وصارت كلمة (اختيار) تساوي كلمة (قراءة)، فإذا قيل: اختيار حمزة فإنما ذلك يعني قراءته، لكن قراءات الصحابة لم تستخدم فيها كلمة اختيار، فكان يقال دائما قراءة ابن مسعود، وقراءة زيد وهكذا. وذكر ابن الجزري في كتابه (غاية النهاية في طبقات القراء) عشرات من اختيارات القراء، منها من غير اختيارات القراء السبعة اختيار خلف بن هشام (1)، واختيار يحيى بن مبارك اليزيدي (2)، واختيار أبي حاتم السجستاني (3)، واختيار أبي عبيد القاسم بن سلام (4). وذكر لبعض القراء اختيارين مثل محمد بن عيسى الأصبهاني (5).
ولم تستمر ظاهرة الاختيار إلى أبعد من القرن الثالث، فقد ذكر الذهبي أنه «سأل رجل ابن مجاهد: لم لا يختار الشيخ حرفا يحمل عليه؟ فقال: نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا، أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا» (6).
وإذا كانت ظاهرة الاختيار في القراءة قد توقفت عند عصر ابن مجاهد (ت 324 هـ) فإنها أدت إلى ظهور عدد من القراءات التي صارت تنسب إلى علماء القراءة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري خاصة. كما أنها أدت إلى اختفاء قراءات الصحابة مثل قراءة زيد أو قراءة عبد الله، أو ما كان يعرف بقراءة أهل المدينة أو قراءة أهل الكوفة، لأن عناصر هذه القراءات قد دخلت في اختيارات القراء مختلطة بعضها ببعض، وأوضح مثال على ذلك قراءة عاصم الذي جمعت قراءته عناصر من قراءة زيد بن ثابت عن طريق أبي عبد الرحمن السلمي، وعناصر--------------------------------------------
(1) غاية النهاية 1/ 154 و 2/ 49.
(2) غاية النهاية 2/ 376.
(3) غاية النهاية 1/ 146 و 148 و 429.
(4) غاية النهاية 1/ 188 و 2/ 347.
(5) غاية النهاية 1/ 9 و 2/ 61 و 197 و 223.
(6) معرفة القراء 1/ 217.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
من قراءة ابن مسعود عن طريق زر بن حبيش، فكانت ظاهرة الاختيار سبب اختفاء تلك القراءات بصورتها الأولى، وظهورها في قراءات القراء من تابعي التابعين.
ثانيا- القراء السبعة:
كان القرن الثاني الهجري عصر الاختيار في القراءة، وظهرت بسبب ذلك عشرات القراءات في الأمصار الإسلامية، وقد عمل علماء القراءة على جمع تلك القراءات في مؤلفاتهم، وقد أحصى أحد الباحثين قريبا من تسعين كتابا أو رسالة أو نسخة في القراءات القرآنية من بدء عصر التأليف حتى عصر ابن مجاهد المتوفى سنة 324 هـ (1). ولكن تلك المؤلفات لم يبق منها إلا أسماؤها أو إشارات مختصرة إليها، وأقدم كتاب في القراءات وصل إلينا هو كتاب السبعة في القراءات لأبي مجاهد الذي كان له أثر كبير في رواية القراءات ودراستها.
ومن الإشارات المفيدة التي تخص المؤلفات القديمة في القراءات التي سبقت عصر ابن مجاهد ما ذكره ابن الجزري (ت 833 هـ) عن مناهج عدد من تلك المؤلفات وما ذكر فيها من القراء وقراءاتهم، حيث قال: «فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم بن سلّام، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السبعة، وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين.
وكان بعده أحمد بن جبير بن محمد الكوفي، نزيل أنطاكية جمع كتابا في قراءات الخمسة من كل مصر واحد، وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائتين.
وكان بعده القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي، صاحب قالون، ألّف كتابا في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماما منهم هؤلاء السبعة، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين.--------------------------------------------
(1) عراك اسماعيل إبراهيم: القراءات القرآنية حتى عصر ابن مجاهد ص 156 - 168.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
وكان بعده الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جمع كتابا حافلا سماه الجامع، فيه نيّف وعشرون قراءة (1)، توفي سنة عشر وثلاث مائة» (2).
وليس في أيدي الدارسين اليوم تحديد لأسماء أولئك القراء الذين ضمت تلك المؤلفات قراءاتهم، لكن قطعة من كتاب القراءات لأبي عبيد نجت من التلف يمكن أن تكشف لنا عددا من تلك الأسماء، فقد نقل علم الدين السخاوي (ت 643 هـ) في كتابه (جمال القراء) نصا طويلا من كتاب القراءات لأبي عبيد، من المحتمل أن يكون جزءا من مقدمة ذلك الكتاب، وجاء فيه ذكر لأسماء القراء من الصحابة ثم التابعين في الأمصار الخمسة، ثم قال أبو عبيد بعد ذلك:
«فهؤلاء الذين سميناهم من الصحابة والتابعين هم الذين يحكى عنهم عظم القراءة، وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث.
