ولم تستمر طريقة أبي الأسود الدؤلي في تمثيل الحركات بالنقاط الحمر طويلا، لصعوبتها عند الكتابة، واحتمال التباسها بنقاط الإعجام التي وضعها نصر للتمييز بين الحروف المتشابهة في الرسم، وذلك حين جعل الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري (ت 170 هـ) الحركات حروفا صغيرة مكان النقاط الحمر، وكذلك وضع الخليل علامة للهمزة والتشديد والرّوم والإشمام، واستخدمت العلامات الجديدة تدريجيا، حتى زالت طريقة الدؤلي بعد ذلك (1).
وصارت المباحث المتعلقة بالعلامات الكتابية علما أطلق عليه اسم (علم النّقط والشّكل)، وهو يعالج كيفية استخدام العلامات في رسم المصحف خاصة، ومذاهب العلماء في ذلك، وسمي هذا العلم في العصور المتأخرة بعلم الضبط (2).
وكتبت في هذا العلم كتب كثيرة (3)، أشهرها كتاب «المحكم في علم نقط المصاحف»، لأبي عمرو الداني، مؤلف كتاب «المقنع»، وكتاب «المحكم» (مطبوع).
ثالثا- علم العدد القرآني:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتّل ويبيّن قراءته إذا قرأ القرآن، وكان يقطّع قراءته ويقف عند رءوس الآيات، وكتب الصحابة رضي الله عنهم، القرآن في المصاحف على نحو ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتبوه مجردا مما سواه، ولم يكتبوا في المصاحف الأولى إلا ألفاظ الوحي، فلم يكن فيها أسماء السور وأرقام الآيات، ولا علامات الأجزاء ونحوها.
وقد اعتنى علماء قراءة القرآن من الصحابة والتابعين بتعيين رءوس الآيات،--------------------------------------------
(1) ينظر: الداني: المحكم ص 6 - 7.
(2) المارغني: دليل الحيران ص 321.
(3) ينظر كتابي: رسم المصحف ص 478 - 483.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
وإن لم تكن مرسومة في المصحف، فكانوا يعلّمون الناس القرآن ويوقفونهم على رءوس الآي، وقد وضعوا أول الأمر ثلاث نقاط عند رأس الآية (1)، ثم تطورت فصارت دائرة، ثم كتب رقم الآية في داخلها في العصور المتأخرة.
وظهر في المراكز العلمية الخمسة: مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام (دمشق) علماء اشتهروا بمعرفة عدد الآيات، واعتنوا بإحصاء عدد كلمات كل سورة وعدد حروفها، كذلك اعتنوا بتجزئة القرآن ثلاثين جزءا أو ستين أو أكثر من ذلك، وضعوا علامات للخموس والعشور والأجزاء، كرهها الفقهاء في أول الأمر، كما كرهوا النقط والشكل في المصاحف، وكانوا يقولون: جرّدوا القرآن ولا تخلطوا به شيئا، وكرهوا فواتح السور التي يكتب فيها اسم السورة وعدد آياتها ومكية أو مدنية (2). ثم خفّت
الكراهة وأثبت الخطاطون تلك الزيادات في المصحف، وصار استعمال النقط والشكل في المصاحف لازما صيانة له من اللحن والتحريف.
وألّف علماء القرآن كتبا كثيرة في علم العدد القرآني، ذكر ابن النديم منها قريبا من عشرين كتابا إلى زمن تأليفه كتاب «الفهرست» سنة 377 هـ، ويكاد كتاب الدانيّ «البيان في عدّ آي القرآن» يكون أوسع كتاب في هذا الموضوع وأكثر كتبه شهرة، قال في مقدمته: «هذا كتاب عدد آي القرآن وكلمه وحروفه، ومعرفة خموسه وعشوره، ومكيّه ومدنيّه، وبيان ما اختلف فيه أئمة أهل الحجاز والعراق والشام من العدد، وما اتفقوا عليه منه، وما جاء من السّنن والآثار في عدد الآي عن السالفين، وورد من الآثار في العقد بالأصابع عن الماضين، وسائر ما ينتظم بذلك من الأبواب … » (3).--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 143.
(2) ينظر: الداني: المحكم ص 10 - 15، والسيوطي: الاتقان 4/ 160 - 161.
