وإنما يكون مؤدياً ما سمع كما سمع إذا نقل لفظ النبي عليه السلام. ولأن احتمال الخطأ في النقل بالمعنى ثابت، والنقل بعين اللفظ ممكن، فيجب التحرز عنه.
والجواب- قلنا: فيه ترغيب في نقل ألفاظ النبي عليه السلام، ونحن به نقول: إن الأولى ذلك. وهذا لا يمنع جواز النقل بالمعنى.
ثم نقول: الحديث حجة لنا، فإنه قال: "فوعاها وأداها كما سمعها" أي ضبطها، وذلك يكون للمعنى دون الألفاظ [إذ] لا يقال "وعى اللفظ".
وأما قوله "أدى كما سمعها"- قلنا: الناقل للحديث بالمعنى ناقل لما سمع كما سمع، كالمترجم من لغة إلى لغة: مؤد لما سمع كما سمع. ولأن الحديث لو منع من نقل الحديث بالمعنى فإنما يمنع إذا كان يشتبه الحال فيه، ويختلف اجتهاد الناس فيه- ألا ترى أنه قال: "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه- ورب حامل فقه غير فقيه" وهذا إشارة إلى ما يختلف بالاجتهاد. فأما الذي لا يشتبه الحال فيه، فقد يستوي فيه الكامل الفقه والناقص الفقه، والفقيه وغير الفقيه.
وأما قوله: احتمال الخطأ ثابت فيه- قلنا: إنما يحتمل الخطأ فيما يشتبه ويختلف الاجتهاد فيه، ونحن لا نجوز النقل بالمعنى في مثل ذلك- والله أعلم.
107 - باب في: طريق رواية الحديثة:
وهى على خمس مراتب:
الأولى- سماعه من الشيخ، بأن قرأ الشيخ عليه في معرض الإخبار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
ويجوز للراوي أن يقول: "أخبرنا" و"حدثنا" و"قال فلان" و"سمعته يقول"- وهذا ظاهر.
والثانية- وهو أن يقرأ على الشيخ، وهو ساكت. وهذا جار مجرى قوله: "هذا صحيح" فتجوز الرواية، لأنه لو لم يكن صحيحاً لكان سكوته وتقريره فسقاً قادحاً في عدالته. ولو جاز ذلك، لجاز في صريح قوله. وهذا يجوز للراوي أن يقول: "حدثنا- وأخبرنا- فلان، قراءة عليه". أما قوله: "حدثنا" مطلقاً و"سمعته"- اختلفوا فيه. والصحيح أنه لا يجوز، لأنه يشعر بالنطق والتصريح بالقول وهو كذب، إلا إذا قرنه بقرينة دالة أنه يريد به القراءة عليه. أو يقول عند الفراغ: "هو كما قرأناه"- فقال الشيخ: "نعم" إلا أن يجوز أن يقول: "حدثنا".
والثالثة: الإجازة- وهو أن يقول: "أجزت لك أن تروى عني الكتاب الفلاني-أو- ما صح عندك من مسموعاتي" وهذا يجوز للراوي أن يقول: "حدثنا- وأخبرنا إجازة" إذا كان المجيز والمجاز له يعلمان ما في الكتاب. أما قوله: "حدثنا- وأخبرنا" مطلقاً- فهو على نحو ما ذكرنا في القراءة على الشيخ.
وهذا كله عند أصحابنا.
ومنع مالك رحمه الله صحة الإجازة وقال: لو صحت الإجازة لارتفعت الرحلة.
والصحيح ما ذكرناه، والوجه فيه ما بينا.
والرابعة- الكتاب، وهو أن يرى خطه في كتاب، وهذا على ثلاثة أوجه:
1 - إما أن يعلم أنه سمع أو يظن أنه سمع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
2 - أو يجوز من نفسه سماعه وعدم سماعه على سواء.
3 - وإما أن لا يذكر أنه سمع أو قرأ، ولكنه غلب على ظنه سماعه أو قراءته.
ففي الوجه الأول: يجوز له الرواية والأخذ بروايته. وهذا مما لا شبهة فيه.
وفي الوجه الثاني: لا يجوز. لأنه لا يجوز للإنسان أن يخبر بما يعلم كذبه أو يشك في ذلك.
وفى الوجه الثالث، اختلفوا:
روى عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لم يجوز روايته والأخذ بها.
وعن أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله: أنهم جوزوا روايته والأخذ بها.