قال: ثم قام من بعدهم بالقرآن قوم ليست لهم أسنان من ذكرنا ولا قدمتهم، غير أنهم تجردوا للقراءة، واشتدت بها عنايتهم ولها طلبهم، حتى صاروا بذلك أئمة يأخذها الناس عنهم ويقتدون بهم فيها، وهم خمسة عشر رجلا من هذه الأمصار المسماة، في كل مصر منهم ثلاثة رجال:
فكان من قراء المدينة:
1 - أبو جعفر القارئ، واسمه يزيد بن القعقاع [ت 130 هـ] (3) مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي.
2 - وشيبة بن نصاح [ت 130 هـ على خلاف]، مولى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
3 - ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم [ت 169 هـ].--------------------------------------------
(1) قال ياقوت (معجم الأدباء 18/ 65): «أن الطبري بنى كتابه على كتاب أبي عبيد».
(2) النشر 1/ 34 - 35.
(3) أضفت تواريخ الوفيات إلى النص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
وكان أقدم هؤلاء الثلاثة أبو جعفر، قد كان يقرئ الناس بالمدينة قبل وقعة الحرّة [سنة 63 هـ]، حدثنا ذلك اسماعيل بن جعفر عنه، ثم كان بعده شيبة على مثل منهاجه ومذهبه، ثم ثلثهما نافع بن أبي نعيم، وإليه صارت قراءة أهل المدينة، وبها تمسكوا إلى اليوم، فهؤلاء قراء أهل الحجاز في دهرهم.
وكان من قراء مكة:
1 - عبد الله بن كثير [ت 120 هـ].
2 - وحميد بن قيس الذي يقال له الأعرج [ت 130 هـ].
3 - ومحمد بن محيصن [ت 123 هـ].
وكان أقدم هؤلاء الثلاثة ابن كثير، وإليه صارت قراءة أهل مكة، وأكثرهم به اقتدوا فيها. وكان حميد بن قيس قرأ على مجاهد قراءته فكان يتبعها لا يكاد يعدوها إلى غيرها، وكان ابن محيصن أعلمهم بالعربية وأقواهم عليها، فهؤلاء قراء أهل لمكة في زمانهم.
وكان من قراء الكوفة:
1 - يحيى بن وثاب [ت 103 هـ].
2 - وعاصم بن أبي النّجود [ت 128 هـ].
3 - والأعمش [ت 148 هـ].
وكان أقدم هؤلاء الثلاثة وأعلاهم يحيى، يقال: إنه قرأ على عبيد بن نضلة صاحب عبد الله، ثم تبعه عاصم، وكان أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش ثم كان الأعمش فكان إمام الكوفة المقدم في زمانه عليهم، حتى بلغ إلى أن قرأ عليه طلحة بن مصرف، وكان أقدم من الأعمش. فهؤلاء الثلاثة رؤساء الكوفة في القراءة، ثم تلاهم:
4 - حمزة بن حبيب الزيات [ت 156 هـ] رابعا، وهو الذي صار عظم أهل الكوفة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
إلى قراءته، من غير أن تطبق عليه جماعتهم، وكان ممن اتبع حمزة في قراءته سليم بن عيسى ومن وافقه. وكان ممن فارقه أبو بكر بن عياش فإنه اتبع عاصما ومن وافقه.
5 - وأما الكسائي [ت 189 هـ] فإنه كان يتخير القراءات، فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا. فهؤلاء قراء أهل الكوفة.
وكان من قراء أهل البصرة:
1 - عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي [ت 117 هـ].
2 - وأبو عمرو بن العلاء [ت 154 هـ].
3 - وعيسى بن عمر الثقفي [ت 149 هـ].
وكان أقدم الثلاثة ابن أبي إسحاق، وكانت قراءته مأخوذة عن يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم. وكان عيسى بن عمر عالما بالنحو، غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذهب العربية يفارق قراءة العامة، ويستنكرها الناس، وكان الغالب عليه حب النصب ما وجد إلى ذلك سبيلا، منه قوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) [المسد]، والزَّانِيَةُ وَالزَّانِي (2) [النور]، ووَ السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ (38) [المائدة]، وكذلك قوله: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ (78) [هود].
والذي صار إليه أهل البصرة في القراءة، فاتخذوه إماما أبو عمرو بن العلاء. فهؤلاء قراء أهل البصرة.
4 - وقد كان لهم رابع، وهو عاصم الجحدري [ت 128 هـ] لم يرو عنه في الكثرة ما روي عن هؤلاء الثلاثة.
وكان من قراء أهل الشام:
1 - عبد الله بن عامر اليحصبي [ت 118 هـ].
2 - ويحيى بن الحارث الذماري [ت 145 هـ].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
3 - وثالث قد سمي لي بالشام، ونسيت اسمه (1).
فكان أقدم هؤلاء الثلاثة عبد الله بن عامر، وهو إمام أهل دمشق في دهره، وإليه صارت قراءتهم، ثم اتبعه يحيى بن الحارث، وخلفه في القراءة وقام مقامه. وقد ذكروا الثالث بصفة لا أحفظها.
