وأما الرابع- قلنا: نحن لما أمرناهم بالمصير إلى ما يحكمون به، فقد أوجبنا عليم الإتباع في الحكم الذي هو سبيلهم، وفى الاجتهاد أيضاً. لأن كل من يتبع الإجماع فقد استدل به على الحكم واجتهد. إلا أن المستدل به مختلف، فيجب الحمل عليه عملاً بإطلاق النص.
وهو الجواب عن الخامس: أن الآية بإطلاقها تقضى إتباع سبيلهم، في الحكم والاجتهاد جميعاً.
وأما السادس والسابع- قلنا: هذا عدول عن ظاهر الآية لأنها تقتضى المنع من إتباع سبيل غير سبيل المؤمنين، على العموم والإطلاق، كمن قال لغيره: "إن دخلت غير دارى عاقبتك" كان هذا منعاً من دخول كل دار غير داره هو، على العموم- كذا هنا.
وقوله: إن المفهوم منه ذلك- قلنا: عند الإطلاق ممنوع، إلا إذا قام الدليل الصارف عن الإطلاق، فمن ادعاه فعليه البيان- والله أعلم.
(ج) - دليل آخر- قوله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" وفي رواية "على ضلالة" فالنبي عليه السلام نفى جميع الخطأ عما اجتمعت عليه الأمة، لأن هذه نكرة في موضع النفي، فتعم. فالحديث يقتضى أن كل ما اجتمعت عليه الأمة حق وصواب.
فإن قيل: قبل أن نجيء إلى الاعتراض على وجه التعلق بالحديث، هذا خبر واحد في موضع العلم والاعتقاد، فلا يكون حجة. وبيانه: أن ظاهره لا يقتضى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 527)
وجوب العمل علينا، وإنما يقتضى العلم بنفي الخطأ عما اجتمعت عليه الأمة، ثم لزوم العمل بناء عليه.
ثم الاعتراض على وجه التعلق بالحديث من وجوه:
أحدها- أن المراد من نفى الخطأ، السهو الذي هو ضد القصد، لا الخطأ الذي هو ضد الصواب.
وثانيها- أن معنى قوله: "لا تجتمع أمتي على الخطأ "أي" لا يجمعهم الله على الخطأ". كما روى في بعض الراويات مصرحاً "لم يكن الله ليجمعكم على الخطأ"، ونحن نقول به: إن الله تعالى لا يدعو عباده إلى الخطأ، ولا يجمعهم عليه.
وثالثها- أن المراد من هذا الخطأ والضلال، الكفر والخطأ في أصول الدين، دون الفروع، لأن الضلال المطلق ذلك.
ورابعها- أن المراد من الأمة المذكورة فيه: إن كان جميع من بعث النبي عليه السلام إليهم من المؤمنين والكافرين جميعاً، فإجماعهم على الأحكام لا يتصور. وإن كان المراد هو من صدقه، كان المراد بيع من صدقه إلى يوم القيامة، وهذا يقتضى أن لا يكون الحديث دليلاً على كون الإجماع حجة، لأنه لا تكليف ولا مكلف بعدهم، فكان فائدة الحديث تمييز هذه الأمة من بين سائر الأمم من حيث إن سائر الأمم يجتمعون على الخطأ، وهذه الأمة لا، فصار كأنه قال: لا يجتمع جميع من صدقني إلى يوم القيامة على الخطأ، ولو قال ذلك لم يكن إجماعهم حجة، لأنه لا تكليف ولا مكلف بعدهم.
وخامسها- إن سلمنا أن ما اجتمعت عليه الأمة حق وصواب، لكن لم يجب أن لا يجوز مخالفت [هـ]، وهذا لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء وما خالفه حقاً وصواباً، كما في سائر المجتهدات عند البعض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 528)
قلنا:
- أما الجواب عن كلامه الأول فمن وجوه:
* أحدها- أن الحديث بصيغه إن نقل بالآحاد، لكن معناه منقول على سبيل التواتر. فإن معنى هذا الحديث نقله الثقات من الصحابة بألفاظ مختلفة على وجه يبلغ حد التواتر. أما الصحابة [ف] نحو عمر وابن مسعود وأبى سعيد الخدرى وأنس بن مالك وأبى هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم ممن يطول ذكرهم. وأما الألفاظ [ف] نحو قوله عليه السلام: "لا تجتمع أمتي على الخطأ- ولا تجتمع أمتي على الضلال- وسألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على الضلالة وأعطانيها- ومن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد- ويد الله مع الجماعة- ولا يبالي الله بشذوذ من شذ-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 529)
ولا يزال طائفة من أمتي على الحق حتى يظهر أمر الله- ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خلاف من خالفهم- ومن خرج عن الجماعة وفارق الجماعة قيد شبر فقد خلع الله الإسلام من عنقه- ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية- عليكم بلزوم الجماعات- عليكم بالسواد الأعظم- وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن"- فجرت هذه الأخبار على التفاصيل، مجرى ما نقل من الآحاد، من تفاصيل سخاء حاتم وشجاعة على رضي الله عنه، في أن مجموع ذلك ومعناه منقول بالتواتر، وإنه يوجب العلم.
