يختم القرآن (1). وقال بعض العلماء: إن ذلك يختلف باختلاف حال الشخص في النشاط والضعف والتدبر والغفلة (2).
المبحث الثالث أصل القراءات القرآنية
القراءات القرآنية من أهم علوم القرآن، صرف إليها العلماء كثيرا من عنايتهم وجهودهم من لدن عصر الصحابة، رضوان الله عليهم، إلى عصرنا هذا، رواية وتعليقا وتأليفا، وموضوع القراءات شديد الصلة بنص القرآن الكريم، لأنه يعنى بكيفية النطق بألفاظ القرآن، وتحقيق الروايات المنقولة في ذلك عن أئمة القراءة.
وقد صار كثير من مباحث هذا العلم أقرب إلى دائرة البحث التأريخي بعد أن انتشرت في معظم بلدان العالم الإسلامي قراءة واحدة من القراءات القديمة المشهورة، وهي قراءة عاصم بن أبي النّجود الكوفي، المتوفى سنة 127 هـ، التي تضبط عليها أكثر المصاحف المطبوعة في عصرنا، وزالت القراءات الأخرى من ميادين التلاوة والتعبد بقراءة القرآن، إلى ميادين البحث والدراسة والرواية في دور العلم ومعاهد الإقراء.
وهناك سببان، في الأقل، يحملان الدارس على النظر في موضوع القراءات والبحث في أصلها، الأوّل: انتشار التسجيل الصوتي لقراءات قرآنية غير قراءة عاصم، يعجز كثير من الناس في زماننا عن فهم حقيقتها ومعرفة أصلها، فتكون لذلك موضع تساؤل وتشويش لا يزيله إلا الوقوف على تأريخ هذا الموضوع وتفصيلاته. والثاني: إن علم القراءات من أكثر علوم القرآن الكريم بحثا وتأليفا،--------------------------------------------
(1) ينظر المصدر نفسه 5/ 180.
(2) النووي: التبيان ص 27، والزركشي: البرهان 1/ 471.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
ولا بد لدارس علوم القرآن من الوقوف على المعالم البارزة لهذا العلم الذي يتعلق بضبط النص القرآني والمحافظة عليه (1).
أولا- سبب تعدد القراءات وحديث الأحرف السبعة:
والحديث عن أصل القراءات القرآنية يستدعي بحث قضيتين: الأولى تحديد مصدر القراءات، والثاني: تحديد السبب الذي أدّى إلى ظهورها، ومناقشة هاتين القضيتين مرتبط بالظروف التي ظهرت فيها الدعوة الإسلامية، وطبيعة المجتمع العربي في تلك الحقبة، وما كان بين أجزائه من تباين لغوي ظاهر، لأن قراءة القرآن هي في جانب منها نشاط لغوي، ومن جانب آخر هي نشاط فكري ينعكس على سلوك الفرد والجماعة.
كان العرب في جزيرتهم قبائل وجماعات، تفصل بين قبيلة وأخرى فواصل طبيعية أو عوامل نفسية، فالجزيرة بطبيعة أرضها ومناخها تفرض على الناس نوعا من العزلة والتنقل المستمر وراء مساقط المياه ومنابت الكلأ، ولم يكن هناك سلطان سياسي يشمل تلك القبائل والجماعات، بل إن المنازعات كثيرا ما كانت تزيدها تشتتا وعزلة، ومن ثم فإن عوامل الافتراق كانت أكثر فاعلية في المجتمع العربي قبل الإسلام من عوامل التقارب والتوحد، وقد انعكس ذلك على الوضع--------------------------------------------
(1) لكي يطلع القارئ الذي ليس في متناول يده كتب القراءات على مثال يتبين له من خلاله حقيقة اختلاف القراءات، أورد قراءات القراء السبعة في سورة الفاتحة:
1 - قرأ عاصم والكسائي (مالك)، وقرأ الباقون من السبعة (ملك).
2 - قرأ عاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي (صراط، الصراط) بالصاد، وقرأ ابن كثير في رواية عنه (السراط)، وقرأ حمزة بين الصاد والزاي (صاد مجهورة).
3 - قرأ حمزة (عليهم) بضم الهاء والباقون بكسرها.
4 - قرأ ابن كثير (عليهمو) في الوصل، والباقون بإسكان الميم من غير واو. (ينظر: ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 104، والداني: التيسير ص 18).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
اللغوي الذي كان يتميز بتعدد اللهجات وتباين صور النطق للعربية (1)، لا سيما في وقت كانت تسود فيه الأمية، ويصعب التنقل والامتزاج، ما عدا فرصا محدودة يلتقي فيها أفراد معدودون في مواسم الحج والتجارة لأيام معدودة، ثم يمضي كل واحد منهم لينخرط في حياة قبيلته أو بلدته.
