والجواب: أن كونها مهبط الوحي لم يدل على أن إجماعهم وحدهم حجة.
وأما الحديث- فظاهره متروك، لأن ظاهر الحديث يقتضي أن يكون الخروج منها مذموماً، وليس كذلك بالإجماع، فإن من كبار الصحابة رضي الله عنهم من فارق المدينة ورجع إلى وطنه. ولئن لم يكن متروك الظاهر، فليس فيه ما يدل على إن إجماعهم وحدهم حجة. وأما روايتهم- فعندنا لا فرق بين ما إذا روي الواحد وهو بالمدينة، وبين ما إذا رواه وهو خارج المدينة، لأنه لا تأثير للمكان، في جعل الأقوال حجة، والله أعلم.
134 - باب في: ما يكون فيه الإجماع حجة:
أعلم أن كل ما لا يمكن معرفة صحة الإجماع قبل صحة معرفته- فالإجماع فيه لا يكون حجة. نحو العلم بأن الله تعالى حكيم عادل، وأن محمداً عليه السلام صادق- لأنا أنما نعرف صحة الإجماع بعد أن نعرف أن الله تعالى ورسوله شهدا بأنه حق، والله تعالى ورسوله لا يشهدان بشيء إلا وهو كما شهدا به. وإنما يعرف ذلك بعد أن عرف أن الله تعالى حكيم لا يكذب، وأن محمداً عليه السلام صادق، وأن القرآن كلام الله تعالى- ليعلم أن ما فيها من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، من الله تعالى. فإذا لم يعرف صحة الإجماع قبل معرفة صحته، لا يكون الإجماع حجة فيه، لأن من شرط الدليل أن يعرفه المستدل على الوجه الذي يدل، قبل معرفته المدلول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 547)
وأما ما يمكن معرفة صحة الإجماع، قبل معرفة صحته-[فـ] نوعان: أحدهما أمور دنيوية، والآخر أمور دينية.
-فالأول- نحو أن يجمعوا أن الحرب أو التجارة في مكان، لا يجوز. قال بعضهم: أنه لا يجوز مخالفتهم، ولا يكون ذلك حجة، لأن حالهم في ذلك ليس بأعلى من حال النبي عليه السلام، ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في الحرب رأياً جازت مراجعته، والنقض عليه- فهذا أولى.
وقال بعضهم: يكون حجة، ولا يجوز مخالفتهم، لأن الدلائل على صحة الإجماع، تمنع مخالفتهم من غير فصل.
وأما رأي النبي عليه السلام في الحرب، فإنما جاز خلافه، لأن الذي يمنع من ظهور الخطأ عليه، قيام المعجزة على يده، وذا لا يتعلق بالأمور الدنيوية.
- وأما الثاني- فلا يجوز مخالفة الإجماع فيه، وأنه حجة: عقلياً كان نحو رؤية الله تعالى لا في جهة، ونفي ثان له. أو شرعياً كأحكام الحل والحرمة- لأنه يعلم صحة الإجماع قبل معرفة صحته، فإن الشك في هذه الأشياء لا يخل بالعلم بأن الله تعالى حكيم، وأن محمد عليه السلام رسوله- والله أعلم.
135 - باب في: الإجماع الصادر عن اجتهاد:
زعم بعضهم أن أهل العصر إذا أجمعوا على حكم عن اجتهاد، لا يكون حجة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 548)
وجاز لغيرهم مخالفتهم- ونقل عن الحاكم الشهيد صاحب المختصر. وعندنا- ذلك حجة لا يجوز مخالفتهم.
والدلالة على صحة مذهبنا- أن دلائل الإجماع تناولته، نحو قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} وقوله عليه السلام: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" من غير فصل.
