ومناهج تعكس ما استجد في حياة المسلمين والعالم من يقظة وتطور علمي وتطلع حضاري.
وكانت حصيلة تلك الجهود الكبيرة التي بذلها المفسرون من لدن عصر الصحابة حتى وقتنا الحاضر ثروة علمية أخذت أكبر مساحة في المكتبة العربية الإسلامية، وأنتجت مئات المؤلفات المتعددة المناهج والأحجام، التي لا يتسع المقام للحديث المفصل عنها هنا، ومن ثم سوف أكتفي بعرض الاتجاهات العامة لتلك المؤلفات والنقاط البارزة في تلك الجهود من خلال المباحث الآتية:
المبحث الأول: نشأة علم التفسير.
المبحث الثاني: دراسة موجزة لأشهر التفاسير القديمة.
المبحث الثالث: علم التفسير في العصر الحديث.
المبحث الرابع: خلاصة في أصول التفسير.
المبحث الخامس: إعجاز القرآن الكريم.
المبحث الأول نشأة علم التفسير
أولا- تفسير القرآن في عصر النبوة:
جاء تدوين العلوم الإسلامية متأخرا بضع عشرات من السنين عن عصر النبوة المبارك، لكن نشأة تلك العلوم كان مرتبطا بتلك الحقبة، وكان التفسير مرتبطا بتلاوة القرآن الكريم، لأن التلاوة، مع كونها عبادة، ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لتفهم معاني كلام الله تعالى، حتى تتحقق ثمرة التلاوة، وهي الاهتداء إلى الدين القويم، وقد حث القرآن على تدبر معاني الآيات، قال الله تعالى:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29) [ص] وحذّر من الغفلة عند التلاوة بقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (24) [محمد].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
والتدبّر معناه التفكر، مشتق من قولهم: دبّر الأمر وتدبره: أي نظر في عاقبته وما يؤول إليه (1).
وكان تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن لأصحابه يقتضي تفهم معانيه، كما كانت قراءة الصحابة القرآن تقتضي الوقوف على معانيه، يدل على ذلك قول أبي عبد الرحمن السلمي (ت 74 هـ): «حدثني الذين كانوا يقرءوننا: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم العشر، فلا
يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» (2). والعمل يقتضي الفهم ومعرفة المعاني.
ومن تمام تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن للناس بيان معانيه ومعرفة أحكامه، قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) [النحل]. ومن ثمّ «فإن سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبيّن القرآن، وتدل عليه، وتعبّر عنه» (3). سواء أكان ذلك البيان قوليا أم عمليا.
واختلف الدارسون في مقدار التفسير الذي بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، فمنهم من قال: إنه فسّر عدا من الآيات (4)، ومنهم من قال: إنه بيّن للصحابة معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه (5).
ويمكن أن يكون الاختلاف في هذه القضية لفظيا، لأن القرآن الكريم أنزل بلغة العرب، وكان لسان المخاطبين به من الصحابة عربيا، فلم يحتاجوا إلى السؤال عن معاني كثير من آيات القرآن، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: «إنما--------------------------------------------
(1) لسان العرب: مادة دبر.
(2) ابن سعد: الطبقات الكبرى 6/ 172، وابن مجاهد: كتاب السبعة ص 69.
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى 13/ 29.
(4) ينظر: الطبري: جامع البيان 1/ 37، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن 1/ 31.
(5) ابن تيمية: مقدمة في أصول التفسير ص 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
أنزل القرآن بلسان عربي مبين … فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه، لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه» (1).
وما قاله أبو عبيدة لا يعني أن الصحابة لم يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى شيء من القرآن، أو أنه لم يبين لهم من معاني القرآن شيئا، فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن معاني الكثير من آيات القرآن، لكنه لم يبين معاني جميع آياته، لأن من القرآن ما استأثر الله بعلمه، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ولا شك في أنه صلى الله عليه وسلم لم يفسر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسر لهم ما استأثر الله بعلمه، مما يجري مجرى الغيوب التي لم يطلع الله عليها نبيه، وإنما فسّر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خفي عليهم معناه أو التبس المراد به، مما خصه الله بمعرفته وأطلعه عليه (2).
ولم يدوّن شيء من التفسير في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن التدوين كان موجها إلى حفظ ألفاظ الوحي، وكان صلى الله عليه وسلم قد نهى أولا عن كتابة شيء من كلامه غير القرآن، خشية اختلاطه بالقرآن، فقال: «لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن، ومن كتب غير القرآن فليمحه» (3).
