Arabic source text

📘 মুহাযারাত ফি উলুমিল কুরআন - গানিম কাদ্দুরি (গানিম কাদ্দুরি আল-হামাদ)

📘 محاضرات في علوم القرآن - غانم قدورى (غانم قدوري الحمد)

📘 মুহাযারাত ফি উলুমিল কুরআন - গানিম কাদ্দুরি (গানিম কাদ্দুরি আল-হামাদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
د- وذكرت الرواية أسماء الذين قاموا بالعمل وهم أربعة من شباب الصحابة، زيد بن ثابت الأنصاري، كاتب الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان عمره عند وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرا إحدى عشرة سنة (1). وكان معه ثلاثة من قريش هم: عبد الله بن الزبير، الذي ولد في السنة الأولى من الهجرة (2)، وسعيد بن العاص الذي ولد عام الهجرة أيضا (3)، وعبد الرحمن بن الحارث الذي كان عمره عشر سنين حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم. (4) فكان هؤلاء الأربعة في سن يتمتعون فيها بالقوة البدنية والنضج العقلي الذي يتطلبه عمل كبير مثل انتساخ المصاحف.
وروى ابن سعد، وابن أبي داود، أن محمد بن سيرين قال: جمع عثمان- لمّا أراد أن يكتب المصاحف- اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، فيهم أبي ابن كعب وزيد بن ثابت (5)، وكأن ابتداء الأمر كان للجماعة الأربعة الذين انتدبهم عثمان أولا، ثم احتاجوا إلى من يساعدهم في الكتابة (6)، نظرا لكثرة المصاحف التي كان عليهم كتابتها.
هـ- لم تحدد الرواية عدد المصاحف التي كتبت، لكنها أشارت إليها بهذه العبارة «حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف أرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا» وهي عبارة تدل على أن عدد المصاحف لم يكن قليلا. وجاء في بعض الروايات أن عدد المصاحف أربعة، وفي رواية أخرى أنها سبعة،--------------------------------------------
(1) ابن عبد البر: الاستيعاب 2/ 537.
(2) المصدر نفسه 3/ 905.
(3) المصدر نفسه 2/ 621.
(4) المصدر نفسه 2/ 857.
(5) الطبقات الكبرى 3/ 502، وكتاب المصاحف ص 25.
(6) القسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 63.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)

أرسلت إلى مكة، والشام، واليمن، والبحرين، والبصرة، والكوفة وبقي واحد في المدينة (1). ومهما يكن عدد المصاحف التي كتبت أولا في المدينة فإن المسلمين في الأمصار أقبلوا ينتسخون منها نسخا جديدة تخرج عن العد والحصر، كلها موحدة في الرسم والترتيب.
ولم تحدد الرواية السّنة التي نسخت فيها المصاحف، لكن من العلماء من حدد ذلك بسنة خمس وعشرين من الهجرة، وهو الوقت الذي ذكر أهل التأريخ أن أرمينية فتحت فيه، وقال ابن حجر: «وغفل بعض من أدركناه فزعم أن ذلك كان في حدود سنة ثلاثين. ولم يذكر لذلك مستندا» (2).

‌‌ثالثا- عرض المصاحف:
كان الصحابة وهم ينسخون المصاحف يدركون قيمة العمل الذين يقومون به وما يتطلب من الأناة والدقة، وكانوا يعملون على أساس القاعدة التي حددها لهم الخليفة عثمان، رضي الله عنه، وهي «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش»، وذلك أن زيد بن ثابت كان من أهل المدينة، فربما تأثر رسمه للقرآن ببعض خصائص لهجته، وقال الزهري: «فاختلفوا يومئذ في (التابوت) و (التابوة)، فقال القرشيون (التابوت)، وقال زيد: (التابوة) فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال اكتبوه (التابوت)، فإنه نزل بلسان قريش» (3).
وجاء في بعض الروايات أن الذين كانوا يكتبون المصاحف ربما اختلفوا في الكلمة، فيتركون مكانها فارغا، ولا يثبتونها حتى يسألوا عنها، وربما يذكرون--------------------------------------------
(1) ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 34، والداني: المقنع ص 9.
(2) فتح الباري 9/ 17. وقد حدد ابن الأثير في الكامل (3/ 55) تاريخ نسخ المصاحف بسنة ثلاثين، وتابعه في ذلك ابن خلدون في كتابه العبر 2/ 1018.
(3) الترمذي: كتاب السنن 5/ 266، وينظر الطبري: جامع البيان 1/ 26.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)