* والثاني- أن التابعين أجمعوا على صحة هذا الخبر، لأنهم على صحة الإجماع، وعلى كونه حجة، وإنما أجمعوا لأجل هذا الخبر. ومن عادة الأمة أنها لا تجتمع على موجب خبر إلا إذا قامت الحجة بصحته.
أما إجماعهم فمعلوم، لأنه لم ينقل عنهم خلاف ذلك.
والدلالة على أنهم أجمعوا لأجل هذا الخبر- فلأنه قد ظهر هذا الحديث عندهم، وظهر العمل على موجبه، فيجب أن يحال عليه. إذ لو جاز أن يقال إنهم عملوا على موجب الكتاب، لا لأجل الكتاب، وعلى موجب الخبر الواحد لا لأجله- وهذا ظاهر الفساد.
وأما بيان أن من عادتهم أن لا يجتمعوا على موجب الخبر إلا إذا قامت الحجة بصحته- أنا رأيناهم أجمعوا على موجب بعض الأخبار، ولم يجمعوا على موجب البعض، وما أجمعوا [ف] لأنه قامت الحجة بصحته، وما لم يجمعوا فإنما لم يجمعوا لأنه لم تقم الحجة بصحته. وههنا أجمعوا على الكل، [و] به علم أنهم إنما أجمعوا، لقيام الحجة على صحته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 530)
فإن قيل: إنكم بنيتم صحة الإجماع على الإجماع، وأثبتم كون الإجماع حجة بالإجماع، وهذا ظاهر البطلان- قلنا: ليس كذلك، لأنا [لا] نثبت كون الإجماع حجة بالإجماع، بل نستدل بالإجماع على صحة الحديث من الوجه الذي بينا، ثم نثبت كون الإجماع حجة بالحديث وبقول النبي عليه السلام.
* والثالث- إن كان هذا من أخبار الآحاد، لكن لما رواه العدول والثقات، غلب على ظننا صدق الراوي. وظننا أن ما اجتمعت عليه الأمة حق وصواب. فلو جاز مخالفتهم مع ذلك، لحقهم الضرر من جهة العدول عن الحق، بحكم غالب الحق، فيجب المصير إلى ما أجمعوا عليه تحرزاً عن الضرر، لأن الضرر المظنون بمنزلة الضرر المقطوع به، في وجوب التحرز عنه. كمن خرج إلى سفر فأخبره ثقة أن في الطريق لصاً أو سبعاً، أو حائطاً مائلاً [و] غلب على ظنه سقوطه- يجب عليه التحرز عن ذلك، فكذا ههنا. إلا أن هذا الوجه يصح التعلق به لإيجاب العمل بموجب الإجماع، لإفادت [هـ] العلم بكونه حقاً وصواباً.
وأما الجواب عن الاعتراضات:
أما الأول- قلنا: لا يجوز الحمل على نفى السهو لوجهين:
* أحدهما- أنه لا يفيد، لأن الجماعة العظيمة لا يتصور إجماعها على السهو عادة، كما لا يتصور إجماعها على مأكل واحد، ويصير كأنه قال: "لا تجتمع أمتي على مأكل واحد" وإنه لا يفيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)
* والثاني- أنه كما لا يتصور إجماع هذه الأمة على السهو، لا يتصور إجماع سائر الأمم عليه. فلو حملناه على نفى السهو، لم يكن لتخصيص هذه الأمة معنى.