فهؤلاء قراء أهل الأمصار الذين كانوا بعد التابعين» (2).
ثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا، وتفرقوا في البلاد، وانتشروا، وخلفهم أمم بعد أمم، عرفت طبقاتهم واختلفت صفاتهم، فمنهم المحكم للتلاوة المعروف بالرواية والدراية، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف (3)، فلما كان العصر الرابع سنة ثلاث مائة وما قاربها كان أبو بكر بن مجاهد، رحمه الله، قد انتهت إليه الرئاسة في علم القراءة، وتقدم في ذلك على أهل ذلك العصر، اختار من القراءة ما وافق خط المصحف، ومن القراء بها من اشتهرت قراءته، وفاقت معرفته، وتقدّم أهل زمانه في الدين والأمانة والمعرفة والصيانة، واختاره أهل عصره في هذا الشأن، وأطبقوا على قراءته، ز وقصد من سائر الأقطار، وطالت ممارسته للقراءة والإقراء، وخصّ في ذلك بطول البقاء … فاختار هؤلاء القراء السبعة أئمة الأمصار، فكان أبو بكر، رحمه الله، أول من اقتصر على هؤلاء السبعة، وصنّف كتابه في قراءتهم، واتبعه الناس على ذلك (4).
قال ابن مجاهد في مقدمة كتاب السبعة: «فهؤلاء سبعة نفر من أهل الحجاز--------------------------------------------
(1) قال علم الدين السخاوي (جمال القراء 2/ 431): «هو خليد بن سعد صاحب أبي الدرداء»، وقال أبو شامة (المرشد الوجيز ص 165): «وعندي أنه عطية بن قيس الكلابي (ت 121 هـ) أو اسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر (ت 131 هـ) فإن كل واحد منهما كان قارئا للجند … ».
(2) جمال القراء 2/ 428 - 431.
(3) أبو شامة: المرشد الوجيز ص 165.
(4) السخاوي: جمال القراء 2/ 432، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص 160.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
والعراق والشام، خلفوا في القراءة التابعين، وأجمعت على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار التي سمّيت وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار» (1).
والقراء السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد وأورد قراءتهم في كتابه (السبعة) هم:
1 - أبو عبد الرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم (ت 169 هـ) قارئ أهل المدينة.
2 - عبد الله بن كثير (ت 120 هـ) قارئ أهل مكة.
3 - أبو بكر عاصم بن أبي النجود (ت 128 هـ) قارئ أهل الكوفة.
4 - حمزة بن حبيب الزيات (ت 156 هـ) من الكوفة أيضا.
5 - علي بن حمزة الكسائي (ت 189 هـ) نشأ بالكوفة ثم انتقل إلى بغداد، وتوفي في قرية من قرى الري.
6 - أبو عمرو بن العلاء (ت 154 هـ) قارئ أهل البصرة.
7 - عبد الله بن عامر اليحصبي (ت 118 هـ) قارئ أهل الشام.
وكان لعمل ابن مجاهد هذا تأثير كبير على دراسة القراءات وروايتها، فصارت أكثر كتب القراءات تؤلف في وصف القراءات السبع، وقد رسّخ ابن مجاهد اتجاها جديدا في النظر إلى القراءات حين ألّف كتابا آخر جمع فيه (شواذ القراءة) (2)، فأحدث ذلك شعورا بأن ما عدا القراءات السبع يعد شاذّا (3). لكن بعض المؤلفين الذين جاءوا بعد ابن مجاهد ألحق بالسبعة ثلاثة من القراء هم:
1 - أبو جعفر القارئ (ت 130 هـ) المدني شيخ نافع.--------------------------------------------
(1) كتاب السبعة ص 87.
(2) ابن جني: المحتسب 1/ 25.
(3) ابن النديم: الفهرست ص 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
2 - يعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت 205 هـ) تلميذ أبي عمرو بن العلاء.
3 - خلف بن هشام (ت 229 هـ) أخذ القراءة عن تلامذة حمزة.
فظهر مصطلح القراءات العشر. وظهر عدد من الكتب في وصف هذه القراءات.
ولعل أشهر الكتب المؤلفة في القراءات السبع في زماننا كتاب (السبعة في القراءات) لأبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد (ت 324 هـ)، وكتاب (التيسير في القراءات السبع) لأبي عمرو الداني (ت 444 هـ)، الذي نظمه أبو محمد القاسم بن فيرة الشاطبي (ت 590 هـ) في منظومته اللامية الشهيرة المسماة (حرز الأماني ووجه التهاني) التي شرحت شروحا كثيرة (1). ومن أشهر الكتب المؤلفة في القراءات العشر كتاب (النشر في القراءات العشر) لابن الجزري (ت 833 هـ)، وألف الشيخ أحمد بن محمد الدمياطي الشهير بالبناء (ت 1117 هـ) كتابه (اتحاف فضلاء البشر بقراءات الأربعة عشر) ذكر فيه قراءات الأئمة العشرة إضافة إلى قراءة محمد بن محيصن (ت 123 هـ) ويحيى بن المبارك اليزيدي (ت 202 هـ) والحسن البصري (ت 110 هـ) وسليمان بن مهران الأعمش (ت 148 هـ).