(3) كتاب البيان ص 19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
رابعا- أسماء السور:
سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، كانت أسماؤها معروفة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان إذا نزل عليه الشيء من القرآن يدعو بعض من يكتب له ويقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا (1). يشير بهذا إلى اسم السورة، وقال السيوطي: «وقد ثبتت أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار» (2).
واسم السورة يؤخذ من شيء ورد ذكره فيها أو مما اختصت به، كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم لقرينة ذكر قصة البقرة المذكورة فيها وعجيب الحكمة فيها، وسميت سورة النساء بهذا الاسم لما تردد فيها من كثير من أحكام النساء، وتسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل أحوالها، وهكذا في تسمية سائر سور القرآن (3).
وقد يكون للسورة اسم واحد وهو كثير، وقد يكون لها اسمان فأكثر، من ذلك سورة براءة تسمى التوبة، وسورة الإسراء تسمى سورة بني إسرائيل، وسورة فصّلت تسمى حم السجدة، وسورة غافر تسمى المؤمن، وسورة محمد تسمى القتال، وسورة تبارك تسمى الملك، وهكذا (4). وقد تساءل الزركشي: هل تعدد الأسامي توقيفي أو بما يظهر من المناسبات؟ وقد رجّح أنه توقيفي أيضا (5).
ولم تكن أسماء السور تكتب في المصحف في الحقبة الأولى من تاريخ الإسلام، فكان يترك بين السورتين فراغ قدر سطر واحد (6)، ثم صار هذا الفراغ--------------------------------------------
(1) السيوطي: الاتقان 1/ 172.
(2) الاتقان 1/ 150.
(3) ينظر: الزركشي: البرهان 1/ 270.
(4) ينظر: السخاوي: جمال القراء 1/ 36، والسيوطي: الإتقان 1/ 151.
(5) البرهان 1/ 270.
(6) موريتز: مجموعته المصورة (الباليو جرافية العربية) لوحة 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
يشغل بخطين تزيّن ما بينهما دوائر، أو خط متعرج كالسلسلة، أو يترك ما بينهما خاليا (1). ثم صار الخطاطون يعتنون بزخرفة ما بين السورتين، وصار يكتب في داخل تلك الزخرفة اسم السورة وما يتصل بمكان نزولها وعدد آياتها (2).
وحافظ المصحف في عصر الطباعة على تلك الصورة لفواتح السور.
خامسا- علامات الوقف:
يحتاج القارئ إلى تقسيم ما يتلوه إلى جمل وعبارات يقف عند نهايتها، ليتم المعنى، والقراءة بالترتيل والمكث واجبة بنص القرآن، فقد قال الله تعالى:
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) [المزمل] أي بيّنه تبيينا (3).
واعتنى علماء قراءة القرآن بالمواضع التي يحسن الوقف عليها في أثناء القراءة، وجعلوا الوقف على ثلاثة أقسام هي: الوقف التام، والحسن، والقبيح، وألّفوا في ذلك كتبا كثيرة فصّلوا فيها تلك الأقسام من أول القرآن إلى آخره (4).
وكانت المصاحف الأولى خالية من علامات الوقف، وظلت كذلك قرونا كثيرة، وعمل الخطاطون في فترات متأخرة على وضع علامات لأنواع الوقف التي ذكرها العلماء في كتبهم، مثل (م، ج، صلى، قلى، لا) ونحوها، وتجد في آخر المصاحف المطبوعة توضيحا لدلالة تلك العلامات وما يشبهها. وقد تختلف هذه العلامات من مصحف إلى آخر تبعا لاختلاف اجتهاد العلماء في فهم التركيب النحوي للآيات، وما يترتب على ذلك من تغير المعنى.--------------------------------------------
(1) ينظر: صلاح الدين المنجد: دراسات في تاريخ الخط العربي شكل 47 و 48 و 49 في الصفحات 92 و 93 و 94.
(2) ينظر: موريتز: مجموعته الخطية لوحة 1 - 12 و 33 - 36.
(3) النحاس: القطع والائتناف ص 73.
