ونقل السيوطي قولا خامسا، حيث قال: «وحكى ابن النقيب قولا خامسا:
إن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق» (1). وهذا هو التفسير الذي استند إليه بعض الدارسين في الاحتجاج للتفسير الصوفي، وليس هناك ما يرجح هذا التفسير للحديث.
وقد اجتهد الشيخ محمد حسين الذهبي في محاولة العثور على الأصل الشرعي لهذا النوع من التفسير، وتأييد رواية الحسن البصري بآيات من القرآن (2). ودافع الآلوسي عن تفاسير الصوفية بقوله: «وأما كلام السادة الصوفية في القرآن فهو من باب الإشارات إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، وذلك من كمال الإيمان، ومحض العرفان، لا أنهم اعتقدوا أن الظاهر غير مراد أصلا، وإنما المراد الباطن فقط، إذ ذاك اعتقاد الباطنية الملاحدة، توصلوا به إلى نفي الشريعة بالكلية … » (3).
وغلا بعض المعاصرين حين قال: «التفسير الصوفي للقرآن أوزن قدرا من التفسير الحرفي، فالتفسير الصوفي قد استنبط التفسير الحرفي وصعد منه إلى عوالم أخرى، قد استعد لها الصوفي برياضة نفسه، وتكوّن ثقافته، وسعة دوائره وأحاسيسه وملكاته الجديدة التي أقفرت منها قلوب الحرفيين!» (4).
وعلى الرغم من أن بعض الدارسين حاول أن يقيد هذا النوع من التفسير بشروط (5)، فإن التفاسير الصوفية «تعتمد على أذواق غير مقيدة بالطرائق العلمية،--------------------------------------------
(1) الإتقان: 4/ 196.
(2) التفسير والمفسرون 2/ 352.
(3) روح المعاني 1/ 7.
(4) عبد القادر عطا: التفسير الصوفي للقرآن ص 67.
(5) ذكر الشيخ محمد حسين الذهبي عدة شروط (التفسير والمفسرون 2/ 377) هي:
أولا: أن لا يكون التفسير الإشاري منافيا للظاهر من النظم القرآني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
ولا محكمة الاستخراج على قواعد اللغة وعلومها» (1).
ومن الواضح أن مثل هذا المنهج يؤدي إلى أنماط عديدة من التفسيرات الذاتية، تتنوع بعدد المطبقين لمثل هذا المنهج تنوعا حتميا، وذلك بناء على اختلاف المواهب والاستعدادات الروحية التي هي منحة خالصة من فضل الله، وما حققه الصوفي بتأييد الله في طريقه من جهاد وتقدم، ومثل هذا التنوع يصبح خطرا ولا شك إذا قصد به أن يكون المرجع الأول والأخير للمسلم، مهما اختلفت درجته، لما يؤدي إليه من الاضطراب والبلبلة، ولكنه قد يصبح ثروة طائلة وزادا روحيا قيّما إذا وفّى الإنسان بالأصول العامة وأقام مقتضيات الأحكام الشرعية إجمالا وتفصيلا (2).
وهذا المنهج هو موطن الضعف في هذا النوع من التفسير، بل هذا المنهج هو ممكن الخطر «ذلك لأن قضية الظاهر والباطن استغلت استغلالا سيئا لخدمة الكثير من العقائد الهدامة، وارتكبت في حق الظاهر القرآني جرائم خطيرة، حين أريد له أن يؤوّل لنصرة الأغراض المريضة والدعوات الجامحة» (3).
ولضعف الأساس الذي يقوم عليه التفسير الصوفي أو الإشاري قال بعض السلف: «أما كلام السادة الصوفية في القرآن فليس بتفسير» (4) لأنه ليس مبنيا على القواعد
المقررة في علم التفسير من الاعتماد على ما تقتضيه اللغة وما نقل من التفسير المأثور، وإنما هي شيء مبني على الرياضة الروحية التي قد تنفع في تهذيب النفوس، ولكنها لا تكفي في توضيح معاني القرآن.
ثانيا: أن يكون له شاهد شرعي يؤيده.
ثالثا: أن لا يكون له معارض شرعي أو عقلي.
رابعا: لا بد أولا من الاعتراف بالمعنى الظاهر.--------------------------------------------
(1) محمد كمال إبراهيم جعفر: التصوف ص 166.
(2) محمد كمال إبراهيم جعفر: التصوف ص 166.
(3) إبراهيم بسيوني: مقدمة تحقيق لطائف الإشارات 1/ 37.