وهو على مثال اختلافهم في الشاهد: إذا رأى خطه في صك، وهو لا يتذكر.
والصحيح ما قاله أبو حنيفة رحمه الله، لأن الرواية عن الغير حكم عليه أنه حدثه به، فلا يجوز ذلك إلا عن علم. ولأن الخط يشبه الخط، فكان احتمال الكذب ثابتاً، فيجب التحرز عنه.
والخامسة- الوجود. وهى كالتصانيف المعروفة والكتب المشهورة إلى أقوام مشهورين معروفين، ككتب محمد بن الحسن رحمه الله ونحوها. وهذا مما يجوز لمن وقف عليه أن يقول: "هذا مذهب فلان"، و"قال فلان كذا" لأنه ثابت بالتواتر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
108 - باب- القول في المراسيل:
اعلم أن الخبر المرسل- ما أضرب الراوي عن ذكر من سمعه منه، وقال: قال رسول الله.
واختلفوا في قبوله إذا فعل ذلك من يقبل روايته مسنداً.
ذهب أبو حنيفة ومالك رحمهما الله وعامة من المتكلمين إلى أنه يقبل على كل حال.
وذهب أصحاب الظاهر وأهل الحديث إلى أنه لا يقبل على كل حال.
وذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه لا يقبل إلا بشرط، وهو أن يكون قد أسند [هـ] غيره، أو هو مرة أخرى، أو عمل به الصحابة أو أكثر أهل العلم.
وذهب عيسي بن أبان إلى أنه لا يقبل إلا إذا كان المرسل صحابيا أو تابعياً. وحكي ذلك عن الشافعي رحمه الله.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن إرسال الراوي الحديث مع عدالته جار مجرى أن يذكر الراوي ويقول: "هو عدل عندي" في الدلالة على العدالة. ولو ذكر الراوي وقال ذلك، يجب قبوله والعمل به- فكذا هذا.
وإنما قلنا: إن إرساله مع العدالة جار مجرى ما ذكرنا، لأن الإنسان مع عدالته لا يستجيز من نفسه أن يخبر عن النبي عليه السلام، وفيه إلزام الناس عبادة أو اطراح عبادة، إلا إذا علم ذلك أو ظن ثبوته، لأنه حرام وقبيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
وقال عليه السلام: "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو عند الله أحد الكاذبين". وذا لا يحصل إلا بعدالة من سمع منه، وكذا الثاني والثالث إلى أن يتصل بالرسول عليه السلام.
وأما إذا ذكر الراوي وقال: "هو عدل عندي"، فالقبول متفق عليه بين أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله. ويجب أن يكون مقبولاً، لأنه ثبت الحديث من النبي عليه السلام، غالباً وظاهراً، فيجب العمل به.
فإن قيل: العدالة إنما تثبت باستجماع أسباب العدالة وانتفاء أسباب الجرح، وذا لا يعرف إلا بالذكر- قلنا: هذا مذهب الشافعي رحمه الله: أن ذكر أسباب العدالة والجرح شرط التزكية. والصحيح خلاف ذلك، لأن أصحاب الحديث وغيرهم يزكون الرجل من غير أن يذكروا أسباب العدالة والجرح، ولأن أسباب العدالة إنما تتم باجتناب الكبائر وعدم الإخلال بالواجبات. وذكر أعيان ذلك في طول الزمان مخافة أن يكون فيها ما لا تسلم معه العدالة عند الشافعي رحمه الله، يؤدى إلى إيجاب ما يشق علينا إحصاؤه بل يتعذر ذلك، وهذا لا يجوز.
فإن قيل: إذا كان في ذكر أسباب العدالة مشقة يسقط، أما لا مشقة في ذكر الراوي فلا يسقط ذكره- قلنا: ذكر الراوي غير مقصود لذاته، بل ليعرف كونه عدلاً، فيثبت الحديث من النبي عليه السلام، وذا يحصل بعدالة الراوي عنه، لما مر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
فإن قيل: الراوي يخبرنا على عدالة تثبت عنده، وذا لا يوجب سقوط النظر، في حاله، عمن سمعه. لأنه مما يختلف فيه حال الناس، وصار كشهود الفرع، إذا شهدوا على شهادة الأصول: يجب ذكر الأصول وتعديلهم، ولا يكتفي بعدالة الفروع. وكذلك إذا ثبتت عدالة الشهود عند قاض وحكم بشهادتهم: يجب على قاض آخر النظر في حالهم وعدالتهم، ولا يسقط وجوب النظر عنه، كذا هذا- قلنا:
العدالة متى تثبت عند شخص تثبت عند الكل ظاهراً، لأن الراوي إنما يعتقده عدلاً، لأنه وجده مجتنباً الكبائر مقدماً على الواجبات، ولولا ذلك لما حل له الرواية عنه. وإذا ثبت ذلك تثبت عدالته عند السامع ظاهراً وغالباً.