(4) ينظر: الزركشي؛ البرهان 1/ 342، والسيوطي: الإتقان 1/ 230.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
سادسا- المصحف في عصر الطباعة:
يسّرت الطباعة الحديثة نشر آلاف النسخ الموحدة الشكل من المصحف، المزدانة بالورق الصقيل والزخارف المذهبة الجميلة والتجليد المتين المزيّن، والنسخ المتنوعة الحجم، لكن الطباعة لم تغير شيئا من شكل المصحف العام وطريقة كتابته وضبطه، فالمصحف أخذ شكله المتميز منذ وقت مبكر، وأكثر المصاحف التي تطبع اليوم تستنسخ من مصحف مخطوط روعي فيه الشكل الموروث للمصحف.
ويكاد الإجماع ينعقد على أن أول مصحف أخرجته المطابع ورأى النور (1) كان في سنة 1694 م، الذي وقف على طبعه هنكلمان في مدينة هامبورج بألمانية (2). وهو لم يخل من الأخطاء الطباعية (3)، ثم توالت طباعة المصاحف بعد ذلك ودخلت البلاد الإسلامية فظهرت المصاحف المطبوعة في تركيا ومصر والهند، وطبع المصحف في بلادنا في العقود الأخيرة عدة طبعات على نسخة بقلم الخطاط حافظ محمد أمين رشدي التي كتبها سنة 1236 هـ.
وكان خط مصاحف القرآن في القرون الأولى يغلب عليه ما يسمى بالخط الكوفي، ثم تفنن الخطاطون في تطوير الحرف العربي وانتقل إلى الليونة، في القرن الرابع والخامس الهجريين، وغلب على المصاحف رسمها بها صار يعرف بخط النسخ، لكن أهل المغرب طوّروا الخط الكوفي على نحو ظل متميزا وصار يعرف بالخط المغربي، وظلت المصاحف تطبع به في بلاد المغرب، لكن استخدام خط النسخ هو الشائع في المصاحف التي تطبع في معظم البلدان الإسلامية الأخرى.--------------------------------------------
(1) ذكر الدكتور صبحي الصالح في كتابه (مباحث في علوم القرآن ص 99) أن القرآن ظهر مطبوعا للمرة الأولى في البندقية في حدود سنة 1530 م لكن السلطات الكنسية أصدرت أمرا بإعدامه حال ظهوره.
(2) حفني ناصف: تأريخ الأدب ص 112، ومحمد طاهر الكردي: تاريخ القرآن ص 16 و 186، وصبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن ص 99.
(3) ينظر كتابي: رسم المصحف ص 602.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
إن رحلة المصحف الطويلة عبر القرون لم تغيّر من نصه الذي كتبه الصحابة، رضي الله عنهم، حين تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمعوه في المصحف ونسخوه في المصاحف، وأنت إذا أخذت أحدث نسخة مطبوعة من المصحف، ثم وازنت بينها وبين إحدى النسخ العتيقة من المصحف المكتوبة على الرقوق، بالخط الكوفي القديم المجرد من العلامات، مما تحتفظ به بعض المكتبات العالمية، لوجدت النص واحدا والتطابق بينهما تامّا، سوى ما يرجع إلى الاختلافات الشكلية التي لا تغير من النص المكتوب ولا من قراءته.
وقد يسّر الله تعالى أسباب حفظ القرآن، كتابة في السطور، وحفظا في الصدور، وتلاوة في الألسنة، وتحقق بذلك وعد الله الحق في حفظ القرآن في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9) [الحجر]. فالقرآن الكريم معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الخالدة، وحجة الله تعالى الباقية، هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، عصمة لمن اعتصم به، ونجاة لمن تمسك به، لا يعوجّ فيقوّم، ولا يخلق من كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدّق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم (1).
وقد اتفقت كلمة العلماء المدققين، والمستشرقين المنصفين على صحة نقل القرآن وانتهائه بنصه إلى النبي صلى الله عليه وسلم على الرغم من أنهم لا يؤمنون أنه من عند الله. وهناك بضع شهادات لكبار العلماء منهم تؤكد أن القرآن هو الكتاب الوحيد في الدنيا الذي بقي نصه محفوظا من التحريف، من بين كتب الديانات جميعا، وأنه لم يتطرق شكّ إلى أصالته، وأن كل حرف نقرؤه اليوم نستطيع أن نثق بأنه لم يقبل أي تغيير من يوم نزوله إلى زماننا (2).--------------------------------------------
(1) هذه الأوصاف للقرآن ملخصة من حديثين، أحدهما عن الإمام علي (الترمذي: كتاب السنن 5/ 158) والثاني عن عبد الله بن مسعود (الطبراني: المعجم الكبير 9/ 130).