ونقل علماء الصحابة إلى التابعين ما سمعوه من التفسير النبوي للقرآن الكريم، وأخذ تابعو التابعين ومن جاء بعدهم تلك الروايات وأوردوها في كتب الحديث وكتب التفسير، وصارت مصدرا أساسيا في تفسير القرآن الكريم، لأنه «مما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي صلى الله عليه وسلم … لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم» (4).--------------------------------------------
(1) مجاز القرآن 1/ 8.
(2) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون 1/ 53.
(3) صحيح مسلم بشرح النووي 18/ 129، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 4.
(4) ابن تيمية: مجموع الفتاوى 13/ 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
وكان الإمام السيوطي، رحمه الله، قد جمع الروايات المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير القرآن، من كتب الحديث والتفسير، في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) مرتبة على ترتيب السور في المصحف، وقد بلغ مجموعها أكثر من مائتين وخمسين رواية بقليل (1). ومن أمثلة تلك الروايات:
1 - أخرج أحمد، والترمذي وحسّنه، وابن حبان في صحيحه، عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالين النصارى» (2).
2 - وأخرج الحاكم وصححه، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله تعالى:
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (97) [آل عمران]. ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» (3).
3 - وأخرج أحمد، والشيخان وغيرهم، عن ابن مسعود، قال: لما نزلت هذه الآية:
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ (82) [الأنعام]، شق ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله، وأيّنا لا يظلم نفسه؟ قال: «إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) [لقمان]، وإنما هو الشرك» (4).
4 - وأخرج مسلم وغيره، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (60) [الأنفال]، ألا وإن القوة الرّمي» (5).
5 - وأخرج أحمد، والترمذي، والحاكم وصححه، والنسائي، عن أبي هريرة--------------------------------------------
(1) الإتقان 4/ 214 - 257.
(2) الإتقان 4/ 214، وينظر: تفسير ابن كثير 1/ 30.
(3) الإتقان 4/ 218، وتفسير ابن كثير 1/ 386.
(4) الإتقان 4/ 222، وتفسير ابن كثير 2/ 153.
(5) الإتقان 4/ 225، وتفسير ابن كثير 2/ 322.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الرّان الذي ذكر الله في القرآن كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (14) [المطففين]» (1).
والمتأمل في ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من بيان لمعاني آيات أو كلمات من القرآن يجد أكثر تلك الروايات جاءت جوابا لمسائل سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كانت استدلالا منه على معنى، فيكون ذلك الاستدلال بيانا لمعنى الآية، وجاء عدد منها تفسيرا نبويا لكلمات أو آيات من القرآن توضيحا لمعناها وتأكيدا له في نفوس الصحابة، رضي الله عنهم.
ويمكن للدارس أن يلحظ أن تفسير القرآن في عصر النبوة لم يكن شاملا لكل القرآن الكريم، ولعل ذلك يرجع من جانب إلى فصاحة الصحابة التي مكنتهم من إدراك معاني كثير من آي القرآن من غير حاجة إلى سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وإلى أن التطبيق العملي لأحكام القرآن الذي كانوا يشاهدونه ويشاركون فيه قد أغناهم من جانب آخر عن السؤال عن معاني الآيات الكريمة.
ولعل هناك عاملا آخر أسهم في تقليل مسائل الصحابة عن معاني آي القرآن، هو قوة إيمانهم، وصفاء عقيدتهم، وعمق يقينهم، فكرهوا لذلك السؤال عما تشابه من آي القرآن مما استأثر الله بعلمه (2)، فلم يرو أنهم سألوا عنه رسول صلى الله عليه وسلم بل كانوا يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، واتجهوا إلى الجانب العملي من--------------------------------------------
(1) الإتقان 4/ 252، وتفسير ابن كثير 4/ 486.
(2) مثل كراهة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، سؤال صبيغ التميمي عن معاني آيات من متشابه القرآن، حتى إنه ضربه بعراجين النخل. وكان عبد الله بن عباس، رضي الله عنه، إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس قال له: ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ (ينظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى 13/ 311، وتفسير ابن كثير 1/ 6 و 4/ 232).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
القرآن والسنة النبوية فسألوا عما خفي عنهم منه واشتغلوا بتعلمه وروايته لمن جاء بعدهم من أجيال المسلمين، رضي الله عنهم أجمعين.
ثانيا- المفسرون من الصحابة:
سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تعليم القرآن، وكان إذا دخل رجل في الإسلام دفعه إلى الصحابة وقال لهم: «فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعلّموه القرآن» (1).