وهذا بخلاف شهادة الفروع على شهادة الأصول، لأنه لا يجرى مجرى تعديلهم، لأن الشهادة على الشهادة، نقل الفروع شهادة الأصول وإخبارهم أنهم شهدوا بذلك، ونقل شهادة الغير لا يكون تعديلاً له. أما هنا بخلافه- على ما مر. على أنا نقول: قضية ما ذكرنا من الدليل أن يجب على الحاكم الحكم بشهاداتهم، وإن لم يذكروا له الأصول شهود الفروع ولم يعدلوهم، إلا أن الدلالة قد قامت على اشتراط ذكرهم وتعديلهم، وذا لا يدل على الاشتراط هنا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
كاشتراط الحرية والذكورة وغيرهما- دل عليه أنه يشترط تحميل شهود الأصول الفروع شهادتهم والأمر بأدائها ولم يشترط التحميل هنا- فكذا الراوي. وأما إذا حكم الحاكم بشهادة شاهد- قلنا: نحن نسعى في إلحاق الإرسال من العدل يذكر اسم الراوي وتعديله. وثمة لو ذكر الشاهد وعدالته لا يسقط عن القاضي الآخر النظر في حاله، وهنا يسقط إذا ذكر ذلك- فعلم أن بين الرواية والشهادة مفارقة في الشروط. ثم الفارق بينهما أن من كان مقدم العصر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
يتعذر معرفة عدالته بالاجتهاد في أقواله وأفعاله، بل الرجوع في ذلك إلى أخبار غيره، ورواية العدل عنه جار مجرى ذلك، على ما مر. فأما الحاكم [ف] لم يمكنه النظر في حال الشاهد والتعرف عن أحواله وأفعاله وأقواله- والله أعلم.
دليل آخر- إجماع الصحابة رضي الله عنهم، فإنه روى عن البراء بن عازب أنه قال: "ليس كل ما حدثناكم [به] سمعناه من النبي عليه السلام ولكنا لا نكذب". وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يروى عن النبي عليه السلام أنه قال: "من أصبح جنباً فلا صوم له". ثم سئل عن ذلك فأسنده إلى الفضل بن عباس. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يروى عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
النبي عليه السلام أنه قال: "إنما الربا في النسيئة". ثم سئل عن ذلك فأسنده إلى أسامة بن زيد. وروى عنه أنه كان يروى عن النبي عليه السلام: "أنه كان لم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة" ثم أسنده إلى أخيه الفضل بن عباس- فلو لم تكن المراسيل حجة يجب العمل بها، لكان المرسل، إذا لم يبين، جارياً مجرى من يروى، عمن لا تقبل روايته، على وجه يوهم أنه يجب قبوله. وكونه منكراً [يوجب] الإنكار، ولا يجوز أن يجمعوا على ترك الإنكار. ومعلوم أنه لم [يحصل] الإنكار ممن أرسل و [ممن] لم يرسل، فكان إجماعاً.
فإن قيل: أليس روى عن على رضي الله عنه أنه كان يستحلف الراوي، فكان هذا إنكاراً معنى؟ ثم نقول: ما رويتم أخبار آحاد، فلا يصح التمسك بها في موضع العلم.
قلنا: [الأول]- أما استحلاف على رضي الله عنه[ف] ما كان على أنه سمعه من النبي عليه السلام أو من غيره، بل يكتمل أنه استحلف أنه: هل سمع [الحديث] في الجملة؟ ويحتمل أنه استحلف استظهاراً وطلباً لقوة الظن،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)
ولذلك لم يستحلف أبا بكر رضي الله عنه. على أن هذا لا يعارض دليلنا، لأن دليلنا أنهم عرفوا أن بعض الصحابة أرسلوا ولم ينكروا عليه [م]، ولم يرو عن على رضي الله عنه إنكاره. وأما الثاني- قلنا: كل واحد من هذه الأخبار، إن كان خبر واحد، لكن مجموعها في المعنى صار في معنى التوتر.