ومن المناسب الإشارة هنا إلى أن القراءات السبع لا تعني الأحرف السبعة الواردة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه»، فهذا الحديث يشير إلى الرخصة في القراءة التي أذن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة في زمانه، أما القراءات السبع فهي اختيارات سبعة من علماء القراءة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري والذين أفرد ابن مجاهد قراءاتهم في كتاب مستقل، وهذه القراءات وغيرها هي النتيجة العملية لرخصة الأحرف السبعة.
وقال مكي بن أبي طالب: «فأما من ظن أن قراءة كل واحد من هؤلاء القراء--------------------------------------------
(1) حاجي خليفة: كشف الظنون 1/ 646 - 649.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
كنافع وعاصم وأبي عمرو، أحد الحروف السبعة التي نص النبي صلى الله عليه وسلم عليها، فذلك منه غلط عظيم» (1).
وكان بعض العلماء قد كره اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء، وقال لو اقتصر على دون هذا العدد أو زاد عليه، حتى لا يظنّ أن المقصود بهذه القراءات الحروف السبعة (2).
فالقراءات السبع إذن هي قراءات سبعة من علماء القراءة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري، وكان ابن مجاهد (ت 324 هـ) أول من سبّع السبعة (3)، أي أنه أول ميّزهم وأفرد قراءاتهم في كتاب مستقل، وكانوا قد أخذوا قراءاتهم عن علماء القراءة من التابعين الذين تلقوها عن الصحابة، رضي الله عنهم، وكان علماء القراءة يستندون إلى ضوابط وشروط يرجعون إليها في تمييز القراءة الصحيحة المقبولة مثل القراءات السبع، والقراءات الشاذة التي لا تجوز القراءة بها، وهو ما سنحاول توضيحه في المبحث الآتي إن شاء الله.
المبحث السادس القراءة الصحيحة والقراءة الشاذة
إن القراءات القرآنية التي تلقاها التابعون عن الصحابة، رضي الله عنهم، كانت موضع عناية علماء القراءة من تابعي التابعين، الذين اختار كل واحد منهم قراءة من مجموع ما تلقاه عن شيوخه من القراءات المروية، على نحو ما بيّنا في المباحث السابقة، وانتشرت في كل مصر من الأمصار الإسلامية قراءة من تلك القراءات، وكان ما قام به ابن مجاهد من اختياره سبع قراءات مشهورة وتضمينها--------------------------------------------
(1) الإبانة ص 5.
(2) ابن الجزري: النشر 1/ 36.
(3) ابن الجزري: غاية النهاية 1/ 139.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
في كتابه (السبعة) وإدراج ما عداها في كتاب (شواذ القراءة) - قد رسّخ فكرة تقسيم القراءات إلى صحيحة وشاذة، وكان هذا التقسيم يستند إلى أسس وضوابط كان علماء القراءة يستهدون بها وهم يروون القراءات أو يؤلفونها في الكتب.
وهذا توضيح للمراد بالقراءة الصحيحة والشروط التي يجب أن تتوفر فيها، والمقصود بالقراءة الشاذة، ومتى تعد القراءة شاذة.
أولا- القراءة الصحيحة:
وهي القراءة التي تصح بها القراءة في المصحف ويقرأ بها القرآن في الصلاة، وقد أجمع العلماء على صحة القراءات السبع التي اختارها ابن مجاهد وتواترها (1)، لتوفر شروط الصحة فيها، تلك الشروط التي كان علماء القراءة يستندون إليها في تمييز القراءات منذ بدء عصر التأليف في هذا العلم. فهذا أبو عبيد القاسم بن سلّام (ت 224 هـ)، وهو أول من ألّف كتابا جامعا في القراءات، يشير إلى شروط القراءة الصحيحة الثلاثة، كما نقل ذلك عنه أبو بكر الأنباري وهو يوضح رأيه في كيفية الوقف على هاء السكت في مثل قوله تعالى: (يتسنّه، واقتده، وحسابيه، وماهيه) يقول أبو عبيد: «الاختيار عندي في هذا الباب كله الوقوف عليها بالهاء، بالتعمد لذلك، لأنها إن أدرجت في القراءة مع إثبات الهاء كان خروجا من كلام العرب، وإن حذفت في الوصل كان خلاف الكتاب، فإذا صار قارئها إلى السكت عندها على ثبوت الهاءات اجتمعت له المعاني الثلاثة:
أن يكون مصيبا في العربية.
وموافقا للخط.
وغير خارج من قراءة القراء» (2).--------------------------------------------
(1) القسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 78، والسيوطي: الإتقان 1/ 222، وابن خلدون:
المقدمة ص 437.
