قال ابن عبد البر: وما زال العلماء يروي بعضهم عن بعض، ولكن رواية هؤلاء الجلّة عن مالك وهو حيّ، دليل على جلالة قدره ورفيع مكانه في علمه ودينه وحفظه وإتقانه. وأما الذين رووا عنه الموطأ والذين رووا عنه الحديث ومسائل الرأي، فأكثر من أن يُحصوا، قد بلغ فيهم الدارقطني في كتابٍ(1) جمعه في ذلك نحو ألف رجل(2).
[إجلال مالك للعلم]
ذكر أبو عمر ابن عبد البر بسنده إلى مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالكاً يقول: أدركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم شيئاً من العلم، وإنهم لممّن يؤخذ عنهم العلم(3).
وبسنده إلى إسماعيل بن أبي أويس(4) قال: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذوا دينكم، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين وأشار إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت مال لكان أميناً، إلا أنهم لم يكونوا من--------------------------------------------
(1) وهو: «أحاديث الموطأ واتفاق الرواة عن مالك واختلافهم فيها» طبع بالقاهرة بتحقيق: محمد زاهد الكوثري، على نفقة عزت عطا الحسيني (1946 م).
(2) الانتقاء (ص 45).
(3) الانتقاء (ص 45).
(4) إسماعيل بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله المدني، ابن عم مالك وابن أخته وصهره على بنته. روى عن أبيه وخاله مالك، وحدّث عنه الشيخان في الصحيحين محتجين به. قال عنه أبو داود: هو ثقة حافظ لحديث بلده. توفي سنة (227 هـ). انظر: إتحاف السالك (ص 140).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 8)
أهل هذا الشأن، وقدم علينا ابن شهاب فكنا نزدحم على بابه.
وبسنده إلى معن بن عيسى ومحمد بن صدقة قالا: كان مالك بن أنس يقول: لا يؤخذ العلم من أربعة ويؤخذ ممن سواهم: لا يؤخذ من سفيه، ولا صاحب هوى يدعو إلى بدعته، ولا كذّاب يكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يُتّهم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحمل وما يُحدث به.
ومن كلامه رحمه الله
ما حدَّث به مطرف قال:
سمعت مالكاً يقول: قَلَّ ما كان رجل صادق لا يكذب في حديثه، إلا مُتِّع بعقله ولم تصبه مع الهرم آفةٌ ولا خَرَف.
ومن كلامه: الدنو من الباطل هَلَكة، والقول الباطل بُعْد عن الحق، ولا خير في شيء وإن كثر من الدنيا يُفْسِد دين المرء ومروءته.
وأما ثناء الأئمة عليه
[حديث عالم المدينة]:
روى الترمذي بسنده إلى سفيان بن عيينة في قوله صلى الله عليه وسلم: «يوشك
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 9)
أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة»(1).
وقد روي عن ابن عيينة أنه قال: أظنه مالك بن أنس.
وقال مَرّة: إنه عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب الزاهد العمري العابد، مات سنة (184 هـ) لم يُخَرّج له في الستة، وإنما خرّج له أبو داود في المراسيل.
قال: وذكر الزبير بن بكّار أنه كان إذا حدّث بهذا الحديث في حياة مالك يقول: أراه مالكاً. فأقام على ذلك زماناً، ثم رجع بعد ذلك فقال: أُراه عبد الله بن عبد العزيز العمري.
قال ابن عبد البر: ليس العمري هذا ممّن يلحق في العلم والفقه بمالك بن أنس، وإن كان عابداً شريفاً.
[ثناء بقيّة العلماء عليه]
ذكر ابن عبد البر بسنده إلى سفيان بن عيينة قال: رحم الله مالكاً ما كان أشد انتقاءً للرجال.
وقال أيضاً: وما نحن عند مالك إنما كنا نتتبع آثار مالك، وننظر الشيخ إن كتب عنه مالك كتبنا عنه(2).--------------------------------------------
(1) الترمذي (2680) والحميدي (1147) وأحمد (2/ 99) والحاكم (1/ 90) والبيهقي (1/ 86) وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
(2) الانتقاء (ص 53).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 10)
وقال أيضاً: وما أرى المدينة إلا سَتَخْرب من موت ابن أنس(1).