(2) تنظر نصوص تلك الأقوال في كتاب النبي الخاتم للندوي ص 30 - 31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
الفصل الثالث قراءة القرآن الكريم
المبحث الأول أهداف قراءة القرآن
إن الهدف من قراءة أي كتاب يتوقف على موضوعه، فإن كان كتابا في علم من العلوم فإن الهدف من قراءته اكتساب المعرفة، وإذا كان كتابا تاريخيا كان الهدف اتخاذ العبرة من أحداث الماضي وتدبر شئون الحاضر والمستقبل من خلال ذلك، وإذا كان كتابا أدبيا كان الهدف التذوق الفني وما قد يصحبه من متعة روحية وتهذيب أخلاقي، وهكذا.
وإذا أردنا أن نحدد أهداف قراءة القرآن الكريم وجدنا أنها ترتبط أيضا بموضوعه إلى حد كبير، فالقرآن ليس كتابا في علم من العلوم، وإن كان فيه من العلم ما يعجز
العقل البشري عن الإحاطة به، والقرآن ليس كتابا في التاريخ، وإن كان فيه من القصص ما فيه عبرة لأولي الألباب، كما أنه ليس كتابا أدبيا، وإن كان فيه من جمال الأسلوب وروعة التعبير ما يعجز البشر عن الإتيان بمثله.
فما موضوع القرآن إذن، وما أهداف قراءته؟
إن موضوع القرآن الأساسي هو هداية البشرية إلى منهج الله تعالى الذي اختاره لها، وكانت قراءته من أهم ما يحرص المسلمون على تعلمه وتعليمه والمداومة عليه، حتى قال ابن خلدون: «اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات، وسبب ذلك أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
التعليم في الصغر أشد رسوخا، وهو أصل لما بعده، لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات، وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما ينبني عليه» (1).
إن تتبّع ما ورد في القرآن والأحاديث النبوية عن قراءة القرآن، وما تضمنته سيرة السلف من تعلق بالقراءة وحرص عليها يوضح جوانب من الأهداف والغايات التي تتحقق من قراءة القرآن، والتي تتمثل في كون القراءة وسيلة من وسائل الدعوة، وكونها عبادة تزكو بها النفوس، وهي أيضا أساس للفقه والعمل.
1 - قراءة القرآن وسيلة من وسائل الدعوة:
إن تلاوة القرآن كانت من وسائل الدعوة إلى الإسلام، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى الناس في المواسم، فكان يدعوهم إلى الإسلام ويقرأ عليهم القرآن (2).
وكان تأثير القرآن في نفوس سامعيه عظيما، على نحو ما كان من موقف النفر الذين لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة، وكانوا من الخزرج، فدعاهم إلى الله، عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فأجابوه إلى ما دعاهم إليه، وصدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام (3). فكان إسلامهم فتحا عظيما في تاريخ الدعوة.
وكان المشركون قد أحسّوا بتأثير قراءة القرآن واجتذابها النفوس إلى الدعوة الجديدة، فتنادوا بينهم: لا تسمعوا لهذا القرآن، كما حكى القرآن قولهم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) [فصلت]، ولكن الله تعالى خيّب آمالهم، وأخذ القرآن طريقه إلى القلوب (4).--------------------------------------------
(1) مقدمة ابن خلدون ص 537.
(2) ابن هشام: السيرة النبوية 1/ 383 و 391.
(3) المصدر نفسه 1/ 429.
(4) ينظر: الطبري: جامع البيان 24/ 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
وظلت قراءة القرآن تقوم بذلك الدور في نشر الدعوة بعد أن مكّن الله تعالى لدينه، فكانت وفود العرب تأتي إلى المدينة، لا سيما بعد فتح مكة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليهم القرآن ويعلّمهم شرائع الإسلام (1).