وفي ذلك الظرف شاء الله تعالى أن يبعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم برسالة تدعو إلى التوحيد والتوحيد، وتحثّ على التعلم والتحضر، يقول القاسم بن ثابت السرقسطي (ت 302 هـ): «إن الله تبارك وتعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلم والعرب متناءون في المحال والمقامات، متباينون في كثير من الألفاظ واللغات، ولكل عمارة (2) لغة دلت بها ألسنتهم، وفحوى قد جرت بها عادتهم، وفيهم الكبير العاسي والأعرابي القح، ومن لو رام نفي عادته وحمل لسانه على غير دربته (3) تكلف منه حملا ثقيلا، وعالج منه عبئا شديدا، ثم لم يكسر غربه (4) ولم يملك استمراره إلا بعد التمرين الشديد، والمساجلة الطويلة، فأسقط الله عنهم هذه المحنة، وأباح لهم القراءة على لغاتهم، وحمل حروفه على عادتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئهم بما يفقهون، ويخاطبهم بالذي يستعملون بما طوّقه الله من ذلك، وشرح به صدره، وفتق به لسانه، وفضّله على جميع خلقه» (5).
والقرآن الكريم نزل بلغة قريش، في الرأي الراجح، على نحو ما أشرنا إلى ذلك في المبحث الخاص بعربية القرآن، ومعنى ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقاه من جبريل عليه السلام وتلاه على الناس بنطق عربي يطابق نطق العربية السائد في مكة المكرمة في ذلك الوقت، وكان كتبة الوحي يكتبون ألفاظ الوحي على نحو ما--------------------------------------------
(1) قال ابن النديم (الفهرست ص 8): «ولكل قبيلة من قبائل العرب لغة تنفرد بها».
(2) العمارة، بكسر العين وفتحها، هي الشعبة من القبيلة، أو هي الحي العظيم.
(3) دربته: ما تدرب عليه واعتاده.
(4) الغرب: الحدّة.
(5) نقلا عن البلوي: ألف با 1/ 211، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص 128.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا فإن الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنه، أمر الجماعة الذين نسخوا المصاحف أن يكتبوه على لسان قريش، لأنه هو النطق المنزل به.
ولا شك في أن أهل مكة كانوا أقدر على تحقيق نطق القرآن كما نطقه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم قومه وعشيرته، أما غيرهم من العرب فكانوا متفاوتين في القدرة على تحقيق ذلك النطق، بحسب قرب أو بعد لغاتهم (أي لهجاتهم) من لغة أهل مكة، ومن ثمّ ظهرت مشكلة أهل مكة. وقد أشار بعض العلماء إلى أن تلك المشكلة ظهرت بصورة واضحة بعد الهجرة، حين دخل في الإسلام أفراد من قبائل عربية متباينة النطق (1).
وأمام ذلك الوضع اللغوي المعقد لم يحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على تعلم نطق قريش، ولم يمنعهم من قراءة القرآن، وإنما رخّص لهم أن يقرءوا القرآن بالنطق الذي يمكنهم تحقيقه، قال الصحابي عبد الله بن عباس (ت 68 هـ) حول الموضوع: «إن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقرئ الناس بلغة واحدة، فاشتد ذلك عليهم، فنزل جبريل، فقال: يا محمد، أقرئ كلّ قوم بلغتهم» (2).
وروى الترمذي في سننه عن أبي بن كعب أنه قال: «لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل، فقال: يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير، والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط! قال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح قد ورد عن أبيّ بن كعب من غير وجه (3).--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن حجر: فتح الباري 9/ 28، وعبده الراجحي: اللهجات العربية في القراءات القرآنية ص 68.
(2) ينظر: أبو شامة: المرشد الوجيز ص 95.
(3) سنن الترمذي 5/ 178.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
وقد تواتر في أحاديث صحيحة كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه». وبلغ عدد الصحابة الذي رووا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا وعشرين صحابيا (1)، في مناسبات متعددة، ووردت روايات الحديث في أصح كتب الحديث وكتب التفسير وعلوم القرآن (2).
وكانت رخصة الأحرف السبعة حلّا لمشكلة واجهت الصحابة في عصر النبوة حيث يسّرت عليهم قراءة القرآن، من غير أن يختل نظمه أو تتحرف كتابته، قال ابن قتيبة (ت 276 هـ): «وكل هذه الحروف كلام الله تعالى، نزل به الروح الأمين على رسوله عليه السلام وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن، فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسر على عباده ما يشاء، فكان من تيسيره أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم. فالهذليّ يقرأ: عتى حين، يريد: حَتَّى حِينٍ 54 [المؤمنون] لأنه كان يلفظ بها ويستعملها. والأسديّ يقرأ تعلمون وتعلم وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ 106 [آل عمران] وأَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ 60 [يس]. والتميمي يهمز والقرشيّ لا يهمز، والآخر يقرأ: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ 11 [البقرة] ووَ غِيضَ الْماءُ 44 [هود] بإشمام الضم مع الكسر، وهذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا [يوسف] بإشمام الكسر مع الضم، وما لَكَ لا تَأْمَنَّا 11 [يوسف] بإشمام الضم مع الإدغام وهذا ما لا يطوع به كل لسان.
«ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده--------------------------------------------
(1) ينظر: السيوطي: الاتقان 1/ 131.
