أما من غاب عن النبي عليه السلام، وعجز عن السؤال عنه- فيجوز له ذلك: لمساس الحاجة وفقد النص. ولما روى من حديث معاذ رضي الله عنه، وهو حديث صحيح على ما روينا، وقد تلقته الأمة بالقبول- والله أعلم.
151 - باب في: أن القياس- هل هو مأمور به ودين أم لا؟ :
(أ) - أما كونه ديناً- إن عنى به أنه ليس ببدعة، بل هو من الشرع، فلا شبهة فيه. وإن عنى به تسميته ديناً- فقد اختلفوا فيه:
- ذهب بعضهم إلى المنع من ذلك. لأنهم جوزوا الاختلاف في الدين. ولأن للقياس أحكاماً مختلفة. فلو كان ديناً، لكان لله تعالى أدياناً مختلفة، وهذا لا يجوز.
- وذهب آخرون إلى إطلاق ذلك عليه، لأنه لو لم يكن ديناً، لكان فيه إحلال الفروج، وإباحة الدماء بغير دين الله تعالى، وهذا لا يجوز.
وقولهم: يؤدي إلى أن يكون لله تعالى أدياناً مختلفة- قلنا: يشكل هذا في الأحكام الثابتة بالنصوص، فإنها تختلف باختلاف أحوال المكلفين، كالصلاة في حق المقيم والمسافر والصحيح والمريض، ولا يؤدي إلى ما ذكرتم.
(ب) - وأما كونه مأمورا به:
[فـ] إن عنى به أنه مبعوث عليه بأدلة، فصحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 610)
وإن عنى أن صيغة الأمر تناولته- فصحيح أيضاً، عند من يحتج بقوله تعالى: "فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ". ومن لم يحتج إلا بأدلة العقل وأحكام الصحابة، فلا يقول به.
ثم القياس الشرعي ضربان: أحدهما واجب، والآخر مندوب:
- والواجب ضربان: أحدهما على التعيين، والآخر على الكفاية.
والأول- هو قياس من نزلت به الحادثة من المجتهدين، إذا كان قاضياً أو مفنياً، ولم يقم غيره مقامه.
والثاني- قياس من يقوم غيره مقامه.
- وأما المندوب- فهو القياس فيما لم يحدث من المسائل مما يجوز حدوثه، ليكون الجواب بعد وقت السؤال.
152 - باب: شروط القياس وما يصححه ويفسده:
اعلم أن جملة شروط القياس، الصحيح- أربعة:
أحدها- أن يكون الأصل غير مخصوص حكمه بنص آخر.
وثانيها- أن يكون الحكم موافقاً للقياس، غير معدول به عن القياس.
وثالثها: أن يتعدى الحكم الشرعي الثابت في الأصل، إلى فرع هو نظيره، ولا نص فيه من غير زيادة ونقصان.
ورابعها- أن يبقى الحكم في الأصل بعد التعليل، كما كان قبل التعليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 611)
أما الأول- فلأنه متى ثبت اختصاص الحكم بالأصل بالنص، كان في استعمال القياس إبطال تلك الخصوصية بالقياس، والقياس ليس بحجة في معارضة النص.
مثاله- قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهادة خزيمة وحده، مع أن عموم قوله تعالى: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ" يقتضى اشتراط العدد، فلما كان ذلك بتخصيص النبي عليه السلام إياه بهذه الكرامة، لا يجوز غيره عليه، لأنه إبطال هذه الخصوصية بالرأي.
وأما الثاني- فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعي، لا يجوز مخالفته، إلا فيما ورد فيه دليل فوقه وهو النص.