وكان من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم القرآن أنه كان يرسل القراء من الصحابة إلى المواطن التي يفتح الناس فيها صدورهم للدعوة، كما أرسل مصعب بن عمير، رضي الله عنه، بعد بيعة العقبة الأولى إلى المدينة، «وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلّمهم الإسلام، ويفقّههم في الدين، فكان يسمى المقرئ بالمدينة مصعب» (2).
وبيّن الله تعالى في كتابه الكريم أنه إنما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ليتلو القرآن على الناس، فقال: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) [النمل]. وقد امتدح الله تعالى المؤمنين الذين وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً (2) [الانفال]، وذمّ الكفار الذين إذا تتلى عليهم آيات الله قالوا: هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) [الأحقاف] أو قالوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) [المطففين].
2 - قراءة القرآن عبادة:
إن تلاوة القرآن هي أفضل الأذكار (3)، ومن ثمّ يستحب الإكثار منها (4)، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم ثواب قارئ القرآن وفضله في أحاديث كثيرة، منها قوله:
«اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه … » (5). ومنها قوله: «من--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى 1/ 301 و 312 و 344.
(2) ابن هشام: السيرة النبوية 1/ 434.
(3) النووي: الأذكار ص 95.
(4) السيوطي: الاتقان 1/ 292.
(5) صحيح مسلم بشرح النووي 6/ 90، والمنذري: الترغيب والترهيب 2/ 369.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقوال (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (1). والأحاديث في فضل التلاوة كثيرة، سوف نشير إلى عدد منها في المبحث الآتي، إن شاء الله تعالى.
وكانت استجابة الصحابة، رضي الله عنهم، ومن تبعهم من سلف الأمة الصالح للتوجيه النبوي بتلاوة القرآن استجابة عظيمة، ملأت عليهم أوقاتهم في الهواجر والأسحار، يوضّح ذلك ما قاله الإمام النووي: «ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، وقد كانت للسلف، رضي الله عنهم، عادات في القدر الذي يختمون فيه، فكان جماعة منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثمان ليال ختمة، وآخرون في كل سبع ليال ختمة، وهذا فعل الأكثرين من السلف … وكثيرون في كل ثلاث، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة … وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم، فمنهم عثمان ابن عفان، وتميم الداريّ، وسعد بن جبير» (2).
ولا شك في أن الإكثار من التلاوة له أثره العميق في تهذيب النفس وتقويم السلوك، فالله تعالى قال: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) [يونس]، وقال سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (82) [الإسراء]، ففي القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة، وفي القرآن شفاء من الهوى والطمع والحسد ونزعات الشيطان، في القرآن شفاء من شطط التفكير والشعور. وبذلك كان القرآن ذكرا من أفضل--------------------------------------------
(1) الترمذي: كتاب السنن 5/ 161، والحاكم المستدرك 1/ 555.
(2) الأذكار ص 95 والتبيان ص 26.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
الأذكار وعبادة من أجلّ العبادات، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين … » (1).
3 - قراءة القرآن للفقه والعمل:
إن الهدف الأساسي من قراءة القرآن، مع كونها عبادة، هو التفهم للمعاني التي تتضمنها الآيات الكريمة، والتطبيق لما تتضمنه من أحكام، وقد قال الله تعالى في وصف القرآن: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (92) [ص]، كما حث الله تعالى على تفهم معانيه بقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) [النساء]، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (24) [محمد].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أسلم الرجل أمره بقراءة القرآن قبل كل شيء (2)، وقال للصحابة: فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعلّموه القرآن (3). لأن القرآن الكريم هو الأصل الأول للعقيدة والأحكام والآداب، والسّنّة مبيّنة ومفصّلة لما تضمنه القرآن.
وكانت طريقة تلقي الصحابة للقرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤكد على التفهم للمعاني، فقد قال عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: كنا إذا تعلّمنا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات من القرآن لم نتعلم من العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيها، يعني من العمل (4).
وكان أبو عبد الرحمن السلمي (ت 74 هـ)، وهو مقرئ أهل الكوفة في--------------------------------------------
(1) الترمذي: كتاب السنن 5/ 169.
(2) السخاوي: الوسيلة ص 119.
(3) الطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/ 474.
(4) الحاكم: المستدرك 1/ 557.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
عصر التابعين، يحدّث عن الصحابة الذين علّموه القرآن ويقول: «حدثني الذين كانوا يقرءوننا: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم العشر فلا يجازونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» (1).