الرجل قد تلقاها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعله أن يكون غائبا أو في بعض البوادي فيرسل إليه أو يجيء، حرصا منهم على الدقة في كتابة كلمات القرآن الكريم (1).
وكان الصحابة يدققون في كتابة المصاحف في أثناء العمل (2)، وبعد إنجازه، فإن المصاحف لم ترسل إلى الأمصار إلا بعد عرضها ومراجعتها، وجاء في بعض الروايات أمثلة للكلمات التي توقف عندها الصحابة ودققوا رسمها، وهي مروية عن هانئ البربري الدمشقي مولى عثمان بن عفان (3)، ولدينا روايتان في ذلك هما:
الرواية الأولى: قال هانئ: «كنت الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت، فقال زيد: سله عن قوله (لم يتسن)، أو لَمْ يَتَسَنَّهْ (259) [البقرة]، فقال عثمان:
اجعلوا فيها هاء» (4).
الرواية الثانية: قال هانئ: «كنت عند عثمان، وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبيّ بن كعب، فيها (لم يتسن) و (فأمهل الكافرين) و (لا تبديل للخلق). قال: فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين وكتب لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (30) [الروم]،--------------------------------------------
(1) الطبري: جامع البيان 1/ 27، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 23، وأبو شامة:
المرشد الوجيز ص 60، والسيوطي: الاتقان 1/ 170.
(2) جاء في رواية جمع القرآن في الصحف فقدان زيد لآيتين من آخر سورة التوبة لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ … (128)، وجاء في رواية أخرى عن زيد بن ثابت أنه قال: فقدنا آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ (23)، فألحقناها في سورتها في المصحف. وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك حدث في نسخ المصاحف، لكن آخرين رجحوا أن ذلك كان في جمع القرآن في الصحف أيضا. (ينظر البخاري: الجامع الصحيح 6/ 226، وابن كثير: فضائل القرآن ص 46، وابن حجر: فتح الباري 9/ 21).
(3) ابن حجر: تهذيب التهذيب 11/ 23.
(4) الطبري: جامع البيان 3/ 37.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)

ومحا (فأمهل) وكتب فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ (17) [الطارق]، وكتب لَمْ يَتَسَنَّهْ (259) [البقرة] ألحق فيها الهاء» (1).
وهذا الحرص والتدقيق في رسم كلمات القرآن يدل على نحو لا يقبل الشك أن القرآن الكريم قد حفظ نصه كما تلقاه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه حظي في جميع مراحل كتابته بالمراجعة التي لا تدع مكانا للنسيان والوهم في عمل يتعلق بالقرآن الكريم.
وكان أبو بكر الصديق قصد جمعه في مكان واحد، ذخرا للإسلام يرجع إليه إن ذهب قراؤه، وعثمان قصد أن يقتصر الناس على تلاوته على اللفظ الذي كتب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتعدوه إلى غيره من القراءات التي كانت مباحة لهم (2).
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: «وجميع القرآن الذي أنزله الله تعالى، وأمر بإثباته ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته، هو الذي بين اللوحين، الذي حواه مصحف عثمان، رضي الله عنه، لم ينقص منه شيء، ولا زيد فيه شيء، نقله الخلف عن السلف» (3).

‌‌المبحث الرابع تأليف القرآن
كلمة (تأليف) مصدر للفعل ألّف، يقال في اللغة: ألّفت بينهم، إذا جمعت بينهم بعد تفرق، وألّفت الشيء تأليفا، إذا وصلت بعضه ببعض، ومنه تأليف الكتب (4). وقد استخدمت عبارة (تأليف القرآن) في المصادر القديمة، ويراد بها--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه 3/ 38.
(2) أبو شامة: المرشد الوجيز ص 71.
(3) نكت الانتصار ص 59.
(4) ابن منظور: لسان العرب 10/ 352 ألّف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)

جمع وترتيب آيات السورة والواحدة، وطريقة ترتيب السور في المصحف (1).
وهذا الموضوع من الموضوعات التي درسها المؤلفون في علوم القرآن، لأن ترتيب الآيات والسور في المصحف لم يجر على ترتيب نزولها، ومن ثمّ بحث العلماء الأسس التي بني عليها هذا الترتيب، وتتناول دراسة الموضوع ثلاثة أمور: ترتيب الآيات في السور، وترتيب السور في المصحف، وترتيب القرآن حسب النزول.

‌‌أولا- ترتيب الآيات في السور:
قال السيوطي في كتابه (الإتقان في علوم القرآن): «الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفيّ، لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد، منهم الزركشي في البرهان (2)، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته (3)، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره، من غير خلاف في هذا بين المسلمين … » (4). وذكر السيوطي عددا من النصوص التي بنى عليها علماء الأمة إجماعهم على أن ترتيب الآيات توقيفي أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وقّف الصحابة عليه، وبيّنه لهم، ولم يكن باجتهادهم أو رأيهم، ننقل منها ما يوضح ذلك للقارئ:
فمنها الحديث الذي نقلناه سابقا المروي عن زيد بن ثابت، وقال فيه: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلّف القرآن من الرقاع» وقال البيهقيّ معلقا عليه: «وهذا يشبه--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري 9/ 39.
(2) البرهان 1/ 256.
(3) هو كتاب (البرهان في تناسب سور القرآن) لأبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي المتوفى سنة 708 هـ.
(4) الاتقان 1/ 172.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)

أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب، الآيات المتفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم» (1).
ومن النصوص الدالة على ذلك ما رواه عبد الله بن عباس، عن عثمان بن عفان، أنه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان ينزّل عليه من السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده، يقول: ضعوا هذا في السور التي يذكر فيها كذا وكذا (2)، وينزّل عليه الآيات، فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وينزل عليه الآية، فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر كذا وكذا … » (3).
ومن الأمور الدالة على ذلك أيضا ما ثبت من قراءته صلى الله عليه وسلم لسور عديدة من القرآن من طوال السور وغيرها، في الصلاة وخارجها، وكانت قراءته لها بمشهد من الصحابة تدل على أن ترتيب آياتها توقيفي، وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على خلافه (4).
فكان ترتيب الآيات في سورها معروفا للصحابة ببيان النبي صلى الله عليه وسلم وتعليمه ذلك لهم، وقراءته للقرآن عليهم، وبذلك لم يعرف عن الصحابة أنهم اختلفوا في موضع آية من القرآن، بل كل آية قد عرف موضعها، وسبق في أخبار جمع القرآن أن زيد بن ثابت افتقد آيتين من آخر سورة التوبة، وآية من سورة الأحزاب،--------------------------------------------
(1) دلائل النبوة 7/ 147.
(2) قوله: (السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) يريد اسم السورة، فقد كان يقال: السورة التي يذكر فيها آل عمران، او تذكر فيها البقرة (السيوطي: الاتقان 1/ 151).
(3) قال السيوطي (الاتقان 1/ 172) عن هذا الحديث: أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم». وقال الحاكم في المستدرك (2/ 221): «حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».
(4) السيوطي: الاتقان 1/ 173 - 174.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)

فلم يجدها مكتوبة في أول الأمر، وقد قال زيد في آيتي التوبة: «فألحقتها في سورتها»، وقال في آية الأحزاب: «فألحقناها في سورتها في المصحف».
ومن النصوص الثابتة التي تؤكد أن إثبات ما أثبت في المصحف وطريقة ترتيبه إنما كان بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهه، ولم يملك الصحابة إلا الأخذ به
والمحافظة عليه، هذه الرواية التي نقلها البخاري عن عبد الله بن الزبير قال:
«قلت لعثمان بن عفان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً (240) [البقرة] قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها؟ قال: يا ابن أخي، لا أغيّر شيئا منه من مكانه» (1). فكل شيء من القرآن قد عرف مكانه، ولا يملك أحد من الصحابة، الخليفة فمن دونه، أن يغيّر شيئا منه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن خلط آيات السورة بغيرها، ويأمر بقراءة آيات كل سورة على نحو ما قرأها وعلّمها للصحابة، ومن ذلك ما روي عن بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة، فقال بلال: أخلط الطيب بالطيب، فقال: اقرأ السورة على وجهها، أو قال:
على نحوها (2).
إن قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم للقرآن على مسمع من أصحابه، في الصلاة وخارجها، وحثه لهم على تلاوته، وما عرف عنهم من كثرة قراءتهم للقرآن، فكان بعضهم يختمه في ثلاثة أيام، وأكثرهم يختمه في سبعة أيام (3)، واشتهار أسماء سور القرآن بينهم، واتفاقهم على ما تتضمنه من آيات دليل أكيد على أن ترتيب الآيات--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري 8/ 193، وينظر عن موضوع النسخ في الآية المذكورة: النحاس:
الناسخ والمنسوخ ص 72 - 77، ومصطفى زيد: النسخ في القرآن 2/ 776.
(2) السيوطي: الاتقان 1/ 308.
(3) ينظر: الداني: البيان ص 321 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)

في سورها كان بأمره صلى الله عليه وسلم وتعليمه للصحابة، «فالأمر الذي لا ريبة فيه أن الآيات قد جمعت سورا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبتوقيفه» (1).

‌‌ثانيا- ترتيب السور في المصحف:
لا يشك الدارس في أن الصحف التي جمع فيه القرآن في خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، كانت منظمة، وأن الآيات مرتبة في سورها كاملة، وأن السور فيها مرتبة على نحو ما جاء في المصاحف المنتسخة منها في خلافة عثمان، وأن المصاحف الموجودة اليوم كلها، المخطوطة والمطبوعة، الصغيرة والكبيرة، القديمة والحديثة، ترجع إلى تلك الصحف وتطابقها كل المطابقة، لأن الروايات الصحيحة في موضوع نسخ المصاحف تؤكد على أن الصحابة اعتمدوا على تلك الصحف في نسخها.
ولم يرد في الروايات أن الصحابة اختلفوا في موضع آية من سورة، أو اختلفوا في تقديم سورة أو تأخيرها في المصحف، فإن ذلك كان واضحا لديهم، ومعلوما عندهم، وكل ما ورد من ذلك هو سؤال عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، للخليفة الراشد عثمان، رضي الله عنه، عن سبب عدم وضع البسملة في أول سورة التوبة، فبين له أن ذلك جاء متابعة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم. (2).
وذهب كثير من العلماء إلى أن ترتيب السور في المصحف توقيفي، وأن هذا الترتيب محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن في زمنه مصحف مكتوب، وأن زيد بن ثابت حين جمع القرآن في الصحف رتبه على ذلك الترتيب باجتهاد لكن عددا من العلماء ذهب إلى جواز أن يكون ذلك الترتيب باجتهاد من الصحابة محتجا بوجود روايت تشير إلى أن بعض مصاحف الصحابة القديمة كانت السور فيها مرتبة على نحو مغاير (3).--------------------------------------------
(1) محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 308.
(2) ينظر: ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 31، والحاكم: المستدرك 2/ 221.
(3) ينظر: الباقلاني: نكت الانتصار ص 81 - 82، والسيوطي: الاتقان 1/ 176.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)