مثاله- بقاء الصور مع الأكل ناسياً: ثبت بخلاف القياس، إذ القياس ينفي بقاءه معه، لأن الأكل ضد الصوم، ويستحيل بقاء الشيء مع وجود ضده، وهو كترك الصلاة والحج والزكاة ناسياً، وكان معدولاً به عن القياس، فلا يجوز قياس المكره والخاطئ عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 612)
فإن قيل: أليس قد جوزتم قياس الجماع ناسياً عليه، فإنه لا يوجب فساد الصوم أيضاً، فجوزوا قياس المكره والخاطئ عليه. والعلة في الكل أن الفاعل ما قصد به الإفطار- قلنا: ما حكمنا ببقاء الصوم مع الجماع ناسياً بالقياس، بل بالاستدلال بالمنصوص. لأن الكف عن الأمل الوقاع ركن واحد للصوم، فكان حكمهما واحداً، كالأكل ناسياً مع الشرب ناسياً، ولا كذلك الخطأ مع النسيان. وما ذكر من العلة- قلنا: الحكم ببقاء الصوم مع الأكل ناسياً ما كان لعدم القصد، بل لمعنى آخر.
وأما الثالث- قلنا: ما ذكرنا أن المقايسة اعتبار الشيء بغيره والمحاذاة بينهما، ولا يتصور ثبوته في شيء واحد، ومتى لم يتعد حكم الأصل إلى الفرع، لا يكون النظر فيه لإثبات الحكم مقايسة.
وأما كون الحكم شرعياً- فلأن القياس على الأصول الشرعية لا يكون بإثبات أحكام اللغة وغيرها.
وأما عدم النص في الفرع، فهو شرط عندنا.
وعند الشافعي ليس بشرط.
والخلاف فيه موضعين:
(أ) - أحدهما- أنه قال: يجوز أن يكون في الفرع نص ويزداد بالقياس بيان حكم النص، ولا يجوز أن يكون مخالفاً للنص، لأن الكلام، وإن ظهر معناه، يحتمل البيان الزائد ولا يحتمل الخلاف. فإذا جاء موافقاً قبل، وإن جاء مخالفاً بطل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 613)
ونحن نقول: القياس اعتبار الشيء بغيره. فإذا كان في الفرع نص، فالقائس إما أن يثبت ذلك الحكم أو خلافه:
الأول- لا يجوز، لأنه ثابت. قبله بدليل فوقه، فكيف يتصور إثباته بدليل هو دونه.
ولا وجه إلى الثاني- لأن مخالفة النص بالقياس، لا يجوز- دل عليه حديث معاذ وغيره من الأحاديث التي فيها توقيف الاجتهاد على عدم النص بقوله: "فإن لم تجد كتاباً ولا سنة"- لم يجز الاجتهاد إلا عند عدم النص.
(ب) - والموضع الثاني- أنه يجوز تعليل حكم الأصل، لا للتعدية، بل على وجه يقتصر الحكم عليه.
وعندنا: لا يجوز المقايسة إلا للتعدية بحكم التعليل، [و] الأصل عندنا تعدية الحكم إلى الفرع عند تعلق الحكم بتلك العلة في الأصل، والتعدية من ثمراته.
ومنهم من فرق بين العلة المنصوصة والعلة المستنبطة، فجوز كون العلة المنصوصة موقوفة، وأوجب كون المستنبطة متعدية.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه ما ذكرنا أن المقايسة والاعتبار لا يتحقق إلا بإثبات حكم الشيء في غيره، فإذا لم يتعد حكم الأصل إلى غيره لا يكون مقايسة. ولأن حكم المقايسة والاجتهاد إما أن يكون وجوب العلم أو وجوب العمل. والتعليل بالرأي لا يوجب العلم، وكان حكمه وجوب العمل. فإذا لم يتعد، لا يثبت له حكم أصلاً، لا فيما تناوله النص، لأن ثابت بدليل فوقه، ولا في غير ما تناوله النص، لأنه لم يتعد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 614)
فإن قيل: لهذا التعليل فائدة أخرى غير ما ذكرتموه- بيانه من وجهين:
أحدهما- الوقوف على علة الحكم. وهي فائدة مخصوصة للعقلاء. فإن من عرف وتحصل [له] معناه يزداد قلبه بذلك طمأنينة [إلى] الحكم والمعنى في المنصوص لما ذكرنا من الفائدة. وإنما الكلام في التعليل وبيان وجه العلة للحكم، وفائدته ما ذكرناه. على أن نقول: التعليل لا يفيد العلم وإنما يفيد الظن، والتعليل لفائدة الظن بدون الحكم لم يرد به الشرع، فلا يجوز التعليل لأجله.