وأخذ الصحابة بذلك، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان الخلفاء الراشدون يحرصون على تعليم المسلمين القرآن والسنة، وروى الطبري أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان يقول: «اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم ليعلّموا الناس دينهم وسنّة نبيهم» (2).
واشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة، كما قال السيوطي، هم: «الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة نزرة جدا، وكأن السبب في ذلك تقدم وفاتهم» (3).
وكان بعض الصحابة يتحرج من الإقدام على تفسير القرآن الكريم (4)، لكن آخرين منهم لاحظوا حاجة المسلمين إلى من يفهّمهم معاني كلام الله تعالى، فكانوا يفسرون لهم القرآن، وكان من الصحابة من ذهب إلى وجوب تقليب النظر في آيات القرآن واستنباط المعاني منها، فهذا أبو الدرداء يقول: «لا يفقه الرجل--------------------------------------------
(1) الطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/ 474.
(2) المصدر نفسه 2/ 204.
(3) الإتقان 4/ 204.
(4) ينظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى 13/ 371، وابن كثير: تفسير القرآن العظيم 1/ 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
كلّ الفقه حتى يجعل للقرآن وجوها»، وهذا عبد الله بن مسعود يقول: «من أراد علم الأولين والآخرين فليثوّر (1) القرآن» (2).
ومن ينظر في التفاسير الكبيرة التي حرص مؤلفوها على نقل أقوال الصحابة في التفسير مثل الطبري وابن كثير والسيوطي يجد أسماء كبار الصحابة من مفسري القرآن تتردد في تفسير كل آية تقريبا، خاصة علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وكان ابن عباس أكثر الثلاثة، بل أكثر الصحابة تفسيرا للقرآن الكريم، ومن ثم سوف نكتفي بالحديث عن جهوده في التفسير من هذه الفترة.
1 - تميّز ابن عباس بالتفسير:
ولد عبد الله بن عباس بن عبد المطلب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكانت وفاته سنة 68 هـ- بالطائف (3).
وكان رسول الله قد دعا لعبد الله بالفقه والعلم مرتين، فذكر ابن سعد عن طاوس عن ابن عباس أنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على ناصيتي، وقال: «اللهم علّمه الحكمة وتأويل الكتاب». وذكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان في بيت خالته ميمونة، ووضع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءا من الليل، فقالت: يا رسول الله وضع لك هذا عبد الله بن عباس، فقال: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» (4).
وقد أصابت ابن عباس بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالعلم، فكان أعلم الصحابة--------------------------------------------
(1) يثوّر القرآن: أي ينقّر عنه ويفكر في معانيه (ينظر: ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث 1/ 239).
(2) الزركشي: البرهان 2/ 154، والسيوطي: الإتقان 4/ 197.
(3) الداودي: طبقات المفسرين 1/ 233.
(4) الطبقات الكبرى 2/ 356، وينظر: ابن حجر: فتح الباري 1/ 169 و 7/ 100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
بتفسير القرآن، فهو بحر التفسير وحبر الأمة، الذي لم يكن على وجه الأرض في زمانه أعلم منه» (1).
وكان ابن عباس إلى جانب ذكائه وفطنته حريصا على أخذ العلم عن كبار الصحابة، فكان في شبابه يسأل الصحابة ويكابد من أجل ذلك المشاق (2)، وذكر أبو ليث السمرقندي: «أنه كان إذا أشكل عليه شيء من التفسير سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين من أهل الكتاب الذين قرءوا الكتب مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما» (3)، فاشتهر ابن عباس بالعلم والفطنة والذكاء.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أوائل من عرف ما كان لابن عباس من علامات الفطنة والذكاء وحسن تأويل القرآن، فكان يقدمه على صغر سنّه، ويجلسه مع أشياخ بدر (4).
وعرف ذلك أيضا عبد الله بن مسعود، فكان يقول: «نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس» (5)، وقد عاش ابن عباس بعد عبد الله بن مسعود ستا وثلاثين سنة، فذاع صيته واشتهر أمره، وسلّم له علماء الصحابة بتقدمه وعلمه، روي أن عبد الله بن عمر سمع تفسير ابن عباس لقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما (30) [الأنبياء] فقال: «قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتي علما» (6).--------------------------------------------
(1) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 425.
(2) ينظر ابن سعد: الطبقات الكبرى 2/ 371.
(3) بستان العارفين ص 361.
(4) ابن حجر: فتح الباري 8/ 734، والسيوطي: الاتقان 4/ 206.
(5) ابن سعد: الطبقات الكبرى 2/ 366، والسيوطي: الاتقان 4/ 205.