وقال أيضاً: وقد ذكر حديثاً فقيل له: إن مالكاً يخالفك في هذا الحديث. قال: أتقرنني بمالك؟ ما أنا ومالك إلا كما قال جرير:
وابن اللّبون إذا ما لزَّ في قرن … لم يستطع صولة البُزْل القناعيس(2)
وبسنده إلى الشافعي رحمه الله قال: مالك وابن عيينة القرينان، ولولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز.
وقال أيضاً: العلم يدور على ثلاثة:
مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد(3).
وجاء حمَّاد بن زيد نعي مالك، فسالت دموعه حتى جعل يمسحها بخِرقة كانت معه، وقال: رحم الله أبا عبد الله، لقد كان من الدين بمكان. ثم قال: سمعت أيوب يقول: لقد كانت له حَلْقة في حياة نافع(4).
وعن الشافعي رحمه الله: إذا جاءك الحديث عن مالك فشُدّ به يديك(5).--------------------------------------------
(1) التمهيد (1/ 74).
(2) الانتقاء (ص 53).
(3) السير (8/ 94)، والتمهيد (1/ 62).
(4) التمهيد (1/ 64)، والحلية (6/ 321) وغيرهما.
(5) مناقب الشافعي (1/ 503)، والتمهيد (1/ 64).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 11)
وقال أيضاً: إذا جاءك الأثر، وفي رواية: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنَّ عليَّ في علم الله من مالك بن أنس.
وعنه أنه قال: مالك معلّمي وعنه أخذت العلم.
وعن الشافعي قال: قال محمد بن الحسن: أقمت عند مالك ثلاث سنين وكسراً، وسمعت من لفظه أكثر من سبعمائة حديث، وكان إذا حدّثهم عن مالك امتلأ منزله وكثُر الناس عليه حتى يضيق بهم المنزل، وإذا حدثهم عن غير مالك من شيوخ الكوفيين لم يجئه إلا اليسير. وكان يقول: ما أعلم أحداً أسوأ ثناءً على أصحابكم منكم، إذا حدثتكم عن مالك ملأتم عليَّ الموضع، وإذا حدثتكم عن أصحابكم يعني الكوفيين إنما تأتون مكرهين(1).
وقال ابن مهدي: لا أقدِّم على مالك في صحّة الحديث أحداً(2).
وقال يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين: مالك أمير المؤمنين في الحديث(3).
وقال ابن وهب: لولا مالك والليث لضللنا(4).
وقال أبو مصعب: سمعت مالكاً يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك(5).--------------------------------------------
(1) مناقب الشافعي (1/ 83)، وإتحاف السالك (ص 177).
(2) التمهيد (1/ 65)، والحلية (6/ 322).
(3) التمهيد (1/ 65).
(4) التمهيد (1/ 61)، والانتقاء (ص 60).
(5) الحلية (6/ 316).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 12)
وروي أيضاً: حتى قال لي ثلاثون مُعَمَّماً: أفتِ. فأفتيتُ وأنا ابن أربع عشرة سنة وكان في ذلك الزمان لا يتعمم تحت حلقة إلا فقيه.
قال أبو عمر ابن عبد البر: كان مالك يفتي في زمان كان يفتي فيه يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر، ومثلهم.
وقال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحمّاد بن زيد بالبصرة(1).
وقيل للإمام أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، رجل يريد أن يحفظ حديث رجل واحد بعينه، حديث مَنْ ترى له؟ قال: يحفظ حديث مالك(2).
وقال أبو حاتم الرازي: الحجة على المسلمين الذين ليس فيهم لَبْس: سفيان الثوري، وشعبة، ومالك، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد(3).
وقال أبو داود صاحب «السنن»:
رحم الله مالكاً كان إماماً، رحم الله الشافعي كان إماماً، رحم الله أبا حنيفة كان إماماً.
وعن مصعب الزبيري: قال: كان مالك بن أنس يجلس إلى--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/ 25).
(2) الانتقاء (ص 64).
(3) الانتقاء (ص 66)، والحلية (6/ 321).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 13)
ربيعة بن أبي عبد الرحمن وعنه أخذ مالك العلم، ثم اعتزله. فجلس إليه أكثر مَنْ كان يجلس إلى ربيعة، فكانت حَلْقة مالك في زمن ربيعة مثل حلقة ربيعة أو أكثر(1).