(4) الزركشي: البرهان 2/ 170، والسيوطي: الإتقان 4/ 194.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
المبحث الثالث التفسير في العصر الحديث
أولا- العودة إلى كتابة التفاسير الكبيرة:
مرت على المسلمين قرون خمدت فيها جذوة البحث العلمي في مختلف علوم الشريعة الإسلامية، وركدت حركة التأليف، وانتهت إلى صورة تتمثل بكتابة الحواشي والمختصرات للمشهور من كتب العلوم. ودخل التفسير في هذه المرحلة، فظهرت التفاسير المختصرة مثل (تفسير الجلالين) لجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، كما كتبت عشرات الحواشي، مثل ما كتب من حواش على تفسير الجلالين، وتفسير الزمخشري، وتفسير القاضي البيضاوي، وغيرها.
وتقدّم الزمن وازداد اتصال بلدان العالم الإسلامي بدول الغرب، كما كانت دول الغرب تسعى حثيثا لبسط سيطرتها على الشعوب الإسلامية ونهب خيراتها، وتحقق ذلك بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية. وصحا المسلمون على حالة من التناقض بين ماضيهم المزدهر وقيمهم الأصيلة، وما صاروا عليه من التخلف العلمي والانحطاط الحضاري، وكان ذلك مبعث يقظة في بلاد المسلمين، اختلفت وجهتها بين التمسك بالدين الإسلامي واتخاذه أساسا لتقدم المسلمين كما كان أساسا لتقدمهم من قبل، وبين الاستسلام للغرب ومحاكاته في قيمه ومثله وطريقة حياته.
ووجد دعاة الإصلاح ورواد النهضة الإسلامية الحديثة أن الناس بهم حاجة إلى الفهم الصحيح للدين، فنشطت حركة التأليف في العلوم الإسلامية من جديد، خاصة بعد انتشار المطابع في البلاد الإسلامية، وحاول العلماء كتابة تفسير القرآن بأسلوب يناسب حاجة الأمة إلى اتخاذ القرآن منار هداية ومصدر تشريع، وتوالت المحاولات، فكان من التفاسير الأولى في هذا العصر، التي ظلت تحمل طابع التفاسير القديمة، مع نزعات إلى التجديد في بعض الجوانب:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
1 - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في التفسير. للقاضي محمد بن علي الشوكاني الصنعاني المتوفى سنة 1250 هـ 1834 م.
2 - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (1). لأبي الثناء شهاب الدين محمود بن عبد الله الآلوسي، المتوفى سنة 1230 هـ 1854 م.
3 - محاسن التأويل (2). لمحمد جمال الدين القاسمي، المتوفى سنة 1332 هـ 1914 م.
4 - فتح البيان في مقاصد القرآن (3). لصديق حسن خان، ألفه في بلدة بهوبال في الهند سنة 1289 هـ 1872 م (4).
وظهرت تفاسير أخرى كانت أكثر نزوعا إلى التجديد، وإثارة قضايا تعكس تأثر كاتبيها بضغط الواقع المحزن للمسلمين، وتفوق أعدائهم العلمي والصناعي، فغلبت على بعض التفاسير النزعة العلمية بإدخال النظريات العلمية الحديثة في تفسير القرآن، وتكلف بعض المفسرين العثور على أصل لتلك النظريات في آيات القرآن. وغلب على بعضها النظرة العقلية والتأثر بروح الحضارة الغربية، فأدى ذلك بكاتبيها إلى رفض الأخذ بالتفسير المأثور واعتباره مما يصدّ عن فهم القرآن، واعتمادهم النظرة العقلية المجردة في تفسير القرآن، مما أدى بهم أحيانا إلى التعسف في تأويل بعض الآيات القرآنية، مع حرصهم على تضييق دائرة الغيبيات ومحاولة تفسيرها بالنظرة العقلية.
وعلى الرغم من ذلك فإنه ينبغي عدم إغفال الجوانب الأخرى النافعة في هذه التفاسير من سهولة العبارة والتخفف من استخدام مصطلحات العلوم القديمة،--------------------------------------------
(1) طبع الطبعة الأولى في مطبعة بولاق بمصر سنة 1301 هـ في تسعة مجلدات ضخام (ينظر:
محسن عبد الحميد: الآلوسي مفسرا ص 164).
(2) شرع القاسمي في كتابة تفسيره سنة 1316 هـ (ينظر: محاسن التأويل 1/ 6).
(3) صدر الجزء الأول منه في القاهرة سنة 1965 م وهو في عشرة مجلدات.
(4) ينظر: فتح البيان 1/ 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
والتركيز على بيان معاني الآيات بما يوضح للقارئ صورة الحياة التي يريدها القرآن للفرد والجماعة. ومن أشهر تلك التفاسير:
1 - تفسير القرآن الحكيم، المشتهر باسم تفسير المنار.
للشيخ محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ 1935 م)، الذي لخص الأجزاء الخمسة الأولى من دروس شيخه محمد عبده التي قرأها في الجامع الأزهر من شهر محرم سنة 1317 هـ إلى المحرم من سنة 1323 هـ (1). ثم تابع محمد رشيد رضا التفسير حتى انتهى إلى سورة يوسف.