(6) ينظر: الطبري: جامع البيان 1/ 40، والسيوطي: الاتقان 4/ 206.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
2 - جهود ابن عباس في التفسير:
كان ابن عباس كثير العلم واسع المعرفة، فكان يجلس يوما لا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما للتاويل، ويوما للمغازي، ويوما للشعر، ويوما لأيام العرب (1)، وقال عمرو بن دينار المكي (ت 126 هـ): ما رأيت مجلسا قط أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس: للحلال والحرام، وتفسير القرآن، والعربية، والشعر، والطعام (2). لكن شهرة ابن عباس بالتفسير فاقت شهرته بالجوانب الأخرى.
وكانت لابن عباس مجالس عامة يفسر فيها القرآن للناس، على نحو ما فسر سورة البقرة، وفي رواية سورة النور في موسم الحج (3) وله بعد ذلك جلسات مع خاصة تلامذته يفسر لهم القرآن، قال تلميذه مجاهد بن جبر المكي (ت 104 هـ):
عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت؟
وكيف كانت؟ (4) وتعددت الروايات عن ابن عباس في التفسير نتيجة لذلك، قال السيوطي: «وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، وفيه روايات وطرق مختلفة» (5).
ولم تصل إلينا مجموعة كاملة لجهود ابن عباس في تفسير القرآن الكريم، لأنه كان يفسر القرآن تفسيرا شفويا، ولم يدونه في كتاب، وإن كان من تلامذته من دوّن ما سمعه من أستاذه. وتحتفظ كتب التفسير القديمة بثروة كبيرة من جهود ابن عباس في التفسير، لا سيما تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير، وتفسير السيوطي المسمى (الدر المنثور في التفسير بالمأثور). وتوجد اليوم مجموعات صغيرة متميزة من جهود ابن عباس في التفسير، أشهرها:--------------------------------------------
(1) ابن سعد: الطبقات الكبرى 2/ 368.
(2) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 426.
(3) ينظر: الطبري: جامع البيان 1/ 40.
(4) الداودي: طبقات المفسرين 2/ 306.
(5) الإتقان: 4/ 207.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
أ- صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:
قال السيوطي: «وقد روي عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، وفيه روايات وطرق مختلفة، فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه، قال أحمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا … قال ابن حجر: وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وهي عند البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيرا فيما يعلّقه عن ابن عباس، وأخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر كثيرا، بوسائط بينهم وبين أبي صالح. وقال قوم: لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير. قال ابن حجر:
بعد أن عرفت الواسطة، وهو ثقة، فلا ضير في ذلك» (1).
ويميل بعض الباحثين إلى أن تلك الصحيفة هي تفسير ابن عباس الذي ألّفه بنفسه (2). وقام الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي بجمع ما ورد في صحيح البخاري منقولا عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة في كتاب سمّاه (معجم غريب القرآن مستخرجا من صحيح البخاري).
وأورد السيوطي في كتابه (الإتقان) (3) ما تضمنته صحيفة علي بن أبي طلحة، وبلغ ما ورد فيها قريبا من ست مائة كلمة أو عبارة قرآنية، وزاد عليها السيوطي ما جا من ألفاظ في نسخة الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس لم ترد في الصحيفة المذكورة، وبلغت قريبا من مائة وأربعين كلمة، وهذا مثال مما نقله السيوطي من الصحيفة من سورة غافر (4):--------------------------------------------
(1) الإتقان 1/ 207.
(2) فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي 1/ 181.
(3) الإتقان 2/ 5 - 54.
(4) الإتقان 2/ 34.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
ذِي الطَّوْلِ (3): السعة والغنى.
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ (31): حال.
فِي تَبابٍ (37): خسران.
ادْعُونِي (60): وحّدوني.
ب- أجوبة مسائل نافع بن الأزرق:
قصة هذه المسائل هي على ما رواه أبو بكر الأنباري أنه «دخل نافع بن الأزرق إلى المسجد الحرام، فإذا هو بابن عباس جالسا على حوض من حياض السقاية، قد دلّى رجليه في الماء، وإذا الناس قيام عليه يسألونه عن التفسير، فإذا هو لا يحبسهم بتفسيره. فقال نافع: تالله ما رأيت رجلا أجرأ على ما تأتي به منك يا ابن عباس! فقال له ابن عباس: ثكلتك أمك، أولا أدلّك على من هو أجرأ مني؟ قال: من هو؟ قال: رجل تكلم بغير علم، أو كتم علما عنده. فقال نافع: يا ابن عباس، إني أريد أن أسألك عن أشياء فأخبرني بها. قال: سل عما شئت … قال أخبرني عن قوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (35) [المائدة]، قال:
الوسيلة: الحاجة، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة وهو يقول:
إن الرجال لهم إليك وسيلة … » (1).