فإن قيل: خلاف ما أجمعوا عليه إنما يكون غير سبيل المؤمنين، إذا كان قولاً لا عن اجتهاد. أما إذا كان عن اجتهاد، كان سبيل المؤمنين، لأن ما اتصل به الاجتهاد سبيل المؤمنين، لأن اجتهادهم غير اجتهاد العصر الأول- قلنا: هذا شرط لا دليل عليه، بل إنما صار غير سبيل المؤمنين، لأنه خلاف ما أجمعوا عليه. وبعد ما أدى الاجتهاد إليه، بقى خلاف ما أجمعوا عليه، فكان أتباع غير سبيلهم.
أما المخالف- فقد قاس القول المتفق عليه عن اجتهاد، على القول المختلف فيه عن اجتهاد، لعلة أن كل واحد منهما صدر عما لا يوجب العلم، وهو الاجتهاد، فإذا جازت مخالفة أحدهما، تجوز الأخرى.
والجواب: العلة في الأصل أنه قول لم يتصل به دليل مقطوع به، وهو الإجماع. وهنا قد اتصل به الإجماع. وهذا لأنه يجوز أن يكون الحكم غير لازم، ثم يصير لازماً إذا اتصل به دليل مقطوع به، كالاجتهاد إذا اتصل به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 549)
حكم الحاكم، يصير لازماً- كذا هذا. على أنا نعارضه بمثله، بأن نقيس القول المتفق عليه عن اجتهاد، على القول المتفق عليه عن استدلال، بعلة أن كل واحد منهما متفق عليه، فلما حرمت المخالفة في أحدهما، حرمت في الآخر.
136 - باب في: الاختلاف بعد الاتفاق. والاتفاق بعد الاختلاف:
أما الأول:
أعلم أن أهل العصر إذا اتفقوا على حكم من الأحكام، جاز أن يتفق من بعدهم عليه، وذلك هو الواجب- على ما مر.
ويجوز من بعض من بعدهم أن يخالفهم في ذلك، لأنه لا يستحيل من بعض الأمة العدول عن الحق، ولكن لا يحل لهم ذلك.
ولا يجوز أن يجتمع جميع أهل العصر الثاني على مخالفتهم، لأنه إتباع غير سبيل المؤمنين، وإنه حرام. وذلك لا يجوز على جميع الأمة- على ما مر.
وأما الثاني:
وهو أن أهل لعصر إذا اختلفوا في المسألة على قولين:
1 - هل لأهل العصر الثاني أن يجمعوا على أحدهما.
و2 - هل كان إجماعهم محرماً للأخذ بالقول الآخر؟
ففي كل واحد منهما خلاف.
أما [الفصل] الأول
فقد منع بعضهم من جواز اتفاقهم على أحد القولين. وعندنا- يجوز ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 550)
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- أن كل واحد من القولين مجتهد فيه، ويجوز أن يكون الحق فيه، وهو الصواب. فإذا قامت الدلالة على أحدهما أنه الحق، حسن من الأمة الإجماع عليه- دل عليه أن الصحابة رضي الله عنهم توقفوا في الإمامة زماناً ثم اتفقوا على إمامة أبى بكر رضي الله عنه. فكما لم يكن إجماعهم في التوقف مانعاً من الإجماع بعد ذلك. فكذا اختلافهم: لا يكون مانعاً من إجماعهم على أحد القولين. وكذلك التابعون: أجمعوا على تحريم بيع أمهات الأولاد، مع أن الصحابة اختلفوا في ذلك.
وأما المخالف فقد احتج بوجهين:
-أحدهما- أن في ضمن اختلاف المختلفين في المسألة على قولين، إجماع منهم على جواز الأخذ بكل واحد منهما. فلو صح الإجماع الثاني بعد ذلك، وحرم القول بالآخر-[فـ] لا يخلو: إما أن يكشف عن تحريمه في الماضي، أو في المستقبل. وإن كان يكشف عنه في المستقبل، كان نسخاً، والنسخ بعد انقطاع الوحي ممتنع. وإن كان يكشف عنه في الماضي [فإنه] يدل على خطأ من تقدم في إجماعهم، وهذا لا يجوز.