إن الاحتجاج باختلاف ترتيب السور في مصاحف الصحابة القديمة عن المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان لا يكفي في الدلالة على أن ذلك كان اجتهادا من الصحابة (1)، وذلك لأن تلك المصاحف كانت جهدا فرديا خاصا لا يمكن أن يكون ما فيها حجة على المصحف الذي اجتمع عليه الصحابة ونقلته الأمة نقلا متواترا. ثم إن تلك المصاحف أحرقت في خلافة عثمان، أحرقها أصحابها أنفسهم (2)، ثقة منهم بالمصحف الذي أجمع عليه الصحابة، واندثرت أخبارها، وما روي من وصف لترتيب السور فيها لا يخلو من الاضطراب، فهذا ابن النديم العالم المدقق يقول عن ترتيب السور في مصحف ابن مسعود: إنه رأى عدة مصاحف ذكر نساخها أنها مصحف ابن مسعود، وليس فيها مصحفان متفقان! (3) وما ورد من روايات عن الصحابة بشأن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وقراءتهم هم له، تدل على أن ترتيب السور في المصحف توقيفي أيضا، وأن الصحابة أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسماء السور كانت معروفة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان حفظة القرآن من الصحابة يتلونه على ترتيب معروف لديهم، ويختمون في أسبوع أو شهر أو أقل من ذلك على هذا الترتيب.
وما يدل على أن ترتيب السور على نحو ما هي عليه اليوم في المصحف كان معروفا زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ما روي من تسميته سورة (الحمد لله رب العالمين):--------------------------------------------
(1) قال القرطبي (الجامع لأحكام القرآن 1/ 60): «وأما ما روي من اختلاف مصحف أبي وعليّ وعبد الله فإنما كان قبل العرض الأخير، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رتب لهم تأليف السور،
بعد أن لم يكن فعل ذلك».
(2) رفض عبد الله بن مسعود إحراق مصحفه حين وصل المصحف المرسل إلى الكوفة من المدينة، ثم رضي وتابع إجماع الصحابة (ينظر: الترمذي: كتاب السنن 5/ 266، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 17 - 18).
(3) الفهرست ص 29.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)

فاتحة الكتاب، فلولا أنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بأن يرتبوا سور المصحف هذا الترتيب لما كان لتسميته هذه السورة فاتحة الكتاب معنى، إذ قد ثبت الإجماع أن هذه السورة ليست أول سور القرآن نزولا، فثبت أنها فاتحته نظما وترتيبا وتلاوة (1).
ومن ذلك أيضا ما روي عن أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، قالت:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليلة التمام، فيقرأ البقرة، وآل عمران، والنساء، لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا ورغب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ (2).
وكذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه قال: وهو يتحدث عن سورة الإسراء، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي (3). فقد جاءت هذه السور في الرواية مرتبة على نحو ما هي عليه في المصحف.
واستدل عدد من العلماء على أن ترتيب السور في المصحف توقيفي بالحديث الذي رواه واثلة بن الأسقع الليثي (4) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أعطيت مكان التوراة السبع الطّوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضّلت بالمفصّل» (5).--------------------------------------------
(1) ابن بسطام: كتاب المباني ص 42.
(2) ابن المبارك: كتاب الزهد ص 421، وأبو يعلى: المسند 8/ 257.
(3) الجامع الصحيح 6/ 228. وينظر: ابن حجر: فتح الباري 9/ 39، والسيوطي: الاتقان 1/ 178. وقوله: العتاق: جمع عتيق، وهو القديم النفيس من كل شيء. والتلاد: كل مال قديم يورث عن الآباء.
(4) صحابي من أهل الصفة، يقال إنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، ومات سنة 85 هـ (ابن عبد البر: الاستيعاب 4/ 1564).
(5) رواه الإمام أحمد في مسنده 4/ 107، والطبري في تفسيره 1/ 44، والطبراني في معجمه الكبير 22/ 62.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)

