وليس فيهم من علل بكل واحد منها. ومتى تنافت العلة، واشتبه القول في فروعها، وجب الترجيح- فنبين:
أولاً- ما الترجيح؟ ، وما الفائدة فيه؟ ثم نبين وجوه الترجيح.
[ثانياً- الترجيح في العلل]
(أ) - أما معني الترجيح- في اللغة: إظهار الزيادة لأحد المثلين على الآخر، بإثبات وصف فيه. من ذلك: أرجحت الوزن، إذا زدت جانب الموزون حتي مالت كفته على كفة السنجات، وضده التطفيف.
فكذا ترجيح العلة على العلة: هو تقوية إحدى العلتين على الأخرى.
ولهذا لا يصح الترجيح بين الشيئين، إلا بعد تكامل كونهما علتين لو انفرد كل واحد منهما، لأنه لا يصح ترجيح علة [على] ما ليس بعلة.
(ب) - وأما الفائدة في الترجيح- هو أن يقوى الظن الصادر عن إحدى الأمارتين عند تعارضهما. ولذلك لا يصح الترجيح من الأدلة، لأن الأدلة لا تتعارض، ولأن الأدلة لا تقتضي الظن، وإنما تقتضي العلم والتزايد في العلم.
(ج) - وأما وجوه الترجيح- فجملتها من وجوه أربعة:
أحدهما- يرجع إلى طريق الملة.
والثاني- يرجع إلى الحكم الذي هو طريقه.
والثالث- يرجع إلى مكانها، وهو الأصل أو الفرع.
والرابع- يرجع إليها جميعاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 651)
1 - أما الذي يرجع إلى طريقها:
فمنه- ما يرجع إلى طريقها في الأصل.
ومنه- ما يرجع إلى طريقها في الفرع.
(أ) - أما الأول [الذي في الأصل]: فنوعان:
-أحدهما- أن يكون طريق وجودهما في الأصل أقوي. وذلك بأن يعلم وجود أحدهما في الأصل بالحس والضرورة، نحو كون البر مكيلاً أو مطعوماً، ويكون الآخر معلوماً بالاستدلال وجوده فيه. أو أحدهما معلوم وجوده في الأصل بدليل، والآخر مظنون وجوده فيه بأمارة. أو يكونا جميعاً مظنونين بأمارتين، غير أن أمارة أحدهما أقوي. وذلك وجه في الترجيح، لأن الوصف لا يكون علة في الأصل إلا وهو موجود فيه. فإذا كان علمنا أو ظننا بوجوده فيه أقوى من علمنا وظننا وجود الآخر فيه، صار ظننا، بكونه علة حكم الأصل، أقوي.
-والنوع الثاني- أن يكون طريق كونها علة حكم الأصل أقوى. وذلك بأن يكون طريق كونها علة حكم الأصل نص، وطريق الآخر استنباط، أو أمارة أحدهما أقوى من الأخرى. وذلك يوجب الترجيح، لأن ما قوى طريقه قوى الظن به أو الاعتقاد له.
(ب) -[والثاني- الذي في الفرع]:
وكذا الذي طريق وجودهما وكونها علة في الفرع، أقوى من طريق وجود الأخرى، وكونها علة في الفرع، لأن ثبوت الحكم في الفرع تبع لوجود علته، فإذا قوى علمنا أو ظننا بوجودها في الفرع، قوى علمنا أو ظننا بالحكم فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 652)
2 - أما الراجع إلي الحكم:
فضربان:
أحدهما- يتعلق بحكمها في الأصل.
والآخر- يتعلق بحكمها في الفرع.
(أ) - أما التعلق بالأصل، فضربان:
أحدهما- أن يكون طريق ثبوت أحد الحكمين في الأصل أقوى من طريق ثبوت حكم الآخر في الأصل نحو أن يدل على حكم أصل دليل قاطع، ويدل على حكم الأصل الآخر أمارة، وذلك وجه الترجيح، لأن الوصف لا يكون علة للأصل إلا وحكمه ثابت فيه. فإذا كان أحد الأصلين أقوى ثبوتاً، كان ما يتبعه، من العلة ومن حكم الفرع، أقوى ثبوتاً.