2 - الجواهر في تفسير القرآن الكريم المشتمل على عجائب بدائع المكونات وغرائب الآيات الباهرات.
للشيخ طنطاوي جوهري (ت 1358 هـ 1940 م) وقد انتهى من كتابته في شهر محرم من سنة 1344 هـ الموافق لشهر آب من سنة 1925 م، وطبع في خمسة وعشرين جزءا.
3 - تفسير المراغي.
للشيخ أحمد مصطفى المراغي، أستاذ الشريعة الإسلامية واللغة العربية بكلية دار العلوم، وكتب هذا التفسير سنة 1360 هـ، وطبع الجزء الأول منه سنة 1365 هـ 1946 م.
4 - التفسير الحديث.
للأستاذ محمد عزة دروزة، كتبه بين سنة 1941 م وسنة 1945 م، وطبع الجزء الأول منه سنة 1381 هـ 1962 م، وهذا التفسير رتبت فيه السور على حسب تاريخ النزول لا على الترتيب المعروف في المصحف. وحجة المؤلف في ذلك أن ترتيب السور حسب النزول يكشف سير الدعوة وتاريخ التشريع.--------------------------------------------
(1) ينظر: تفسير المنار 1/ 14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
ثانيا- من قضايا التفسير في العصر الحديث:
لم يتوقف التأليف في تفسير القرآن الكريم عند التفاسير التي ذكرناها، لكن كثيرا من التفاسير المؤلفة حديثا يحتاج إلى دراسة تكشف عن المنهج الذي سار عليه مؤلفوها، والنظرة التي تحكمت في طريقة كشفهم عن معاني الآيات، ومعرفة مدى الصلة بين هذه التفاسير والجهود القديمة في التفسير، وذلك يحتاج إلى مجال أوسع مما تسمح به هذه المحاضرات (1). ونكتفي هنا بالإشارة إلى قضيتين مهمتين تتعلقان بالتفسير في العصر الحديث، هما موقف المفسرين المحدثين من التفسير المأثور، وموقفهم من العلوم والنظريات الحديثة.
1 - موقف المفسرين المحدثين من التفسير المأثور:
ظهر من المفسرين المحدثين من تنكّر للتفسير المأثور، واعتبره مما يصد عن فهم كتاب الله تعالى، ولعل أبرز من أعلن ذلك واعتمده الأستاذ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا «فلم يكن الأستاذ يحفل بالناحية الأثرية، ولا يولي اهتماما للأخبار وطرق تخريجها، ولا يعتمد في تفسير الآيات على الأخبار المتصلة بها» (2). وقد انعكست هذه النظرية العقلية على منهج السيد محمد رشيد رضا في التفسير، حتى صرح في المقدمة بأن «أكثر ما روي في التفسير المأثور أو كثيره حجاب على القرآن، وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية، المزكية للأنفس، والمنوّرة للعقول، فالمفضلون للتفسير المأثور لهم شاغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات، التي لا قيمة لها سندا ولا موضوعا» (3).
ولاحظ الشيخ محمد الفاضل بن عاشور أنه «لما استقل الشيخ رشيد بمعاناة--------------------------------------------
(1) ينظر تفصيلا لبعض هذه الجوانب في كتاب (اتجاهات التفسير في العصر الحديث) للدكتور عبد المجيد عبد السلام المحتسب، ط 1، دار الفكر، بيروت 1393 هـ 1973 م.
(2) محمد الفاضل بن عاشور: التفسير ورجاله ص 253.
(3) تفسير المنار 1/ 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
العمل من مبدئه، وأصبح معتمدا على المصادر التي كان الأستاذ الإمام يأخذ منه ويترك حسب منهجه العلمي- بدأ هواه الأول للعلوم النقلية الأثرية يعاوده ويأخذ به فمال إليها، وتتبع رجالها الأولين مثل الطبري والآخرين مثل ابن كثير، فبدت على التفسير مسحة أثرية ما كانت بادية على أجزائه الخمسة الأولى» (1).
كان ذلك الموقف من التفسير المأثور يواجه في الواقع النزعة الخرافية الشائعة التي تسيطر على العقلية العامة في تلك الفترة، كما يواجه سيل الأساطير والإسرائيليات التي حشيت بها بعض كتب التفسير في الوقت الذي وصلت فيه الفتنة بالعلم الحديث إلى ذروتها.
ومواجهة ضغط الخرافة من جهة وضغط الفتنة بالعلم من جهة أخرى لا يمكن أن يتم بمواجهة النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة، ثم يفسر القرآن في ضوئها، بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها تصوراتنا ومواقفنا، ومن ثم لا يصح أن يقال إن مدلول هذا النص يصطدم مع العقل، فلا بد من تأويله! وليس معنى ذلك هو الاستسلام للخرافة، ولكن معناه أن العقل ليس هو الحكم في مقررات القرآن وإنما يكون دور العقل التلقي والتفهم الواعي لما يقوله ويبيّنه القرآن (2).
