حقائق الكلام، وإعطاء اللفظ حقه، ومعرفة أحكام الحروف التي ينشأ الكلام منها، مما لا اختلاف في أكثره» (3).
وقال عن كتب القراءات: فتلك الكتب كتب تحفظ منها الرواية المختلف فيها، وهذا الكتاب يحكم فيه لفظ التلاوة التي لا خلاف فيها، فتلك كتب رواية، وهذا كتاب دراية … » (4).
وكان قد ظهر البحث في الأصوات اللغوية في العربية في الوقت الذي درس فيه العلماء قواعد اللغة العربية، ويتضمن كتاب سيبويه (أبي بشر عمرو بن عثمان ت 180 هـ) بابا كبيرا خصصه لدراسة الأصوات في العربية سماه باب الإدغام.
واقتفى مذهبه كثير من علماء العربية، وقد جعل أبو الفتح عثمان بن جني (ت 392 هـ) مقدمة كتابه (سر صناعة الإعراب) خاصة بدراسة الأصوات اللغوية.
واعتنى علماء قراءة القرآن أيضا بدراسة اللغة العربية، وبحثوا في الظواهر الصوتية في قراءات القراء لكنهم لم يجعلوا لهذه المباحث كتبا خاصة بها حتى--------------------------------------------
(1) ترتيب العلوم ص 64.
(2) الرعاية ص 42.
(3) الرعاية ص 128.
(4) الرعاية ص 200.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
القرن الرابع الهجري، حين حاول علماء القراءة استخلاص المباحث المتعلقة بأصوات العربية وظواهر النطق من كتب النحو وكتب القراءات وجمعوها في كتب خاصة مستقلة، وقد أطلق على مباحث هذه الكتب اسم علم التجويد.
ويذكر المؤرخون أن أول مؤلف مستقل في علم التجويد هو القصيدة التي نظمها أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى الخاقاني البغدادي المتوفى سنة 325 هـ (1)، في حسن أداء القرآن، وعدة أبياتها واحد وخمسون بيتا، ومطلعها:
أقول مقالا معجبا لأولي الحجر … ولا فخر إن الفخر يدعو إلى الكبر (2).
وأول كتاب معروف اليوم ألّف بعد قصيدة أبي مزاحم هو كتاب (التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي) لأبي الحسن علي بن جعفر السعيدي المتوفى في حدود سنة 410 هـ، لكنه كتاب صغير الحجم، على الرغم من أهميته العلمية وقيمته التاريخية (3).
وتتابع التأليف في علم التجويد منذ مطلع القرن الخامس الهجري إلى عصرنا هذا، فظهرت عشرات الكتب التي تنوعت مناهجها وأساليب تأليفها (4)، وتتصدر تلك الكتب ثلاثة مؤلفات أندلسية هي:
1 - الرعاية لتجويد التلاوة وتحقيق لفظ التلاوة، لمكي بن أبي طالب القيسي (ت 437 هـ) (5).--------------------------------------------
(1) ابن الجزري: غاية النهاية 2/ 321.
(2) حققت القصيدة ونشرتها سنة 1980 بجملة كلية الشريعة العدد السادس (ص 348 - 353) ونشرها الدكتور علي حسين البواب ثانية في مجلة المورد سنة 1985 في المجلد 14 في العدد الأول (ص 115 - 127).
(3) حققت الكتاب ونشر في مجلة المجمع العلمي العراقي سنة 1985، مج 36 ج 2 (ص 240 - 287).
(4) ينظر: كتابي: الدراسات الصوتية ص 23 - 46.
(5) حققه الدكتور أحمد حسن فرحات وطبع في دمشق سنة 1974، وطبع في دار عمار/
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
2 - التحديد في الإتقان والتجويد، لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت 444 هـ) (1).
3 - الموضح في التجويد، لعبد الوهاب القرطبي (ت 462 هـ) (2).