وأما الثاني- قلنا: هذه الفائدة تحصل إذا لم نعلل النص أصلاً، ولأن التعليل بعلة قاصرة، لا يمنع التعليل بعلة أخرى متعدية، فلا يفيد هذه الفائدة.
احتج الشافعي رحمه الله وقال بأن تعلق الحكم بالعلة لا يعرف بالتقدم، وإنما يعرف لاختصاصها بوجه يوجب تعلق الحكم. فإذا دل الدليل على اختصاصها بذلك الوجه، يجب تعليله وتعليقه به.
والجواب:
نعم، تعلق الحكم بالعلة لما ذكرتم. لكن التعليل واستخراج العلة إنما يجوز لوجوب العلم والعمل، فكان ذلك متيقناً هنا، على ما مر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 615)
وأما من فرق بين العلة المنصوصة والمستنبطة، قال: لا فائدة في استخراج العلة واستنباطها إلا تسويغ القياس والتعدية. فأما المنصوص ففائدتها تعلق الحكم بها في الأصل، فلا يلزم التعدية فيها.
والجواب: كما لابد في المسنبطة من فائدة سوى الاستنباط، لابد في المنصوصة من فائدة سوى النص عليها، لأن ثبوت حكم النص لا يستفاد من العلة، لما مر، فبطل الفرق.
وأما شرطنا التعدية من غير زيادة ولا نقصان في الحكم، [فـ] لأنه لو زاد أو نقص، صار الفرع مخالفاً للأصل.
وأما الرابع- فلأنه [إ] لم يبق الحكم في الأصل بعد المقايسة، أو تغير عما كان عليه، كان فيه إبطال النص أو تغييره بالقياس، الذي هو دونه، وهذا لا يجوز.
153 - باب: الطريق إلى معرفة العلل الشرعية، وبيان أقسامه:
اعلم أن الطريق معرفة العلل الشرعية هو الشرع. لأن أحكام الشرع وكيفية ثبوتها بحسب العلل، لا يحصل إلا بالشرع.
ثم الطرق الشرعية في نفسها إما لفظ أو استنباط. و [إذا] كانت الطرق الشرعية إما لفظاً أو استنباطاً- فنبين كل واحد منها.
أما اللفظ- فنقول:
الألفاظ الدالة على صحة العلة إما صريحة، أو منبهة.
(أ) - فالصريحة- إما أن يكون لفظها لفظ العلة، أو ما يقوم مقام لفظ العلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 616)
فالأول- كقول القائل: أوجبت عليك كذا بعلة كذا.
والثاني- قوله: كذا لأنه كذا، أو لأجل كذا، أو لكي لا يكون كذا، قال الله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}.
(ب) - وأما الألفاظ المنبهة فأربعة أقسام:
أحدهما- أن يكون في الكلام لفظ غير لفظ التعليل، ولكن يقتضي تعلق الحكم بعلته، كتعليق الحكم بحرف الفاء، سواء دخل على السبب والعلة، أو على الحكم-[الأول] كقوله عليه السلام في ذلك المحرم: " لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيباً فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً". والثاني- كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}. وقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}. وكقول الراوي: " سها النبي عليه السلام فسجد"- و " ماعز زنى فرجم".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 617)
والقسم الثاني- أن يصدر القول من النبي عليه السلام عند علمه بصفه المحكوم فيه فيعلم أنها علة، نحو: أن يسأل النبي عليه السلام عن شيء ويذكر السائل صفة لذلك الشيء مما يجوز كونه علة مؤثرة فيه، فيجيب النبي عليه السلام، فيعلم أنها لو لم تكن مؤثرة في ذلك لم يجب. كقول القائل: "أفطرت يا رسول الله"، فيقول النبي عليه السلام: " عليك الكفارة" فعلم أن الكفارة وجبت لأجل الإفطار. ولو لم يكن الإفطار مؤثراً في ذلك، لما أوجبها عند سماعه.