(2) ينظر روايات الحديث: صحيح البخاري (فتح الباري) 9/ 23، وصحيح مسلم بشرح النووي 6/ 98، وسنن الترمذي 5/ 177، وسنن النسائي 2/ 150، وسنن أبي داود 2/ 75، وتفسير الطبري المسمى جامع البيان 1/ 14 وما بعدها، ومكي: الإبانة ص 62 - 69، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص 77 - 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
طفلا وناشئا وكهلا، لاشتدّ ذلك عليه، وعظمت المحنة للعادة. فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم متسعا في اللغات ومتصرفا في الحركات، كتيسيره عليه في الدين … » (1).
ثانيا- معنى الأحرف السبعة:
ولم تكن تلك الأحرف تتجاوز تنوع صور النطق إلى اختلاف المعاني، على نحو ما نقل محمد بن شهاب الزهري (ت 124 هـ) عن الصحابة، فقد قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه «قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي الأمر الذي يكون واحدا، لا يختلف في حلال ولا حرام» (2). أي أن الألفاظ المختلف في قراءتها لا يتغير معناها، وإنما الذي يتغير هو النطق فقط.
ولم يرد في روايات هذا الحديث ما يحدد المراد بالأحرف السبعة، ولم ينقل عن الصحابة ما يوضح ذلك أيضا، غير ما نقله ابن شهاب عنهم في قوله:
بلغني أن تلك السبعة الأحرف، ومن ثم فإن العلماء اجتهدوا في تفسيرها بعد اتفاق جمهورهم على أنها تخص النطق والقراءة، لا اختلاف المعاني والأحكام (3).
ويمكن أن نلخص جهود العلماء في تفسير الأحرف السبعة في اتجاهين:
الاتجاه الأول:
أن عدد السبعة الواردة في الحديث لا يقصد به الحصر وأنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التيسير والتسهيل والسعة، ولفظ--------------------------------------------
(1) تأويل مشكل القرآن ص 29 - 30.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي 6/ 101، وينظر: سنن أبي داود 2/ 76.
(3) حظي موضوع الأحرف السبعة باهتمام واسع من لدن علماء القرآن، وقد أفرده بعضهم برسائل أو كتب مستقلة، مثل كتاب (الإبانة عن معاني القراءات) لمكي بن أبي طالب القيسي (ت 437 هـ)، وكتاب (المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز) لأبي شامة المقدسي (ت 665 هـ)، وكتاب (الكلمات الحسان في الحروف السبعة وجمع القرآن) للشيخ محمد بخيت المطيعي (ت 1354 هـ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات، وسبع مائة في المئين، ولا يراد العدد المعين (1).
قال ابن الجزري (ت 833 هـ): «وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل المراد السعة والتيسير، وأنه لا حرج عليهم في قراءته بما هو من لغات العرب، من حيث إن الله تعالى أذن لهم في ذلك، والعرب يطلقون لفظ السبع والسبعين والسبع مائة ولا يريدون حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل يريدون الكثرة والمبالغة من غير حصر، قال تعالى:
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ (261) [البقرة]، وإِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً (80) [التوبة]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة» … » (2).
الاتجاه الثاني
: وذهب أكثر علماء السلف إلى أن المقصود بالسبعة الحصر، لكن اختلفوا في تعيين السبعة، وأشهر الأقوال في هذا الاتجاه ثلاثة:
1 - أنها سبع لغات (لهجات) من لغات العرب، قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224 هـ): «قوله: (سبعة أحرف) يعني سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، هذا ما لم نسمع به قط، ولكن نقول هذه اللغات متفرقة في القرآن … » (3).
2 - الأحرف السبعة هي سبعة ألفاظ مختلفة في النطق متفقة في المعنى، قال الطبري: «الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن هي لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، كقول القائل: هلم، وأقبل، وتعال، وإليّ، وقصدي، ونحوي، وقربي، ونحو ذلك مما تختلف--------------------------------------------
(1) ينظر: أبو شامة: المرشد الوجيز ص 99، والسيوطي: الإتقان 1/ 131.
(2) النشر 1/ 25 - 26.
(3) غريب الحديث 3/ 159، وينظر: كتابه فضائل القرآن 21 و.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني» (1). ويرى الطبري أن عثمان، رضي الله عنه، جمع الناس على حرف واحد، وأن الأحرف الستة الأخرى قد ذهبت (2).
3 - الأحرف السبعة هي سبعة وجوه من وجوه القراءات، قال ابن قتيبة: «وقد تدبّرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه … » (3)، وذلك مثل إبدال لفظ بلفظ، أو حرف بحرف، أو تقديم وتأخير، أو زيادة حرف أو نقصانه، أو اختلاف حركة بناء الكلمة أو إعرابها، أو اختلاف في تفخيم الصوت أو ترقيقه، أو نحو ذلك (4).