ولقائل أن يقول: إن هذه الأخبار يسيرة، و [و] لا يصير المعنى متواتراً بهذا القدر- ألا ترى أن الخبر الواحد إذا رواه ثلاثة أو أربعة لا يصير متواتراً، فالأخبار الثلاثة أولى. إلا أن يقال: يجب قبوله فيما يوجب العمل دون العلم.
وأما من أبي قبول المراسيل فقد احتج بأشياء:
1 - منها- أن ترك الراوي ذكر من يروى عنه يتضمن جهالة عينه وصفته. ولو عرف السامع عين الراوي وجهل صفته، بأن يقول: "حدثني فلان، ولم يقل: "هو عدل عندي" فإنه لا يجب قبوله، فكذا إذا جهل عينه وصفته، بل أولى.
وقولهم- إن عدالته تعرف برواية العدل- قلنا: [الأول] ليس كذلك، فإن العدل قد يروى عن غيره، ثم إذا سئل عنه يتوقف في عدالته. والثاني- أن روايته تدل على كونه عدلاً عنده. ويجوز أن يكون الإنسان عدلاً عند إنسان، ولا يكون عدلاً عند غيره.
2 - ومنها- أنه لو وجب العمل بالمراسيل، لم يكن في ذكر أسماء الرواة والفحص عن عدالتهم معنى وفائدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
3 - ومنها- أنه لو وجب العمل بالمراسيل، لوجب العمل بإرسال من أرسل في عصرنا، بأن [قال]: قال النبي صلي الله عليه وسلم، والأمر بخلافه.
والجواب:
أما الأول- قلنا: لا نسلم بأن ترك الراوي ذكر من يروى عنه، يتضمن ما قلتم، لما ذكرنا أن ثقة الراوي تشهد بعدالة من يروى عنه.
وقوله- بأن العدل قد يروى عن عدل، أو يجوز أن يكون عدلاً عنده ولا يكون عدلاً عند غيره- قلنا: إن جاز ذلك، لكنه خلاف الظاهر والغالب، لما ذكرنا. والغالب لا يبطل بالجواز النادر- ألا ترى أنه لو ذكر الراوي، وقال: هو عدل عندي، لا يمتنع، لو تفحصنا عن حاله، أن لا يكون عدلاً في نفسه، ولا يمنع ذلك قبول روايته- كذا هذا.
وقوله: إن ذكر اسمه ولم يقل هو عدل عندي، لا يقبل. قلنا: بعضهم قالوا: يقبل، وذكر اسمه والرواية عنه تعديل. إلا أن هذا غير صحيح، لأنه يوجب سقوط النظر في أحوال المحدثين، لأن عدالة الراوي تشهد بعدالة من يروى عنه، وعدالة من يروى عنه تشهد بعدالة من روى عنه، إلى أن يتصل بالنبي عليه السلام، وفى ذلك سقوط النظر في أحوال المحدثين مع الفساد فيما بينهم- وهذا مذهب رديء. والصحيح أنه إذا أرسل سقط وجوب النظر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
وإذا ذكر الراوي لا يسقط. ووجه الفرق أنه إذا أرسل وقال: "قال رسول الله صلي الله عليه وسلم" هذا حكم على النبي، وإلزام الناس تلك العبادة، وليس له ذلك إلا إذا علم أو ظن. ولأنه إذا أرسل لا يمكننا النظر في أحوال الراوي، سقط وجوب النظر. ولا كذلك إذا ذكر الراوي، لأنه إذا لم يحكم [به] على النبي عليه السلام، ولا فوت إمكان النظر في أحوال الراوي، فلا يسقط وجوب النظر في حاله.
وأما الثاني- قلنا: فيه فائدة من وجهين:
أحدها- أنه إذا ذكر أسماء الرواة أمكن للسامع النظر في عدالتهم والفحص عن حالهم، فيكون ظنه بعدالتهم أقوى، لأن طمأنينة الإنسان وسكون النفس إلى ما حصل له لخبرته وفحصه أقوى من طمأنينته وسكونه إلى ما حصل له الخبرة غيره. وهذا الوجه يقتضى أن تكون المسانيد أقوى من المراسيل.