قال أبو جعفر النحاس: «وهذا الحديث يبيّن لك أن تأليف القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان مؤلفا من ذلك الوقت، وإنما جمع في المصحف على شيء واحد، لأنه قد جاء هذا الحديث بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تأليف القرآن» (1).
والسبع الطّوال المذكورة في الحديث هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، واختلف في السابعة، فقيل التوبة، وقيل يونس. وإنما سميت هذه السور الطّوال لطولها على سائر سور القرآن، والطّوال جمع لكلمة الطّولى تأنيث الأطول.
وأما المئون فهي ما كان من سور القرآن عدد آياته مائة آية، أو تزيد عليها شيئا أو تنقص منها شيئا يسيرا.
وأما المثاني فإنها ما ثنّى المئين فتلاها، وهي التي آياتها أقل من مائة.
وأما المفصل من سور القرآن فهي ما ولي المثاني من قصار السور، وقيل إنما سميت بالمفصل لكثرة الفصول التي بين سورها (2)، وهي تبدأ من سورة الحجرات أو سورة ق حتى خاتمة القرآن (3). وقد وردت هذه التسميات في أحاديث أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عدد من الصحابة، منهم ابن مسعود وعثمان وابن عباس، رضي الله عنهم، (4) وهي تدل على أن ترتيب السور في المصحف كان محفوظا منذ عصر النبوة.
وقال الحافظ ابن حجر: ومما يدل على أن ترتيب السور توقيفي ما أخرجه--------------------------------------------
(1) القطع والائتناف ص 82.
(2) ينظر: الطبري: جامع البيان 1/ 45، والسخاوي: جمال القراء 1/ 34، والسيوطي:
الاتقان 1/ 179.
(3) ينظر السيوطي: الاتقان 1/ 180.
(4) ينظر: مالك: الموطأ ص 73 و 92، والترمذي: 2/ 110 - 113، والدارمي: كتاب السنن 1/ 297، وابن منظور: لسان العرب 18/ 129 ثنى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)

أحمد وأبو داود عن أوس بن حذيفة الثقفي، قال: كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف … فذكر الحديث، وفيه: فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طرأ عليّ حزبي من القرآن، فأردت ألّا أخرج حتى أقضيه» قال أوس: فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تحزّبون القرآن؟ قالوا: نحزّبه: ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من ق حتى نختم. فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم (1).
وقد أكد عدد من العلماء استنادا إلى هذه الروايات وغيرها (2)، أن ترتيب السور في المصحف توقيفي أيضا، منهم أبو بكر بن الأنباري الذي قال: «اتساق السور كاتساق الآيات والحروف، كله عن النبي صلى الله عليه وسلم» (3). وقال الحافظ أبو عمرو الداني: «القول عندنا في تأليف السور وتسميتها وترتيب آيها في الكتابة: إن ذلك توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم لتوفر مجيء الأخبار بذلك، واقتضاء العادة بكونه كذلك، وتواطؤ الجماعة عليه» (4).
وقد لخص الإمام مالك بن أنس هذا الموضوع بقوله المشهور الذي نقله عنه عبد الله بن وهب: «إنما ألّف القرآن على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم» (5).--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري 9/ 42، والسيوطي: الاتقان 1/ 178، وابن كثير: تفسير القرآن العظيم 4/ 221.
(2) ينظر: السيوطي: الاتقان 1/ 177 - 179.
(3) نقلا عن السيوطي: الاتقان 1/ 177.
(4) كتاب البيان: ص 40.
(5) الداني: المقنع ص 8، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن 1/ 60.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)

‌‌ثالثا- ترتيب القرآن حسب النزول (السور المكية والسور المدنية):
من المعروف أن ترتيب الآيات والسور في المصحف لم يعتمد على تأريخ نزولها، وإنما اعتمد على بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراءته للقرآن وتعليمه ذلك للصحابة.
ولم يعد تأريخ نزول الآيات والسور محفوظا على نحو مفصل، لأن الصحابة لم يعتنوا بهذا الجانب من تأريخ القرآن، وإنما كانت عنايتهم متجهة إلى حفظه على نحو ما يقرؤه لهم النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إشارات تأريخية ومعنوية ارتبط بها نزول آيات وسور من القرآن ظلت تشير إلى وقت نزولها ومكانه. واعتنى علماء القرآن من الصحابة والتابعين بحفظ تلك الإشارات والبناء عليها، حتى صارت علما من علوم القرآن يسمى بعلم المكي والمدني، وأفرده بالتصنيف جماعة من العلماء (1).