ولم يحظ أي قول من هذه الأقوال، أو غيرها مما قاله بعض العلماء في تفسير الأحرف السبعة، بما يمكن أن يرجحه على غيره أو يحمل على القطع بصحته، لكن العلماء بعد ذلك مجمعون على أن تلك الرخصة كانت في وقت معين، قال الطحاوي (ت 310 هـ (: إن تلك السبعة إنما كانت في وقت خاص، لضرورة دعت إلى ذلك» (5). أما الأجيال اللاحقة فليس لها إلا اتباع القراءة المأثورة عن الصحابة التي تناقلتها الأمة عبر العصور (6).
ولم تكن تلك الرخصة مطلقة حتى في زمن الصحابة فقد نص العلماء على «أن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، بأن يغير كل أحد الكلمة بمرادفها في--------------------------------------------
(1) جامع البيان 1/ 25.
(2) المصدر نفسه 1/ 28.
(3) تأويل مشكل القرآن ص 36.
(4) ينظر: أبو شامة: المرشد الوجيز ص 113 - 125، وابن الجزري: النشر 1/ 26 - 28، والسيوطي: الاتقان 1/ 132.
(5) نقلا عن أبي شامة: المرشد الوجيز ص 106.
(6) ينظر: المصدر نفسه ص 102.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
لغته، بل المرعي في ذلك السماع من النبي صلى الله عليه وسلم» (1). قال الداني: «وهذه القراءات كلها والأوجه بأسرها من اللغات هي التي أنزل القرآن عليها، وقرأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرأ بها وأباح الله تعالى لنبيه القراءة بجميعها وصوّب الرسول صلى الله عليه وسلم من قرأ ببعضها» (2).
فأصل القراءات القرآنية يرجع- إذن- إلى رخصة الأحرف السبعة التي يسّر الله تعالى بها على الصحابة في قراءاتهم للقرآن، فكل القراءات القرآنية ترجع إلى قراءات الصحابة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علّم الصحابة القرآن، وسمع منهم قراءتهم وأقر لهم اختلافهم في النطق، كما جاء في عدد من روايات حديث الأحرف السبعة، وكما ورد في رواية أبي العالية الرياحي (رفيع بن مهران ت 92 هـ) التي نقلها الطبري، وقال فيها: «قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلّ خمس رجل، فاختلفوا في اللغة، فرضي قراءاتهم كلهم» (3). وروي عن معاذ بن جبل أنه قال: عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعب أحدا منا (4). وكان صلى الله عليه وسلم يقول للصحابة: «اقرءوا كما علّمتم» وينهاهم عن الجدال في القرآن وقراءته (5).
المبحث الرابع نشأة مدارس القراءة
أولا- قراءة القرآن في عصر النبوة:
إن هدف النبوات والرسالات هو هداية الناس وتعليمهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ورسالته خاتمة الرسالات الإلهية، وكان إيصال هذه الرسالة--------------------------------------------
(1) السيوطي: الاتقان 1/ 136.
(2) جامع البيان في القراءات السبع 8 ظ.
(3) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 1/ 19، وينظر: أبو شامة: المرشد الوجيز ص 130.
(4) علم الدين السخاوي: الوسيلة ص 119.
(5) ينظر: الطبري: جامع البيان 1/ 12، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص 84 - 85.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
إلى الناس يستلزم التبليغ والتعليم، وقد قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ … (2) [الجمعة]، وقال سبحانه: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ (45) [العنكبوت]، وقال عزّ من قائل: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (106) [الإسراء]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت معلّما» (1). فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معلّم هذه الأمة الأوّل، علّمها القرآن وتلاوته، وبيّن لها الأحكام والسنن والآداب.
وكانت قراءة القرآن أول شيء يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّ من يدخل في الإسلام، قال علم الدين السخاوي: «كان صلى الله عليه وسلم إذا أسلم الرجل يأمره بقراءة القرآن قبل كل شيء» (2). وكان يتولى تعليم أصحابه ما ينزل عليه من الوحي، ويتدارس معهم ما نزل من القرآن، ويعلّم من يدخل في الدين القرآن والفرائض، وكانت البيوت في أول عهد الدعوة أماكن للتعليم، وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي في مكة مركزا للدعوة وتعليم الصحابة القرآن (3).
وازدادت الحاجة إلى تعليم القرآن بانتشار الإسلام وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجد ما يكفي من الوقت لتعليم كل من يدخل في الدين، لا سيما أهل القرى والبوادي خارج المدينة المنورة، فكان يكل تعليم القرآن إلى عدد من أصحابه الذين تميزوا بحفظ القرآن وضبط قراءته، وكان يرسل المعلمين إلى من نأى عنه من المسلمين، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجل في الإسلام قال: «فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعلّموه القرآن» (4). وقال عبادة بن الصامت، وكان أحد علماء الصحابة بالقرآن: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر على--------------------------------------------
(1) سنن ابن ماجة 1/ 83.
(2) الوسيلة ص 119.
(3) ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب 1/ 131.
(4) تاريخ الطبري 2/ 474.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه إلى رجل منا يعلّمه القرآن، فدفع إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا، وكان معي في البيت، أعشّيه عشاء أهل البيت، فكنت أقرئه القرآن» (1).