وقال السيوطي في (الإتقان): «وقد أخرج بعضها ابن الأنباري في كتاب (الوقف)، والطبراني في معجمه الكبير، وقد رأيت أن أسوقها هنا بتمامها» (2).
وقد بلغت المسائل التي أوردها السيوطي مائة وثمانيا وثمانين مسألة.--------------------------------------------
(1) إيضاح الوقف والابتداء 1/ 76.
(2) الإتقان 2/ 55.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
ج- كتاب (اللغات في القرآن):
روى عبد الله بن الحسين بن حسنون المقرئ (ت 368 هـ) بإسناده عن ابن عباس كتاب (اللغات في القرآن) (1)، تحدث فيه عن ألفاظ من القرآن، ذكر أنها جاءت في لغة من لغات العرب، على نحو ما جاء من ذلك في سورة الأنفال (2):
قوله عز وجل: رِجْزَ الشَّيْطانِ (11): يعمي تخويف الشيطان بلغة قريش.
يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً (29): يعني مخرجا بلغة هذيل.
د- تنوير المقباس من تفسير ابن عباس:
ومن الآثار التي تنسب إلى عبد الله بن عباس تفسير جمعه أبو طاهر محمد ابن يعقوب الفيروزآبادي (ت 817 هـ) مؤلف (القاموس المحيط)، وسماه (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) (3).
وهناك شك كبير في صحة نسبة ما جاء في هذا التفسير إلى ابن عباس، سيما أن إسناده ينتهي إلى محمد بن مروان السّدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (4)، وقد قال السيوطي: إن أوهى الطرق التي نقلت لنا تفسير ابن عباس هي طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السّدي الصغير فهي سلسلة الكذب (5).--------------------------------------------
(1) نشره الدكتور صلاح الدين المنجد، في 75 صفحة، والنص يستغرق من ص 15 - 55.
(2) كتاب اللغات في القرآن ص 26.
(3) من طبعاته طبعة عبد الحميد حنفي أحمد بمصر سنة 1356 هـ، بهامش القرآن الكريم، باسم (تنوير المقياس) بالياء بدل (المقباس) بالباء، وهو تصحيف (ينظر: الداودي:
طبقات المفسرين 2/ 276، وفؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي 1/ 182).
(4) تنوير المقياس ص 2.
(5) الإتقان 4/ 209.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
وقال الشيخ محمد حسين الذهبي: «وقد نسب إلى ابن عباس، رضي الله عنه، جزء كبير في التفسير، وطبع في مصر مرارا باسم (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) … إن هذا التفسير المنسوب إلى ابن عباس لم يفقد شيئا من قيمته العلمية في الغالب، وإنما الشيء الذي لا قيمة له فيه هو نسبته إلى ابن عباس» (1).
3 - منهج ابن عباس في تفسير القرآن:
إن الحديث عن منهج ابن عباس في التفسير يقتضي الوقوف على ما روي عنه في ذلك، لكن جهود ابن عباس في التفسير ما زالت موزعة في التفاسير القديمة ولم تستخلص بشكل مستقل، على أن ذلك لا يمنع من ذكر ما لاحظه الدارسون حول منهجه في تفسير القرآن الكريم، فمن ذلك:
أ- يعدّ تفسير ابن عباس، في مختلف أصوله، أول محاولة لشرح ألفاظ القرآن شرحا لغويا (2). وكان يعتمد في ذلك الشرح على شعر العرب في أغلب الأحيان، قال سعيد بن جبير: سمعنا ابن عباس يسأل عن الشيء من القرآن، فيقول: فيه كذا وكذا، أما سمعتم قول الشاعر يقول فيه كذا وكذا (3). وكان ابن عباس يقول: «إذا أعيتكم العربية في القرآن فالتمسوها في الشعر، فإنه ديوان العرب» (4).
ب- جاء في بعض الروايات المنقولة عن ابن عباس في التفسير أخبار منقولة عن أهل الكتاب تتعلق ببدء الخليفة أو قصص الأنبياء، وقد عرفت تلك الأخبار في كتب التفسير بالإسرائيليات. قال ابن كثير، بعد أن نقل رواية عن السدي أوردها في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن--------------------------------------------
(1) التفسير والمفسرون 1/ 81.
(2) فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي 1/ 180.