وفهم آيات القرآن في عصرنا يجب ألّا يكون بمعزل عن فهم السلف لها، فالتفسير المأثور إذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مقدم على كل شيء، بل حجة متبعة لا تسوغ مخالفتها لشيء آخر، ولا أظن أن المتحاملين على التفسير المأثور يقصدون هذا النوع أبدا، والتفسير المأثور عن الصحابة مقدم على غيره، فإنه إما أن يكون مسموعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وإما أن يعبر فيه الصحابي عن مناسبة النزول، أو يبين معنى الآية، مما يلزم المفسر للقرآن الإفادة منه. وكذلك يمكن--------------------------------------------
(1) التفسير ورجاله ص 253.
(2) ينظر: سيد قطب: في ظلال القرآن 30/ 3976 - 3979.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
الاستفادة من تفاسير التابعين ومن بعدهم، خاصة التوضيحات اللغوية والاستنتاجات الفقهية، ولا تكاد تنطبق تلك الحملة على التفسير المأثور إلا في جانب واحد منه، وهو ما يعرف بالإسرائيليات التي تسللت إلى بعض التفاسير القديمة، في تفسير بدء الخليقة وقصص الأنبياء. ولم يحمد كثير من المتقدمين إيراد تلك الروايات في تفسير القرآن، بل أنكروها.
2 - موقف المفسرين المحدثين من النظريات العلمية الحديثة:
افتتن بعض المفسرين بالنظريات العلمية الحديثة، وذلك حين نظر في ذلك الركود العلمي الذي كان يلف بلاد المسلمين، وتلك الحضارة الغربية المزدهرة بالصناعة والعلوم والفنون، واعتقد أن من وسائل النهوض بواقع المسلمين التأكيد على أن الإسلام يحث على طلب العلم، وأن في القرآن إشارات إلى العلوم والنظريات العلمية الحديثة، فحاول تفسير القرآن وشحنه بكل أنواع العلوم ومظاهر الحضارة الحديثة، وخير من يمثل هذا الموقف الشيخ طنطاوي جوهري، رحمه الله، في تفسيره (الجواهر).
قال الشيخ طنطاوي في مقدمة التفسير بعد أن ذكر أنه خلق مغرما بالعجائب الكونية، معجبا بالبدائع الطبيعية، وأنه ألّف كتبا في ذلك، وأنه رغب في أن يفسر القرآن ويضمنه تلك العلوم:
«وإني لعلى رجاء أن يؤيد الله هذه الأمة بهذا الدين، وينسج على منوال هذا التفسير المسلمون … وليقومنّ من هذه الأمة من يفوق الفرنجة في الزراعة والطب والمعادن والحساب والهندسة والفلك، وغيرها من العلوم والصناعات، كيف لا، وفي القرآن من آيات العلوم ما يربو على سبع مائة وخمسين آية، فأما علم الفقه فلا تزيد آياته الصريحة على مائة وخمسين آية؟ وقد وضعت في هذا التفسير ما يحتاجه المسلم من الأحكام والأخلاق، وعجائب الكون، وأثبتّ فيه غرائب وعجائب الخلق، مما يشوق المسلمين والمسلمات إلى الوقوف على حقائق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
معاني الآيات البينات، في الحيوان والنبات والأرض والسماوات، ولتعلمنّ أيها الفطن أن هذا التفسير نفحة ربانية، وإشارة قدسية، وبشارة رمزية، أمرت به بطريق الإلهام، وأيقنت أن له شأنا سيعرفه الخلق، وسيكون من أهم أسباب رقي المستضعفين في الأرض» (1).
ونحا هذا المنحى أيضا، وإن كان على نحو أخف، الشيخ أحمد مصطفى المراغي في تفسيره، فقد قال في مقدمته: «ويضم إلى آراء مؤلفه آراء أهل الذكر من الباحثين في مختلف الفنون التي ألمح إليها القرآن على ما أثبته العلم في عصرنا» (2).
ومع إمكان تلمس العذر لأولئك المفسرين الذين سلكوا هذا المنهج فإن «الذين يفسرون القرآن الكريم بما يطابق مسائل العلم، ويحرصون على أن يستخرجوا منه كل مسألة تظهر في أفق الحياة، يسيئون إلى القرآن من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا، لأن هذه المسائل التي تخضع إلى سنّة التقدم تتبدل، وقد تتقوض من أساسها وتبطل، فإذا فسرنا القرآن بها تعرضنا في تفسيره للنقائض، كلما تبدلت القواعد العلمية، أو تتابعت الكشوف بجديد ينقض القديم، أو يقين يبطل التخمين» (3).
فكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة، أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة، تحتوي أولا على خطأ منهجي أساسي، وهو أن نعلّق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية، وهي كل ما يصل إليه العلم البشري. كما أنها تنطوي على معان ثلاثة كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم (4):--------------------------------------------
(1) الجواهر في تفسير القرآن 1/ 3.