وأما الثاني- الخطأ هو العدول عن الصواب، والضلال هو العدول عن الحق. وهذا يكون بالكفر وغيره. ويتحقق في الأصول والفروع جميعاً، فيحمل على نفى الكل: إما لأنه نكرة في محل النفي، أو لأنه مذكور بلام الجنس.
وأما الثالث- قلنا نعمل بظاهر الحديث، فنقول: لا تجتمع الأمة على الخطأ، فلم يكن الله ليجمعهم عليه. على أن الله تعالى كما لا يشرع الخطأ والضلال، ولا يحمل عليه في حق هذه الأمة، لا يفعل ذلك في سائر الأمم، فلم يكن لتخصيص هذه الأمة فائدة.
وأما الرابع- قلنا: قال بعضهم: أمة النبي عليه السلام كل من بعث إليه. وقال بعضهم: هو من صدقه. وهذا هو الصحيح، لأن المفهوم من الأمة عند الإطلاق هذا- ألا ترى أنا ندعو لأمة محمد عليه السلام، وإنما ندعو لمن صدقه، لا لمن كذبه. فهذا يقتضى أن إجماع من صدقه عليه السلام ممن كان موجوداً في ذلك الوقت حجة، لا من يكون بعدهم، لأنه لم يوجد التصديق منهم في الحال، فالأمة، في كل زمان، كل من صدقه في ذلك الزمان، فكان ما أجمعوا عليه في ذلك الزمان حقاً وصواباً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 532)
وأما الخامس- قلنا: متى ثبت أن ما أجمعوا عليه حق وصواب، فلو أجمعوا على تحريم شيء فقد منعوا من إحلاله. ولو أجمعوا على إحلال شيء، فقد منعوا من تحريمه، فيجب أن يكون ذلك هو الصواب في الطرفين جميعاً، وإنما لا يقولون به. وهكذا نقول في المجتهدات: ما ثبت حقاً وصواباً ثبت كون المنع من ضده حقاً وصواباً- والله تعالى أعلم.
والمخالف احتج بأشياء:
1 - منها- أنه لا يمكن إحاطة العلم بالإجماع، لتفرق الأمة في البلدان، فكيف يكون حجة؟
2 - ومنها- أن إجماعهم على الباطل غير محال، لأنه مقدور لهم.
3 - ومنها- أنه يجوز الخطأ على كل واحد، فكذا على الكل، لأن الكل ليس إلا جمع الآحاد عليهم.
4 - ومنها- أن الأمة في بعض الأحوال كان على النصف مما هم عليه، بل على عشره. فإذا جاز الخطأ على نصف هذا العدد، جاز عليهم.
والجواب:
أما الأول- قلنا: هذا إنكار الضرورة، لأنا عرفنا إجماعهم على أشياء. ولأن الدواعي متوفرة على نقلها لإظهار الأحكام، ونقل قول العلماء يتعرف الإجماع به.
وأما الثاني- قلنا: إن كان الخطأ مقدوراً لهم، ودلائل العصمة ما مرت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 533)
وأما الثالث- قلنا: إنما تثبت لهم العصمة بشرط الاجتماع، لما ذكرنا وحكم الآحاد قد يخالف حكم الجماعة- ألا ترى أنه يجوز أن ينسى كل واحد من الناس أن يومه يوم السبت، ولا ينسى الكل.
وأما الرابع- قلنا: امتناع إجماعهم على الضلال مشروط بكونهم كل الأمة وكل المؤمنين، بالنصوص، والعدد القليل في عصرهم كل الأمة، كالعدد الكثير في عصر آخر. فالحجة إجماع الأمة في كل عصر، وهى كل الأمة فيه والله أعلم.
130 - باب في: أن الإجماع بماذا يكون:
اعلم أن الإجماع قد يكون بالفعل. وقد يكون بالقول. وقد يكون بالرضا.
1 - أما الإجماع بالفعل- فبأن يفعلوا بأجمعهم فعلاً، فيدل ذلك على حسنه من وجهين:
أحدهما- أن فعلهم بأجمعهم يدل على اعتقادهم حسنه. واعتقادهم حسن ذلك، دليل على كونه حسناً.
والثاني- إجماعهم على نفس الفعل- دليل على حسنه، كما مر في الباب الأول.
2 - وأما الإجماع بالقول- فبأن يجمعوا على القول بوجوب شيء، أو بحسنه.