والآخر- أن يكون أحد الحكمين شرعياً والآخر عقلياً. وهو وجه الترجيح، لأن القياس دلالة شرعية. والأولي من الأدلة الشرعية أن تكون أحكامها شرعية، لأنها أشد مطابقة للأدلة.
فإن قيل: كيف يجوز أن نستخرج من أصل عقلي علة شرعية؟ قلنا: يجوز ذلك إذا لم ينقلنا عنه شرع، فنستخرج العلة التي لم ينقلها عنه الشرع.
فأما إذا كان أحد الحكمين نفياً والآخر إثباتاً، وكانا شرعيين:
قال بعضهم: لا يكون أحدها أولى من الآخر. وقد ذكرنا في باب ترجيح الأخبار: أنه لا بد في النفي والإثبات من أن يكون أحدها عقلياً والآخر سمعياً.
(ب) - وأما المتعلق بالفرع- فمن وجوه:
1 - منها- اليسر والعسر: بأن يكون أحد الحكمين فيه يسر والآخر فيه عسر:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 653)
فبعضهم- رجحوا باليسر.
وبعضهم- رجحوا بالعسر.
وبعضهم قالوا: يطلب الترجيح بوجه آخر.
ونحن نقول: الكلام فيه كالكلام في النفي والإثبات، إذ لا بد أن يكون أحدهما عقلياً والآخر شرعياً.
2 - ومنها- أن يكون أحد الحكمين في الفرع حظراً والآخر إباحة: فإن كان الحظر شرعياً، كان أولى، وكانت علته أولى، ولأن الأخذ بالحظر أحوط.
وإن كان الحظر عقلياً، فكونه حظراً جهة ترجيح.
وكون الإباحة شرعية، [جهة] ترجيح الإباحة.
قالوا: يجب الرجوع إلى ترجيح آخر. فلا بد في الحظر والإباحة من أن يكون أحدهما عقلياً والآخر شرعياً، على ما بينا في الأخبار.
3 - ومنها- أن يكون حكم إحدى العلتين العتق، وحكم الآخر الرق.
فالمثبتة للعتق أولى، لأن تعلق الحرية بالقول ثابت في الشرع، لا بالعقل. وهو من هذه الجهة حكم شرعي. ولأن العتق في الشريعة قوة [لأنه]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 654)
لا يلحقه الفسخ، فكانت علته أقوى.
4 - وأما إذا كان حكم إحداهما في الفرع إسقاط الحد، وحكم الأخرى إثباته، فالمسقطة أولي، لوجهين:
أحدهما- أنه أخذ علينا إسقاط الحدود.
والثاني- أنها تقتضى الحظر، وهو أولى.
5 - وأما الترجيح بكون أحد حكمي العلة أزيد من الأخرى، وهو أن يكون حكم إحداهما الإباحة، وحكم الأخرى الندب، فالتي حكمها الندب أولى، لأن الندب يتضمن شيئاً من معنى الإباحة الذي هو الحسن، ويزيد عليه، فكان أولى، إذا كانت الزيادة شرعية، ولأنه لا تعارض في اقتضاء الزيادة.
6 - وأما الترجيح بشهادة الأصول- فهو من وجهين:
أحدهما: أن يكون حسن ذلك ثابتاً في الأصول، مثل تحريم المثلة [في الجملة] فالعلة المحرمة لمثلة مخصوصة أولى، لأن الشريعة في الجملة تشهد لها.
والثاني- أن يراد بها: الكتاب والسنة والإجماع. وهذه إن كانت صريحة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 655)
فهي الأصل في الدلالة، ولا يجوز وقوع الترجيح بها. وإن مسها احتمال شديد، جاز ترجيح القياس بها، لو ترجحت دلالة القياس على دلالتها.