(2) تفسير المراغي 1/ 4.
(3) مناع القطان: مباحث في علوم القرآن ص 270.
(4) ينظر: في ظلال القرآن 2/ 182.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
المعنى الأول: هو الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع، ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه، ونهائي في حقائقه، والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق، لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة.
المعنى الثاني: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته، وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان، بناء يتفق- بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية- مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي، حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله، بل يصادقه ويعرف بعض أسراره، ويستخدم بعض نواميسه في خلافته، نواميسه التي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له، ليعمل لا ليتسلم المعلومات المادية جاهزة.
المعنى الثالث: هو التأويل المستمر، مع التمهل والتكلف، لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجدّ جديد.
ولكن ذلك لا يعني أننا لا يمكن أن ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات وحقائق علمية عن الكون والحياة والإنسان في تفسير القرآن، وقد قال الله سبحانه وتعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (53) [فصلت] ومن مقتضى هذه الإشارة أن نظل نتدبر كل ما يكشفه العلم في الآفاق والأنفس من آيات الله، وأن نوسع بما يكشفه مدى المدلولات القرآنية في تصورنا، من غير أن نعلق النصوص القرآنية النهائية المطلقة بمدلولات ليست نهائية ولا مطلقة.
وهنا ينفع المثال: يقول القرآن مثلا: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (2) [الفرقان]، ثم تكشف الملاحظات العلمية أن هناك موافقات دقيقة وتناسقات ملحوظة بدقة في هذا الكون، (الأرض بهيئتها هذه، وببعد الشمس عنها هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
البعد، وبعد القمر عنها هذا البعد، وحجم الشمس والقمر بالنسبة لحجمها، وبسرعة حركتها هذه، وبميل محورها هذا، وبتكوين سطحها هذا، وبآلاف من الخصائص، هي التي تصلح للحياة وتوائمها، فليس شيء من هذا كله فلتة عارضة ولا مصادفة غير مقصودة، هذه الملاحظات تفيدنا في توسيع مدلول:
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً وتعميقه في تصورنا، فلا بأس من تتبع مثل هذه الملاحظات لتوسيع هذا المدلول وتعميقه، وهكذا.
هذا جائز ومطلوب، ولكن الذي لا يجوز ولا يصح علميا نحو هذا المثال:
يقول القرآن الكريم: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) [المؤمنون]، ثم تظهر نظرية في النشوء والارتقاء لبعض العلماء تفترض أن الحياة بدأت خلية واحدة، وأن هذه الخلية نشأت في الماء، وأنها تطورت حتى انتهت إلى خلق الإنسان، فنحمل نحن هذا النص القرآني ونجري وراء النظرية، لنقول: هذا هو الذي عناه القرآن! هذا غير مناسب، لأن هذه النظرية ليست نهائية، فقد دخل عليها من التعديل في أقل من قرن من الزمان ما يكاد يغيرها نهائيا، وقد ظهر فيها من النقص المبني على معلومات ناقصة عن وحدات الوراثة التي تحتفظ لكل نوع بخصائصه ولا تسمح بانتقال نوع إلى نوع آخر، ما يكاد يبطلها. وهي معرضة للنقد والبطلان، بينما الحقيقة القرآنية نهائية، وليس من الضروري أن يكون هذا معناها، فهي تثبت فقط أصل نشأة الإنسان ولا تذكر تفصيلات هذه النشأة، وهي نهائية في النقطة التي تستهدفها، وهي أصل النشأة الإنسانية.
ثالثا- اتجاهات جديدة في التفسير:
لا يمكن للدارس أن يضع حدا تتوقف عنده جهود العلماء في تفسير القرآن الكريم، وقد استمرت تلك الجهود في العقود الأخيرة من الحقبة التي نعيش فيها الآن، وظهرت بوادر اتجاهات جديدة في التفسير، ويمكن أن نصنف جهود العلماء في التفسير في السنين الأخيرة إلى ثلاثة أصناف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
أ- الاستمرار في كتابة التفاسير الكبيرة، وذلك مثل:
1 - التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
2 - أضواء البيان، للشيخ محمد أمين الشنقيطي.
3 - في ظلال القرآن، للأستاذ سيد قطب.
ولكل من هذه التفاسير الثلاثة ميزاته الخاصة به، فالأول يعنى كثيرا بإبراز جمال أسلوب القرآن ووجوه بلاغته. والثاني يؤكد على صفاء العقيدة ونبذ ربقة التقليد، والثالث يسعى إلى العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم. ثم لكل واحد من هذه التفاسير ميزاته وخصائصه التي لا يتسع المقام لتفصيلها أو الوقوف عندها في هذه المحاضرات.