وكان أبي بن كعب أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أقرأ أمتي أبيّ (2). فلما قدمت وفود العرب إلى المدينة بعد فتح مكة، كان أبي بن كعب يعلّمهم القرآن، وممن ذكرت الروايات أنهم تعلموا القرآن من أبي وفد أهل البحرين، ووفد بني حنيفة، ووفد قبيلة غامد (3).
أما المعلمون الذين بعث بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعليم القرآن، فكان أوّلهم مصعب بن عمير الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية، يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وكان يدعى القارئ والمقرئ (4).
وكان معاذ بن جبل الأنصاري أحد فقهاء الصحابة وعلمائهم بالقرآن، وقد ذكر ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلّف معاذ بن جبل بمكة بعد الفتح، حين توجه إلى الطائف، يفقه أهل مكة ويقرئهم القرآن (5). وبعد دخول أهل اليمن في الإسلام بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هناك، يعلّم القرآن وشرائع الإسلام، كما بعث إلى بعض أنحاء اليمن الأخرى أبا موسى الأشعري للغاية ذاتها (6).
وبذلك اشتهر عدد من الصحابة في عصر النبوة بحفظ القرآن وإجادة قراءته،--------------------------------------------
(1) الساعاتي: الفتح الرباني 18/ 9، وقال: أخرجه أبو داود في سننه، وابن ماجة، والحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
(2) ينظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى 2/ 341، وابن عبد البر: الاستيعاب 1/ 66.
(3) ينظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى 1/ 336 و 345 و 5/ 557.
(4) ينظر: ابن هشام: السيرة النبوية 1/ 434، وصحيح البخاري (فتح الباري) 8/ 699، وابن عبد البر، الاستيعاب 4/ 1473.
(5) الطبقات الكبرى 2/ 348، والخزاعي: تخريج الدلالات السمعية ص 81.
(6) ينظر ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/ 585 و 4/ 108، وابن عبد البر: الاستيعاب 3/ 1403.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث الصحابة على تعلم القرآن منهم، حيث قال: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب» (1). وقد ظل عدد منهم يؤدي دور معلم القرآن بعد عهد النبوة.
ثانيا- قراءة القرآن في عصر الخلافة الراشدة:
إن تعليم قراءة القرآن للمسلمين كان قد استأثر باهتمام كبير من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأثر باهتمام الخلفاء الراشدين من بعده، ويحدثنا التاريخ عن وقائع كثيرة تعكس جانبا من ذلك الاهتمام، وقد مرّ الحديث عن جمع القرآن في الصحف بعد أن استمر القتل بقراء القرآن في معركة اليمامة في خلافة الصديق، رضي الله عنه.
وفي خلافة عمر بن الخطاب تضاعفت الحاجة إلى تعليم القرآن الكريم، بعد حركة الفتوح الواسعة، وكان عمر، رضي الله عنه، قد عمل على تحقيق متطلبات المسلمين في الأمصار الجديدة، حيث جعل من ولاة الأمصار معلمين للناس، فقال في إحدى خطبه: «اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم ليعلّموا الناس دينهم وسنة نبيّهم» (2). وكان قد أرسل أبا موسى الأشعري واليا على البصرة (3)، فكان يعلم الناس هناك القرآن (4).
وبعث عمر إلى الكوفة عبد الله بن مسعود مع عمار بن ياسر، وكتب إليهم:
«إني قد بعثت إليكم بعمار بن ياسر أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل بدر، فاقتدوا بهما، واسمعوا--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري (فتح الباري 9/ 46)، وسنن الترمذي 5/ 632.
(2) تاريخ الطبري 4/ 204.
(3) ابن عبد البر: الاستيعاب 4/ 1763.
(4) ابن سعد: الطبقات الكبرى 2/ 345.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي» (1). فكان عبد الله بن مسعود يعلّم القرآن في المسجد، قال تلميذه مسروق بن الأجدع: «كان عبد الله يقرئنا في المسجد، ثم نجلس بعده نثبت الناس» (2). وقال ابن مجاهد: «وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين من أهلها قراءة عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، لأنه الذي بعث به إليهم عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، ليعلمهم» (3).
وكان ولاة الأمصار قد أولوا هذا الأمر اهتمامهم، فبعد فتح بلاد الشام كتب يزيد بن أبي سفيان والي الشام رسالة إلى عمر بن الخطاب جاء فيها: إن أهل الشام قد كثروا وملئوا المدائن، واحتاجوا من يعلّمهم القرآن ويفقههم، فأعنّي يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فدعا عمر أولئك الخمسة (معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب)، فقال لهم: إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلّمهم القرآن ويفقههم في الدين، فأعينوني، رحمكم الله، بثلاثة منكم، إن أجبتم فاستهموا، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم، هذا شيخ كبير لأبي أيوب، وأما هذا فسقيم لأبي بن كعب، فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر: ابدءوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن، فإذا رأيتم ذلك فوجّهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق والآخر إلى فلسطين. وقدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق ومعاذ إلى فلسطين، وأما معاذ فمات عام طاعون عمواس (سنة 18 هـ)، وأما عبادة فصار بعد إلى فلسطين--------------------------------------------
(1) ابن سعد: الطبقات الكبرى 6/ 7، وابن عبد البر: الاستيعاب 3/ 992.