والثاني- أنه قد يشتبه على الراوي حال من روى عنه، فلا يقدم عل تزكيته ولا على جرحه، فيذكر اسمه ليفحص السامع عن حاله. وإذا عرفه أرسل الحديث. وهذا الوجه يقتضى أن يكون المرسل أقوى من المسند أيضاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
وأما الثالث- قلنا: إن كان الحديث معروفاً، وقد عرفت رواته، يجب قبوله. وإن لم يكن، لا يجب قبوله، لا لأنه مرسل، بل لأن الأخبار دونت وسطرت وضبطت، فما لم يعرفه أهل النقل، كان كذباً. وإن [كان] عصراً لم تضبط فيه السنن يقبل ويعمل به.
وأما ما قال الشافعي رحمه الله: إن المرسل يقبل إذا أسنده غير مرسله، أو هو بنفسه مرة أخرى- قلنا:
إن أراد به أن الحجة هو المسند، فهو صحيح على مذهبه، ولا تأثير للمرسل في ذلك.
وإن أراد به أن المرسل يصير حجة عند المرسل، فباطل، لأن ما ليس بحجة لا يصير حجة بضم الحجة إليه، كخبر الواحد: لما لم يكن طريقاً إلى العلم، لا يصير طريقاً إليه إذا عضدته آية أو خبر متواتر.
وكذا قوله: إن المرسل يصير حجة إذا عضده قول بعض الصحابة أو فتوى أكثر أهل العلم- لأن قبول بعض الصحابة وفتوى أكثر أهل العلم ليس بحجة، وإن كان قول بعض الصحابة حجة عنده. فما ليس حجة لا يصير حجة بضم الحجة إليه.
وأما من خص مراسيل الصحابة بالقبول-[ف] يقال له: لم خصصتم الصحابة بذلك؟ .
فإن قال: لأن ظاهر حال الصحابي أن لا يقول: "قال النبي عليه السلام" إلا وقد سمعه منه، أو حدثه عنه من هو ثقة عنده- قلنا: ومن أين نخبر بذلك؟ : فإن قال: لأنه عدل، قلنا: هذه العلة موجودة في غيره، فلا معنى لتخصيصه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
فإن قال: الظاهر أن الصحابي لا يطلق القول بأن النبي عليه السلام قال ذلك إلا وقد سمعه منه، قلنا: هذا قبول المسند دون المرسل. على أنه يمكن للصحابي أن يقول: "بلغني أن النبي عليه السلام قال ذلك- أو سمعت أن النبي عليه السلام قال كذا"، وهذا اللفظ لا يدل على أنه قد سمعه من النبي عليه السلام.
109 - باب في: التدليس:
اعلم أن التدليس هو أن يروى عن رجل له اسم يعرف به ولا يذكره بذلك الاسم، بل باسم لا يعرف به. أو يذكر راوياً ويترك راوياً بينه وبين ذلك الراوي. وهذا:
- إن فعله لضعف الراوي ولكونه ممن لا تقبل روايته، فقد غش الناس وخانهم، وذلك يقدح في أمانته، فلا تقبل روايته.
- وإن فعل ذلك لصغر منه، ولغير ذلك من الوجوه:
* فمن لا يقبل المراسيل- لا يقبل هذا الحديث، لأنه لا يتمكن من الفحص عن عدالته مع جهالة عينه، كما لا يتمكن من ذلك مع الإرسال.
* ومن قبل المراسيل- يقبل هذا الحديث، لأن إرساله مع عدالته يدل على أنه ما ترك ذكر اسمه المعروف ومنع من الفحص عن عدالته إلا لاعتماده على عدالته وثقته في ذلك، فجرى ذلك مجرى تعديله صريحاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
4 - ما يرجع إلى المخبر عنه
وأما الذي يرجع إلى المخبر به مما لا يؤثر في الخبر، ففيه أبواب أيضاً- والله أعلم:
110 - باب في: الخبر الواحد إذا كان مقتضاه خلاف ما اقتضى العقل:
اعلم أن العقل إذا منع من شيء فإما أن يمنع بشرط، أو بغير شرط.
- فإن منع بشرط- نحو إيلام الحيان، فإن إيلام الحيوان يمنع منه، بشرط أن يكون ضرراً محضاً لا نفع فيه. فإذا ورد الخبر الواحد بإباحته يجب قبوله، ويعلم أن الشرط زائل، وهو كونه ضرراً محضاً.