7 - وأما قول الصحابي فيقع الترجيح به، لأنه أعرف بمقاصد النبي عليه السلام.
8 - وكذلك إذا عضدت علة علة، كما ترجح أخبار الآحاد بعضها ببعض. وكما يرجح الخبر [على خبر آخر] بكثرة الرواة.
9 - وكذا العلة التي لا تخص العموم أولى من التي تخصه، لأن لفظة العموم شهدت لها.
3 - وأما الذي يرجع إلى مكانها، وهو الأصل أو الفرع
(أ) - وأما الترجيح بما يرجع إلى الأصل:
فهو أن يكون إحدى العلتين منتزعة من أصول كثيرة، والأخرى منتزعة من أقل من تلك الأصول. أو إحداهما منتزعة من أصول، والأخرى من أصل واحد.
فمن الناس من لم يرجح بذلك.
ومنهم من يرجح به، وهو الأولى، لأن كثرة الأصول شاهدة لإحدى العلتين، فيكون حكمها أكثر ثبوتاً في الأصول، من حكم الأخرى، وذلك مقو للظن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 656)
وقال بعضهم: إنما يرجح بذلك إذا كانت الأصول بعلل من طرق مختلفة. أما إذا كانت الأصول تعليلها من طريقة واحدة، فلا رجحان بكثرة أصولها.
(ب) - وأما الترجيح بما يرجع إلى الفرع:
وهو أن يكون فروع إحدى العلتين أكثر من فروع الأخرى:
رجح بذلك قوم، وقالوا: إنها إذا كثرت فروعها، كثرت فائدتها، فكان أولى.
والصحيح خلاف ذلك. لأن إفادتها للفروع لا يحصل إلا بعد ثبوتها عليه، فكيف يستفاد كونها علة من كثرة فروعها؟ ولأن كثرة الفروع إشارة إلى كثرة الحوادث التي يحكم فيها بهذا الحكم، وهذا أمر حقيقي يحدث لخلق الله تعالى، لا [ب] أمر شرعي، فلا يترجح به العلة.
4 - وأما الترجيح بما يرجع إلى الأصل والفرع
فهو أن تكون إحدى العلتين يرد بها الفرع إلى ما هو من جنسه، كرد كفارة إلى كفارة. والأخرى يرد بها الفرع إلى ما ليس من جنسه، كرد كفارة إلى غير كفارة، فيكون الأول أولى، وهو مذهب الشيخ أبى الحسن الكرخى رحمه الله. وأكثر الشفعوية، لأن الشيء أكثر بجنسه منه بخلاف جنسه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 657)
فيوجب ذلك تقويه وإن [لم] تكن علة في نفسها فتوجب الترجيح- والله أعلم.
(ج)
162 - باب في: أن المجتهد- هل يجوز أن يعتدل عنده الأمارات في المسألة؟ وإذا اعتدل فما حكمه؟
- منع بعضهم من جواز ذلك، وقال: لا بد أن تترجح إحداهما على الأخرى، وإن لم يقدر عليه المجتهد في بعض الأحوال- وإليه ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى رحمه الله.
-وأجاز الباقون ذلك، وقالوا: يكون المجتهد، عند تساوى الأمارتين، مخيراً بين حكميهما.
والدلالة على جواز ذلك:
أن تعارض الأمارتين [يكون] لاستوائهما في الجهة المقتضية للحكم ونفيه، وذلك إما [لتساوى] وجه المصلحة أو التأثير، لمشابهة الفرع الأصل في المقتضي للحكم. ولا يمتنع أن تتعلق المصلحة بإثبات الحكم من وجه، وتتعلق بنفيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 658)
من وجه آخر، ويتساوى الوجهان عند المجتهد. وكذا المشاركة في الوصف المقتضي للحكم: جاز أن يكون في الفرع وجه يشارك أصلاً يثبت الحكم فيه، بناء على وصف، ووجه آخر يشارك أصلاً ينفى الحكم بناء على وصف آخر. وعند ذلك تتعادل الأمارتان، ولا يمكن الترجيح ينهما.