(3) أبو بكر الأنباري: كتاب إيضاح الوقف والابتداء 1/ 62.
(4) لمصدر نفسه 1/ 101.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:
«فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم» (1).
وجاء في رواية نقلها ابن كثير عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عباس أنه قال: «يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتاب الله الذي أنزله على نبيه أحدث أخبار الله، تقرءونه غضا لم يشب، وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدّلوا كتاب الله وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدا قط سألكم عن الذي أنزل عليكم» (2). وهذه الرواية تدل على أن ابن عباس يرفض الأخذ عن أهل الكتاب، وقد لا تكون مناقضة لدلالة الرواية التي نقلناها عن أبي الليث السمرقندي من أن ابن عباس إذا أشكل عليه شيء من التفسير سأل الصحابة «والمسلمين من أهل الكتاب الذين قرءوا الكتب مثل كعب الأحبار … » فهؤلاء قد أسلموا.
ج- ورد في أكثر من مصدر من المصادر القديمة أن ابن عباس، رضي الله عنه، قال: التفسير أربعة أوجه:
تفسير تعرفه العرب من كلامها.
وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، يقول: الحلال والحرام.
وتفسير يعلمه العلماء خاصة.
وتفسير لا يعلمه إلا الله، ومن ادّعى علمه فهو كاذب (3).--------------------------------------------
(1) تفسير القرآن العظيم 1/ 77.
(2) المصدر نفسه 1/ 118 - 119.
(3) ينظر: الكبرى: جامع البيان 1/ 34، وابن تيمية: مجموع الفتاوى 13/ 375 و 384، والزركشي: البرهان 2/ 164، والسيوطي: الإتقان 4/ 188.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
وهذا القول يحدد بعض ملامح منهج ابن عباس في التفسير، فهو يؤكد على استناد كثير من التفسير على العلم باللغة العربية، كما يشير أن من آي القرآن ما استأثر صلى الله عليه وسلم تعالى بعلمه، وهو يأخذ عمليا بهذا التوجه، فقد روي أن رجلا سأل ابن عباس عن قوله تعالى: يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ (5) [السجدة] فقال له ابن عباس: فما يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) [المعارج] فقال الرجل:
إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما (1).
ثالثا- التفسير في عصر التابعين:
إن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة، كما تلقوا عنهم علم السّنّة (2).
واتسعت حركة التفسير في عصر التابعين لازدياد حاجة الناس إليه لفهم آيات القرآن الكريم، بعد أن ضعفت ملكة اللغة وبعد أن دخل في الدين أمم متنوعة اللغات والثقافات، فنشأ في الأمصار الإسلامية جماعة من العلماء اشتغلوا بتفسير القرآن، معتمدين في ذلك على ما تلقوه عن الصحابة، وعلى ما وصل إليه علمهم في فهم آيات الكتاب الحكيم. ويبدو أن هذه الفترة شهدت أولى محاولات تدوين التفسير تدوينا منظما، إذا صح أن جهود ابن عباس كانت تروى رواية، أو أنها لم تدون تدوينا منظما.
واشتهر من علماء التابعين في كل مصر من الأمصار الإسلامية جماعة من المفسرين، خاصة في مكة والمدينة والكوفة والبصرة، أما أهل الشام فإنهم في هذه الحقبة «كانوا أهل غزو وجهاد، فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم» (3). قال ابن تيمية، رحمه الله: «وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة،--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى 13/ 372.
(2) المصدر نفسه 13/ 332.
(3) المصدر نفسه 13/ 347.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم، الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضا ابنه عبد الرحمن، وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب» (1).
ونميز من خلال هذا القول ثلاثة مراكز علمية ازدهر فيها التفسير في زمن التابعين، هي مكة، والمدينة، والكوفة، لكن أثر المفسرين الذين نشئوا في هذه المراكز لم يقتصر على المدن التي نشئوا فيها، وإنما امتد إلى الأمصار الأخرى، فلم يكن في تلك العصور حدود تمنع العلماء من التنقل في الأمصار الإسلامية، أو طلبة العلم من الرحلة
إلى العلماء في مكان إقامتهم.
أما مكة فقد نشأت فيها مدرسة للتفسير، أرسى ابن عباس أسسها، وشادها تلامذته من بعده. وأشهر تلامذته مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي (ت 104 هـ). قال عبد الله بن أبي مليكة: «رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله» (2). ويروى عن مجاهد أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ (3).