- والثاني- أنه لو جاز لأهل العصر الثاني أن يجمعوا على أحد القولين مع أنه في ضمن اختلاف المختلفين اتفاق على جواز الأخذ بكل واحد من القولين،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 551)
لكان إذا اختلفت الصحابة في المسألة على قولين، ثم اتفقوا على أحدهما، جاز لأهل العصر الثاني أن يجمعوا على القول الآخر، فيؤدي إلى أن لا يستقر الإجماع، وهذا فاسد.
والجواب:
-أما الأول- قلنا: القائلون بأن الحق في واحد منهما، لم يجمعوا على جواز الأخذ بكل واحد منهما، بل أوجبوا على المجتهد الأخذ بالحق منهما، وعلى العامي تقليد من يُفتيه. فإذا أجمعوا تبين أن الحق فيه، ولم يبق من يفتي بالآخر. وأما القائلون بأن "كل مجتهد نصيب"، فإنما سوغوا الأخذ بكل واحد من القولين، بشرط أن تكون المسألة اجتهادية- ألا ترى أنهم لو سئلوا عن علة جواز الأخذ بكل واحد، لعللوا بكون المسألة من مسائل الاجتهاد، فعلى الخصم أن يبين أن المسألة بعد الإجماع على أحد القولين من مسائل الاجتهاد، لتتم الدلالة، ونحن بينا أنهم لما أجمعوا، تناولتهم أدلة الإجماع، فلم تبق المسألة من مسائل الاجتهاد، وزوال الحكم بزوال شرطه، فلا يكون نسخاً.
فإن قيل: نعارضكم بمثله- فنقول: كون الإجماع حجة مشروطة بشرط أن لا يتقدمه اختلاف- قلنا: ما ادعيناه من الشرط مدلول عليهم من جهتهم، فإنهم يعللون ذلك. وما ادعيتم لا دليل عليه لأنهم لم يصرحوا بذلك عند الإجماع.
- وهذا هو الجواب عن الثاني، لأن المختلفين في المسألة إنما أجمعوا على جواز الأخذ بكل واحد من القولين، بشرط كون المسألة اجتهادية، وبعد إجماع أهل العصر الثاني، لم تبق اجتهادية. ولا كذلك أجماعهم على أحد القولين، لأن أجماعهم على أحد القولين غير مشروط بشرط، ولو صح الإجماع الثاني، تضمن بطلان الأول، فيكون باطلاً- والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 552)
وأما الفصل الثاني
وهو أنهم إذا أجمعوا على أحد القولين- هل يصير إجماعهم حجة محرمة للأخذ بالقول الآخر؟
ذهب بعضهم إلى أنه ل يجوز الأخذ بالقول الآخر.
وذهب أبو الحسن وجماعة من المتكلمين إلى أن لا يحرم الأخذ بالقول الآخر. والدلالة عليه- فإنهم لما أجمعوا على أحد القولين، تناولتهم أدلة الإجماع. وهو قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ}. وقوله عليه السلام: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" وغير ذلك. والأخذ بالقول الآخر أتباع غير سبيل المؤمنين وتخطئة الأمة.
فإن قالوا: كما أجمع هؤلاء على أحد القولين، فقد اتفق المختلفون على تجويز الأخذ بكل واحد من القولين - فالجواب عنه ما مر. والله تعالى أعلم.
137 - باب في: انقراض العصر هل هو شرط في كون الإجماع حجة أم لا؟
-ذهب بعض الناس إلى أنه شرط. واختلفوا فيما بينهم:
* فمنهم من جعله شرطاً لانعقاد الإجماع.
* ومنهم من جعله شرطاً في كونه حجة، لا في نفس الإجماع.
- وعندنا: إذا اتفق فتوى الأمة، على حكم واحد، ولو في لحظة، كان إجماعاً وحجة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 553)
أما الكلام في نفس الإجماع- فتقول:
انقراض عصر المجتهدين لا يقف عليه إطلاق اسم الإجماع على فتواهم، لأن أهل اللغة والعرف يقولون: هؤلاء أجمعوا على هذا الحكم، ولا يقف عليه تحقق معنى الإجماع، لأنه مأخوذ من الاجتماع أو العزم والإبرام- على ما مر. وهو حاصل قبل انقراض العصر. وإذا لم يقف عليه، تحقق ذات الإجماع- لا يقف عليه كونه حجة، لأن دلائل الإجماع تناولته مطلقاً- على ما مر.