3 - وأما الرضا فبطريقين:
أحدهما- أن يخبروا عن أنفسهم: أنهم راضون بذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 534)
والثاني- أن يشتهر الفعل أو القول في شيء، فسكتوا، ولم يظهروا من أنفسهم كراهة ونكيراً، مع زوال التقية. وهذا مما فيه خلاف نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
131 - باب في: من يعتبر في الإجماع ممن بعث إليه النبي عليه السلام:
اعلم أن من بعث إليهم النبي عليه السلام هم المكلفون، من مؤمن وكافر، ومجتهد وغير مجتهد.
ولا اعتبار بقول الكافر، في الإجماع، لأنه لا يعرف الأحكام، ولا تتناوله الأدلة التي ذكرناها.
وكذا لا اعتبار بقول جميع المؤمنين إلى انقضاء التكليف، لما مر أنه لا مكلف بعدهم، حتى يكون إجماعهم حجة عليهم.
فإن قيل: إجماعهم حجة على من اجتمع معهم ثم يريد مفارقتهم- قلنا: هذا لا يتصور، لأنا لا نأمن أن يحدث بعد كل عصر من يخالفهم، فلم يكن بيع المؤمنين أجمعوا عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 535)
وهل يعتبر قول العامة فيه؟
قال بعضهم: يعتبر. ولا يكون إجماع العلماء في كل عصر حجة على العصر الثاني، إلا إذا اتبعهم عوامهم، لأن الإجماع إنما صار حجة لعصمة الأمة عن الخطأ، وهم من جملة الأمة.
والصحيح أنه لا اعتبار بذلك، لأن العامة تابعة للعلماء. وهم كالمتصرفين فيهم بتنفيذ الفتاوى والأحكام عليهم. ولأن الإجماع إنما يكون حجة إذا صدر عن دليل، إما اجتهاد أو غيره، لأنه لا يجوز أن تحكم الأمة بلا دليل. والعصمة الثابتة للأمة هي العصمة عن الخطأ في الاستدلال والاجتهاد، لا في القول بلا دليل، وهذا النوع من العصمة لا يتصور ثبوته للعامة. وهذا جواب عن شبهتهم- والله أعلم.
132 - باب في: أن إجماع أهل كل عصر هل هو حجة وصواب أم لا؟
ذهب أصحاب الظواهر إلى أن إجماع الصحابة هو الحجة، دون غيرهم.
وذهب عامة أهل الأصول إلى أن إجماع أهل كل عصر حجة.
والدلالة على ذلك- أن أدلة الإجماع لا تختص بالصحابة، فإن قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] يتناول كل عصر إلى يوم القيامة. وكذلك قوله تعالى: [وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ]. وكذا قوله عليه السلام: "لا تجتمع أمتي على الضلالة- وعلى خطأ" [يتناول] أهل كل عصر إلى يوم القيامة- عل ما مر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 536)
والخصوم تعلقوا [بأشياء]:
1 - منها- أن أدلة الإجماع تخص الصحابة. لأن قوله تعالى: [جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] هذا خطاب مواجهة يتناول من كان حاضراً وقت نزول الوحي. وكذلك قوله تعالى: [وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ]. وقوله [صلي الله عليه وسلم] "لا تجتمع أمتي على خطأ" يتناول الصحابة، فأما لا يتناول التابعين وحدهم، لأنهم ليسوا بجميع المؤمنين، بل تناولهم مع [من] تقدمهم من مؤمني الصحابة رضي الله عنهم، لأنهم وصفوا بأنهم مؤمنون، وليس لهم في ذلك قول. فلم يكن المخالف لإجماع التابعين، داخلاً تحت الوعيد، بخلاف الصحابة، لأنهم في زمانهم وصفوا بأنهم جميع المؤمنين، لأنه لم يتقدمهم مؤمن، فكان إجماعهم جميع المؤمنين، فمخالفتهم تدخل تحت الوعيد.
2 - ومنها- قوله عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديهم اهتديتم"، وهذا يدل على أنهم المتعينون بظواهر الإجماع.
3 - ومنها- أن الصحابة اختصوا بمشاهدة النبي عليه السلام، وبالحضور وقت نزول الوحي- فكان لهم مزية على غيرهم، فكانت الحجة قولهم دون غيرهم.