(2) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 68، وابن الجزري: غاية النهاية 1/ 459.
(3) كتاب السبعة ص 66.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
فمات بها (سنة 34 هـ)، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات (سنة 32 هـ)، رضي الله عنهم (1).
وفي خلافة عثمان، رضي الله عنه، تم نسخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار، فتوحدت المصاحف التي يقرأ فيها المسلمون جميعا، ورافق إرسال المصاحف تعيين معلمين للقراءة في تلك المصاحف، وقد روى الجعبري أن عثمان، رضي الله عنه، أمر زيد بن ثابت (ت 45 هـ) أن يقرأ في المصحف المدني، وبعث عبد الله بن السائب (ت في حدود 70 هـ) مع المصحف المكي، والمغيرة بن [أبي] شهاب (ت 91 هـ) مع المصحف الشامي، وأبا عبد الرحمن (ت 73 هـ) مع المصحف الكوفي، وعامر بن عبد قيس (ت 55 هـ) مع المصحف البصري (2).
وكانت جهود الصحابة الأوائل الذين تصدوا لتعليم القرآن، وجهود من سار على نهجهم من الصحابة والتابعين، قد حققت أكبر حملة عرفتها البشرية لتعليم القراءة، فصار يلهج بالقرآن ملايين الناس آناء الليل وأطراف النهار، وكانت تلك الجهود قد أرست أسس مدارس القراءة في الأمصار الإسلامية، خاصة المدن الخمس الكبيرة: مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام (دمشق)، حيث واصل تلامذة الصحابة من التابعين ومن جاء بعدهم من تابعي التابعين عملهم في تعليم قراءة القرآن الكريم.
ثالثا- بروز ملامح مدارس القراءة:
وبرزت في عصر الصحابة والتابعين بصورة واضحة معالم مدارس الإقراء في الأمصار الإسلامية، وترسخت آداب تعلم القرآن وقراءته، وقد كانت ظروف الدعوة في عصر النبوة تقتضي السرعة في الحركة واستغلال كل الإمكانات، فكان--------------------------------------------
(1) ابن سعد: الطبقات الكبرى 2/ 356، والذهبي: سير أعلام النبلاء 2/ 248.
(2) جميلة أرباب المراصد 67 ظ، وينظر: المارغني: دليل الحيران ص 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
علماء الصحابة يعلّمون في البيوت إضافة إلى المسجد، وكان الواحد يتنقل من بلد إلى آخر كما فعل معاذ بن جبل حيث خرج من المدينة، وعلّم في مكة، وذهب إلى اليمن، ثم رجع إلى المدينة ليخرج بعدها إلى الشام. لكن تعليم القراءة بعد عصر النبوة صار يأخذ شكل التعليم المنظم، في المكان والطريقة، وصار المعلمون أكثر استقرارا، على نحو يجعل من كل واحد منهم مدرسة لها تميزها وأثرها بعد ذلك في رواية القراءات وتعليمها. فكان أبو الدرداء، قاضي دمشق وسيد القراء فيها، يجعل الناس حين
يجتمعون عليه بعد صلاة الغداة للقراءة عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريف أو ملقن، حتى بلغ الذين يقرءون القرآن عنده أزيد من ألف رجل، وهو يقف في المحراب يرمقهم ببصره، وقد يطوف عليهم قائما، فإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء يعرض عليه، وكان عبد الله بن عامر عريفا على عشرة، فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر (1).
وكان أبو الدرداء هو الذي سنّ الحلق للقراءة (2).
وكان أبو موسى الأشعري يعلّم الناس القرآن في مسجد البصرة وكان يجلسون إليه حلقا حلقا (3)، وكان يعلّم القرآن خمس آيات خمس آيات (4).
وجاء أبو عبد الرحمن السلمي إلى الكوفة مع المصحف الذي أرسله عثمان إلى أهلها، فجلس في المسجد الأعظم فيها لتعليم الناس القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة (5). فكان يقرئهم عشرين آية بالغداة وعشرين آية بالعشي، ويخبرهم بموضع العشور والخموس، وكان يقرأ خمس آيات خمس آيات (6).--------------------------------------------
(1) السخاوي: جمال القراء 2/ 454.
(2) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/ 249، والحلق بفتحتين، أو بكسر وفتح، جمع حلقة.
(3) الحاكم: المستدرك 2/ 220.
(4) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 604.
(5) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 68.
(6) ابن سعد: الطبقات الكبرى 6/ 172، والذهبي: معرفة القراء 1/ 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
وكان أبو عبد الرحمن يبدأ بأهل السوق لئلا يحتسبوا عن معايشهم (1)، واقتدى به عاصم في ذلك (2). ولكن حمزة كان يقدّم الفقهاء من طلبة العلم (3).