وقال العلماء: تكره قراءة القرآن بلا تدبّر (2)، وقال الآجري: والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره أحبّ إليّ من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك والسّنة وقول أئمة من المسلمين (3).
ونقل الآجري روايتين تدلان على ذلك (4):
الرواية الأولى: عن أبي جمرة الضّبعي، قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال ابن عباس: لأن أقرأ البقرة في ليل، فأتدبرها وأرتّلها أحبّ إليّ من أن أقرأ كما تقول.
والرواية الثانية: عن مجاهد بن جبر، تلميذ ابن عباس، أنه سئل عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة، قراءتهما واحدة، وركوعهما وسجودهما وجلوسهما، أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (106) [الإسراء].
ونقل أبو عمرو الداني رواية عن زيد بن ثابت أن رجلا سأله عن قراءة القرآن في سبع؟ فقال: حسن، ولأن أقرأه في عشرين أو في النصف أحب إليّ من أن أقرأه في سبع، واسألني عن ذلك؟ أردّده وأقف عليه (5).--------------------------------------------
(1) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 69، والذهبي: معرفة القراء 1/ 48.
(2) الزركشي: البرهان 1/ 445.
(3) أخلاق حملة القرآن ص 109.
(4) المصدر نفسه ص 109 - 110.
(5) التحديد ص 76.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
ونقل رواية أخرى عن ابن مسعود أن رجلا أتاه فقال: أقرأ القرآن بالمفصل في ركعة! فقال: أهذّا كهذّ الشعر، ونثرا كنثر الدّقل؟ (1) ومع ذلك فإن العلماء لا يمنعون من القراءة السريعة مطلقا، وقد نصوا على أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، كما أنه يختلف لاختلاف حال الشخص في النشاط والضعف والتدبر والغفلة (2).
المبحث الثاني فضائل التلاوة وآدابها
أولا: فضائل التلاوة:
إن قيمة كل كتاب تعتمد على منزلة مؤلفه وأهمية موضوعه وبلاغة أسلوبه، والقرآن الكريم بلغ أقصى الغايات في ذلك كله، فهو كلام الله تعالى «وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» (3). وموضوعه بيان منهج الله الذي لا تتحقق سعادة البشرية إلا به وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) [آل عمران]، وأسلوبه جاء في أعلى درجات الفصاحة والبلاغة التي أعجزت الفصحاء والبلغاء في جميع العصور.
وبيان فضائل تلاوة القرآن ترتبط بفضل القرآن الكريم ذاته، وقد وصف الله تعالى القرآن في آيات كثيرة بأنه مصدر الهداية للبشرية وسبب الرحمة الإلهية لها، ومن تلك الآيات:--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه ص 77.
(2) النووي: التبيان ص 27، والزركشي: البرهان 1/ 471.
(3) هذا جزء من حديث قدسي رواه الترمذي في سننه (5/ 169)، وينظر: ابن حجر: فتح الباري 9/ 66.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (10) [الإسراء].
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) [يونس].
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (89) [النحل].
طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (1) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) [النمل].
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) [النمل].
وقد امتدح الله تعالى الذين يتلون كتاب الله، ووعدهم مغفرة منه وفضلا، بقوله الكريم: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) [فاطر].
وجاءت في فضل القرآن وفضل تلاوته عشرات الأحاديث التي رواها العلماء في كتب الحديث في باب (فضائل القرآن)، وأفردها عدد منهم في رسائل منفردة؛ سميت بكتب (فضائل القرآن)، مثل كتاب «فضائل القرآن» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224 هـ)، وكتاب «فضائل القرآن» لأبي جعفر بن محمد الفريابي (ت 301 هـ)، وكتاب «فضائل القرآن» لأحمد بن شعيب النسائي (ت 303 هـ)، وغيرها كثير.
وسوف أقتبس مما ورد في تلك الكتب عددا من الأحاديث التي تبيّن فضل تعلم القرآن وفضل تلاوته، منها:
1 - روى البخاري وغيره، عن أبي عبد الرحمن السّلميّ، عن عثمان بن عفان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
«خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (1).