4 - ومنها- أن التابعين رحمهم الله لو اجتمعوا على حكم، لكان إنما صاروا إليه بنص متواتر، أو بأمارة اجتهدوا فيها. ولو كان في ذلك نص أو أمارة مجتهد فيها، لما ذهب على الصحابة، لأنهم ليسوا بأدنى من التابعين، فلا يذهب عليهم ما ظفر به التابعون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 537)
والجواب:
أما الأول- قلنا: قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] خطاب لجميع الأمة، واسم الأمة لا يختص بمن هو في عصر النبي عليه السلام، فيتناول أهل كل عصر، وقد ذكرناه من قبل.
وأما قوله بأن التابعين ليسوا جميع المؤمنين- قلنا: ليس كذلك، بل هم جميع المؤمنين في عصرهم، لأن اسم المؤمن مشتق من التصديق، فلا ينطلق على من ليس بمصدق في الحال، عن تقدم موته. ولا يطلق القول بأنهم ليسوا بمؤمنين، لأنه يوهم أنهم ما كانوا مؤمنين، فلم يكن داخلاً تحت مطلق الاسم في الحال. ولأن الأمر لا يخلو: إما أن يكون المراد بالمؤمنين جميع من كان موجوداً وقت حدوث الحادثة، دون من تقدم موته. أو من كان موجوداً مع من تقدم موته: فإن كان الأول، فهو كلامنا. وإن كان الثاني، فذلك يمنع كون إجماع الصحابة حجة- قلنا: [لما] كان إجماعهم حجة، عرفنا أن المراد به من كان موجوداً وقت حدوث الحادثة.
وأما الثاني- قلنا: ما في الحديث من الدليل على أن إجماع غيرهم ليس بحجة، ولأن هذا النص يقتضى أن الاقتداء بكل واحد سبب الاهتداء، وليس كذلك، لأن قول بعض الصحابة ليس بحجة على المجتهدين. فعلم أن المراد من الحديث حث العامة على الاستفتاء من كل واحد من الصحابة.
وأما الثالث- قلنا: ولم يجب، إذا كانوا بهذه الصفة: أن لا يكون قول غيرهم حجة؟ فلا بد من دليل آخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 538)
وأما الرابع- قلنا: يحتمل أن الحادثة لم تحدث في زمن الصحابة، فلم يتفحصوا عن النص والأمارة، وحدثت في زمن التابعين فتفحصوا وظفروا به. ويحتمل أن تكون المسألة مختلفة بين الصحابة، ثم اتفق التابعون [على] أحد القولين، وظفروا بما لم تظفر به الطائفة الأخرى، لأن قول بعض الصحابة ليس بحجة- والله أعلم.
133 - باب في: اعتبار المجتهدين، كلهم، في العصر الواحد، في الإجماع:
هذا الباب يتضمن فصولاً:
أحدها- أن إجماع أهل كل عصر هل هو حجة إذا خالفهم واحد أو اثنان؟ .
والثاني- اعتبار المجتهد من التابعين إذا عاصر الصحابة.
والثالث- اعتبار من لم يشتهر بالفتوى من المجتهدين [في الإجماع].
والرابع- اعتبار أهل الأمصار كلهم.
أما الفصل الأول
[إجماع أهل كل عصر هل هو حجة إذا خالفهم واحد أو اثنان؟ ].
[ذهب أكثر الناس أن أهل العصر إذا اتفقوا على قول، إلا الواحد والاثنين من المجتهدين، لا يكون حجة].
[و] ذهب بعضهم إلى أنه حجة.
والدلالة على صحة المذهب الأول- أن أدلة الإجماع لم تتناول أهل العصر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 539)
إذا خالفهم واحد أو اثنان، لأن قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} يتناول جميع أهل العصر، لأن اللام في "المؤمنين" لام الجنس، ولأنه لو لم يصرف إلى الجنس كان متناولاً للثلاثة والأربعة، وقول الثلاثة والأربعة ليس بحجة - علم أن النص تناول جميع المؤمنين. ومع خلاف الواحد، لا يكون قول جميع المؤمنين. وكذلك أسم الأمة، لأنه إذا خالفهم واحد لا يطلق القول بأنه قول جميع الأمة، بل يقال هو قول بعض الأمة - دل عليه أن من الصحابة من تفرد بأقاويل لم توافقه الجماعة [عليها]، كتفرد ابن عباس رضي الله عنه بمسائل [في] الفرائض نحو إنكاره العول وغير ذلك، وتفرد ابن مسعود رضي الله عنه [و] غيرهما- ولم ينكر عليه أحد. وكذا لو كان قول الباقين حجة بدونه، لكان قوله ضلالاً ولأنكروا عليه.