- وإن منع من غير شرط- كمنعه من جنس الظلم وتكليف ما لا يطاق:
فإذا ورد الخبر فيه بالإباحة أو بحسنه- فإن أمكن تأويله من غير تعسف شديد، جاز أن يكون النبي عليه السلام قال ذلك، وعنى به التأويل الصحيح. وإن لم يكن تأويله من غير تعسف شديد، لا يجوز قبوله وتأويله، لأنه لو جاز قبوله وتأويله مع التعسف، لبطل التناقض عن الكلام أصلاً، فيجب القطع في مثل هذه الصورة: أن النبي عليه السلام لم يتكلم به، وإنما تكلم به على سبيل الحكاية عن الغير، أو بزيادة أو نقصان يخرج الكلام به عن الإحالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)
وإنما قلنا ذلك، لأنا علمنا بعقولنا قبح الظلم، فلو قبلنا خبر الواحد بإباحته لا يخلو: إما أن نعتقد صدق النبي عليه السلام في ذلك، أو لا نعتقده: فالأول- يؤدى إلى اجتماع النقيضين أو دفع ما علمناه قطعاً، وهو قضية العقل، وذلك محال. والثاني- يؤدى إلى العدول عن مدلول المعجزة، وذلك محال أيضاً- والله أعلم.
111 - باب في: خبر الواحد إذا ورد رافعاً لحكم الكتاب والسنة المتواترة:
اعلم أن الخبر إنما يكون رافعاً لحكم الكتاب إن لم يقم ما أثبته الكتاب على الحد الذي أثبته، أو أثبت ضد ما أثبته على الحد الذي أثبته.
مثال الأول- أن يقول في أحدهما: ليصل فلان اليوم الفلاني.
ومثال الثاني- أن يأمر بذلك، في مكان آخر، في ذلك الوقت بعينه.
إذا عرفنا هذا- نقول:
- إذا ورد خبر الواحد رافعاً لحكم الكتاب-[لا] على وجه النسخ، بأن يكون مقارناً أو لا يعرف التاريخ بينهما- لا يقبل، لأنا علمنا أن الله تعالى قد تكلم بالآية، والنبي عليه السلام قد تكلم بما تواتر به النقل. فلو قلنا بقبول خبر الواحد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)
في نفى حكمهما، لكنا قد عدلنا عن الذي علمنا أن الله تعالى تكلم به والنبي عليه السلام قد تكلم به، إلى ما لا يعلم أن النبي قاله- وهذا لا يجوز.
وكذلك الكلام إذا ورد معارضاً للإجماع، لأن الإجماع، حجة، بالكتاب والسنة المتواترة.
فأما إذا ورد معارضاً للكتاب على وجه النسخ، [ف] يجوز أن يقبل من جهة العقل، إلا أن الشرع ورد بالمنع عنه عند أصحابنا، وقد عرف في أبواب النسخ.
وقيل إن هذه المسألة مختلفة بين الشافعي وعيسي بن أبان: أن الخبر الواحد إذا ورد على مخالفة الكتاب هل يقبل؟ والصحيح أن الخلاف بينهما في اشتراط العرض على كتاب الله تعالي: فعند الشافعي: لا يجب العرض على كتاب الله تعالى، بل إذا تكامل شرط القبول فيه، يقبل. وعند عيسى بن أبان: يجب العرض، لأن الخبر إنما يجب قبوله بتكامل شرائط القبول فيه، ومن شرائطه أن لا يكون مخالفاً لكتاب الله تعالى، وإنما يعرف ذلك بالعرض.
112 - باب في: الحكم إذا اقتضي عموم الكتاب فيه، خلاف ما اقتضاه خبر الواحد:
اختلف مثبتو ورود التعبد بأخبار الآحاد في جواز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد:
- ذهب معظم الفقهاء إلى جواز ذلك، على كل حال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)
- وذهب بعضهم إلى المنع عنه، على كل حال.
- وقال بعضهم: يجوز في حال دون حال. واختلفوا في تفصيل تلك الحالة:
* قال عيسى بن أبان: إن دخلهما التخصيص جاز، وإلا فلا.
* وقال بعضهم: إن خصا بدليل متصل، لا يجوز. وإن خصا بدليل منفصل، يجوز.
والدلالة على جوازه بكل حال- أن خبر الواحد يوجب الظن، والعقل اقتضى وجوب العمل بالظن في المنافع والمضار- على ما مر. فوجب العمل به، وإن خص عموم الكتاب. وإنما قلنا إنه يوجب الطن في هذه الحالة لأن الوجه الموجب للظن، وهو ما ذكرناه في باب التعبد بخبر الواحد، ليس في معارضته عموم الكتاب ما يحيل وقوع الظن بصحته.