والقسم الثالث- هو أن تكون الصفة مذكورة على حد [فـ] لولا كونها علة، لم يكن في ذكرها فائدة- وهو على أنواع:
1 - منها- أن يكون مذكوراً بلفظ"إن" كما روى أن النبي صلى الله عليه امتنع من الدخول على قوم عندهم [كلب]، فقيل: "إنك تدخل على آل فلان وعندهم هرة"- فقال عليه السلام: " إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" فلو لم يكن للطواف تأثير في طهارتها، لم يكن لذكرها فائدة، عقيب حكمه بطهارتها.
2 - ومنها- أن يوصف المحكوم فيه بصفة قد كان يمكن الإخلال بذكرها وذكر ما يجرى مجراها، فيعلم أنها ما ذكرت إلا لأنها مؤثرة، كما في قوله عليه السلام: " تمرة طيبة، وماء طهور".
3 - ومنها- التقرير على وصف الشيء. وهو نوعان:
* أحدهما- أن يقرر النبي عليه السلام وصف الشيء المسئول عنه، كقوله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 618)
عليه السلام عقيب السؤال عن بيع الرطب بالتمر: " أو ينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم- فقال عليه السلام: لا إذن" فهذا يدل على كونه علة.
- وأما الثاني- أن يقرر النبي عليه السلاك ما يشبه المسئول عنه ويثبته عل وجه التشبيه، كقوله عليه السلام لعمر حين سأله عن القبلة للصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته؟ " فعلم أنه إنما لم يفسد الصوم في المضمضة والقبلة، لأنه لم يحصل بهما ما يتبعهما من الإنزال والإرواء.
4 - ومنها- أن يفرق النبي عليه السلام بين شيئين في الحكم بذكر صفة، فيعلم أن لو لم تكن الصفة علة لم يكن لذكرها في موضع الفرق معنى، نحو قوله عليه السلام: " القاتل لا يرث"، ففرق بينه وبين جميع الورثة بذكر القتل الذي يجوز كونه مؤثراً في نفي الإرث- علمنا أنه علة نفي الإرث. وكقوله عليه السلام عقيب أمر القاضي بالقضاء: " لا يقضي القاضي وهو غضبان" يدلنا أن الغضب علة المنع منه.
وأما القسم الرابع- فهو النبي عن فعل يمنع الواجب، فيعلم أن العلة من كونه محرماً، كونه مانعاً من الواجب، وإن لم يصرح به. وهو كقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}: يعلم أن علة كونه مانعاَ من [البيع] وجود واجب تقدم وجوبه. وكقوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 619)
لما نهى عن ذلك بعد وجوب إعظام الأبوين، وإنه مناف له- علم أن العلة فيه ذلك، فيقتضي تحريم الضرب بطريق الأولى، لأن المنافاة بينه وبين الإعظام أكثر. وبعض الناس قالوا بأن المنع من ضربهما معقول من جهة اللفظ، لا من جهة القياس، وهذا غير صحيح، لأنه لو كان كذلك، لكان اللفظ موضوعاً له لغة، ولا يجوز أن يكون موضوعاً له عرفاً، لأن العلم بحرمة ضربهما بهذه الآية موقوف على قياس الأولى، وهو ما ذكرنا من وجوب الإعظام، ومناقاة الضرب إياه أكثر من منافاة التأفيف، فمن لم يحصل هذه الجملة، لا يحصل له العلم بحرمة ضربهما بهذه الآية- إلا أن لقائل أن يقول: نحن لا نقول بأن حرمة الضرب مستفادة بصريح اللفظ، حتى يشترط كونه موضوعاً له لغة أو عرفاً بطريق الدلالة، لما نذكره في حد الاستدلال.