وعن مطرف قال: حدثنا مالك قال: لَمّا أجمعت تحويلاً عن مجلس ربيعة، جلست أنا وسليمان بن بلال في ناحية المسجد، فلما قام ربيعة بن أبي عبد الرحمن من مجلسه عدل إلينا فقال: يا مالك تلعب بنفسك، زفنت وصفَّق لك سليمان بن بلال، أبلغتَ إلى أن تتخذ مجلساً لنفسك؟ ارجع إلى مجلسك(2).
[ورع مالك في الفتوى]
وقال عبد الرحمن بن واقد: رأيت باب مالك بالمدينة كأنه باب الأمير(3).
وعن الهيثم بن جميل قال: شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنين وثلاثين منها: لا أدري(4).
وعن خالد بن خداش قال: قدمت على مالك من العراق بأربعين مسألة فسألته عنها، فما أجابني منها إلا في خمس مسائل(5).--------------------------------------------
(1) الانتقاء (ص 67).
(2) ترتيب المدارك (3/ 31).
(3) ذلك لأنه كان عليها بواب ينادي: ليدخل أهل الحجاز، ثم أهل الشام، ثم أهل العراق. انظر: ترتيب المدارك (1/ 102).
(4) ترتيب المدارك (1/ 42).
(5) ترتيب المدارك (1/ 42).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 14)
وقال مالك: كان ابن عجلان يقول: إذا أخطأ العالم قول: لا أدري، أُصيبت مقاتله.
وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس(1).
وروى ابن وهب عن مالك قال: سمعت عبد الله بن يزيد بن هرِم يقول: ينبغي للعالم أن يوَرِّث جلساءه قول: لا أدري، حتى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه، فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري(2).
وصحّ عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: «لا أدري نصف العلم»(3).
[وقار مالك وهيبته]
* كان رضي الله عنه ذا وقار ومهابة. قال الزبير بن بكّار عن مشايخه قالوا: كان جلساء مالك بن أنس كأنّ على رؤوسهم الطير تزمتاً. أي: سكوتاً ووقاراً.--------------------------------------------
(1) أورد الأثر ابن ناصر الدين بسنده عن مالك بن أنس، عن ابن عجلان قال: قال ابن عباس رضي الله عنه: «إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله». انظر: إتحاف السالك (ص 126).
(2) التمهيد (1/ 73).
(3) أخرجه الإمام الدارمي عن الشعبي من قوله. انظر: مسنده (1/ 208)، وكذلك الإمام البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (2/ 184)، وحكي عن الإمام أبي حنيفة. انظر: تعظيم قدر الصلاة للمروزي (ص 20)، وهو من كلام بعض السلف منهم مالك.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 15)
وعن أبي مصعب أنه قال: سمعت مالكاً يقول: دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين وهو على فراشه، وإذا بصبي يخرج ثم يرجع. فقال لي: أتدري مَنْ هذا؟ فقلت: لا، قال: هذا ابني وإنما يفزع من هيبتك.
* وكان إذا سئل عن المسألة فقال فيها: لم يَجْتَرِاء أحد أن يسأله من أين رأى ذلك؟
وقال الشافعي رحمه الله: كان مالك شديد الهيبة كثير الصمت، لا يكاد يتكلم إلا أن يُسأل، وربما سُئِل فصمت كثيراً حتى يتوهم السائل أنه لا يحسن، ثم يجيبه بعد مدة، فإذا أجاب فرح السائل بجوابه واستغنمه، وربما احتاج أن يستفهمه فمن هيبته يسكت(1).
وعن أبي إبراهيم المِزِّي قال: حججت سنة فأتيت المدينة، فحدثني إسماعيل بن جعفر الخيّاط قال: نزلت بي مسألة فأتيت مالك بن أنس فسألته عنها، فقال لي مالك: انصرف حتى أنظر في مسألتك.
قال: فانصرفت وأنا مُتهاون بعلم مالك، وقلت: هذا الذي تُضرب إليه المطيّ لم يُحْسِن مسألتي. قال: فنمت فأتاني آت في منامي فقال: أنت المتهاون بعلم مالك بن أنس؟ أما إنه لو نزل بمالك أدقّ من الشعر، وأصلب من الصخر، لقوِيَ عليه باستعانته عليه بما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله(2).
* وكان يكثر من قول: ما شاء الله.
قال رجل: ما أكثر ما يقول مالك: ما شاء الله. قال: فأُتي في--------------------------------------------
(1) إتحاف السالك (ص 60).