فإن قيل: ماداموا في الأحياء، فرجوعهم متوقع، وفتواهم غير مستقر [ة]، فلا يتم الإجماع- قلنا: الكلام في رجوعهم، فنحن لا نجوز رجوع جميعهم، لأنه يؤدي إلى خطأ أحد الإجماعين، ودلائل الإجماع تمنع منه، ورجوع البعض متصور، وهو حرام، ومخالفة للحجة- على ما مر.
فإن قيل: دلائل الإجماع تناولت سبيل كل المؤمنين وكل الأمة، لا أهل عصر واحد- قلنا: وبانقراض هذا العصر لا يصير هؤلاء كل الأمة وجميع المؤمنين، ومع هذا يكون حجة. على أن المراد منه جميع المؤمنين وكل الأمة في كل عصر لا في جميع الأعصار- على ما مر في الأبواب المتقدمة.
وقد استدل بوجه آخر- وهو: اشتراط انقراض العصر في كون الإجماع حجة، يخرج الإجماع من أن يكون حجة أصلاً، لأنا نعلم أن عصر الصحابة رضي الله عنهم لا ينقرض إلا وقد وجد من التابعين من هو أهل الاجتهاد، فتجوز مخالفتهم، لأنه لو لم ينقرض عصرهم، لم يعلم أن عصر التابعين لا ينقرض إلا وقد وجد من تابعهم ممن هو من أهل الاجتهاد، فكذا إلى يوم القيامة، فلا يكون الإجماع حجة أصلاً.
إلا أن لقائل أن يقول: إنا نشترط انقراض عصر من كان مجتهداً وقت حدوث الحادثة، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 554)
وأما المخالف- فقد استدل بما روي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن بيع أمهات فقال: "رأيي ورأي عمر أن لا يبعن، ثم رأيت جواز بيعهن" فقال عبيدة السلماني: "رأيك مع الصحابة أحب إلى من رأيك وحدك". وقوله: "رأيك مع الصحابة" دليل على سبق الإجماع، ثم استجاز على مخالفيه. وبما روى عن أبى بكر رضي الله عنه أن كان يرى تسوية العطايا في القسمة، ولو ينكر عليه أحد، فيكون إجماعاً. ثم لما آل الأمر إلى عمر رضي الله عنه فضل ولم ينكر عليه أحد، فجل أن انقراض العصر شرط كونه حجة.
والجواب- أن جابراً رضي الله عنه كان يرى بيع أمهات الأولاد،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 555)
ومع مخالفته ل ينعقد الإجماع، وقول عبيدة: " رأيك مع الجماعة أحب إلي" يدل على أنه كان معه جماعة من الصحابة، فرجح قولهم بكثرة القائلين.
وأما الثاني- قلنا: إن عمر رضي الله عنه خالف أبا بكر رضي الله عنه وناره، فإنه قال: " أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه كمن دخل في الإسلام كرهاً"، فقال أبو بكر رضي الله عنه: " إنما عملوا لله وإنما أجرهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ"، فلم يكن إجماعاً، إلا أن انقراض العصر شرط كونه حجة.