‌‌1 - تعريف المكي والمدني من القرآن:
ناقش علماء القرآن تعريف المكي والمدني، واتخذ بعضهم زمان النزول أساسا للتعريف، وجعل تأريخ الهجرة حدا فاصلا. واستند بعضهم إلى مكان النزول في صياغته للتعريف.
التعريف بحسب الزمان: المكي هو ما نزل قبل الهجرة، والمدني هو ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة، عام الفتح أو عام حجة الوداع، في سفر أو في حضر (2). وروي هذا التعريف عن يحيى بن سلام البصري المفسر (ت 200 هـ) حيث قال: «ما نزل بمكة وما نزل بطريق المدينة قبل أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فهو من المكي، وما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدني» (3). وهذا هو التعريف المشهور في كتب علوم القرآن.--------------------------------------------
(1) منهم مكي بن أبي طالب القيسي، والعز الديريني (ينظر: السيوطي: الاتقان 1/ 22).
(2) الزركشي: البرهان 1/ 178.
(3) الداني: كتاب البيان ص 132.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)

التعريف بحسب المكان: المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة (1). وقسّم هبة الله بن سلامة المفسر البغدادي (ت 410 هـ) المكي على قسمين، هما: المكي الأول، وهو ما نزل في مكة قبل الهجرة، والمكي الأخير: وهو ما نزل فيها بعد الفتح (2).

‌‌2 - كيفية معرفة المكي والمدني:
لم يحدثنا التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أمر أصحابه بحفظ الآيات والسور على زمان النزول، وإنما تشير الروايات إلى أنه كان يحدد لهم مواضع الآيات من السور وقت التنزيل وعند كتابتها في الرقاع. ومن ثم فإن الصحابة كانت جهودهم متجهة إلى حفظ القرآن مرتبا على نحو ما يرتبه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن بقي في ذاكرتهم ما لاحظوه من مكان وزمان نزول كثير من الآيات والسور، ونقل ذلك عنهم تلامذتهم من التابعين. قال القاضي أبو بكر الباقلاني:
«إنما يرجع في معرفة المكي والمدني إلى حفظ الصحابة التابعين، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول» (3).
ولاحظ العلماء أن معرفة المكي والمدني من سور القرآن يمكن أن يكون من طريقين: سماعي وقياسي (4).
فالسماعي: ما وصل إلينا الخبر بنزوله في مكة أو المدينة، قبل الهجرة أو--------------------------------------------
(1) الزركشي: البرهان 1/ 178.
(2) الناسخ والمنسوخ ص 322 - 323.
(3) نقلا عن السيوطي: الاتقان 1/ 23.
(4) الزركشي: البرهان 1/ 189.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)

بعدها، وكان عدد من الصحابة قد أبدوا اهتماما بهذا الجانب من تأريخ القرآن، على نحو ما نقل ابن سعد عن عبد الله بن عباس أنه قال: «كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نزل من القرآن في ذلك. وكنت لا آتي أحدا منهم إلا سرّ بإتياني لقربي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعلت أسأل أبيّ بن كعب يوما، وكان من الراسخين في العلم، عما نزل من القرآن بالمدينة، فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة، وسائرها بمكة» (1). وسوف أذكر من نقلت عنهم روايات في ذلك من الصحابة والتابعين في آخر هذا المبحث.
أما القياسي: فإنه يعتمد على جملة من الضوابط التي استخلصها العلماء من الروايات المنقولة عن عدد من الصحابة والتابعين في بيان خصائص السور المكية والسور المدنية، فمن تلك الروايات:
أ- عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: «كل شيء في القرآن يا أَيُّهَا النَّاسُ أنزل بمكة، وكل شيء في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنزل بالمدينة» (2). ولاحظ بعض العلماء أن (يا أيها الناس) منه مكي ومنه مدني وأكثره مكي (3).
ب- عن عروة بن الزبير، قال: «ما كان من حدّ أو فريضة أنزلها الله عز وجل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والقرون أنزل بمكة» (4).
ج- قال المفسر محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي (ت 741 هـ): «واعلم أن السور المكية نزل أكثرها في إثبات العقائد، والرد على المشركين، وفي--------------------------------------------
(1) الطبقات الكبرى 2/ 371.
(2) الحاكم: المستدرك 3/ 18، والبيهقي: دلائل النبوة 7/ 144.
(3) ينظر: الداني: كتاب البيان ص 132، والزركشي: البرهان 1/ 188.
(4) الحارث المحاسبي: فهم القرآن ص 394، والبيهقي: دلائل النبوة 7/ 144.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)

قصص الأنبياء، وأن السور المدنية نزل أكثرها في الأحكام الشرعية، وفي الرد على اليهود والنصارى وذكر المنافقين، والفتوى في مسائل، وذكر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وحيث ورد: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهو مدني، وأما يا أَيُّهَا النَّاسُ فقد وقع في المكي والمدني» (1).