وعلم التجويد مكمّل لعلم القراءات، لأنه لا يمكن للقارئ تلاوة القرآن بصورة صحيحة ما لم يعرف قواعد التجويد، مهما كانت القراءة التي يتلو بها القرآن. ومن ثمّ كان واجبا على قارئ القرآن أن يعرف قواعد هذا العلم، وأن تكون لديه المقدرة على تطبيق تلك القواعد في القراءة، ليجري لسانه بالنطق الصحيح الفصيح، فيكون بذلك مستوفيا لشروط القراءة، راجيا ثوابها، متجاوزا لإثم التقصير فيها. وقد قال ابن الجزري في المقدمة الجزرية (3):
والأخذ بالتجويد حتم لازم … من لم يجوّد القرآن آثم
وقال شراح المقدمة: «إن مراعاة قواعد التجويد والأخذ بذلك، أي العمل به، فرض عين لازم لكل قارئ قرأ القرآن، ثم أخبر أن من لم يصحح القراءة آثم، أي من لم يراع قواعد التجويد في قراءته عاص آثم بعصيانه، والإثم معاقب عليه … » (4).
وقد بيّن ابن الجزري هذا الموضوع في كتابه النشر على نحو أكثر تفصيلا.
فقال: «ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده--------------------------------------------
الأردن، عدة طبعات.
(1) حققته وطبع ببغداد سنة 1987 م، وفي دار عمار/ الأردن.
(2) حققته وطبع في معهد المخطوطات العربية في الكويت سنة 1990 م.
(3) متن الجزرية ص 14.
(4) أبو بكر أحمد بن الجزري: الحواشي المفهمة 22 ظ، وينظر: القسطلاني: اللئالئ السنية 14 و، وطاش كبرى زاده: شرح الجزرية 15 و.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة عن أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها. والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسيء آثم أو معذور، فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح العربي الفصيح وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح، استغناء بنفسه واستبدادا برأيه وحدسه واتكالا على ما ألف من حفظه، واستكبارا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه، فإنه مقصر بلا شك، وآثم بلا ريب، وغاشّ بلا مرية، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم). أما من لم يطاوعه لسانه أو لا يجد من يهديه إلى الصواب فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها» (1). (2)
وتتلخص موضوعات علم التجويد وأركانه في أربعة أمور، ذكرها الحسن بن قاسم المرادي (ت 749 هـ) بقوله: «إن تجويد القراءة يتوقف على أربعة أمور:
أحدها: معرفة مخارج الحروف.
والثاني: معرفة صفاتها.
والثالث: معرفة ما يتجدد لها بسبب التركيب من الأحكام.
والرابع: رياضة اللسان بذلك وكثرة التكرار» (3).--------------------------------------------
(1) النشر 1/ 210 - 211، والقسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 209.
(2) أشار ابن الجزري في النشر (1/ 211 - 212) إلى قول نصر بن علي الشيرازي: «على أن العلماء اختلفوا في وجوب حسن الأداء في القرآن فبعضهم ذهب إلى أن ذلك مقصور على ما يلزم المكلف قراءته في المفترضات فإن تجويد اللفظ وتقويم الحروف وحسن الأداء واجب فيه فحسب. وذهب الآخرون إلى أن ذلك واجب على كل من قرأ شيئا من القرآن كيفما كان، لأنه لا رخصة في تغيير اللفظ بالقرآن وتعويجه واتخاذ اللحن سبيلا إليه إلّا عند الضرورة» وصحح ابن الجزري هذا الرأي الأخير.
(3) المفيد ص 39، وشرح الواضحة (له) ص 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
وليس بيان هذه القضايا من غرض هذا الكتاب، لأنه يبحث في علوم القرآن بحثا عاما، وتفصيل قضايا كل علوم القرآن موضعه الكتب الخاصة بكل علم من تلك العلوم، فتفصيل موضوعات علم التجويد والوقوف على قواعد التلاوة تكلفت ببيانها كتب علم التجويد، ولكن تلزم الإشارة هنا إلى بعض القضايا المنهجية منها:
1 - أهمية دراسة مخارج الحروف وصفاتها لدارس قواعد التلاوة، وقد أولت كتب علم التجويد القديمة هذه الناحية عناية كبيرة، لكن الكتب المتأخرة والمؤلفة حديثا في هذا العلم أهملت ذلك إلى حد كبير، وهذا نقص يجب تلافيه.