(2) إتحاف السالك (ص 60).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 16)
منامه فقيل له: أنت القائل: ما أكثر ما يقول (مالك)(1): ما شاء الله. لو شاء مالك أن يثقب الخردَل بقوله: ما شاء الله، لفعل.
وعن ابن حبيب العبدي قال: كنا نأتي مالك بن أنس نجلس في دهليز(2) له، فتجيء بنو هاشم، وتجيء قريش فتجلس على منازلها، ثم نجيء نحن فنجلس. وتخرج جارية له بالمراوِح فيأخذ الناس يتروّحون، فيقوم الشيخ بِمِصْراع الباب فيفتحه، فيخرج فنَنْظر إلى قريش فكأن على رؤوسها الطير إذا نظروا إليه إجلالاً.
وفي ذلك يقول الشاعر:
يأبى الجواب فما يُراجَع هيبة والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعزُّ سلطان التُّقى فهو الأمير وليس ذا سلطان(3)
[كاتبه]
* وكان له كاتب قد نسخ كتبه يقال له: حبيب(4)، يقرأ للجماعة، وليس أحد ممّن حضر يدنو منه، ولا ينظر في كتابه، ولا يستفهمه هيبة له وإجلالاً.--------------------------------------------
(1) ساقطة من الأصل.
(2) الدِّهليز: ما بين الباب والدار، وهو فارسي معرب، والجمع دهاليز. انظر: مختار الصحاح (ص 89).
(3) إتحاف السالك (ص 61)، والسير للذهبي (8/ 113): ونسبه لمصعب بن عبد الله.
(4) حبيب بن أبي حبيب واسمه: إبراهيم أبو محمد المصري. روى عن الزهري وابن أبي ذئب وغيرهما، وقد خرّج حديث حبيب: ابن ماجه فقط. توفي بمصر سنة (218 هـ). انظر: إتحاف السالك (ص 237)، ترتيب المدارك (3/ 370).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 17)
* وكان حبيب إذا قرأ فأخطأ فتح عليه مالك، وكان ذلك قليلاً.
وقال ابن وهب: حججت سنة ثمان وأربعين وصائح يصيح لا يفتي بالناس إلا مالك، وعبد العزيز بن الماجشون(1).
[تعظيم مالك للحديث النبوي]
* وكان رحمه الله شديد التعظيم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال يحيى بن بُكَير: كان مالك إذا عُرِض عليه الموطأ تهيّأ ولبس ثيابه وعمامته، ثم أطرق لا يَتَنَخَّم ولا يعبث بشيء من لحيته، حتى يفرغ من القراءة إعظاماً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم(2).
وعن إسماعيل بن أبي أويس قال: كان مالك إذا أراد أن يحدِّث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرَّح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة وحدَّث، فقيل له في ذلك، فقال: أحبّ أن أُعظّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان يكره أن يحدِّث في الطريق أو هو قائم أو يستعجل، ويقول: أحب أن أتفهّم ما أُحدِّث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(3).
وعن معن بن عيسى قال: كان مالك إذا أراد أن يحدِّث بحديث--------------------------------------------
(1) وروي مثله عن حمّاد بن زيد. انظر: ترتيب المدارك (1/ 60).
(2) إتحاف السالك (ص 43).
(3) المصدر السابق (ص 42).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 18)
رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل وتبخّر وتطيّب، فإذا رفع أحدٌ صوته عنده قال له: اغضض من صوتك، فإن الله عز وجل يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ … (2)} [الحجرات: 2]، فمَن رفع صوته عند حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنما رفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم(1).
وعن عبد الله بن المبارك قال: كنت عند مالك بن أنس وهو يحدثنا، فجاء عقرب فلدغته ست عشرة مرة، ومالك مُتَغير لونه ومُتَصبِّر، ولا يقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلمّا فرغ وتفرّق الناس عنه قلت له: يا أبا عبد الله لقد رأيت منك عجباً؟! قال: نعم، أنا صبرت إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم(2).
* وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكِبَرِ سِنِّه ويقول: لا أركب في مدينة فيها جُثّة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفونة.
[أخباره مع الرشيد والمهدي]
وعن عتيق بن يعقوب الزبيري قال: قدم هارون الرشيد المدينة وكان قد بلغه أن مالك بن أنس عنده الموطأ يقرؤه على الناس، فوجَّه إليه البرمكي فقال: أَقْرِئه السَّلام، وقل له يحمل إليَّ الكتاب فيقرؤه عليَّ.