وأما طريق العلل المستنبطة- فقد تكلم الناس فيها:
بعضهم اعتبر المشابهة بين الأصل والفرع طريقاً وعلة للحكم.
وبعضهم اعتبر الإخالة.
وبعضهم اعتبر الاطراد في جميع المعلولات.
وعندنا- طريق معرفة العلة المستنبطة ثلاثة أشياء: التأثير، والملازمة بين الحكم والوصف، وإبطال جميع الأوصاف إلا الوصف الذي هو علة.
ونحن نبطل أقاويل المخالفين، ثم نقرر كل واحد من هذه الطرق الثلاثة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 620)
[أ- إبطال أقوال المخالفين]
1 - أما من اعتبر مجرد الشبه:
يقال له: اعتبرت الشبه في وصف هو علة، أو في وصف ليس بعلة؟
[فـ] إن قال بالأول- لزمه بيان كونه علة بالدليل.
وإن قال بالثاني- فهو باطل، لأنه ما من شيء من المحدثات إلا وبينها مشابهة في وصف ما، حتى المختلفات والمتضادات، فيصح قياس كل شيء على طل شيء، وهذا باطل.
2 - وأما من اعتبر الإخالة:
يقال له: إن الإخالة أمر باطن لا يمكن تعليق الحكم به. ولأنه في حيز المعارضة، لأن المجيب لو قال قائل لي: إن علتي صحيحة وعلة السائل باطلة.
فللسائل أن يقول: مثل ذلك.
3 - وأما من اعتبر الاطراد:
يقال له: عنيت بالاطراد ملازمة الحكم الوصف الذي هو علة على ما نذكره، أو شيئاً آخر؟
[فـ] إن قال بالأول- فهو الملازمة، وهي طريق صحة العلة، لما نذكر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 621)
وإن قال بالثاني- فلابد من بيانه، وبيان كونه طريقاً لمعرفة العلة، ولا سبيل إليه.
[ب- طريق معرفة العلة المستنبطة]
وأما الدلالة على صحة ما ذهبنا إليه:
1 - أما التأثير:
فالمعني به اختصاص الوصف بحالة تناسب الحكم، ولو عرض على العقل، فالعقل يقضي بثبوت الحكم به. ولا نعني بالعلة إلا هذا.
والتأثير بهذا التفسير تارة يثبت بالنص على طريقة الإجمال، وتارة يثبت بالإجماع، وتارة بنظر العقل بطريق التفصيل.
فالثابت بالنص- كتأثير الطوف في سقوط نجاسة الهرة، فيقاس عليه سائر سكان البيوت.
والثابت بالإجماع- كتأثير التهمة في منع قبول الشهادة. فإنهم أجمعوا على رد الشهادات بالتهم، فيقاس عليه شهادة أحد الزوجين لصاحبه.
والثابت بنظر العقل- كقياس التفاوت بين اليد الصحيحة واليد الشلاء، في منع وجوب القصاص، فإن استيفاء الزيادة ظلم، وهو ضرر، وذلك منفى عقلاً، فيقاس عليه التفاوت بين الأيدي واليد الواحدة، من حيث العدد، فيمنع وجوب القصاص بطريق الأولى.
2 - أما الملازمة:
فالمعنى بها أن الحكم، ويوجد عند وجود الوصف، وينتفي عند انتفائه عادة. وذا يقتضي كون الوصف علة للحكم، لأن علل الشرع أمارات،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 622)
والأمارة ما تقتضي غلبة الظن. والملازمة على هذا التفسير تقتضي غلبة الظن.