ب- كتابة التفاسير المختصرة:
ازدحمت حياة الناس في عصرنا بمشاغل كثيرة، ولم تعد مراجعة التفاسير الكبيرة ممكنة إلا لأهل الاختصاص، ومن ثم فإن المعنيين بتفسير القرآن الكريم وجدوا أن كتابة تفاسير مختصرة قد تكون مفيدة لغير المتخصصين بتفسير القرآن أو علوم الشريعة، ومن ثم ظهر نوعان من تلك التفاسير:
النوع الأول: اختصار تفاسير كبيرة قديمة وذلك مثل:
1 - مختصر تفسير الطبري.
2 - مختصر تفسير ابن كثير.
3 - زبدة التفسير في اختصار فتح القدير للشوكاني.
النوع الثاني: كتابة تفاسير مختصرة جديدة، مثل:
1 - التفسير الفريد، لمحمد فريد وجدي.
2 - المصحف الميسر، لعبد الجليل عيسى.
3 - صفوة البيان في تفسير القرآن، لمحمد حسنين مخلوف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
ج- التفسير الموضوعي:
وهو ضرب من البحث الفقهي أو العلمي في قضية من القضايا التي عالجها القرآن الكريم، وهو ليس جديدا كل الجدة، لكن عددا من الباحثين المحدثين تحدثوا عنه باعتباره منهجا جديدا في التفسير، وذلك مثل:
1 - التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن.
2 - المنافقون في القرآن الكريم.
3 - الطب والقرآن.
ويحسن بنا ونحن نتحدث عن التفسير في السنين الأخيرة أن نشير إلى تفسير متوسط في حجمه، وفي أسلوبه، جمع فيه كاتبه خلاصة ما جاء في أشهر التفاسير القديمة بأسلوب واضح ميسر، ليكون في متناول جمهور القراء من غير المتخصصين، في زماننا، وهو (صفوة التفاسير) للشيخ محمد علي الصابوني، جزاه الله تعالى خيرا.
المبحث الرابع خلاصة في أصول التفسير
تتبعنا في المباحث السابقة نشأة علم التفسير، وتطور التأليف فيه، ووقفنا عند المناهج التي اعتمدها المفسرون في توضيح معاني الآيات الكريمة، وهناك عدة قضايا تتعلق بتوضيح أهمية علم التفسير ومقدار الحاجة إليه، وبيان ثقافة المفسر، وما يحتاج إليه، وتحديد السبل التي يمكن أن يسلكها في عمله، وموقع الترجمة من التفسير وعلاقتها به، وسوف ندرس هذه القضايا في فقرات هذا المبحث، إن شاء الله.
أولا- أهمية علم التفسير والحاجة إليه:
يحتل علم التفسير الصدارة بين العلوم الإسلامية، لأن فهم معاني القرآن أمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
ضروري لقارئ القرآن والمتفقه في الدين، قال أبو مسلم الأصبهاني (محمد بن بحر ت 370 هـ) في تفسيره (1): «أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن، بيان ذلك أن شرف الصناعة إما بشرف موضوعها مثل الصياغة، فإنها أشرف من الدّباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة، وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميتة. وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطب، فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة، وغرض الكناسة تنظيف المستراح، وإما لشدة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشد من الحاجة إلى الطب، إذ ما من واقعة في الكون في أحد من الخلق إلا وهي مفتقرة إلى الفقه، لأن به انتظام صلاح أحوال الدنيا والدين، بخلاف الطب فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات.
«إذا عرف ذلك، فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث، أما من جهة الموضوع فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه.
وأما من جهة الغرض فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا تفنى. وأما من جهة شدة الحاجة فلأن كل كمال ديني أو دنيوي عاجلي أو آجلي، مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى».
وما ورد في القرآن من آيات يؤكد على أهمية التفكير في معاني الآيات التي يقرؤها القارئ، قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29) [ص].--------------------------------------------
(1) نقلا عن السيوطي: الإتقان 4/ 173.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
وكان ابن عباس يقول: «الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابي يهذّ الشعر هذّا» (1)، وأخذ سعيد بن جبير عن أستاذه ابن عباس هذا المعنى فكان يقول: «من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي» (2).
وقال شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري: «إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذ بقراءته؟!» (3). ومن ثمّ كانت: «حاجة الأمة ماسّة إلى فهم القرآن» (4).
والحاجة إلى تفسير القرآن كانت تزداد بتقدم الزمان والابتعاد عن عصر النبوة المبارك، قال السيوطي (ت 911 هـ): «إن القرآن نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر: مع سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم في الأكثر … ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر، لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير» (5). وما قاله السيوطي، رحمه الله، عن حاجة أهل زمانه إلى التفسير ينطبق على أهل زماننا إن لم يكونوا أكثر منهم حاجة إليه.