فأتاه البرمكي، فقال: أقرئه السلام وقل له: العلم يُزَار ولا يزور، وإن العلم يُؤتى ولا يأتي. فأتاه البرمكي فأخبره، وكان عنده أبو--------------------------------------------
(1) إتحاف السالك (ص 44).
(2) إتحاف السالك (ص 45).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 19)
يوسف القاضي فقال: يا أمير المؤمنين، يبلغ أهل العراق أنك وجَّهت إلى مالك بن أنس في أمر فخالفك، اعزم عليه.
فبينا هو كذلك إذ دخل مالك بن أنس فسلّم وجلس، فقال: يا ابن أبي عامر، أبعث إليك فتُخالفني؟
فقال مالك: يا أمير المؤمنين أخبرني الزّهري وذكر سنده عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه رحمه الله قال: «كنت أكتب الوحي بين يدَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ … (95)} [النساء: 95]، قال: وابن أم مكتوم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير، وقد أنزل الله في فضل الجهاد ما قد علمت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أدري» وقلمي رطب ما جفَّ، حتى وقع فخذ النبي صلى الله عليه وسلم على فخذي، ثم أغمي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جلس فقال صلى الله عليه وسلم: «يا زيد اكتب: { .. غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ … (95)} [النساء: 95]».
فيا أمير المؤمنين: حرف واحد بُعث فيه جبرائيل والملائكة من مسيرة خمسين ألف عام، ألا ينبغي لي أن أُعِزّه وأُجِلّه؟ وأن الله تعالى رفعك وجعلك في هذا الموضع بعلمك، فلا تكن أنت أول مَنْ يضع عن العلم فيضع الله عزك.
قال: فقام الرشيد فمشى مع مالك إلى منزله يسمع منه الموطأ، وأجلسه معه على المنصّة، فلما أراد أن يقرأه على مالك قال: تقرؤه عليّ؟ قال مالك: ما قرأته على أحد منذ زمان.
قال: فَتُخرج الناس عني حتى أقرؤه أنا عليك، فقال مالك: إن العلم إذا مُنع من العامّة لأجل الخاصة لم ينفع الله به الخاصة. فأمر له معن بن عيسى القزَّاز ليقرأه عليه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 20)
فلما بدأ ليقرأه قال مالك بن أنس لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أدركتُ أهل العلم ببلدنا وإنهم ليحبون التواضع للعلم. ونزل هارون عن المنصة فجلس بين يديه(1).
قال ابن ناصر الدين: وقد رويت هذه القصة أطول من هذا عن عبد الله بن وهب، وهذه أمثل.
وأخرج الخطيب عن أبي بكر ابن أبي زيد الزبيري قال: قال الرشيد لمالك: لم نرَ في كتابك ذكراً لعلي وابن عباس، فقال: لم يكونا ببلدي، ولم ألقَ رجالهما.
وذكر الدّولابي عن حسين بن عروة قال: قدم المهدي المدينة فبعث إلى مالك بألفيّ دينار أو بثلاثة آلاف. ثم أتاه الربيع بعد ذلك فقال له: أمير المؤمنين يحب أن تعادله إلى مدينة السلام. فقال مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»(2)، والمال عندي على حاله(3).
[محنة الإمام مالك]
وأمّا سبب محنته رحمه الله ومَن ضربه فيها فاختلف فيهما:
فروى ابن عبد البر بسنده عن مروان الطاطري أن أبا جعفر--------------------------------------------
(1) أورد القصة الإمام الذهبي في السير مختصرة (8/ 66).
(2) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (2/ 37)، والإمام مسلم في صحيحه (الحج: 487، 497).
(3) ترتيب المدارك (1/ 310)، وإتحاف السالك (ص 48).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 21)
المنصور نهى مالكاً عن الحديث: «ليس على مستكره طلاق»(1).
ثم دسّ إليه مَنْ يسأله عنه، فحدّث به على رؤوس الناس فضربه بالسِّيَاط(2).
قال إبراهيم بن حماد: كان يُنظر إلى مالك إذا أقيم من مجلسه يحمل يده اليمنى أو يده اليسرى بالأخرى.
وروي عن محمد بن عمران قال: لما دُعي مالك بن أنس وشُووِر وسمع منه وقُبِل منه، حسده الناس وبَغَوْه بكل شيء، فلمّا وَلِيَ جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله المدينة، سعوا به إليه وكَثّروا عليه عنده، وقالوا: إنه لا يرى أَيْمان بَيْعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز.