138 - باب في: ما أخرج من الإجماع، وهو منه:
اعلم أن أهل العصر إذا اختلفوا في الحادثة على قولين أو أكثر، اختلفوا في جواز إحداث قول آخر خارج عن أقاويلهم:
بعضهم - جوزوا ذلك مطلقاً
وبعضهم- منعوا ذلك مطلقاً
ونحن نفصل الكلام فيه، فنقول:
إن اختلافهم على قولين: إما إن كان في مسألة واحدة أو في مسألتين: مثال الأول- اختلافهم في الجد مع الأخ في الميراث: بعضهم قال: المال كله للجد. وبعضهم قال: الجد يقاسم الأخ. فلو قال قائل: كله للأخ، فهو إحداث قول ثالث في مسألة واحدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 556)
ومثال الثاني- اختلاف العلماء في فساد الصوم بالأكل ناسياً وبالجماع ناسياً: قال بعضهم بالفساد فيهما. وقال بعضهم بمنع الفساد فيهما. فمن قال أن الأكل ناسياً لا يوجب فساد الصوم، والجماع ناسياً يوجب، فقد أحدث قولاً ثالثاً.
أما الأول [في مسألة واحدة]
فلا يجوز إحداث القول الثالث فيه، لأنه أتباع غير سبيل المؤمنين. وإتباع غير سبيل المؤمنين ممنوع عنه لما مر. ووجه آخر- أن اختلافهم على هذه الأقاويل إجماع منهم على المنع من قول ثالث، لأن كل طائفة توجل الأخذ بقولهـ[لـ]، وتمنع الأخذ بغيره. فقد أجمعوا على المنع من القول الثالث. وقد قال عليه السلام: "لاتجتمع أمتي على الخطأ".
فإن قيل: إن المختلفين في المسألة [منعوا] من الأخذ بغير ما قالوه، لأنه لو يؤد اجتهاد غيرهم إليه. فإذا أدى اجتهاد غيرهم إليه، زال المنع، كما قلتم: إنهم سوغوا الأخذ بكل واحد من القولين، بشرط أن تكون المسألة اجتهادية، فإذا أجمعوا على أحدهما زال الشرط- قلنا: كما منعوا من القول الثالث، أجمعوا أن القول الثالث مما لا يقتضيه الاجتهاد أولاً، ولكن لما منعوا الأخذ به، فالأخذ به مخالف للإجماع.
والمخالف استدل في المسألة بأشياء:
1 - منها- أن الممنوع عنه مخالفة الإجماع، ولا إجماع مع الاختلاف. دل عليه: ما روى عن ابن سيرين أنه قال في امرأة وأبوين: للأم ثلث جميع المال،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 557)
وفي زوج وأبوين: للأم ثلث ما بقى. ومن تقدمه من الصحابة: بعضهم قالوا: إن لها ثلث ما بقى في المسألتين جميعاً، وبعضهم قالوا: لها ثلث جميع المال فيهما جميعاً- فهذا قول ثالث، ولم ينكر عليه أحد. وعن سفيان أنه قال: الأكل ناسياً لا يفطر، والجماع ناسياً لا يفطر، ومن تقدمه من الصحابة: منهم من فطره فيهما، ومنهم من لم يفطره فيهما- وهذا إحداث قول ثالث، ولم ينكر عليه أحد.
2 - ومنها- أنه وحرم إحداث قول ثالث: إما أن يحرم من حيث إنه خلاف للمخطئ، أو من حيث أنه خلاف للمصيب. لا وجه إلى الأول، لأن خلاف المخطئ واجب. ولا وجه إلى الثاني، لأنه لو كان كذاك، لوجب أن يحرم الخلاف على أهل العصر، وليس كذلك.
3 - ومنها- أن إحداث القول الثالث مما أباحه كل واحد من الفريقين، لأن الذي ذهب إلى هذا القول، أباح ترك ذلك القول. والذي ذهب إلى ذلك القول، أباح ترك هذا القول، فإذا ترك القولين فقد ترك ما أباحه الفريقان جميعاً.
والجواب:
أما الأول - فما ذكرنا أنه مخالفة الإجماع، لأن اختلافهم على قولين يتضمن أجماعهم على أبطال القول الثالث.
وأما ما روى عن ابن سيرين وسفيان، فدال [على] إحداث قول ثالث في مسألتين، وسنذكر الكلام فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 558)
وأما الثاني- قلنا: إنما يحرم إحداث قول ثالث، لأنه مخالفة الإجماع، لا كما ذكر.