ونظيره أن يخبر اثنان بإثبات الشيء ونفيه، ويستوي عنده عدالتهما وصدق لهجتهما. وكذا قد تتعارض الأمارات الدالة على جهة القبلة عند الاشتباه بحيث يتعذر الترجيح.
فإن قيل، وهو شبهتهم: لو تعادلت الأمارتان، لم يكن الحكم بإحداهما أولى من الحكم بالأخرى. وفى ذلك إثبات حكميهما على الجمع، وهو محال [أ] وإبطال حكميهما، لوقوع الشك في كل واحد منهما، وذلك باطل- قلنا: هنا حكم آخر، وهو تخيير المجتهد في الحكم بأيهما شاء.
وبيان ذلك أن للأقسام هنا خمسة:
- إما العمل بالدليلين جميعاً. أو 2 - إسقاطهما. أو 3 - التوقف في الحكم. أو 4 - تعيين أحدها للعمل به. أو 5 - التخيير.
1 و 2 - لا وجه إلى الجمع عملاً وإسقاطاً، لأنه متناقض.
3 - ولا وجه إلى التوقف، لأن في التوقف إلى غاية تعطيل حكم الحادثة، وحاجة المكلف.
4 - ولا وجه إلى تعيين أحدهما، لأنه تحكم من غير دليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 659)
5 - فلا يبقى إلا الوجه الخامس، وهو التخيير. وصار كاجتماع المفتيين على العامى في الفتوى.
فإن قيل: كما استحالت هذه الأقسام، استحال التخيير أيضاً، لأنه جمع بين النقيضين- قلنا: المحال ما لو صرح الشرع به لم يفعل. فلو قال الشرع: خيرت المجتهد في أن يحكم في هذه الحادثة بأي الحكمين شاء، لا يكون محالاً- ألا ترى أنه خير من اشتبهت عليه أمارات القبلة، وخير من هو داخل الكعبة، في الصلاة إلى أي جهة شاء.
فإن قيل: التخيير إنما يثبت بلفظة موضوعة له، كما في المسائل التي ذكر، ولم يوجد هنا- قلنا: تعادل الأمارتين كلفظ التخيير في الدلالة عليه، إذا لم يكن حكم إحداهما أولى من الأخرى، ولم يمكن الجمع، فليس إلا التخيير. وقد يثبت التخيير من غير لفظه، لأن من ملك مائتين من الإبل السائمة هو مخير بين أداء أربع حقاق أو خمس بنات لبون. وليس في ذلك لفظ التخيير، وإنما قال عليه السلام: "في كل أربعين بنت لبون. وفى كل خمسين حقة" فإن قال: هذا يقوم مقام لفظ التخيير- قلنا: وكذلك تعادل الأمارتين.
والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 660)
(د)
163 - باب في: القول بالقولين:
جوزه أصحاب الشافعي رحمه الله. ورجحوا أن له قولين في كثير من المواضع.
وأنكره عامة الفقهاء رحمهم الله.
ونحن نقول: إن ذلك ينقسم إلى خمسة، وهى باطلة.
بيانه- أن القول في المسألة بالقولين:
1 - إما أن يراد به أنه قال في أول عمره قولاً، ونقل عنه آخر.
2 - أو روى عنه أحد القولين في وقت وموضع، والآخر في وقت آخر وموضع آخر.
3 - أو أنه أدى اجتهاده إلى قولين مختلفين، ثم رجع أحدهما.
4 - أو أنه تساويا عنده، ولم يحكم فيه بشيء.
5 - أو أنه تعادلت الأمارتان عنده، فقال فيه بالتخيير.
أما الأول- فهو باطل. لأن قوله الصحيح قوله الأخير المرجوع إليه. وكان قوله واحداً. كما أن عمر رضي الله عنه كان كافراً ثم آمن، وكان له في كل حال دين واحد.