وحاز مجاهد سمعة طيبة في مجال التفسير، فنجد خصيف بن عبد الرحمن (ت 137 هـ) يقول: «كان أعلمهم بالتفسير مجاهد» (4). وكان سفيان الثوري (ت 161 هـ) يقول: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به» (5).--------------------------------------------
(1) مقدمة في التفسير ص 61، ومجموع الفتاوى (له) 13/ 347.
(2) الطبري: جامع البيان 1/ 40.
(3) السيوطي: الإتقان 4/ 210، والداودي: طبقات المفسرين 2/ 306.
(4) السيوطي: الإتقان 4/ 210.
(5) الطبري: جامع البيان 1/ 40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
وينسب المؤرخون إلى مجاهد كتابا في (التفسير) (1). وقد طبع تفسير مجاهد من رواية عبد الله بن أبي نجيح (ت 131 هـ) (2). ولا يتناول هذا التفسير كل آيات القرآن، وإنما يقتصر على مواضع من كل سورة، على ترتيب المصحف. وفيه شرح لغوي للألفاظ، كما يبيّن أحيانا سبب نزول الآيات والقصة التي تتعلق بها (3).
ومن علماء التفسير الذين أخذوا عن ابن عباس، من طبقة التابعين، عكرمة مولى ابن عباس (ت 104 هـ)، الذي قال: «كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل، ويعلمني القرآن والسنن». وأثمرت هذه الشدة في التعليم، فكان الشعبي يقول: «ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة»، ويفخر عكرمة بقوله: «لقد فسّرت ما بين اللوحين»، لكنه لا ينكر فضل أستاذه عليه فيقول: «كل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس» (4).
وممن أخذ التفسير عن ابن عباس أيضا عطاء بن أبي رباح (ت 115 هـ)، وطاوس بن كيسان اليماني (ت 106 هـ)، وأبو الشعثاء جابر بن زيد البصري (ت 103 هـ)، ومنهم سعيد بن جبير الكوفي (ت 95 هـ) (5).
أما المدينة فإنه كان فيها من التابعين ممن اشتهر بالتفسير زيد بن أسلم المدني (ت 136 هـ)، الذي كانت له حلقة للعلم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال عنه يعقوب بن شيبة: ثقة من أهل الفقه والعلم، عالم بتفسير القرآن، له كتاب في (التفسير) يرويه عنه ولده عبد الرحمن (6).--------------------------------------------
(1) الداودي: طبقات المفسرين 2/ 306، وفؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي 1/ 186.
(2) طبع سنة 1396 هـ 1976 م، بتحقيق عبد الرحمن الطاهر بن محمد السورتي.
(3) ينظر: مقدمة محقق تفسير مجاهد ص 37.
(4) ينظر في هذه الأقوال: السيوطي: الإتقان 4/ 211.
(5) ينظر: السيوطي: الإتقان 4/ 210 - 211.
(6) السيوطي: طبقات الحفاظ ص 53، والداودي: طبقات المفسرين 1/ 176.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
وكان من تلامذة زيد الإمام مالك بن أنس (ت 179 هـ)، كما أخذ عنه التفسير ابنه عبد الرحمن (ت 182 هـ) الذي ألّف كتابا في (التفسير) وآخر في (الناسخ والمنسوخ) (1).
أما في الكوفة فإن أشهر علمائها في التفسير زمن التابعين تلامذة عبد الله بن مسعود، يقول مسروق بن عبد الرحمن (ت 63 هـ)، أحد تلامذة هذه المدرسة:
«كان عبد الله يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها، ويفسرها، عامة النهار» (2)، ومن تلامذة هذه المدرسة أيضا علقمة بن قيس (ت 61 هـ)، والأسود بن يزيد النخعي (ت 64 هـ)، وعبيدة بن عمرو السلماني (ت 73 هـ)، ومرة بن شراحيل الهمداني (ت 76 هـ) (3).
وكان في البصرة في عصر التابعين مفسرون، أخذ عدد منهم التفسير عن ابن عباس مثل: أبي الشعثاء جابر بن زيد (ت 103 هـ) الذي أخذ التفسير عن ابن عباس، ومنهم قتادة بن دعامة السدوسي (ت 118 هـ)، والحسن البصري (ت 110 هـ)، والربيع بن أنس البصري (ت 139 هـ) نزيل خراسان (4).
تلك هي المعالم البارزة لجهود التابعين في التفسير، وهي لا ترسم صورة كافية لتطور التفسير في هذه المرحلة التي تمثل البداية للتدوين المنظم لهذا العلم.