وأما الثالث- قلنا: هذا مصير إلى ما حرمه جميع الأمة، على ما مر. وما ذكر من البيان ضرب تلبيس، لأن كل فريق لا يجوز ترك قول صاحبه ابتداء، بل يوجب الأخذ بقول نفسه، فيتضمن ذلك ترك قول صاحبه. فأما إحداث قول ثالث، [فـ] ترك الأخذ بقوله وقول صاحبه، وقد أجمعوا على المنع منه.
وأما الثاني [في مسألتين]:
وهو إحداث قول ثالث في مسألتين، فبعض الناس جوزوا ذلك مطلقاً. وبعضهم منعوه مطلقاً. ونحن نفصل فنقول:
بعض أهل العصر إذا قالوا بتحليل شيئين، وبعضهم قالوا بتحريمهما- لا يخلو: إما إن علم أنهم قصدوا التسوية بينهما، وأثبتوها بعلة واحدة، إما بالتنصيص أو بما يجري مجرى التنصيص، أو لم يعلم ذلك- مثال الأول: الحكم في المسكر التمري والزبيبي: حرمهما بعض، وأحلهما بعض، فلا يجوز لغيرهم أن يحرم أحدهما ويحلل الآخر. وهذا لأن الفريقين أجمعوا على الجمع بين المسألتين في الحكم وعلة الحكم- فالتفريق بينهما خلاف الإجماع. ومثال الثاني- الحكم بإرث القاتل والعبد: لو حكم بعض بإرث القاتل والعبد جميعاً، وبعضهم منعوا من إرثهما، فلو حكم غيرهما بإرث أحدهما دون الآخر، كان جائزاً، لأنهم ما أجمعوا على التسوية في الحكم وفي العلة، إذ لا تعلق لأحدهما بالآخر، بل اتفق الحكم فيهما، لأن الدليل اتفق على هذا الوجه. ولهذا كما لو أوجب بعض الأمة النية في الوضوء، وأوجب غسل النجاسة عن الثوب- لا يقال: إنهم اعتقدوا التسوية بينهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 559)
وأما ما حكي عن ابن سيرين في التفريق بين زوج وأبوين وامرأة وأبوين، وعن سفيان الثوري من التفريق بين الجماع ناسياً والأكل ناسياً: فإن كان طريقة الذين جمعوا بينهما متغايرة، فيما فعلاه، جاز، وإلا لم يجز. وعلى أن ابن سيرين عاصر بعض الصحابة، فلا يمتنع أن يكون حاضراً حين اختلفوا، فلا ينعقد الإجماع مع مخالفته- والله أعلم.
139 - باب في: أن أهل العصر إذا أولوا الآية بتأويل، أو استدلوا على المسألة بدليل، أو اعتلوا بعلة- هل يجوز لم بعدهم إحداث تأويل أو دليل أو علة أخرى؟
فنقول: الأولون لا يخلو: 1 - إما أن نصوا على فساد تأويل، أو دليل آخر، أو علة أخرى. أو 2 - نصوا على صحته. أو 3 - لم ينصوا على الصحة ولا على الفساد.
ففي الأول- لا يجوز إحداثه، لأنه خلاف الإجماع.
وفي الوجه لثاني- يجوز ولا يشكل.
وفي الوجه الثالث- اختلفوا: منعه قوم، وجوزه الأكثرون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 560)
والدلالة عله أن الناس في كل عصر يستخرجون عللاً وأدلة، والتابعون من بعدهم يحدثون تأويلات لم يذكرها السلف، ولم ينكر عليهم ذلك- فدل على صحتها. ولأنه لو امتنع، إنما يمتنع لأجل مخالفة الإجماع، وهم ما نصوا على فساده، ولا في صحة ما اعتلوا به وأولوه فساد غيره، إذ لا يمتنع أن يكون على حكم واحد أدلة، وله علل أخرى. [و] يجوز أن كون كلا التأويلين مراد الله تعالى: أراد من عباده أن يقيموا إما هذا وإما ذاك أو كلاهما. فإذا فهم أحدهما، سقط عنه التكليف به، وبقى التكليف الثاني على سبيل التطوع.