فإن قيل: لم قلتم بأنه ليس في معارضة الكتاب له ما يحيل وقوع الظن بصحته، بل فيه ذلك، لأن عموم الكتاب يقتضى العلم بشموله، وخبر الواحد يقتضى الظن بصحته، ولا يجوز ورود التعبد بما يوجب الظن عند معارضة ما يوجب العلم، وإذا لم يجز ورود التعبد به لا يحصل الظن بصحته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)
ولا يقال بأن الخبر الواحد، وإن كان يوجب الظن بصحته، لكن العمل به معلوم، كما أن العمل بالكتاب معلوم، والتعارض إنما يقع بين حكم الكتاب وحكم الخبر، فإذا كان حكم كل واحد منهما معلوماً، جاز ورود التعبد به، وإذا جاز ذلك جاز أن النبي عليه السلام قال ذلك، لأنا نقول: العمل بالخبر، إن كان معلوماً بدليل آخر، لكنه مبني على الظن، والعمل بالكتاب مبنى على العلم، والعقل يمنع من العدول عن المعلوم إلى المظنون- قلنا: معارضة الحديث عموم الكتاب لا يحتمل وقوع الظن بصحته، لما ذكرنا: أن العمل به معلوم، كما أن العمل بالكتاب معلوم.
وقوله: إن عموم الكتاب معلوم شموله- قلنا: إن أراد بهذا أن عموم الكتاب معلوم شموله حالة الانفراد، فالأمر كذلك. وإن أراد به عند معارضة الخبر له، فلا نسلم، لما ذكرنا: أن العلم بعموم الكتاب لا يمنع من وقوع الظن بصحة الخبر. وإذا لم يمنع من ذلك جاز أن النبي صلي الله عليه وسلم قال ذلك، ومع تجويز أن يكون النبي عليه السلام قال ذلك، لا يقع العلم بعموم الكتاب.
فإن قيل: إذا كان العمل بخبر الواحد معلوماً، كالعمل بالكتاب والخبر المتواتر، فلماذا لا يصلح رافعاً لحكم الكتاب، بأن كانا خاصين وقد اقترنا، أو لا يعلم التاريخ بينهما- قلنا: لما ذكرنا: أن فيه عدولاً عما علمناه أن الله تعالى قد تكلم به، إلى ما لا يعلم أن النبي عليه السلام قد تكلم به. أما هنا [ف] يؤدى إلى ذلك، لأنا نعتقد أن الله تعالى قد تكلم بالعام وأراد به البعض، فإن ذلك جائز في الكلام.
فإن قيل: فهذا يقتضي إرادة احتمال الخصوص من اللفظ العام، فلا يكون عمومه معلوماً، وأنتم ساعدتمونا على أن حكم العام معلوم- قلنا: حكم العام وهو الشمول معلوم إذا تجرد، فلا يجوز أن يراد به البعض عند تجرده عن القرينة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)
وإنما يجوز ذلك عند اقتران القرينة به، وخبر الواحد الذي حكمه معلوم من القرائن بهذا، كاللفظ الخاص من الكتاب: فإنه يوجب العلم بما تناوله، وإن كان جواز إرادة المجاز ثابتاً، لكن عند القرينة، وذا لا يمنع وقوع العلم به عند عرائه عن القرينة- كذا هذا. والله أعلم.
دليل آخر: إجماع الصحابة رضي الله عنهم بأنهم خصوا قول الله عز وجل: [يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ] بقوله عليه السلام: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" وبقوله عليه السلام: "لا يرث القاتل". وخصوا هذه الآية بما روى عن النبي عليه السلام "أنه جعل للجدة السدس" وهذا تغيير فرض ما تضمنته الآية. وخصوا قوله تعالى: [وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ] بقوله عليه السلام: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" الحديث. وخصوا قوله تعالى: [فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ] بحديث عبد الرحمن بن عوف في مجوس هجر: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم". وخصوا قوله تعالى: [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ] بما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي عليه السلام "أنه نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين. وعن بيع الصاع بالصاعين"- فهذه الأخبار آحاد، وتخصيص الصحابة بها ظواهر الكتاب وعدم إنكار الباقين عليه، أمر ظاهر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)