وأما الثاني- فباطل أيضاً، لأن من اختلفت عنه الروايات في المسألة، كان الصحيح هو الأخير، والأول رجوع عنه- عرفنا التاريخ أو لم نعرفه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 661)
وأما الثالث- فباطل أيضاً، لأنه حينئذ إذا رجح أحدهما كان هو القول الصحيح.
والرابع- لا يكون له قول أصلاً، لأنهما إذا تساويا عنده، وتوقف فيه، لم يكن في المسألة قول أصلاً، بمنزلة العامي غير المجتهد.
وأما الخامس- فالقول بالتخيير عند تعادل الأمارتين غير جائز عند البعض- على ما مر.
وعندنا: إن جاز ذلك، ولكن لا يقال إن له فيه قولين، بل قول واحد، وهو التخيير، فإن أحداً لم يقل إن للمسلمين في كفارة اليمين ثلاثة أقاويل: أحدها أنه يكفر بالعتق، والثاني أنه يكفر بالكسوة، والثالث أنه يكفر بالإطعام. وأن لهم في الصلاة في الكعبة أقاويل كثيرة. وفى الخروج من دار مغصوبة ذات بابين قولان.
فهذا هو حاصل الكلام في هذا الباب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 662)
(هـ)
164 - باب الكلام في الحظ والإباحة. وأن الأشياء قبل الشرع على الحظر أو على الإباحة.
اختلفوا في ذلك:
قال بعضهم: إنها على الإباحة- وإليه ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى.
وقال بعضهم: إنها على الحظ. وهو مذهب أكثر الفقهاء.
وبعضهم توقفوا في حظرها وإباحتها.
وقال إمام الهدى أبو منصور الماتريدى رحمه الله: التكلم في هذه المسألة ضائع، لأن زماناً ما لم يخل عن الشرع. لأن أول البشر آدم عليه السلام، وهو كان نبياً، وقد ثبت بقوله إباحة ما أبيح وحظر ما حظر. وبعد لم يخل زمان عن نبي أو ممن يقوم مقامه.
إلا أنا نقول: هذه المسألة تقديرية. ومعناه: لو قدرنا خلو زمان عن شرع- ما قضية العقل فيها؟ وتحقيقه من وجهين:
أحدهما- إن أزمنة الفترة بين بعثة نبيين يخلو عن الشرائع، فما حكم العقل فيما؟ .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 663)
والثاني- إن لم يخل زمان عن شرع، لكن إباحة ما أبيح من هذه الأشياء وحظر ما حظر- استفيد بالشرع وحده، أو به وبالعقل؟
ثم إنما اختلفوا فيما ليس يعلم قبحه بالعقل قطعاً، ضرورة أو استدلالاً، كالظلم والكذب والكفر والجهل. ولا حسنه ووجوبه، كالعلم بالله تعالى وشكر المنعم والصدق وغير ذلك. وهى كالانتفاع بالمآكل والمشارب ونحو ذلك.
(أ) - والدليل على أن الانتفاع بهذه الأشياء مباح في العقل: أن الانتفاع به منفعة ومصلحة في حق المكلف، ولا يعلم فيه شيء من وجه القبح. أعنى ما يعلم قبحه قطعاً. وكل ما هذا سبيله، فالعقل يقضى بحسنه وإباحته. أما كونه نفعاً ومصلحة، فلا شبهة فيه. وأما عراؤه عما ذكرنا من وجوه القبح، فلأنا لا نعلم قطعاً أن فيها وجه قبح، كما في الكفر والكذب والجهل.
وإذا ثبت هذا- فكل فعل فيه مصلحة المكلف قطعاً ولا يعلم فيه مفسدة قطعاً، فالعقلاء يستحسنونه ويلومون على المنع منه، كما في الشاهد: إذا منع المولى عبده عن شيء ينفعه ولا يضر المولى ولا أحداً غيره.