3 - وأما إبطال سار الأوصاف:
فإن الوصف الذي هو علة هذا- هو أن تجمع الأمة أو القائون على تعليل أصل، ويختلفون في علته، ونبطل جميعها إلا وصفاً واحداً، فيكون هو العلة، لأنه لو لم يكن كذلك، لخرج الحق عن أقاويل الأمة.
فإذا لم يجمعوا على تعليل الأصل، بل علل بعضهم، واختلف من علل، فمنهم من علل بعلة ومنهم من علله بأخرى، وفسدت إحداهما، لا يجب صحة الأخرى، لأنه ليس في فسادها ذهاب جميع الأمة عن الحق.
154 - باب في: تعليل أصول العبادات والتقديرات وغير ذلك. والفرق بين القياس والاستدلال:
اختلف الناس في إثبات أصول العبادات وغيرها من المقدرات، كالحدود والكفارات، بالقياس:
[فـ] ذهب الكرخي وجملة من المتكلمين- إلى المنع منه. وحكاه الكرخي عن أبى حنيفة رحمه الله.
وذهب الشافعي وأصحابه- إلى جواز ذلك كله، بالقياس.
وحكي عن أبى يوسف رحمه الله أنه قبل خبر الواحد في إثبات الحدود، كما تقبل الشهادة. وهذا يقتضي أنه يثبت الحد بالقياس أيضاً لأنه كخبر الواحد، في إفادة الظن- فإن لم يمنع إثباته بأحدهما، وإن كان يدرأ بالشبهة، فكذلك الآخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 623)
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- أن القياس إثبات الحكم بأمارة يغلب على الظن ثبوت الحكم بها إذا عرض على العقل، والعقل لا يهتدي إلى إيجاب صلاة سادسة، وإلى كون نصاب الإبل مقدراُ بخمس، ونصاب الغنم بأربعين، وإلى كون الزنا موجباً لمائة جلدة، وإلى كون الكفارة مقدرة بإطعام عشرة مساكين، من غير زيادة ونقصان، فلا يمكن إثباتها بالقياس.
فإن قيل: نحن نثبت أصل المقدر بالقياس، وأصل هذا المقدر مما يعرف بالعقل، فأما التقدير [فـ] يثبت بالنص، لا بالقياس. كإيجاب الجلدات مثلاُ بالزنا: معقول، لأنه جناية، وهذه عقوبة، فكان ملائماً له، إلا أن كونه مقدراً بمائة لا يدرك بالقياس. فنحن نعلل أصل الحد المقدر بالقياس، دون التقدير. وكذا في سائر المقدرات - قلنا: أثبتم بالتعليل والمقايسة أصل العقوبة، أو هذه العقوبة المقدرة المعينة؟
(أ) - إن قال بالأول- فنحن نقول: كل جناية تستحق بها العقوبة إما عاجلاً أو آجلاً، ولا كلام فيه. إنما الكلام في إيجاب هذه العقوبة المعينة المقدرة، وهذا لأن الجنابة إن كانت مؤثرة في استحقاق العقوبة، وقد وجبت هذه العقوبة المقدرة، ولكن يحتمل أنها وجبت، لأن هذه الجناية ما أوجبت إلا هذا القدر من العقوبة، ويحتمل أنها أوجبت عقوبة ما مقدرة بمقدار ما، إلا أن تعيين هذه العقوبة والتقدير بهذا لمصلحة أخرى لا نقف عليها، فلا يمكن إثبات التعليل بكونها جناية. وكذا هذا الكلام في تكفير اليمين بإطعام عشرة مساكين، وغير ذلك. وكذا هذا في كون النصاب المقدر سبباً لمال مقدر، بعلة كونه شكراً: يحتمل أن شكر هذا المقدار من النعمة [يكفيه] هذا القدر، ويحتمل أن التقدير بهذا القدر لمصلحة أخرى، فلا يمكن إيجاب شيء من ذلك، بالقياس.