ولا شك في أن عدد الذين قرءوا القرآن من التابعين على علماء الصحابة كبير جدا، لا يأتي عليهم الحصر، لكن الذين تخصصوا بالقراءة من ذلك العدد الكبير، وخلفوا الصحابة في تعليم القرآن، كانوا معدودين، فقد اشتهر منهم في كل مصر جماعة، تصدروا للإقراء، فعلّموا تابعي التابعين قراءة القرآن، ثم خلفهم تلامذتهم من تابعي التابعين الذين كان من بينهم القراء السبعة المشهورون الذين سنتحدث عنهم وعن قراءاتهم في المبحث الآتي، إن شاء الله تعالى.
المبحث الخامس القراء السبعة وأصول قراءتهم
كانت الأمصار الخمسة: مكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، والشام (دمشق)، هي المراكز العلمية التي نبتت فيها العلوم الإسلامية في عصر الصحابة والتابعين. وكان علماء القراءة من التابعين قد خلفوا الصحابة في تعليم الناس القرآن في تلك الأمصار، وما عداها من البلدان التي استنارت بنور الدعوة الجديدة، وواصل تلامذتهم الاضطلاع بواجب التعليم الذي لم ينقطع عبر أجيال الأمة، لأن القراءة سنّة يأخذها الآخر عن الأول.
وأخذت القراءات القرآنية تتحدد معالمها في عصر التابعين وتابعيهم، وتتشكل اتجاهاتها الرئيسية، مستمدة مادتها من قراءات الصحابة الذين تشرفوا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتلقي القرآن منه، والذين خصهم الله تعالى برخصة التيسير في القراءة.--------------------------------------------
(1) ابن الجزري: منجد المقرئين ص 8.
(2) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 347.
(3) ابن الجزري: منجد المقرئين ص 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
وكانت القراءات في القرن الأول تنسب إلى عدد من الصحابة، أو إلى المدن التي كانوا يسكنونها، فيقال: قراءة عبد الله بن مسعود أو قراءة أهل الكوفة، ويقال:
قراءة زيد بن ثابت أو قراءة أهل المدينة، وهكذا في القراءات الأخرى، لكن القراءات صارت تنسب بعد عصر الصحابة إلى علماء القراءة من التابعين وتابعيهم، ليس لأنهم تركوا قراءات الصحابة وابتدعوا قراءات جديدة، بل لأن القارئ من التابعين أو من تابعيهم صار يدرس القراءات القرآنية في الأمصار ثم يختار من مجموع ما درسه قراءة يقرأ بها ويعلّمها، وعناصرها مستمدة من قراءات الصحابة، وإن صارت تنسب إلى القارئ الذي اختارها، وكان القراء السبعة من بين عدد من قراء التابعين وتابعي التابعين الذين اختار كل واحد منهم قراءة نسبت إليه، مستمدا مادتها من القراءات التي تلقّاها عن شيوخه. وسوف نعرض هذا الموضوع في فقرتين: الأولى عن الاختيار في القراءة، والثانية عن القراء السبعة.
أولا- الاختيار في القراءة:
إن الاستجابة لحاجات المجتمع الإسلامي في عصر الصحابة والتابعين كانت تقتضي السرعة في إنجاز الأعمال وتثبيتها في الواقع العلمي من غير أن يتطلب ذلك تدوينها في شكل دراسات نظرية، أو توثيقها بعد ذلك في سجلات تاريخية، ومن ثم فإن الحديث عن القراءات القرآنية في تلك الحقبة وتطورها قد لا يغطي كل تفصيلات ما قام به علماء القراءة آنذاك في كل الأمصار، ولذلك سوف أركز على تتبع الموضوع في المدينة والكوفة اللتين كانتا أكثر الأمصار الخمسة نشاطا علميا في ذلك الوقت، مع الإشارة إلى بعض الروايات الأخرى الموضحة للموضوع.
كانت المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية الأولى، وكانت قراءة القرآن فيها تعرف بقراءة العامّة (1)، وقراءة الجماعة (2)، وقد تعرف بقراءة زيد بن--------------------------------------------
(1) الزركشي: البرهان 1/ 237.
(2) الباقلاني: نكت الانتصار ص 147.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
ثابت (1)، لأنه كان معلّم أهل المدينة. ونقل أبو شامة عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: «كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرءون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان علي، رضي الله عنه، طول أيامه يقرأ في مصحف عثمان، ويتخذه إماما» (2).
وكانت إلى جانب قراءة الجماعة قراءات أخرى، تنسب إلى بعض الصحابة، ولكن بعد أن أرسلت المصاحف في خلافة عثمان إلى الأمصار «قرأ أهل كل مصر من قراءاتهم التي كانوا عليها بما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم ما خالف خط المصحف» (3).