والمخالف احتج بأشياء.
1 - منها- قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}: الآية دلت على أنهم أمروا بكل معروف، لأنه دخل لام الجنس، ولو كان الثاني صحيحاً لأمروا به.
2 - ومنها- قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ}، وهذا غير سبيلهم.
3 - ومنها- قوله عليه السلام: " لا تجتمع أمتي على خطأ"، والأمة بأجمعهم ذهبت عن الدليل الثاني، فيجب أن لا يكون خطأ، وإنما يقتضي الخطأ إذا كان الدليل الثاني باطلاً.
4 - ومنها- أن الدليل الثاني والتأويل الثاني، لو كان صحيحاً لما ذهب على الصحابة، مع تقدمهم في العلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 561)
أما الأول- فهو معارض بقوله تعالى: {وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَر}، ولو كان الثاني باطلاً لأنكروا.
وأما الثاني- قلنا: المراد بإتباع [غير سبيل المؤمنين ما] نصوا على فساده أو حكم حكموا بخلافه، لأن الآية خرجت مخرج الذم، وذلك فيما قلناه- دل عليه أن الحادثة إذا لم تحدث في زمنهم وحدثت في زمن هؤلاء، جاز أن يكون لهم قول في ذلك. ولا يقال أنه إتباع لغير سبيلهم- كذا هذا.
وأما الثالث- قلنا: إن عني بذهابهم عنه، ترك الاستدلال به، فعندنا هو ليس بخطأ، لاستغنائه عنه بدليل آخر، وهذا لا يوجب بطلانه.
وأما الرابع- قلنا: إنما ذهبوا عنه، لأنه لم يطلبوه، لاستغنائهم بما ظفروا به.
فإن قيل: أو كلف الأول طلب الدليل الثاني أم لا؟ إن قلتم: كلفوا، فلم قصروا في طلبه؟ وإن قلتم: لم يكلفوا، دل على فساده- قلنا: كلفوا الدليل على سبيل البدل، فإذا ظفروا بالواحد سقط التكليف، وصار طلب الآخر تطوعاً، وترك التطوع جائز- والله أعلم.
140 - باب في: أن الأمة لا تجتمع إلا عن طريق:
ذهب أكثر الناس إلى أنه لا يجوز إجماع الأمة إلا عن دلالة أو أمارة وأجاز بعضهم ذلك توفيقاً، بأن يوفقهم الله تعالى الإجماع على الصواب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 562)
والدلالة على منع جواز ذلك- أن الوصول إلى الحق مع فقد الدلالة أو الأمارة غير واجب، بل هو اتفاقي، وكان جواز الخطأ ثابتاً، والإجماع لا ينعقد على ما يجوز فيه الخطأ، لأن حالهم لا يكون أعلى من حال النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه السلام لا يجوز أن يحكم من غير وحي أو دلالة، فغيره أولى.
والمخالف:
احتج بأن قال: 1 - " الإجماع بنفسه حجة". فلو لم ينعقد إلا عن دلالة، كانت الدلالة هي الحجة، ولم يكن في الإجماع فائدة. و 2 - لأنا وجدنا الإجماع قد انعقد بلا دليل، وهو بيع المراضاة وأجرة الحمام والاستصناع.
والجواب:
أما الأول- فهو باطل، بقول النبي عليه السلام، فإنه حجة، ولا يقول إلا عن دليل. ثم نقول: يجوز أن يكون الإجماع حجة، والذي صدر عنه الإجماع حجة، فيكون في المسألة حجتان.
وأما الفائدة في الإجماع-[فـ] أن يسقط عنا وجوب البحث وطلب الدليل،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 563)
ونقل الدليل إلى من بعده، وأن تحرم المخالفة، وإن كانت المسألة اجتهادية، وقبل ذلك لا يحرم.