(2) إيضاح الوقف والابتداء 1/ 311.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
وقال مكي بن أبي طالب القيسي (ت 437 هـ): «إن جميع ما روي من القراءات على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال، وهي:
أن ينقل عن الثقات إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعا، ويكون موافقا لخط المصحف» (1).
وقال ابن الجزري (ت 833 هـ): «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها» (2).
وإليك بيانا موجزا لهذه الأركان أو الشروط الثلاثة:
1 - الرواية وصحة السند:
المقصود بهذا الركن أن تكون القراءة مروية عن واحد أو أكثر من الصحابة الذين سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم وقرءوا بين يديه (3)، وهو أهم أركان القراءة الصحيحة (4)، وكان السلف من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم يعبّرون عن هذا الركن بقولهم (القراءة سنّة)، فقد روى ابن مجاهد عن زيد بن ثابت أنه قال: «القراءة سنّة» وفي رواية أخرى: «القراءة سنة، فاقرءوه كما تجدونه»، وروى عن عروة بن الزبير أنه قال: «إن قراءة القرآن سنة من السنن، فاقرءوا كما أقرئتموه»، وعن عامر الشعبي أنه قال: «القراءة سنة، فاقرءوا كما قرأ أوّلوكم»،--------------------------------------------
(1) الإبانة ص 8.
(2) النشر 1/ 9.
(3) المصدر نفسه 1/ 13.
(4) السيوطي: الإتقان 1/ 213.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
وعن محمد بن المنكدر أنه قال: «القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول» (1).
وقال أبو عمرو الداني: «والأخبار الواردة عن السلف والأئمة والعلماء في هذا المعنى كثيرة» (2).
وفي كتب القراءات وأخبار القراء أمثلة كثيرة وشواهد متعددة على أن القراءات منقولة نقلا وليس من اجتهاد القراء، فهذا أبو عمرو بن العلاء (ت 154 هـ) كان إمام أهل البصرة في اللغة والنحو، وهو أحد القراء السبعة، كان «لا يقرأ بما لم يتقدمه فيه أحد» وكان يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ به لقرأت حرف كذا وكذا، وحرف كذا وكذا» (3). وحين سأله تلميذه أبو زيد اللغوي «أكلّ ما أخذته وقرأت به سمعته؟ قال: لو لم أسمعه لم أقرأ به، لأن القراءة سنة» (4).
وكان علماء اللغة والنحو والتفسير يرددون مع علماء القراءة أن القراءة سنة، فقال سيبويه: «إن القراءة لا تخالف لأنها السّنّة» (5). وقال أبو علي النحوي:
«وليس كل ما جاز في قياس العربية تسوغ التلاوة به، حتى ينضم إلى ذلك الأثر المستفيض بقراءة السلف له وأخذهم به، لأن القراءة سنة» (6).
وقال القسطلاني: «الإسناد أعظم مدارات هذا الفن، لأن القراءات سنة متبعة ونقل محض (7). ولذلك لا بد في القراءة من المشافهة والسماع (8). فلو--------------------------------------------
(1) كتاب السبعة ص 49 - 55.
(2) جامع البيان 12 ظ.
(3) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 48.
(4) مكي: التبصرة ص 235.
(5) الكتاب 1/ 148.
(6) الحجة 1/ 29.
(7) القسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 172.
(8) ابن الجزري: النشر 2/ 358.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
حفظ إنسان الشاطبية مثلا فليس له أن يقرئ بما فيها إن لم يشافهه من شوفه به، لأن في القراءات شيئا لا يحكم إلا بالسماع والمشافهة (1).
وكل ما سبق يؤكد على أن القراءات لم تكن نتيجة اجتهاد القراء، بل هي مروية عن الصحابة الذين تلقوا القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ابن الجزري: «إن من يزعم أن أئمة القراءة ينقلون حروف القرآن من غير تحقيق ولا بصيرة فقد ظن بهم ما هم منه مبرءون وعنه منزهون» (2)، وقال أيضا: «نعوذ بالله من قراءة القرآن بالرأي والتشهي، وهل يحل لمسلم القراءة بما يجد في الكتابة من غير نقل؟» (3).
2 - موافقة خط المصحف:
المقصود بخط المصحف هجاء الكلمات في المصاحف العثمانية، أي الحروف التي رسمت، وهو يمثل ألفاظ الوحي كما نطقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأملاها على كتّاب الوحي، قال مكي: «فلما كتب عثمان المصاحف، ووجهها إلى الأمصار، وحملهم على ما فيها، وأمرهم بترك ما خالفها، قرأ أهل كل مصر مصحفهم الذي وجّه إليهم على ما كانوا يقرءون قبل وصول المصحف إليهم مما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم التي كانوا عليها مما يخالف خط المصحف» (4).
ولما كان خط المصاحف القديمة مجردا من علامات الحركات ومن نقاط الإعجام فقد ساعد ذلك على الاحتفاظ بقراءات الأمصار التي لا تقتضي تغيير رسم الكلمات، فثبت أهل كل مصر من الأمصار على ما تلقوه من قراءات موافقة للخط، وتركوا ما كان من القراءات خارجا عن خط المصاحف، مما كان مرخصا بقراءته برخصة الأحرف السبعة، قبل أن يجمع عثمان، رضي الله عنه،--------------------------------------------
(1) القسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 171.