فإن قيل: اسم المؤمنين يتناول الأكثر على سبيل الحقيقة- ألا ترى أنه يقال: "رأيت بقرة سوداء" وإن كان فيه شعرات بيض. وكذلك " أكلت الرمانة"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 540)
وإن كانت قد سقطت منها حبات لم يأكلها، وهذا إطلاق بطريق الحقيقة. وكذلك أسم المؤمنين الأكثر.
والجواب- أن اسم المؤمنين لا يتناول الأكثر، إلا على طريق المجاز، بدليل أنه يستقيم أن يقال: في المؤمنين إلا واحداً منهم: إنهم ليسوا جميع المؤمنين، وفي الأمة إلا واحداً منهم: ليسوا كل الأمة. فثبت أن الاسم للأكثر مجاز، حيث صح النفي عنه. وهكذا القول فيما ذكر من المواضع: أنه مجاز، أو استعمل فيه بتعارف الناس. أما هنا فبخلافه.
وأما المخالف- احتج بأشياء:
1 - منها - قوله عليه السلام: "عليكم بالسواد الأعظم" وأهل العصر، إلا واحداً منهم: "السواد الأعظم". وقوله عليه السلام: "عليكم بالجماعة"، وأكثر أهل العصر"جماعة".
2 - ومنها- أن الحجة قول المؤمنين. ونحن لا نتبين إيمان الواحد أو الاثنين، ونتيقن بإيقاع الجماعة الكثيرة.
3 - ومنها- أن خلاف الواحد والاثنين، لو كان مانعاً من الإجماع، لبطل كون الإجماع حجة أصلاً، لأنا لا نأمن أن [يكون] ببعض الأطراف واحد. أو اثنان يخالف قولهم، فيمتنع انعقاد الإجماع أصلاً.
والجواب:
أما الأول- قلنا: هذه أخبار آحاد، فلا يصح التعلق بها في هذا الباب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 541)
ثم نقول:
السواد الأعظم هو جميع أهل العصر، لأنه ليس وراءه سواد أعظم منه- دل عليه: أنه لو لم يكن كذلك، لدخل تحت النص أحد النصفين إذا زاد على النصف الآخر، بواحد أو اثنين. ولما لم يدخل علم أن المراد هو إجماع كل أهل العصر.
وكذا" اسم الجماعة": المراد منه جميع الأمة - دل عليه: أنه لو لم يكن كذلك كان متناولاً للثلاثة والأربعة، وقول الثلاثة والأربعة ليس بحجة، فعلم أن المراد كل الأمة.
فإن قيل: قوله عليه السلام: " عليكم بالسواد الأعظم، أو بالجماعة" يقتضي أن يكون قولهم حجة على غيرهم من المجتهدين. وهذا يقتضي أن لا يجمع مع أهل العصر واحد أو اثنان، حتى يكون قولهم حجة- قلنا: ليس كذلك، لأن قولهم يكون حجة على من يأتي بعدهم ممن هو أقل عدداً منهم، أو يكون إجماعهم حجة على آحادهم حتى يمنعهم الرجوع عما قالوه.
وأما الثاني- قلنا: إن كان يتناول النص بناء على ظاهر الإيمان، فقد وجد في حق الكل. وإن كان بناء على حقيقة الإيمان، فلا يمكن القول بإيمان كل واحد من الجماعة قطعاً على التعيين، كما لا يمكن القطع بإيمان الواحد أو الاثنين إلا أنا نقطع أن في جملتهم مؤمن قطعاً، وربما يكون ذلك هذا الواحد، أو هذان المختلفان.
وأما الثالث- قلنا: إن الله تعالى لما جعل الإجماع حجة وكلفنا العمل به، وذلك يقتضي أن يكون لنا إلى معرفته سبيل، وذلك بأن يكون بحال لو كان لهم مخالف يظهر قوله [فإنه] يجرى ذلك مجرى أن ضمن الله تعالى إظهار قول من يخالف لو كان صواباً. فلما لم يظهر ذلك، دل ذلك على بطلانه. على [أن]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 542)
من في الأقطار من المجتهدين يعرف قولهم، بخلاف الإجماع، لو كان تتوفر الدواعي إلى النقل والإظهار، وحيث لم يظهر، علم بالعادة أنه ليس له مخالف.