‌‌3 - أهمية معرفة السور المكية والسور المدنية:
لهذا البحث التاريخي في تحديد وقت نزول سور القرآن فوائد يذكرها العلماء في مجال الدراسات القرآنية منها (2):
أ- تتوقف معرفة الآيات الناسخة والمنسوخة على معرفة ما نزل أولا، قال النحاس: «وإنما نذكر ما أنزل بمكة لأن فيه أعظم الفائدة في الناسخ والمنسوخ، لأن الآية إذا كانت مكية، وكان فيها حكم، وكان في غيرها حكم غيره نزل بالمدينة، علم أن المدنية نسخت المكية» (3).
ب- ساير نزول القرآن تاريخ الدعوة، وترتيب السور ترتيبا زمنيا يمكننا من تصور تأريخ السيرة تصورا أكثر جلاء ووضوحا، في ضوء الآيات القرآنية الكريمة، والقرآن من هذه الناحية يعتبر المرجع الأصيل لدراسة السيرة النبوية.
ج- إن تتبع السور المكية والسور المدنية والنظر في موضوعاتها وأسلوبها يكشف عن المنهج الذي رسمه القرآن للدعوة في مراحلها المختلفة، فكانت موضوعات السور المكية تتحدث عن قضية العقيدة خاصة، وتعددت صور عرضها، في أسلوب قوي مؤثر، لأنه كان يخاطب أناسا غلب عليهم الشرك وفساد العقيدة، فلما استقرت العقيدة الصحيحة في قلوب الجماعة المؤمنة التي تكونت في--------------------------------------------
(1) التسهيل لعلوم التنزيل 1/ 8.
(2) مناع القطان: مباحث في علوم القرآن ص 59.
(3) الناسخ والمنسوخ ص 214، وينظر: الحارث المحاسبي: فهم القرآن ص 394.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)

المدينة عندها أنزل الله تعالى الفرائض والحدود في أسلوب متمهل مترسل يناسب مخاطبة القلوب المؤمنة.

‌‌4 - تحديد السور المكية والسور المدنية وترتيبها:
لم يعد ممكنا ترتيب القرآن على تواريخ تنزلاته، لطول المدة التي نزل فيها وتعدد مرات نزول الوحي، وتنوع الظروف التي ينزل فيها، وترتيب القرآن في سورة على
نحو آخر غير ترتيب النزول، وقد سأل ابن سيرين عكرمة مولى ابن عباس: ألّفوه الأوّل فالأوّل؟ فقال عكرمة: لو اجتمعت الإنس والجن على أن يؤلفوه ذلك التأليف ما استطاعوا (1). لكن علماء القرآن من الصحابة والتابعين تمكنوا من تحديد السور المكية والسور المدنية وأن يرتبوها ترتيبا تقريبيا حسب أوقات نزولها، معتمدين في ذلك على نزول أول السورة، كما روي عن ابن عباس أنه قال: «كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة، ثم يزيد الله فيها ما يشاء» (2).
وقد نقل المؤلفون في علوم القرآن عددا من الروايات في ذكر السور المكية والمدنية، منقولة عن الصحابة والتابعين، مثل الرواية المنقولة عن عبد الله بن عباس (3)، وأبي الشعثاء جابر بن زيد (4)، والحسن البصري (5)، وقتادة بن دعامة السدوسي (6)، ومجاهد بن جبر المكي (7)، وعلي بن أبي طلحة (8). وهذه الروايات--------------------------------------------
(1) ابن الضريس: فضائل القرآن ص 76.
(2) ابن الضريس: فضائل القرآن ص 73.
(3) المصدر نفسه، والسيوطي: الاتقان 1/ 26.
(4) الداني: البيان ص 133.
(5) البيهقي: دلائل النبوة 7/ 142، والسيوطي: الاتقان 1/ 25.
(6) الحارث المحاسبي: فهم القرآن ص 395.
(7) ابن النديم: الفهرست ص 28.
(8) الداني: كتاب البيان ص 134.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)

متقاربة في مضمونها، ويتفق أكثرها على أن عدد السور المدنية ثمان وعشرون سورة، والمكية ست وثمانون سورة.
وننقل هنا مقطعا من الرواية المنقولة عن عبد الله بن عباس، وهي: (1) «وكان أول ما أنزل من القرآن: اقرأ باسم ربك، ثم: ن والقلم، ثم: يا أيها المزمل، ثم: يا أيها المدثر، ثم: تبت يدا أبي لهب، ثم: إذا الشمس كورت، ثم: سبح باسم ربك الأعلى … ثم: أنزل بالمدينة سورة البقرة، ثم: الأنفال، ثم: آل عمران، ثم: الأحزاب، ثم: الممتحنة، ثم: النساء، ثم: إذا زلزلت، ثم:
الحديد، ثم: القتال، ثم الرعد، ثم: الرحمن، ثم: الإنسان، ثم: الطلاق، ثم:
لم يكن، ثم: الحشر، ثم: إذا جاء نصر الله، ثم: النور، ثم: الحج، ثم:
المنافقون، ثم: المجادلة، ثم: الحجرات، ثم: التحريم، ثم: الجمعة، ثم:
التغابن، ثم: الصف، ثم: الفتح، ثم: المائدة، ثم: التوبة، فذلك ثمان وعشرون سورة».