قال أبو عبد الرحمن السلمي، وهو الذي جاء بالمصحف من المدينة إلى الكوفة في خلافة عثمان: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا (2). وكان أبو عبد الرحمن قد جلس في المسجد الأعظم في الكوفة ونصب نفسه لتعليم الناس قراءة القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة، إلى أن توفاه الله سنة 73 هـ (3).
وقد روى الترمذي وغيره هذا الحديث عن علي بن أبي طالب أيضا (4).
2 - وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (5).
3 - وروى مسلم بن الحجاج عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه … » (6).
وجاء هذا المعنى في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: ربّ إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان» (7).--------------------------------------------
(1) قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (2/ 342): رواه البخاري مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وغيرهم.
(2) الترمذي: كتاب السنن 5/ 159.
(3) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 68.
(4) الترمذي: كتاب السنن 5/ 161، والدارمي: كتاب السنن 2/ 437، والآجري: أخلاق حملة القرآن ص 48.
(5) سنن الترمذي 5/ 161.
(6) صحيح مسلم بشرح النووي 6/ 90.
(7) قال المنذر في الترغيب والترهيب (2/ 353): رواه أحمد والطبراني والحاكم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
4 - وروى أصحاب الكتب الستة (1) عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ، له أجران».
5 - وروي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (2).
قال المنذري: والمراد بالحسد هنا الغبطة، وهو تمني مثل ما للمحسود، لا تمني زوال تلك النعمة، فإن ذلك هو الحسد المذموم (3).
6 - وعن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» (4).
7 - وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة: ريحها طيّب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مرّ» (5).
8 - وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت--------------------------------------------
(1) وهم: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة (ينظر: المنذري:
الترغيب والترهيب 2/ 348).
(2) رواه البخاري (فتح الباري 9/ 73) ومسلم (بشرح النووي 6/ 97).
(3) الترغيب والترهيب 2/ 351.
(4) رواه الترمذي والحاكم (الترغيب والترهيب 2/ 359).
(5) رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة (الترغيب والترهيب 2/ 343).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (1).
9 - وعن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصّفّة، فقال:
أيّكم يحبّ أن يغدو كلّ يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقلنا: يا رسول الله كلّنا يحبّ ذلك، قال: فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلّم آيتين من كتاب الله، عز وجل، خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل (2).
10 - وردت أحاديث في فضل الإكثار من قراءة سورة أو آيات معينة، فمما رواه البخاري ومسلم ما ورد في فضل سورة الفاتحة، وسورة البقرة، وخواتيمها «الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه» وآية الكرسي منها، وسورة الكهف، وعشر آيات من أولها، والمعوذتين، وسورة الإخلاص، حيث قال صلى الله عليه وسلم: أيعجز، أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) تعدل ثلث القرآن» (3).
ثانيا- آداب التلاوة:
ينبغي أن يستشعر قارئ القرآن عظمة كتاب الله تعالى، فإذا أراد القراءة فعليه أن يلتزم بما ورد من الآداب والسنن التي تتعلق بنظافة البدن والمكان وبكيفية التلاوة، والتزام توقير القرآن، واجتناب ما ينافي ذلك من مظاهر الغفلة وعدم التيقظ والخشوع.--------------------------------------------
(1) رواه مسلم وأبو داود وغيرهما (الترغيب والترهيب 2/ 343).
(2) رواه مسلم وأبو داود (الترغيب والترهيب 2/ 345).
(3) ينظر: ابن حجر: فتح الباري 9/ 54 - 62، وصحيح مسلم بشرح النووي 6/ 89 - 96.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
1 - نظافة البدن والمكان:
يستحب أن يقرأ القارئ وهو على طهارة، إذا كان يقرأ من حفظه، فإن قرأ وهو محدث جاز بإجماع المسلمين، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، وأما الجنب والحائض فإنه يحرم عليهما قراءة القرآن، سواء كان آية أو أقل منها، ويجوز لهما إجراء القرآن على قلبهما من غير تلفظ به.
وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فاه بالسّواك وغيره، والاختيار في السواك أن يكون بعود من أراك، ويجوز بسائر العيدان، وبكل ما ينظف كالخرقة الخشنة والأشنان وغير ذلك.
ويستحبّ أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار، ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد، لكونه جامعا للنظافة وشرف البقعة (1)، لكن القراءة جائزة في أي مكان طاهر نظيف.