وأما الفصل الثاني
وهو أن المجتهد من التابعين إذا حضر وق حدوث الحادثة مع الصحابة - هل يكون قول الصحابة مع مخالفته حجة؟
عندنا- لا يكون حجة.
وقال بعض أصحاب الشافعي - حجة.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه- أن أدلة الإجماع تناولت هذا الواحد، لأنه من جملة المؤمنين ومن جملة الأمة، فكان قوله مؤثراُ ومعتبراُ في الإجماع، كما ذكرنا، في الفصل الأول- دل عليه أن الصحابة رضي الله عنهم اعتبروا قول التابعي إذا خالفهم: فإن عمر رضي الله عنه استقضى شريحاً وكان يخالفه في مسائل ولم ينكر عليه. وكذا علي رضي الله استقضاه، وكان يخالفه. وسئل أنس بن مالك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 543)
عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن. وسئل ابن عمر رضي الله عنه عن مسألة فقال: سلوا سعيد بن جبير، فأنه أعلم منا. وأمثال هذا كثيرة.
والمخالف احتج لما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكرت على أبى سلمه ابن عبد الرحمن بن عوف خلاف الصحابة في بعض المسائل، ولو لم يكن إجماعهم بدونه حجة، لما أنكرت عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 544)
والجواب:
يحتمل أنها أنكرت، لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد، على أن قول عائشة رضي الله عنها لا يكون حجة.
وأما الفصل الثالث
وهو اعتبار من لم يشتهر بالفتوى من المجتهدين في الإجماع.
فعندنا: الإجماع لا ينعقد مع مخالفت.
وقال بعض الناس: ينعقد، ولا اعتبار بقوله.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن أدلة الإجماع تتناوله، لأنه من جملة المؤمنين ومن جملة الأمة، والدلائل تناولت المؤمنين والأمة مطلقاً، إلا أنا أخرجنا العامة عنها، لأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد الذي هو طريق معرفة الأحكام، فبقى المجتهد داخلاً، وبهذا فارق النحاة، فإنهم ليسوا من أهل الاجتهاد في الإحكام الشرعية فلا يؤثر قولهم في الإجماع.
والمخالف احتج بأن قال: إن الواجب في مسائل الاجتهاد الرجوع إلى من هو من أهل الاجتهاد، فمن لم يشتهر بالفتوى، لم يعرف أنه من أهل الاجتهاد، فلا يؤثر قوله، ولا يعتبر في الإجماع- ألا ترى أنا إذا أردنا أن نعرف تقويم شيء، فإنا نرجع في ذلك إلى أهل الخبرة، ومن اشتهر بمعرفة الأسعار- فكذا هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 545)
والجواب:
قلنا: هذا حجة عليكم، لأن الواجب في مسائل الاجتهاد الرجوع إلى من هو من أهل الاجتهاد، لا إلى من اشتهر بالاجتهاد، كما أن الرجوع في معرفة القيم إلى أهل الخبرة بالأسعار، وإن لم يشتهر بالتقويم، ولا كان قد انتدب للتقويم.
وأما الفصل الرابع
وهو اعتبار أهل الأمصار كلهم في العصر الواحد في الإجماع:
ذهب أكثر الناس إلى أن الحجة أجماع جميع أهل الأمصار من المجتهدين.
وحكي عن مالك وجماعة أنهم جعلوا أجماع أهل المدينة وحدهم حجة.
وقال بعضهم: إنما جعلوا روايتهم أولى من رواية غيرهم.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- أن أدلة الإجماع لم تتناول أهل المدينة وحدهم، لأنهم ليسوا بجميع المؤمنين، ولا كل الأمة. ولأن كون الإجماع حجة يبتني على أمور لا تختص ببعض الأماكن، فجعل بعض الأماكن مؤثراً في الإجماع، فيكون باطلاً.
والمخالف احتج وقال: بأن المدينة مهبط الوحي، فيجعل إجماع أهلها حجة.
ولهذا قلنا: إن روايتهم أولى من رواية غيرهم. وبقوله عليه السلام: " المدينة طيبة تخرج خبثها كما يخرج الكير خبث الحديد"، وفيه تزكية أهلها، ودلالة كون إجماعهم حجة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 546)