وكانت قراءة عبد الله بن مسعود، أو قراءة أهل الكوفة الأولى أشهر القراءات بعد قراءة الجماعة. قال ابن مجاهد: «وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين من أهلها قراءة عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، لأنه الذي بعث به إليهم عمر ابن الخطاب، رضي الله عنه، ليعلّمهم، فأخذت عنه قراءته قبل أن يجمع عثمان، رضي الله عنه، الناس على حرف واحد، ثم لم تزل في صحابته من بعده يأخذها الناس عنهم، كعلقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزرّ بن حبيش، وأبي وائل، وأبي عمرو الشيباني، وعبيدة السلماني وغيرهم …
«فلم تزل قراءة عبد الله بالكوفة لا يعرف الناس غيرها، وأول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان، رضي الله عنه، الناس عليها أبو عبد الرحمن السلمي، واسمه عبد الله بن حبيب، فجلس في المسجد الأعظم، ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة» (4).--------------------------------------------
(1) أبو شامة: المرشد الوجيز ص 69.
(2) المصدر نفسه ص 68.
(3) مكي: الإبانة ص 29.
(4) كتاب السبعة ص 66.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
وانتشرت قراءة أهل المدينة في الكوفة، لا سيما بعد انتقال الإمام علي، رضي الله عنه، إليها، لكن أهل الكوفة لم يتركوا قراءة ابن مسعود دفعة واحدة، فقد ظلوا متمسكين بما يوافق خط المصحف منها، حتى كان سعيد بن جبير (ت 95 هـ) يؤمّ الناس في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت (1)، لكن معالم قراءة ابن مسعود كانت في طريقها إلى الاضمحلال، فقد قال سليمان بن مهران الأعمش (ت 148 هـ): «أدركت الكوفة وما قراءة زيد فيهم إلا كقراءة عبد الله فيكم اليوم، ما يقرأها إلا الرجل والرجلان» (2).
وإذا كنا نلاحظ أن قراءة ابن مسعود قد أخذت تختفي معالمها في أوائل القرن الثاني الهجري، فإن عناصر من تلك القراءة كانت قد دخلت في عدد من قراءات القراء المشهورين، خاصة ما يوافق خط المصحف منها، وهي تشكل أحد مصادر قراءة عاصم (ت 128 هـ) الذي قال: «ما أقرأني أحد حرفا إلا أبو عبد الرحمن السلمي، وكان أبو عبد الرحمن قد قرأ على علي، رضي الله عنه، وكنت أرجع من عند أبي عبد الرحمن فأعرض على زر بن حبيش، وكان زر قد قرأ على عبد الله» (3). فكانت قراءة عاصم إذن مختارة من قراءات شيوخه من التابعين.
وقد عرفت ظاهرة تأليف القراءة على ذلك النحو بظاهرة الاختيار، فكان أئمة الإقراء في القرون الأولى يختارون قراءة من مجموع القراءات التي يروونها عن شيوخهم، ويعلّمون بها تلامذتهم. وهذه الظاهرة قديمة ترجع جذورها إلى عصر الصحابة، فقد ذكر ابن الجزري أن ابن عباس «كان يقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت، إلا ثمانية عشر حرفا أخذها من قراءة ابن مسعود» (4).--------------------------------------------
(1) الذهبي: معرفة القراء 1/ 57، وابن الجزري: غاية النهاية 1/ 305.
(2) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 67.
(3) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 70.
(4) غاية النهاية 1/ 426.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
وتسمية القراءة القرآنية باسم القارئ ليس مبنيا على أساس أنه اخترع تلك القراءة بل لأنه اختارها ودوام عليها وعلّمها، قال الدانيّ: «إن معنى إضافة ما أنزل الله تعالى إلى من أضيف إليه من الصحابة، كأبيّ وعبد الله وزيد وغيرهم، من قبل أنه كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراء به، وملازمة له وميلا إليه، لا غير ذلك. وكذا إضافة أن
ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة، وآثره على غيره، ودوام عليه ولزمه، حتى اشتهر به، وعرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه، فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد» (1).
وقد كان لمعظم علماء الإقراء في القرن الثاني الهجري اختيار في القراءة فكان نافع بن عبد الرحمن (ت 169 هـ) إمام أهل المدينة قد قال: «قرأت على سبعين من التابعين» (2)، وقال: «فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته وما شذّ فيه واحد تركته، حتى ألّفت هذه القراءة في هذه الحروف» (3).
وكان علي بن حمزة الكسائي (ت 189 هـ) «قد قرأ على حمزة ونظر في وجوه القراءات، وكانت العربية علمه وصناعته، واختار من قراءة حمزة وقراءة غيره قراءة متوسطة، غير خارجة عن آثار من تقدم من الأئمة، وكان إمام الناس في القراءة في عصره» (4). وقال ابن النديم: «وكان الكسائي من قراء مدينة السلام، وكان أولا يقرئ بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه قراءة، فأقرأ بها الناس في خلافة هارون» (5).--------------------------------------------
(1) جامع البيان ورقة 9 ظ، وابن الجزري: النشر 1/ 52.
(2) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 62.
(3) المصدر نفسه، ومكي: الإبانة ص 17.
(4) كتاب السبعة ص 78.
(5) الفهرست ص 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)