ثانيا- ثقافة المفسر وأدواته:
إن قارئ القرآن إذا كان على قدر مناسب من المعرفة والثقافة اللغوية فإنه سوف يدرك كثيرا من معاني آيات القرآن الكريم، ولا شك في أن إدراكه ذاك سوف--------------------------------------------
(1) السيوطي: الإتقان 4/ 172. والهذ: سرعة القراءة والقطع.
(2) الطبري: جامع البيان 1/ 35.
(3) نقل ذلك ياقوت في معجم الأدباء 8/ 63.
(4) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى 13/ 330.
(5) الإتقان 4/ 170 - 171.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
يزداد إذا نظر في كتب التفسير المختلفة، وكلما أطال النظر في تلك الكتب وأمعن التفكير في معاني الآيات اتسعت آفاق إدراكه معاني الذكر الحكيم، لكن من أراد أن يكتب للآخرين فهمه وتفسيره للقرآن الكريم فإن ذلك يقتضي منه أن يكون على قدر كبير من العلم والفهم لعلوم كثيرة تؤهله للقيام بتلك المهمة الجليلة.
وذكر علماء السلف العلوم التي يلزم المفسر الإلمام بها حتى يتمكن من تفسير القرآن، فبلغت خمسة عشر علما، لخصها السيوطي بقوله (1): يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها، وهي خمسة عشر علما:
أحدها: اللغة، لأنها بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها …
الثاني: النحو، لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب …
الثالث: التصريف، لأن به تعرف الأبنية والصيغ …
الرابع: الاشتقاق، لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف المعنى باختلافهما …
الخامس والسادس والسابع: المعاني والبيان والبديع، لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام، وهذه العلوم الثلاثة هي علوم البلاغة، وهي من أعظم أركان المفسر، لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك بهذه العلوم …
الثامن: علم القراءات، لأن به يعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض.
التاسع: أصول الدين بما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما لا--------------------------------------------
(1) على مذهب المتأخرين من علماء الكلام، أما السلف فإنهم كانوا لا يؤولون من ذلك شيئا، ويقولون: آمنا به كّل من عند ربنا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
يجوز على الله تعالى، فالأصولي يؤوّل ذلك (1)، ويستدل على ما يستحيل، وما يجب، وما يجوز.
العاشر: أصول الفقه، إذ به يعرف وجه الاستدلال على الأحكام والاستنباط.
الحادي عشر: أسباب النزول والقصص، إذ بسبب النزول يعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أنزلت فيه.
الثاني عشر: الناسخ والمنسوخ (2)، ليعلم المحكم من غيره.--------------------------------------------
(1) على مذهب المتأخرين من علماء الكلام، أما السلف فإنهم كانوا لا يؤولون من ذلك شيئا، ويقولون؛ آمنا به كل من عند ربنا.
(2) النسخ في اللغة يأتي بمعنى الإزالة، ومعنى نقل الشيء من مكان إلى آخر، ومنه نسخ الكتب (ابن منظور: لسان العرب مادة نسخ). وفي الاصطلاح النسخ هو: «رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه» (مصطفى زيد: النسخ في القرآن الكريم 1/ 105).
والنسخ في القرآن أحد العلوم التي درسها المشتغلون بعلوم القرآن (ينظر: الزركشي:
البرهان 2/ 28، والسيوطي: الإتقان 3/ 59) وكتبت فيه كتب مستقلة، مثل: (الناسخ والمنسوخ) للنحاس، وغيره.
وقال العلماء إن النسخ في القرآن الكريم لا يقع إلا في آيات الأحكام، في الأمر والنهي والحدود والعقوبات في أحكام الدنيا، ولا يقع فيما أخبر الله تعالى عنه من أمور العقيدة وأخبار خلق آدم وأخبار الأنبياء والامم الماضية، مما وقع، أو مما سيقع من قيام الساعة والبعث والجزاء (ينظر: الحارث المحاسبي: فهم القرآن ص 223، والنحاس:
الناسخ والمنسوخ ص 258، ومكي: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 56).
والنسخ في القرآن ليس من قبيل البداء، وهو استصواب شيء علم بعد أن كان غير معلوم، لأن ذلك على الله غير جائز (ابن منظور: لسان العرب مادة بدو) وإنما هو نوع من التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية خاصة تلك التي أخذت شكل عادات شعورية في المجتمع، ويضربون مثالا تحريم الخمر، فقد جاء في القرآن أولا أن الخمر والميسر فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ (219) [البقرة]، ثم نزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ (43) [النساء]، ثم نزل التحريم في سورة المائدة رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ (90) [المائدة]، ومعرفة المفسر بموضوع الناسخ والمنسوخ أمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
الثالث عشر: الفقه.
الرابع عشر: الأحاديث المبيّنة لتفسير المجمل والمبهم.
الخامس عشر: علم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث (من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم) … » (1).