2 - تقدمت دراسة علم الأصوات اللغوية في زماننا تقدما ملحوظا ولم يستفد دارسو علم التجويد في زماننا من الحقائق الصوتية التي كشف عنها هذا العلم، وهو أمر يخالف منهج علماء السلف الذين بنوا كتبهم في علم التجويد على حقائق علم الأصوات اللغوية كما يعرضها علماء اللغة العربية.
3 - للتطبيق العملي والتمرين الشفهي أهمية كبرى في ضبط الأداء، وفهم دقائق التلاوة، ومن ثم فإنه لا تكفي القراءة في كتب علم التجويد، إن لم تقترن التلقي من المعلم المتقن الضابط لقراءة القرآن (1).--------------------------------------------
(1) يمكن الوقوف على تفصيل هذه القضايا المنهجية في بحث (مناهج كتب تعليم قواعد التلاوة: عرض ومناقشة) منشور في مجلة كلية المعارف الجامعة، العدد الأول، الأنبار 1418 هـ 1998 م، ص 36 - 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
الفصل الرابع تفسير القرآن الكريم
تدل كلمة «التفسير» على بيان معاني الألفاظ أو الكشف عن علل الظواهر، وغلب استخدامها مضافة إلى «القرآن» لتدل على ما كتب في بيان معاني كلمات القرآن الكريم وآياته. والمعنى اللغوي للكلمة لم يكن بعيدا عن هذا الاستخدام، فكلمة التفسير هي مصدر فسّر، من الفسر وهو البيان، يقال: فسر الشيء يفسره فسرا أبانه، ومثله: فسّره- بتشديد السين- تفسيرا، فالتفسير في أصل اللغة يقصد به كشف المراد عن اللفظ المشكل (1).
ولم يكن مصطلح (تفسير القرآن) المصطلح الوحيد المستخدم للدلالة على ما كتب في بيان معاني كلمات القرآن الكريم وآياته. فقد استخدم إلى جانبه مصطلح (معاني القرآن) (2)، ومصطلح (تأويل القرآن) (3)، لكن غلب استخدام--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن منظور: لسان العرب 6/ 361 (فسر)، والزركشي: البرهان 2/ 146. وكان قد ذهب بعض المتقدمين إلى أن التفسير مقلوب من (سفر)، يقال: سفرت المرأة سفورا إذا ألقت خمارها عن وجهها، وأسفر الصبح أضاء (ينظر: الزركشي: البرهان: 2/ 147)، لكن الآلوسي قال (روح المعاني 1/ 4): «والقول إنه مقلوب السّفر مما لا يسفر له وجه».
(2) المعنى: هو القصد والمراد، يقال: عنيت بالكلام كذا، أي قصدت وعمدت، ومعنى كل كلام مقصده (ابن منظور: لسان العرب 19/ 341: عنا). وحمل عدد من التفاسير كلمة (معاني) في عنوانه، خاصة التفاسير اللغوية، مثل (معاني القرآن) للفراء والأخفش والزجاج والنحاس.
(3) التأويل مشتق من الأوّل، وهو الرجوع، يقال: أوّل الكلام وتأوّله: دبّره وقدّره وفسّره، فالتأويل هو تفسير ما يؤول إليه الشيء (ابن منظور: لسان العرب 13/ 34: أول). وحمل عدد من التفاسير القديمة كلمة (التأويل) في عنوانه، مثل تفسير الطبري المسمى (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، وتفسير البيضاوي المسمى (أنوار التنزيل وأسرار التأويل).