(2) النشر 2/ 214.
(3) المصدر نفسه 2/ 263.
(4) الإبانة: ص 16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
الأمة على المصاحف التي أمر بانتساخها من الصحف التي جمع فيها القرآن في خلافة الصديق. وهكذا صارت موافقة القراءة لخط المصحف ركنا ثانيا من أركان القراءة الصحيحة، و «اجتمع القراء على ترك كل قراءة تخالف المصحف» (1).
فالقراءات القرآنية المروية عن الصحابة نقلها عنهم التابعون، لكن ما كان مخالفا لخط المصحف صار يعدّ شاذا لا يقرأ به، قال الزجاج: «القراءة بخلاف ما في المصحف لا تجوز، لأن المصحف مجمع عليه، ولا يعارض الإجماع برواية لا يعلم كيف صحتها» (2).
وقد استخدم هذا الركن في الحكم على قراءة بكاملها، فقد قال ابن الجزري عن قراءة محمد بن محيصن المكي: «ولولا ما فيها من مخالفة المصحف لألحقت بالقراءات المشهورة» (3).
ويتضح أثر شرط موافقة القراءة لخط المصحف من موقف علماء القراءة مما أقدم عليه محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ (ت 328 هـ) فقد «كان يرى جواز القراءة بما صح سنده، وإن خالف رسم المصحف» (4). وكان قد ناهضه إمام القراءة في عصره ببغداد أبو بكر بن مجاهد بسبب قراءاته تلك، وعقد له الوزير ابن مقلة مجلسا بحضور ابن مجاهد وجماعة من العلماء والقضاة وكتب عليه فيه المحضر، واستتيب عن مذهبه بعد اعترافه به (5).
وأورد ابن النديم نص كتاب رجوع ابن شنبوذ عن مذهبه في القراءة بما خالف خط المصحف، وهو: «يقول محمد بن أحمد بن أيوب: قد كنت أقرأ--------------------------------------------
(1) أبو بكر الأنباري: إيضاح الوقف 1/ 282.
(2) معاني القرآن وإعرابه 1/ 374 وينظر 1/ 97 و 219.
(3) غاية النهاية 2/ 167.
(4) القسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 105.
(5) الذهبي: معرفة القراء 1/ 223، وابن الجزري: غاية النهاية 2/ 54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
حروفا تخالف ما في مصحف عثمان المجمع عليه، والذي اتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قراءته، ثم بان لي أن ذلك خطأ، وأنا منه تائب، وعنه مقلع، وإلى الله، جلّ اسمه، منه بريء، إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذي لا يجوز خلافه، ولا أن يقرأ بغير ما فيه» (1).
ولم يكن خط المصحف القديم سببا لنشأة القراءات أو وجودها، كما حاول بعض المستشرقين ومن قلدهم أن يصوروا ذلك (2)، لأن تعلم القرآن وقراءته كان يستند إلى التلقي الشفهي في عصر النبوة وما بعده، فكان «الاعتماد في نقل القرآن على حفظ المصاحف والكتب» (3). وكان تعدد وجوه القراءة معروفا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قبل وجود المصاحف، فكانت قراءة الصحابة متعددة بفضل رخصة الأحرف السبعة، وإلى جانب ذلك كله فإن من القراءات ما كان مخالفا لخط المصحف، ولو كان الخط سببا لوجود القراءات لانحصرت القراءات فيما يحتمله الخط.
فلم يكن خط المصحف إذن سببا في وجود القراءات القرآنية أو اختلافها، ولكن الخط كان سببا في حفظ الاختلاف الموجود أصلا، لأن القراءة سنة متبعة (4).
وكان الخط حين عدّت موافقته شرطا في قبول القراءة مقياسا يمنع ما لا يدخل في نطاقه مما صح من الروايات، فالرسم لا ينشئ القراءة ولكنه يحكم عليها (5).
ولو كان خط المصاحف هو السبب في نشأة القراءات كما يزعم هؤلاء لوجب قبول كل قراءة احتملها خط المصحف، فما دامت القراءات هي اجتهاد القراء- بزعمهم- في قراءة المرسوم فإنه لا فضل للواحدة منها على الأخرى،--------------------------------------------
(1) الفهرست ص 35.
(2) مثل جولد تسيهر: مذاهب التفسير الإسلامي ص 8 - 9، وبروكلمان: تاريخ الأدب العربي 1/ 40، وعبد الله خورشيد: القرآن وعلومه في مصر 9.
(3) ابن الجزري: النشر 1/ 6.
(4) عبده الراجحي: اللهجات العربية في القراءات القرآنية ص 71.