فإن قيل: أليس أن أبا حنيفة وأصحابه رحمهم الله أثبتوا الكفارة على المفطر. بالأكل والشرب في رمضان بالقياس، وأنهم قالوا إنما وجبت الكفارة بالوقاع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 624)
في حديث الأعرابي، لأنه مفسد للصوم بجهة التعمد، وهذا المعنى موجود في الأكل والشرب، فيوجب الكفارة، وهذا محض قياس- قلنا: لا نوجب الكفارة بالقياس، بل بالاستدلال بموضع النص:
بيانه- أنا لا نقول إن الكفارة ثمة وجبت بهذه العلة، وهي موجودة هنا- لكنا نقول: النص تناول إفساد الصوم، وهذا إفساد الصوم. بيانه- أن الكفارة تعلقت بمواقعه هي إهلاك، فإن الأعرابي قال: هلكت وأهلكت، فقال عليه السلام: "ماذا صنعت؟ " فقال: واقعت امرأتي في نهار رمضان. والمواقعة ما كانت متعلقة بإفساد الصوم، وهذا بعينه إفساد الصوم. وهو على مثال الضرب مع التأفيف في قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} فإن النص لا يقتضي حرمة التأفيف لذاته، بل من حيث أنه إيذاء أحد الأبوين، وترك إعظامهما، والضرب في ذلك أعظم، فيجب تحريمه بطريق الاستدلال لا بالقياس.
فإن قيل: هذا لا يخليكم عن عهدة الإلزام، لأنا نقول: المنصوص عليه في حديث الأعرابي الوقاع، دون الأكل والشرب، والجماع بعين النص،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 625)
أو لأنه شاركه في المعنى، وهو كونه إفساداً للصوم ومنافياً تعظيم الوالدين؟ إن قال بالأول- فقد أبعد، لأن اللفظ غير موضوع له لغة ولا عرفاً.
(ب) - وإن قال بالثاني- فهو عين القياس.
قلما: نحن نثبت حرمة الضرب والكفارة بالأكل والشرب بالنص، لا بالمقايسة، لكن لا بصريح النص، ليحتاج فيه إلى كونه موضوعا له لغة أو عرفاً؟ بيانه- هو بيان طريق الاستدلال: أن الكفارة في حديث الأعرابي ما تعلقت بعين الوقاع لما مر، وإنما تعقلت بالإهلاك بإفساد الصوم، فصار كأن النبي عليه السلام قال: عليك الكفارة بإفساد الصوم. هذا هو المفهوم من النص عند وجود هذه القرائن، وإن لم يكن اللفظ موضوعاً له. وهذا إفساد الصوم، فيكون متناولاً بالحديث. وكذا قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} لم يتناول عين التأفيف، بل أذى الوالدين وترك إعظامهما، فصادر كأن الله تعالى قال: " ولا تؤذوهما ولا تفعلوا فعلاً ينافي إعظامهما"، ولو قال ذلك، كان الضرب متناولاً بالنص، إلا أن هذا النوع من التناول يعرف بنظر دقيق ويبتني على مقدمات خفية، فسميناه " استدلالاً"، وجعلنا الثابت به ثابتاً بدلالة النص، لا بالقياس. ولهذا لم يجز دفع حرمة الضرب مع بقاء حرمة التأفيف. وفي القياس يجوز أن يرتفع حكم الفرع ويبقى الأصل، كحرمة البيع في الأرز مع الحرمة في البر.
وأما المخالف- احتج بقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} وغيره من الدلائل الموجبة للقياس، على سبيل الإطلاق.
والجواب أن هذه الدلائل تقتضي التعبد بالقياس، فيما تعرف علة القياس فيه، وأمكن تعديته فيه بالمشاركة في العلة، وهنا لا يمكن- والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 626)
155 - باب في: تعليل الأصل الواحد بعلل مختلفة:
ذهب أصحاب الشافعي رحمه الله إلى المنع من ذلك.