فإن قيل، وهو شبهة القائلين بالحظر: لا نسلم أنا لا نعلم فيه وجه قبح، بل إنا نعلم ذلك فيه، وهو:
[الأول]- أنه تصرف في ملك الغير، لأن هذه المخلوقات كلها ملك الله تعالى، وكون الفعل تصرفاً في ملك الغير جهة قبح، كما في الشاهد.
والثاني- إن لم يكن هذا جهة القبح والمفسدة، لكن جواز كونه ضرراً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 664)
ومفسدة ثابت، وهذا يكفى للقبح، لأن التحرز عن الضرر المحتمل واحتمال الفساد، واجب، والامتناع عنه قبح.
قلنا: نحن ادعينا أنه ليس في الانتفاع بهذه الأشياء وجه قبح معلوم قطعاً، كعلمنا بوجه النفع فيه، وهذا لا يمكن إنكاره. فمن ادعى أن فيه وجه القبح دون ذلك في العلم، وإنه يكفى للحظر- فعليه الدليل.
أما ما ذكر من الوجهين:
أما الأول- فالجواب عنه من وجوه:
أحدها- أن معنى كون الشيء ملك لنا، يخالف معنى كونه ملكاً لله تعالى، فلا يجوز الاستدلال بالشاهد على. الغالب.
بيانه- أن معنى كون الشيء ملكاً لواحد منا، هو أنه اختص به من غيره، بجهة الانتفاع، وهذا مستحيل في حق الله تعالى. بل معنى كون الأشياء ملكاً له، أنه القادر على إيجادها وإثباتها، وهذا لا يمنع من الانتفاع بها. فإن قال: معنى كونه ملكاً له، ليس ما قلتم، بل هو أنه ليس لغيره التصرف فيما إلا بإذنه- قيل له: هذا تعليل الحكم بنفسه، ومع ذلك ممنوع.
وثانيها- أن الانتفاع بملك الغير إنما يحرم في الشاهد، لا لكونه ملكاً للغير، بل لأنه يستضر به المالك، ألا ترى أن الانتفاع على وجه لا يستضر به المالك لا يمنع، كالنظر في مرآة الغير والاستظلال بظل حائط الغير، وهذا لا يتصور فى حقه تعالى.
وثالثها- أن الانتفاع بملك الغير إنما يحرم بغير إذنه، وخلق هذه الأشياء مشتملة على وجوه المنافع وإباحة الانتفاع في العقل، يجرى مجرى الإذن من الله تعالى بذلك.
ورابعها- أن الامتناع من الانتفاع بها إضرار بالنفس، وهى ملك الله تعالى،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 665)
وكان الامتناع عنه قبيحاً، فوقع التعارض، فسقط الاحتجاج بجهة الملك.
وأما الثاني- فالجواب عنه من وجوه أيضاً:
-أحدها- أنه ليس في الانتفاع بها احتمال ضرر ومفسدة لوجهين:
أحدهما- أن الأصل في النفع أن يكون خالصاً، لأن الأصل انتفاء اجتماع الجهتين المتنافيتين، وجهة الضرر مخالفة لجهة النفع.
والثاني- لو كان فيه مفسدة لنبهه الله تعالى وأظهره، كما نبه على جهة النفع وأظهره.
هذا قضية الحكمة.
-وثانيها- إن كان فيه احتمال الضرر والمفسدة، لكن الأمارة على ذلك ووجه النفع فيه ثابت بأمارة، والمعتبر هو أمارة الضرر والنفع، لأن الاحتمال بغير أمارة، دل عليه أن العقلاء يلومون من امتنع من الفعل لتجويز الضرر بلا أمارة، ويعذرونه إذا كان فيه أمارة- ألا ترى أنهم يلومون من قام [من] تحت حائط لا ميل فيه لجواز سقوطه، لفساد في أساسه وباطنه، ولا يلومونه إذا كان مائلاً؟ ولا يلومون من امتنع من أكل طعام شهى لأمارة دلت على أنه مسموم، ويلومونه من جهة العقل إذا امتنع منه لتجويز كونه مسموماً.