فغضب جعفر بن سليمان، فدعا بمالك فاحتج بما رفع إليه عنه، ثم جرَّده ومدَّه فضربه بالسياط، وَمُدّت يده حتى انخلعت كتفه، وارْتُكِب منه أمرٌ عظيمٌ. فوالله ما زال مالك بعد ذلك الضرب في رِفْعَة من الناس وعلوّ من أمره وإعظام الناس له، وكأنما كانت تلك السياط التي ضرب بها حُلِيًّا حُلِّي به(3).
وذكر ابن الجوزي في «شذور العقود» في سنة (144 هـ) قال: وفيها ضُرب الإمام مالك سبعين سوطاً، لأجل فتوى لم تُوَافق غرض السلاطين، والله أعلم.
وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد ويشهد الصلوات--------------------------------------------
(1) أخرجه مالك في الموطأ عن ثابت بن الأحنف (ص 374 برقم: 1245. التنوير).
(2) الحلية (6/ 316)، والسير (8/ 80).
(3) ترتيب المدارك (2/ 130).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 22)
والجمعة والجنائز، ويعود المرضى ويقضي الحقوق ويجلس في المسجد، وكان يصلي وينصرف إلى مجلسه. وترك حضور الجنائز، وكان يأتي أصحابها فيعزِّيهم، ثم ترك ذلك كله؛ فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة، ولا يأتي أحداً يعزيه، ولا يقضي له حقاً، فاحتمل الناس له ذلك، فكانوا أرغب ما كانوا منه وأشد له تعظيماً حتى مات عليه، وكان ربما قيل له في ذلك فيقول: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بِعُذْره.
[احتضاره ووفاته]
قال الإمام أبو عمر ابن عبد البر: ولم يختلف أصحاب التواريخ من أهل العلم بالخبر والسِّيَر، أنَّ مالكاً رحمه الله توفي سنة (179 هـ)(1).
وبسنده إلى إسماعيل بن أبي أويس قال: اشتكى مالك بن أنس، فسألت بعض أهلنا عمّا قال عند الموت، قالوا: تشهَّد، ثم قال: للّه الأمر من قبل ومن بعد(2).
وعن بكر بن سليم الصوّاف قال: دخلنا على مالك بن أنس في العَشِيّة التي قُبِض فيها فقلنا: يا أبا عبد الله، كيف تجدك؟ قال: ما أدري ما أقول لكم، إلا أنكم ستعاينون غداً من عفو الله ما لم يكن لكم في حساب.--------------------------------------------
(1) التمهيد (1/ 88).
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد (ص 444).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 23)
قال: ثم ما بَرِحنا حتى أغمضناه رحمه الله تعالى(1).
وحكى الحُمَيدي في كتاب «جذوة المقتبس» قال: حدّث القعنبي قال: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي توفي فيه، فسلّمت عليه ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يبكيك؟
قال: فقال لي: يا ابن قعنب، وما لي لا أبكي ومَن أحق بالبكاء مني! والله لوَدِدْت أني ضُرِبت بكل مسألة أفتيت برأيي فيها بسوط سوط، وقد كانت لي السّعة فيما سُبِقت إليه، وليتني لم أفتِ بالرأي أوكما قال(2).
* وتوفي صبيحة (14) من شهر ربيع الأول سنة (179 هـ) في خلافة هارون، وصلّى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان أمير المدينة والياً عليها لهارون، صلّى عليه في موضع الجنائز، ومشى في جنازته وحمل نعشه ودُفن بالبقيع(3).
* وكان يوم مات ابن (85 سنة)، وهذا يوافق ما نقول بأن ولادته سنة (94 هـ).
وقال الواقدي: مات وله (90 سنة).
وروى ابن عبد البر أيضاً بسنده إلى مصعب بن عبد الله الزبيري أنه قال: أنا أحفظ الناس لموت مالك، مات في صفر سنة (179 هـ)(4).--------------------------------------------
(1) تزيين الممالك في مناقب مالك للسيوطي (1/ 39).
(2) جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس لأبي محمد الأزدي (ص 314)، وأخبار الفقهاء والمحدثين للخشني (ص 144).
(3) ترتيب المدارك (2/ 146).
(4) التمهيد (1/ 88).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 24)
الحديث الأول (1):
150 - قال الإمام البخاري رحمه الله (185): حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه.
أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟--------------------------------------------
(1) رجال الإسناد:
عبد الله بن يوسف التنيسي، أبو محمد الكلاعي، ثقة متقن، من أثبت الناس في الموطأ، من كبار العاشرة، مات سنة 218، روى له البخاري.
مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني الفقيه إمام دار الهجرة رأس المتقنين وكبير المتثبتين، من السابعة، مات سنة 179 وكان مولده سنة 93، روى له البخاري ومسلم.
عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني المدني، ثقة من السادسة، مات بعد سنة 130، روى له البخاري ومسلم.
يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المدني، ثقة، من الثامنة، روى له البخاري ومسلم.
عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني، أبو محمد، صحابي شهير، روى صفة الوضوء وغير ذلك، ويقال: إنه هو الذي قتل مسيلمة الكذاب واستشهد بالحرة سنة 63، وحديثه في الصحيحين.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 25)
فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل يده مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثاً ثم غسل وجهه ثلاثاً ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، وهو في الموطأ لمالك برواية، يحيى بن يحيى الليثي (36) وروايه أبي مصعب الزهري (43) ومحمد بن الحسن (5) والقعنبي (26) وابن القاسم (401 تلخيص القابسي) وسويد بن سعيد (70/ 39 ط. البحرين أو 53/ 23 ط. دار الغرب).
ورواه مسلم (235) من طريق معن بن عيسى ولم يسق لفظه، والنسائي (1/ 71) وفي الكبرى (103) من طريق ابن القاسم وعتبة بن عبد الله، والشافعي في مسنده (ص 14) ومن طريقه ابن ماجه (434) وأبو عوانة (658)، والبيهقي (1/ 59) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، والبغوي في شرح السنّة (1/ 434) من طريق أبي مصعب، وابن خزيمة (173) من طريق عبد الله بن وهب، والطوسي في مختصر الأحكام (29) من طريق يحيى بن بكير.
كلهم عن مالك به، وفيه: (فأفرغ على يديه فغسل يده مرتين).
ورواه ابن حبان (1084) من طريق القعنبي فقال: (ثلاثاً).
ورواه أحمد (4/ 39) والطيالسي (1102) وابن الجارود (73) وأبو عوانة (659) وأبو نعيم في مستخرجه (557) وأبو داود (118)
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 26)
والروياني (1006) والشاشي (1087) من طرق عن مالك به مطلقاً.
هكذا قال مالك: عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد في هذا الحديث فقال: (فغسل يده مرتين).
خالفه أصحاب عمرو بن يحيى فقالوا: (فغسل يده ثلاثاً)، منهم: وهيب بن خالد(1)، وسليمان بن بلال(2)، وخالد بن عبد الله الطحّان(3)، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي(4)، وفليح بن سليمان(5).
قال الحافظ: كذا في رواية مالك بإفراد يده، وفي رواية وهيب وسليمان بن بلال عند المصنف، وكذا للدراوردي عند أبي نعيم فغسل يديه بالتثنية فيحمل الإفراد في رواية مالك على الجنس.
وعند مالك (مرتين) وعند هؤلاء (ثلاثاً) وكذا لخالد بن عبد الله عند مسلم، وهؤلاء حفاظ وقد اجتمعوا فزيادتهم(6) مقدّمة على الحافظ الواحد وقد ذكر مسلم من طريق بهز عن وهيب أنه سمع هذا--------------------------------------------
(1) البخاري (186) و (192) ومسلم (235) وأبو عوانة (663) وابن حبان (1074) والبيهقي (1/ 50).
(2) البخاري (199) ومسلم (235) وأبو عوانة (660) وأبو نعيم في مستخرجه (556).
(3) مسلم (2350) وأحمد (4/ 39 - 40) والدارمي (694) والبيهقي (1/ 150). وأخرجه البخاري (191) مطلقاً، وابن قانع في معجم الصحابة (566).
(4) الدارمي (694) مقروناً مع خالد الطحان، وأبو نعيم فيما قاله ابن حجر في الفتح (1/ 291).
(5) الدارقطني (1/ 82).
(6) والأصح: فاجتماعهم، لأن هذا في الحقيقة ليس زيادة لأنهم إنما يروونه عن عمرو بن يحيى لفظه، ولو أن روايتهم كانت عن فعل عبد الله بن زيد لصح قول زيادتهم.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 27)