‌‌المبحث الخامس تطور شكل المصحف
حظي المصحف بعناية كبيرة من الخطاطين والعلماء وأولي الأمر ومن غيرهم من المؤمنين، وكانوا يستحبون تحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها، وكرهوا كتابته في الشيء الصغير، وكان يقال: عظّموا كتاب الله (2). وتركزت تلك العناية على جوانب متعددة من المصحف، منها ما يتعلق بكتابته وضبطها، ومنها ما يتعلق بتجزئته وعدد آياته وأسماء سوره، ومنها ما يتعلق بتجليده وتذهيبه ونوع الورق الذي يكتب عليه. وكانت قد ظهرت دراسات مستقلة لبحث تلك الجوانب--------------------------------------------
(1) ابن الضريس: فضائل القرآن ص 75، والسيوطي: الاتقان 1/ 26.
(2) ينظر: السيوطي: الاتقان 4/ 158.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)

من المصحف (1)، صارت جزءا من علوم القرآن، وهي توضح ما يتعلق بشكل المصحف وما لحق بعض جوانبه من تطور.

‌‌أولا- علم رسم المصحف:
تعني عبارة (رسم المصحف) طريقة رسم الكلمات في المصحف من ناحية عدد حروف الكلمة ونوعها، لا من حيث نوع الخط وجماليته، ويستند رسم الكلمات في المصحف إلى طريقة رسمها في المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان، رضي الله عنه، والتي عرفت في المصادر الإسلامية باسم المصاحف العثمانية، نسبة إلى سيدنا عثمان لكونه هو الذي أمر بنسخها وإرسالها إلى البلدان خارج الجزيرة العربية، كما صار رسم الكلمات فيها يعرف بالرسم العثماني (2).
وقد حافظ المسلمون على رسم الكلمات في المصحف كما جاءت في المصاحف العثمانية الأولى، مع ما في عدد منها من حذف بعض الحروف أو زيادة بعضها، اقتداء بعمل الصحابة، رضي الله عنهم، وكان الإمام مالك (ت 179 هـ) قد سئل: «أرأيت من استكتب مصحفا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء (الإملاء) اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى» قال أبو عمرو الداني: ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمة (3). وظل هذا الموقف من الالتزام بالرسم العثماني في كتابة المصاحف إلى زماننا (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: محمود عباد محمد: خط وتذهيب وزخرفة القرآن الكريم حتى عصر ابن البواب، رسالة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة بغداد 1991.
(2) ينظر: غانم قدوري حمد: رسم المصحف ص 155 - 157.
(3) المقنع ص 9 - 10.
(4) أصدرت لجنة الفتوى في الأزهر سنة 1355 هـ فتوى بعدم جواز طبع المصحف بالإملاء الحديث (ينظر: مجلة الأزهر مج 7 ج 10 شوال 1355 هـ- باب الأسئلة والفتاوى).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)

وألّف عدد من العلماء بعد عصر تدوين العلوم الإسلامية كتبا خاصة لوصف طريقة كتابة الكلمات في المصاحف العثمانية (1)، لعل من أشهرها في زماننا كتاب (المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار) لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني الأندلسي المتوفى سنة 444 هـ. وهو مطبوع عدة طبعات.

‌‌ثانيا- علم النقط والشكل:
كانت المصاحف العثمانية مجردة من نقاط الإعجام ومن الحركات وغيرها من علامات الحركات، لخلو الكتابة العربية في تلك الحقبة منها، وبقيت الكتابة العربية تستعمل على ذلك النحو حتى النصف الثاني من القرن الأول الهجري، حين بدأت الدراسات اللغوية في العراق، وكان خلوّ الكتابة العربية من العلامات من أولى المشكلات التي عالجتها تلك الدراسات.
وتجمع المصادر العربية القديمة على أن أبا الأسود الدؤلي (ظالم بن عمرو ت 69 هـ) هو أول من اخترع طريقة لعلامات الحركات تعتمد على النقاط الحمر، وكان ذلك في البصرة، فجعل الفتحة نقطة فوق الحرف، والكسرة نقطة تحت الحرف، والضمة نقطة أمام الحرف، وجعل التنوين نقطتين (2).
وتنسب المصادر العربية إلى نصر بن عاصم الليثي البصري (ت 90 هـ)، وهو تلميذ أبي الأسود الدؤلي، اختراع نقاط الإعجام التي تميز بين الحروف المتشابهة في الرسم، مثل الدال، والذال، والراء، والزاي، ونحوها. وكان ذلك بتوجيه من الحجاج بن يوسف الثقفي في أثناء ولايته على العراق بين سنة (75 - 95 هـ) (3).--------------------------------------------
(1) ينظر في معرفة أسماء تلك الكتب: كتابي: رسم المصحف ص 169 - 184.
(2) ابن الانباري: إيضاح الوقف 1/ 49، وابن النديم: الفهرست ص 45، والداني: المحكم ص 4 - 6.
(3) حمزة الأصفهاني: التنبيه على حدوث التصحيف ص 27، والعسكري: شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص 13.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)