وأما الثاني- قلنا: لما دللنا على أن الإجماع لا يقع إلا عن دليل، ففي كل موضع انعقد الإجماع، علمنا أنه انعقد عن دليل، إلا أنه لم ينقل إلينا، اكتفاءً بالإجماع. على أن بيع المراضاة كان في زمن النبي عليه السلام ولم ينكر عليهم، وذلك دليل جوازه، على أن الأخذ والإعطاء دلالة الرضا بالتمليك والتملك، فجرى ذلك مجرى القول، وكذلك أجرة الحمام.
141 - باب في: جواز الإجماع عن اجتهاد:
منعه قوم.
وجوزناه.
والدلالة على جوازه- أن الاجتهاد طريق إلى الحكم، كالدلالة والخبر، فجاز أن يحكم كلهم بأمارة واحدة، أو كل واحد بأمارة على حدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 564)
والدلالة على جوازه- وقوعه: فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أن حد شارب الخمر ثمانون عن اجتهاد. لأنه لو كان فيه نص لنقل، على أنهم بينوا وجه الاجتهاد، وقالوا: إذا شرب السكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفترين في كتاب الله تعالى ثمانون. وكذلك أجمعوا على قتل المرتدين ومانعي الزكاة، حتى روي عن أبى بكر رضي الله عنه أن قال: " لا نفرق بين ما جمع الله في كتابه" وقاس الصلاة على الزكاة. وأوجب القتل على من أخل بهما. وكذلك أجمعوا على إمامة أبى بكر رضي الله عنه عن اجتهاد بتقديم النبي عليه السلام إياه في الصلاة، وبينوا العلة فيه، فقالوا: "رضينا لدنيانا ما رضيه النبي عليه السلام لديننا".
وأما المخالف فقد احتج بأشياء:
1 - منها- أن الجماعة العظيمة، مع كثرتهم واختلاف هممهم وأغراضهم، يتعذر أن تستجمعهم أمارة واحدة، مع خفاء وجه الدلالة فيها، واختلافهم وتفاوتهم في الوقوف عليها.
2 - ومنها- أن الأمة: منهم من يعتقد بطلان القياس والاجتهاد، وذلك يصرفهم عن الحكم بالأمارة، فلا يتصور منهم الاتفاق على ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 565)
3 - ومنها- أن الحكم الصادر عن اجتهاد يجوز خلافه، ولا يفسق مخالفه، ولا يجعل أصلاً لغيره. والحكم الثابت بالإجماع على ضد ذلك. فلو جوزنا انعقاد الإجماع عن الاجتهاد، لاجتمعت هذه الأحكام المتنافية، وذلك لا يجوز.
والجواب:
أما الأول- قلنا: لا يمتنع أن الأمارة الواحدة أو الأمارات داعية لجميعهم إلى الحكم بها، لأنهم اتفقوا على اعتقاد وجوب العمل بالأمارة. فإذا ظهرت لهم الأمارة، وقد اعتقدوا وجوب العمل بها، حكموا [بها]. ولذلك جاز اتفاق الجمع العظيم على الخروج إلى الأعياد، لأنه تقرر في اعتقادهم الخروج إليها.
أما الثاني- قلنا: الخلاف في صحة القياس لم يكن في زمن الصحابة، وحدث بعدهم، فيلزمهم جواز أجماع الصاحبة عن اجتهاد. ثم نقول: لا يمتنع فيمن يعتقد بطلان الحكم [بالأمارة أن] يعتقد في الأمارة أنها دلالة، فيحكم بها، كما لا يمتنع أن يحكم بعض الأمة في الأصول والفروع بالشبهة، لاعتقادهم أنها دلالة. وكذلك لا يمتنع أن يناقض هذا القائل مذهبه، فيحكم بالأمارة إذا لم يجد غيره.
وأما الثالث- فلا نسلم أنه يؤدي إلى اجتماع هذه الأحكام، فإن جواز الخلاف ليس حكم الاجتهاد مطلقاً، بل هو حكم اجتهاد لم يقترن به الإجماع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 566)