(5) عبد الصبور شاهين: القراءات القرآنية ص 210.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
وفي قصة حماد الراوية (ت 155 هـ) (1)، الذي كان مشغولا برواية الشعر عن تعلم قراءة القرآن، فلما أراد أن يحفظ القرآن قرأه في الصحف، قال أبو أحمد العسكري: «روى الكوفيون أن حمادا الراوية كان حفظ القرآن من المصحف، فكان يصحّف نيفا وثلاثين حرفا» (2).
وقد تناقلت كتب التصحيف وغيرها أمثلة مما صحّفه حماد على سبيل التمثيل والحذير من الوقوع فيما وقع فيه، فمن ذلك أنه قرأ (3): وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ (68) [النحل] فصحفها إلى: النخل، بالخاء. وبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (2) [ص] صحفها إلى: غرة، بالراء. ولِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) [عبس] صحفها إلى: يعنيه بالعين.
ويدل موقف العلماء من حماد الراوية أن القراءات الصحيحة التي اشتهر القراء السبعة وغيرهم ليست ناشئة عن الخط، وإلّا لكان حماد أحد القراء المشهورين، بدل أن كان مثالا لسوء التدبير وعدم اتباع منهج علماء القراءة بتعليم القرآن مشافهة من العلماء بالقراءة.
وتعبر عن هذه القضية كلمة قالها الناس في الزمن الأول، وهي: «لا تأخذوا القرآن من مصحفيّ، ولا العلم عن صحفيّ» (4). فالمصحفي هو «من لم يقرأ القرآن على القراء ويتعلم من ألفاظهم» (5). وإنما اعتمد على القراءة في المصحف فقط، وأما الصحفي فهو الذي يروي العلم من الصحف فيخطئ في قراءة الصحف لاشتباه الحروف (6).--------------------------------------------
(1) ينظر عنه: الزركلي: الأعلام 2/ 271.
(2) شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص 12.
(3) ينظر: حمزة الأصفهاني: التنبيه ص 38 (ط بغداد)، والعسكري: تصحيفات المحدثين ص 33.
(4) العسكري: شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص 13.
(5) العطار؛ التمهيد 127 و.
(6) الخليل: العين 3/ 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
3 - موافقة العربية:
كانت القراءات القرآنية موجودة قبل تدوين قواعد اللغة وظهور كتب النحو في القرن الثاني الهجري، فالقراءات ترجع إلى عصر النبوة حين تلقى الصحابة القرآن من
رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت شروط القراءة الصحيحة تقتصر على أن تكون مروية وموافقة لخط المصحف، ولكن بعد أن استقرت قواعد النحاة أضاف بعض العلماء شرطا ثالثا للقراءة الصحيحة، وهو أن تكون موافقة للعربية، ولا شك في أن هذا الشرط متحقق في القراءات القرآنية لكن عددا محدودا جدا من الكلمات التي قرأها بعض القراء قراءة لا توافق القواعد اللغوية العامة، وعدّها بعض النحاة شاذة مخالفة لقياس العربية.
والذي أجمع عليه علماء القراءة وعلماء العربية هو أن القراءة لا تجوز بالقياس ولا بالاجتهاد، ولا بد فيها من صحة النقل أولا وموافقة خط المصحف ثانيا، لكن النحاة اشترطوا أن تكون القراءة موافقة للكثير من كلام العرب، ولا يكتفون بصحة الرواية، ومن ثم وصفوا بعض القراءات بالضعف أو الشذوذ، وهو موقف لا يرتضيه علماء القراءة، لأن القواعد التي وضعها النحاة جاءت لاحقة، ووضعت لغرض تعليمي يستند إلى الظواهر المطردة ولا يعنى كثيرا بالظواهر المنفردة، والقراءات مهما كان موقف النحويين منها فإنها أكثر تعبيرا عن واقع العربية في فترة ظهور الإسلام، من حيث الأصوات والمفردات والتراكيب.
وقد قال الداني كلمة موجزة تعبر عن موقف القراء من هذه القضية، وهي قوله: «وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت لا يردّها قياس عربية ولا فشوّ لغة، لأن القراءة سنّة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها» (1).--------------------------------------------
(1) جامع البيان ورقة 171 و.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
وحاول ابن الجزري (ت 833 هـ) أن يصوغ شرط موافقة القراءة لقواعد العربية صياغة فيها مرونة فقال: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه» (1) ثم شرح ذلك بقوله: «وقولنا في الضابط (ولو بوجه) نريد به وجها من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحا، مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله، إذا كانت القراءة مما شاع وذاع، وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية» (2).
وبجانب ذلك فإن العلماء مجمعون على أن القراءة لا تصح مهما كانت قوتها في العربية إذا لم تكن مروية، وفي قصة ابن محيصن، وعيسى بن عمر، وابن مقسم العطار، دليل قاطع على أن القراءات لا مجال فيها للاجتهاد والرأي.
أما ابن محيصن (وهو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن ت 123 هـ) فإنه كان أحد قراء مكة في زمانه، وكان أعلمهم بالعربية، وقال ابن مجاهد: «كان لابن محيصن اختيار في القراءة على مذهب العربية، فخرج به عن إجماع أهل بلده، فرغب الناس عن قراءته وأجمعوا على قراءة ابن كثير لاتباعه» (3).