لكن كلمة (التأويل) تطورت دلالتها، فبينما كانت تعني التفسير وبيان المعنى، كما قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
مصطلح (تفسير القرآن) على ما عداه منذ زمن بعيد، وصارت عبارة (علم التفسير) تطلق على المباحث والجهود التي كتبها العلماء في توضيح دلالة كلمات القرآن الكريم ومعاني آياته.
والتعريفات المنقولة عن علماء السلف لمصطلح «التفسير» لا تخرج عن كونه كشفا لمعاني القرآن، قال أبو حيان الأندلسي: «التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب، وتتمات لذلك» (1). والملاحظ هنا أن أبا حيان أدرج (علم القراءة) ضمن علم التفسير، لكن عددا من العلماء الذين جاءوا بعده أخرجوا هذا العلم من مباحث علم التفسير، لأنه علم له مباحثه وقضاياه التي لا تندرج في موضوع الكشف عن معاني القرآن الكريم، كما أن له كتبه الخاصة به.
قال الزركشي: «التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزّل على نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه» (2). وقال في موضع آخر:
«هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب--------------------------------------------
ثعلب: «التأويل والمعنى والتفسير واحد» (لسان العرب 13/ 34) صارت تدل على حمل الكلام على المعنى غير المتبادر من ظاهر اللفظ. وقد قال ابن جزيّ الغرناطي في كتابه التسهيل (1/ 11): فإن قيل ما الفرق بين التفسير والتأويل؟ فالجواب أن في ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: أنهما بمعنى واحد.
الثاني: أن التفسير للفظ، والتأويل للمعنى.
الثالث: أن التفسير هو الشرح، والتأويل هو حمل الكلام على معنى غير المعنى الذي يقتضيه الظاهر، بموجب اقتضى أن يحمل على ذلك، ويخرج عن ظاهره».
(1) البحر المحيط 1/ 3، وينظر: السيوطي: الإتقان 4/ 169.
(2) البرهان 1/ 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
مكيّها ومدنيّها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامّها، ومطلقها ومقيّدها، ومجملها ومفسرها» (1).
وقال الشريف الجرجاني: «التفسير في الأصل هو الكشف والإظهار، وفي الشرع: توضيح معنى الآية، وشأنها، وقصتها، والسبب الذي نزلت فيه، بلفظ يدل عليه دلالة واضحة» (2).
ولعل علم التفسير من أقدم العلوم الإسلامية نشأة وتدوينا، فقد ارتبطت نشأته بنزول القرآن الكريم وتعلمه وتلاوته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مفسر للقرآن، ثم خلفه من بعده العلماء من أصحابه، لا سيما عبد الله بن عباس الملقب بترجمان القرآن، ثم يأخذ التابعون العلم عن الصحابة، وظهر منهم مفسرون مشهورون، ظلت جهودهم في التفسير موضع تقدير العلماء من بعدهم.
وتوسّع التفسير في عصر تابعي التابعين، ثم تعددت مناهج المفسرين بعد ذلك، فنجد من المفسرين من اعتنى بجمع التفسير المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، ومن المفسرين من اعتنى بالجانب اللغوي من القرآن على نحو ما نجد في كتب (معاني القرآن)، ومن المفسرين من اعتنى بآيات الأحكام الفقهية، كما في كتب (أحكام القرآن). وهكذا تعددت مناهج المفسرين وكثرت التفاسير، وهي تعكس في ذلك تنوع ثقافة العلماء في العصور الإسلامية، وتنوع اهتماماتهم العلمية أيضا.
ولم ينقطع جهد علماء المسلمين في توضيح معاني القرآن في أي عصر من العصور، إلا أن طبقة العصر وثقافة أهله كانت تنعكس على مناهج المفسرين، ومن ثم فلا غرابة أن نجد في العصر الحديث نزعات تجديدية في تفسير القرآن،--------------------------------------------
(1) البرهان 2/ 148.
(2) التعريفات ص 40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)