ولكن فقدان جل تفاسير هذه الفترة يستلزم تتبع الروايات المنقولة عن مفسري التابعين في التفاسير الكبيرة، مثل: تفسير الطبري، وابن كثير، والسيوطي، ويمكن من خلال ذلك إعادة تشكيل تلك التفاسير ودراستها، لكن ذلك يخرج عن طبيعة هذه المحاضرات وهدفها.--------------------------------------------
(1) الداودي: طبقات المفسرين 1/ 165.
(2) الطبري: جامع البيان 1/ 35.
(3) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون 1/ 118 - 126.
(4) ينظر: الزركشي: البرهان 2/ 158، والسيوطي: الإتقان 4/ 210.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
رابعا- التفسير في مرحلة المصنفات الجامعة:
ازدادت مادة التفسير بعد عصر التابعين، وبدأت تظهر المصنفات التي جمع مؤلفوها أقوال الصحابة والتابعين في التفسير، وذكر الداودي في كتابه (طبقات المفسرين) في ترجمة الإمام مالك بن أنس (ت 179 هـ) أنه «هو أول من صنف تفسير القرآن على طريقة الموطأ، تبعه الأئمة، فقلّ حافظ إلا وله تفسير مسند» (1).
وتحدث السيوطي عن حركة التأليف في مجال التفسير بعد عصر التابعين، فقال بعد أن ذكر المفسرين من الصحابة والتابعين: «ثم بعد هذه الطبقة ألّفت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين، كتفسير سفيان بن عيينة (ت 198 هـ)، ووكيع بن الجراح (ت 197 هـ)، وشعبة بن الحجاج (ت 160 هـ)، ويزيد بن هارون (ت 206 هـ)، وعبد الرزاق (ت 211 هـ)، وآدم بن أبي إياس (ت 211 هـ)، وإسحاق بن راهويه (ت 238 هـ)، وروح بن عبادة (ت 250 هـ)، وعبد بن حميد (ت 249 هـ)، وسنيد (ت 226 هـ)، وأبي بكر بن أبي شيبة (ت 235 هـ)، وآخرين.
وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها، ثم ابن أبي حاتم، وابن ماجة، وابن مردويه، وأبو الشيخ بن حيان، وابن المنذر، في آخرين، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك إلا ابن جرير، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط، فهو يفوقها بذلك» (2).
وتحدث أبو حيان الأندلسي عن تطور التأليف في التفسير بعد عصر التابعين--------------------------------------------
(1) طبقات المفسرين 2/ 299. وذكر الشيخ محمد الفاضل بن عاشور في كتابه (التفسير ورجاله ص 33) أن عبد الملك بن جريج (ت 150 هـ) كان أول من ألف في التفسير. لكني وجدت الداودي يذكر أن ابن جريج كان أول من صنف الكتب في الحجاز (طبقات المفسرين 1/ 357).
(2) الإتقان 4/ 211 - 212.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
وظهور الحاجة إلى التعمق في الكشف عن معاني القرآن، فقال: «ثم تتابع الناس في التفسير وألفوا فيه التآليف. وكانت تآليف المتقدمين أكثرها إنما هي في شرح اللغة، ونقل سبب ونسخ وقصص، لأنهم كانوا قريبي عهد بالعرب وبلسان العرب، فلما فسد اللسان وكثرت العجم، ودخل في دين الإسلام أنواع الأمم المختلفو الألسنة … احتاج المتأخرون إلى إظهار ما انطوى عليه كتاب الله تعالى من غرائب التراكيب، وانتزاع المعاني، وإبراز النكت البيانية، حتى يدرك ذلك من لم تكن في طبعه، ويكتسبها من لم تكن نشأته عليها … » (1).
وتطورت الحياة العلمية في الأمة الإسلامية تطورا سريعا، وتنوعت المعارف والثقافات، وبرزت المذاهب الفقهية، والاتجاهات الفكرية، وانعكس ذلك على تفسير القرآن الكريم، فتأثرت التفاسير بثقافة المفسر وتوجهاته الفكرية، فتنوعت تبعا لذلك. وكان السيوطي، رحمه الله، قد تحدث عن هذا التطور في التأليف في علم التفسير، فقال بعد أن ذكر التفاسير الجامعة لأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم، فقال:
«ثم ألّف في التفسير خلائق! فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال بترا، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل. ثم صار كل من يسنح له قول يورده، ومن يخطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده ظانّا أن له أصلا، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح، ومن يرجع إليهم في التفسير، حتى رأيت من حكى في تفسير قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) [الفاتحة] نحو عشرة أقوال. وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم وجميع الصحابة والتابعين وأتباعهم، حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين.--------------------------------------------
(1) البحر المحيط 1/ 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)