وكان عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري (ت 149 هـ) له اختيار في القراءة على قياس العربية (4)، وقال أبو عبيد: «وكان عيسى بن عمر عالما بالنحو، غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذاهب العربية، يفارق قراءة العامة، ويستنكرها الناس» (5).
وأما ابن مقسم العطار (وهو محمد بن الحسن البغدادي ت 354 هـ) فإنه--------------------------------------------
(1) النشر 1/ 9.
(2) المصدر نفسه 1/ 10.
(3) ابن الجزري: غاية النهاية 2/ 167.
(4) المصدر نفسه 1/ 613.
(5) السخاوي؛ جمال القراء 2/ 430.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
كان «من أحفظ الناس لنحو الكوفيين وأعرفهم بالقراءات وله في التفسير ومعاني القرآن كتاب جليل سماه كتاب الأنوار وله أيضا في القراءات وعلوم النحو تصانيف عدة» (1). ولكنه على جلالة قدره وسعة علمه «عمد إلى حروف من القرآن فخالف الإجماع وقرأها وأقرأها على وجوه ذكر أنها تجوز في اللغة العربية، وشاع ذلك عنه عند أهل العلم فأنكروه عليه، وارتفع الأمر إلى السلطان، فأحضره واستتابه بحضرة القراء والفقهاء فأذعن بالتوبة، وكتب محضر توبته، وأثبت من حضر ذلك المجلس خطوطهم فيه بالشهادة عليه» (2).
ثانيا- القراءة الشاذة:
القراءة الشاذة هي التي نقلت عن علماء القراءة الأوائل من الصحابة والتابعين لكنها مخالفة لخط المصاحف العثمانية، فقد كان المسلمون يقرءون القرآن قبل نسخ المصاحف في خلافة عثمان، رضي الله عنه، على وجوه من النطق، وكان بعض تلك الوجوه يخالف خط المصحف، ثم ترك الناس، كل قراءة خارجة عن الخط بعد نسخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار الإسلامية، وقرءوا بالوجوه التي يحتملها الخط من القراءات التي قرأ بها الصحابة، رضي الله عنهم.
وقد سمّيت القراءات المخالفة لخط المصحف بالقراءات الشاذة لأنها جاءت مخالفة لما أجمعت عليه الأمة من نص القرآن الذي نقل بالتواتر، قال علم الدين السخاوي: الشاذ مأخوذ من قولهم شذّ الرجل يشذّ شذوذا، إذا انفرد عن القوم، والذي لم يزل عليه الأئمة الكبار القدوة في جميع الأمصار من الفقهاء والمحدثين وأئمة العربية توقير القرآن واجتناب الشاذ واتباع القراءة المشهورة ولزوم الطرق المعروفة (3).--------------------------------------------
(1) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2/ 206.
(2) المصدر نفسه 2/ 206 - 207.
(3) جمال القراء 1/ 234.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
وقال أبو منصور الأزهري: «من قرأ بحرف شاذ يخالف المصحف وخالف بذلك جمهور القراء المعروفين فهو غير مصيب، وهذا مذهب الراسخين في علم القرآن قديما وحديثا» (1).
وتلك القراءات المخالفة لخط المصحف التي قرأ بها الصحابة هي جزء من رخصة الأحرف السبعة التي رخص لهم بها النبي صلى الله عليه وسلم لكن الإجماع على المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان صيّر تلك القراءات كأنها منسوخة (2)، وظل كثير من علماء السلف ينقلونها للاستشهاد لا للقراءة، فالفقيه والمفسر واللغوي يذكرونها في كتبهم للاستدلال بها على أمر أو استنباط حكم، أما القراءة بها فمتروكة، لأنهم أجمعوا على تحريم القراءة بالشواذ (3).
ولم تحظ القراءات الشاذة بعناية علماء القراءة كما حظيت القراءات الصحيحة التي نقلت نقلا متواترا، ومن ثمّ تشكك كثير من العلماء في صحة ما يروى من تلك القراءات، قال إسماعيل القاضي (ت 282 هـ) في كتابه في القراءات: «فإذا اختار الإنسان أن يقرأ ببعض القراءات التي رويت مما يخالف خط المصحف صار إلى أن يأخذ القراءة برواية واحد عن واحد، وترك ما تلقته الجماعة عن الجماعة» (4). وقال أبو عمرو بن العلاء: «إني أتّهم الواحد الشاذ إذا جاء على خلاف ما جاءت به العامة» (5).
وكان هارون بن موسى العتكي البصري (ت قبل 200 هـ) أول من اهتم بالقراءات الشاذة في البصرة، قال أبو حاتم السجستاني البصري (ت 255 هـ):--------------------------------------------
(1) تهذيب اللغة 5/ 14.
(2) مكي: الإبانة ص 10.
(3) القسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 72 - 73.
(4) نقلا عن: مكي: الإبانة ص 21.
(5) أبو شامة: المرشد ص 181.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)