و[نحن] نجوزه، سواء كان لحكم واحد أو لأحكام مختلفة.
مثال التعليل لحكم واحد- تعليل الله تعالى حرمة الخمر بإيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى والصلاة.
ومثال التعليل لأحكام- تعليل الصلاة بكونها عبادة، لاشتراط النية في الوضوء وبكونها حق الله تعالى.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- أن العلة إما إن كانت أمارة على الحكم أو وجه المصلحة في الحكم:
- فإن كانت أمارة- جاز اجتماع الأمارات على حكم واحد وعلى أحكام، كاجتماع الأدلة على وحدانية الله تعالى وعلمه وقدرته.
- وإن كان وجه المصلحة- جاز أن يكون الشيء الواحد صلاحاً من وجهين بل من وجوه كثيرة. دل عليه أن الله تعالى علل تحريم الخمر بعلل على ما ذكرنا-[و] دل عليه العرف، فإنه يصح أن يقول القائل: أعط درهماً فلاناً لأنه فقير ولأنه متعفف ولأنه قريبي. وهذه علل مختلفة.
فإن قيل: إذا عرف الحكم بعلة واحدة، فالتعليل بالأخرى لا يفيد- قلنا:
- إن كان التعليل لحكم واحد، [فهو] كالأدلة المتظاهرة على مدلول واحد.
- وأن كان لأحكام كثيرة، [فهو] يفيد تعدد الحكم في الفروع- مثاله ما قلنا: إذا قال لغيره: أعط فلاناً لأنه فقير ولأنه فاضل ولأنه متعفف،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 627)
يثبت حكم الإعطاء في أشخاص اتصفوا بهذه الصفات.
156 - باب في: حكم الفرع إذا تقدم على الأصل:
مثاله- قياس الوضوء على التيمم، في اشتراط النية- لأن الوضوء وجب بمكة، والتيمم بعد الهجرة.
وقد منع من ذلك قوم، لأن شرط ما تقدم وجوبه، [لا] يجوز أن يكون بما تأخر وجوبه، لأن الدليل [لا] يتأخر عن المدلول [عليه].
ونحن نقول ذلك على التفصيل:
- إن كان الفرع الذي تقدم حكمه بحال لم يدل الدليل على ثبوت حكمه إلا القياس على ذلك المتأخر- لا يصح ذلك القياس، لأنه لا يكون على الحكم الذي تعبدنا به دليل في الحال.
- وإن دل على حكم الفرع دليل آخر متقدم- لا يبطل ذلك القياس، لأنه يجوز أن يدلنا الله تعالى على حكم بأدلة مترادفة، كالمعجزة المقارنة بابتداء الدعوة- والله أعلم.
157 - باب في: العلة هل هي دلالة على اسم الفرع، ثم تعلق به حكم شرعي- أم تدل ابتداء على الحكم؟
قال بعضهم: الثابت بالقياس في الفروع، الأسامي، ثم تعلق بها حكم شرعي-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 628)
قالوا: ثبت بالقياس أن الشفعة تركة ثم تبث الإرث فيها. وأن اللواطة زنا ثم تعلق بها الحد. وثبت بالقياس كون خمراً ثم يحرم بالآية.
وأكثر الفقهاء متفقون على أن العلل تثبت بها الأحكام- فهم:
- إن منعوا من إثبات الأحكام في الفروع بالقياس، فذلك باطل، لما ذكرنا من كون العلل أمارات على الأحكام.
- وإن أرادوا بالعلل العلل الشرعية، وبالأسماء اللغوية، فهو باطل، لأن اللغة سابقة على الشرع، [و] لتقدمها خاطبنا الشرع بها، فلا يجوز أن تثبت [بـ] ما يتأخر عنها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 629)