ويحرم على المحدث مسّ المصحف وحمله، وأما كتب تفسير القرآن فإن كان القرآن فيها أكثر من غيره حرم مسّها وحملها على المحدث، وإن كان غيره أكثر جاز على خلاف في ذلك (2).
2 - ترتيل القرآن وتحسين الصوت:
أجمع العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ما لم يخرج عن حد القراءة، فإن أفرط حتى زاد حرفا أو أخفاه فهو حرام، وتكره لذلك القراءة بالألحان التي تخرج بالتلاوة عن حدها (3).--------------------------------------------
(1) النووي: التبيان ص 32 - 35، والسيوطي: الإتقان 1/ 295.
(2) النووي: التبيان ص 93 - 95. وينظر: ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 185.
(3) النووي: التبيان ص 51.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
وينبغي لمن قرأ القرآن أن يرتّله ترتيلا، كما قال الله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا 4 [المزمل]، أي بيّنه تبيينا، وعلى القارئ ألّا يخلّ بقواعد التلاوة سواء قرأ بالتحقيق، وهو التمهل، أو بالحدر، وهو السرعة في القراءة، أو توسّط في ذلك (1).
3 - التدبر والخشوع:
قراءة القرآن عبادة مقصودها الاتعاظ والائتمار والانزجار، وقد قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ 29 [ص]. وقال سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها 24 [محمد]. والتدبّر معناه التفكر والنظر في عاقبة الشيء.
وقد حث العلماء على التزام قارئ القرآن بتفهم ما يقرأ، والتفكر فيه، مع الخشوع، وترك ما لهي عن ذلك، ومن لوازم التفكر أن القارئ إذا مر بآية رحمة سأل مولاه الكريم، وإذا مرت به آية عذاب استعاذ بالله من النار (2).
وعلى القارئ أن يلزم احترام القرآن والابتعاد في أثناه القراءة عن الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة، إلا كلاما يضطر القارئ إليه، وينبغي أن يتمثل القارئ والمستمع قول الله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 204 [الأعراف] (3).
وقد لخص الإمام الغزالي شرائط القراءة المحمودة بقوله: «تلاوة القرآن حقّ تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظّ اللسان تصحيح الحروف--------------------------------------------
(1) الآجري: أخلاق حملة القرآن ص 108، وابن الجزري: النشر 1/ 205.
(2) الآجري: أخلاق حملة القرآن ص 97.
(3) النووي: التبيان: ص 42.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثير والانزجار والائتمار، فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ» (1).
4 - أوقات القراءة المحمودة، والسرعة فيها:
إن أفضل القراءة ما كان في الصلاة، أما القراءة في غير الصلاة فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير من الليل أفضل من النصف الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة، وأما القراءة في النهار فأفضلها بعد صلاة الصبح، ولا كراهية في القراءة في وقت من الأوقات (2).
وقد اختلف العلماء في الأفضل هل الترتيل وقلة القراءة أو السرعة مع كثرة القراءة؟ فذهب بعضهم إلى أن كثرة القراءة أفضل، لأن للقارئ بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لكن معظم العلماء يقولون إن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها، لأن المقصود من القرآن فهمه والتفقه فيه والعمل به. وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه. وقال بعض العلماء: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجلّ وأرفع قدرا، وإن ثواب كثرة القراءة أكثر عددا (3).
ومما له علاقة بسرعة القراءة تحديد المدة المفضلة لختم القرآن، والأصل استحباب الإكثار من قراءة القرآن (4)، وقد تفاوتت سيرة السلف في القدر الذي يختمون فيه، فكثيرون كانوا يختمون في أسبوع، أو في أسبوعين أو في شهر، وكرهوا أن يختم القارئ في أقل من ثلاث ليال لقوله صلى الله عليه وسلم: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث» (5). كما كرهوا أن يأتي عليه أكثر من أربعين يوما ولم--------------------------------------------
(1) إحياء علوم الدين 1/ 294.
(2) النووي: التبيان ص 75.
(3) ابن الجزري: النشر 1/ 208 - 209.
(4) السيوطي: الإتقان 1/ 292.
(5) رواه الترمذي في سننه 5/ 182، وقال: حديث حسن صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)