وثالثها- أنه لو قبح الإقدام على المنافع لتجويز كونه [ا] مفسدة، لقبح الامتناع عنها لتجويز كونه مفسدة، وذلك وجوب ما لا يطاق، فبطل أن يكون تجويز كون الفعل مفسدة وجه قبح- والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 666)
(ب) - دليل آخر- خلق الله تعالى الطعوم في الأجسام، مع إمكان أن لا يجعلها فيها، فيقتضى أن يكون [له فيها] حكمة وغرض يخصها، وإلا كان عبثاً وسفهاً. ويستحيل أن يعود إليه ذلك الغرض بنفع أو دفع ضرر، لاستحالتهما على الله تعالى. فبعد ذلك- الأمر لا يخلو: إما إن كان لغرض نفع يعود إليهم: إما بأن يدركها، وإما بأن يجتنبها، فيستحق الثواب، وإما أن يستدل بها على الصانع وتوحيده [فيباح له أن] يدركها. ولا جائز أن يكون الغرض ضرر العباد، لأنه قد لا يكون فيه ضرر. ولأنه لا يحسن الإضرار الخالص لمن لا يستحقه. ولأنها إنما يضرها بإدراكها. وفى ذلك إباحة إدراكها. وأما استحقاق الثواب بتجنبها، فإنما يكون إذا دعت النفس إلى إدراكها، وفى ذلك تقدم إدراكها. وكذلك الاستدلال، لأنه إنما يستدل بها إذا عرفت، والمعرفة بها موقوفة على إدراكها. وهذا لأن الله تعالى لم يخلق فينا العلم بهذه الطعوم دون إدراك، والاستدلال بها لا يكون بدون العلم، فدل ما ذكرناه على أنه لا فائدة فيها إلا إباحة الانتفاع بها. وذلك يقتضى أن يركب الله تعالى في العقول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 667)
إباحة الانتفاع بتلك الأجسام، ليعلم حصول الطعوم فيها، فينتفع بها بأحد هذه الوجوه، فنزل ذلك منزلة الاستنشاق بالهواء والتنفس فيه، فإنه مباح بإجماع العقلاء، والوجه فيه ما بين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 668)
وأما من ذهب إلى التوقف -[فـ] تعلق بأشياء:
1 - منها قوله تعالى: [قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ]- أنكر على من أحل شيئاً أو حرمه بغير إذنه.
2 - ومنها- أن بالعقل لا يعرف أن فيه مصلحة أو مفسدة، فيجب التوقف فيه.
3 - ومنها- أنه لو اقتضى العقل في هذه المنافع إباحة أو حظراً، لكان الشرع إذا أباح شيئاً أو حرمه يقتضيه العقل، وذك لا يجوز.
والجواب:
[الأول]- أما الآية- قلنا: هذا إنكار على من استبد بذات نفسه في تحليل شيء أو تحريمه من غير دليل وحجة، ولأن في الآية دلالة الإباحة في هذه الأشياء، لأنه قال: [مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ] وإنزال الرزق فيما يفهم منه إطلاق الانتفاع به، إلا أنه أنكر على من حرم بعض ذلك من تلقاء نفسه ويعتقد حل البعض، وفيه تأكيد الإباحة.
وأما الثاني- فجوابه ما مر: أن جهة الإباحة فيها معلومة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 669)
وأما الثالث- قلنا: إنما يؤدى إلى ما ذكرتم أن لو قضى العقل بالحظر أو الإباحة مطلقاً عاماً، وليس كذلك. بل اقتضاؤه ذلك مشروط بشرط أن لا يلوح فيها مفسدة بالشرع. فإذا لاحت لا يقتضى ذلك، فلا يتحقق النسخ.
والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 670)