ولاحظ علماء السلف أمورا أخرى رأوها ضرورية لمن يقدم على تفسير القرآن، حتى يكون تفسيره مقبولا، فنقل الإمام السيوطي عن أبي طالب الطبري، وهو يتحدث عن أدوات المفسر قوله: «اعلم أن من شرطه:
1 - صحة الاعتقاد أولا، ولزوم سنة الدين، فإن من كان مغموصا عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا فكيف على الدين، ثم لا يؤتمن من الدين على الإخبار عن عالم، فكيف يؤتمن في الإخبار عن أسرار الله تعالى، ولأنه لا يؤمن إن كان متهما بالإلحاد أن يبغي الفتنة، ويغوي الناس بليّه وخداعه، كدأب الباطنية وغلاة الرافضة، وإن كان متهما بهوى لم يؤمن أن يحمله هواه على ما يوافق بدعته، كدأب القدرية، فإن أحدهم يصنف الكتاب في التفسير ومقصوده منه الإيضاح بين المسلمين (2) ليصدهم عن اتباع السلف ولزوم طريق الهدى.
2 - ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ومن عاصرهم، ويجتنب المحدثات.
3 - ومن شرطه صحة المقصد فيما يقول ليلقى التسديد، فقد قال تعالى:
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (69) [العنكبوت] وإنما يخلص له القصد إذا--------------------------------------------
ضروري حتى لا يقع في الخطأ في تفسير الآيات المنسوخة.
(1) الإتقان 4/ 185 - 188.
(2) في الأصل: المساكين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
زهد في الدنيا، لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسل به إلى عرض يصدّه عن صواب قصده، ويفسد عليه صحة عمله» (1).
والمفسر في زماننا محتاج إلى العلوم الخمسة عشر التي ذكرناها، كما أنه لا بد له من القاعدة الفكرية السلمية التي يستند إليها من صحة الاعتقاد واجتناب المحدثات، وسلامة المقصد، وهو محتاج إلى جانب ذلك كله الاطلاع على منجزات العلوم الحديثة التي لها تعلّق بالموضوعات التي أشار إليها القرآن الكريم، حتى يتمكن من توضيح ما تضمنه القرآن من أسرار الكون وعجائبه التي نبّأ عنها القرآن بقوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (53) [فصلت].
وقد يكون مفيدا لمفسر القرآن في عصرنا أن يكون على اطلاع على ما تأكد من تاريخ الأمم القديمة التي أسهم علم الآثار في الكشف عن بعض أخبارها، كما أن معرفته بالمواقع الجغرافية التي ذكرت في القرآن يمكن أن يكون مفيدا في الكشف عن معنى كثير من الآيات الكريمة.
وبذلك يتضح أن تفسير القرآن الكريم يحتاج إلى ثقافة موسوعية، وقاعدة علمية متعددة الجوانب، ولا يستغني مفسر القرآن في عصرنا عن الاطلاع على الثروة التفسيرية الكبيرة التي كتبها علماء الأمة الإسلامية في العصور السابقة، على نحو ما سنشير إلى ذلك في فقرة لاحقة إن شاء الله تعالى.
ثالثا- تفسير الآيات المحكمات والآيات المتشابهات:
إذا أحاط المفسر بالعلوم الخمسة عشر التي يحتاج إليها من يتصدى لتفسير القرآن الكريم، وإذا تحققت له صحة الاعتقاد وصحة المقصد التي اشترطها العلماء لصحة التفسير فإن ذلك لا يعني أن المفسر سوف يتمكن من تفسير كل--------------------------------------------
(1) الإتقان 4/ 173 - 175.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
آيات القرآن الكريم بدرجة واحدة من التفصيل والبيان، فقد لاحظ العلماء أن من آيات القرآن ما يتحدث عن أمور هي أوسع من مدركات العقل البشري، فيعجز العقل البشري عن توضيحها بأكثر مما يؤخذ من دلالة الألفاظ المعبرة عنها.
وبناء على تلك الحقيقة قسّم العلماء القرآن على ثلاثة أوجه (1):
أحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقات ما كان من آجال الأمور الحادثة التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك.
والوجه الثاني: ما خصّ الله بعلم تأويله نبيّه صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تأويله.
والثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك تأويل عربيته، وإعرابه، لا يوصل إلى علم ذلك إلى من قبلهم.
ويستند هذا التقسيم إلى الرواية المنقولة عن عبد الله بن عباس التي ذكرناها عند الحديث عن جهوده في التفسير، كما أن جمهور العلماء والمفسرين يفسرون الآية السابعة في سورة آل عمران في ضوء ذلك، وهي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (7) [آل
عمران].
قال الطبري: المحكم من آي القرآن ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه--------------------------------------------
(1) الطبري: جامع البيان 1/ 32 و 41، وينظر: الزركشي: البرهان 2/ 166، والسيوطي:
الإتقان 4/ 190 - 191.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)