كما أن ذلك حكم الاجتهاد إذا لم يقترن به تصويب النبي عليه السلام، حتى إن من غاب عن النبي عليه السلام وحكم باجتهاده، جاز خلافه، ولو بلغ النبي عليه السلام فصوبه لا يجوز خلافه. ولأن الخصم يجوز وقوع الإجماع عن خبر الواحد، وإن كان يجوز خلافه. وهو الجواب عن قوله: إنه لا يفسق مخالفه، ولا يجعل الحكم الثابت به أصلاً. فإن ذلك حكم اجتهاد لم يقترن به الإجماع- والله أعلم.
142 - باب في: الطريق إلى معرفة الإجماع:
أعلم ان الطريق إلى معرفة الإجماع قد يكون الإدراك بالسمع، بأن نسمع أقاويلهم المتفقة، عنهم أو ممن ينقل عنهم ممن نثق به. وقد يكون الإدراك بالبصر، بأن نراهم فعلوا، بأجمعهم، فعلاً واحداً، يدل على أن اعتقادهم ذلك.
وأما إذا قال بعض الأمة قولاً وسكت الباقون- هل هو طريق إلى معرفة الإجماع؟
قال بعضهم: ليس بطريق أصلاً.
وعندنا: هو طريق يقع به الإجماع إذا كان السكوت مع زوال التقية، وبشرط اشتهار ذلك القول عند الكل، ومضى زمان التأمل. إلا أن هذا الإجماع ليس بحجة قطعية، لاختلاف الأمة في صحته.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه، أن العادة من أهل الاجتهاد، أنهم إذا سمعوا الحادثة وطال بهم الزمان، تفكروا فيها: فإن أدى اجتهادهم إلى موافقة قولهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 567)
كان ذلك إجماعاً. وإن أدى إلى مخالفته أظهروه، لوجود الداعي إليه، وهو بيان الصواب فيما اجتهد فيه، ووجود الصارف الطبيعي والشرعي عن الانقياد لغير الصواب، فدل سكوتهم، والحالة هذه، على الموافقة والإجماع.
فإن قيل: ما أنكرتم أنهم امتنعوا عن إظهار المخالفة، لموانع:
1 - منها- الخوف والمهابة ممن ظهر قوله. كما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن حجته على رد العول في الفرائض، فذكرها، فقيل له: هلا ذكرتها لعمر، فقال: مهابة منه.
2 - منها- تعلق غرض من الأغراض، لعدم الاعتراض والإظهار.
3 - ومنها- أن يكون مذهبه تصويب كل مجتهد في الفروع، فمنعه ذلك عن الرد على صاحبه.
قلنا:
أما الأول- إنما ينعقد الإجماع عند زوال التقية- على ما مر. ولأنه لو كان الإخفاء تقية، لأظهر مع أصدقائه وخاصته، فلا يلبث القول أن يظهر ويشيع. ولأنه إن مات المتقي قبل من يتقيه، فقد انعقد الإجماع، لأنه زال الخلاف. وإن مات من يتقيه قبله، يظهر الخلاف لزوال التقية.
وأما حديث ابن عباس، فلم يصح، لأن عمر رضي الله عنه كان يقدمه على كثير من الصحابة، وكان يسأله، ويستحسن اجتهاده، وقد ظهر رده عليه في كثير من المسائل. ولأن ما كان راجعاً إلى أمر الدين لا يظن بابن عباس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 568)
الامتناع عن إظهاره، ومن عمر رضي الله عنه من إظهاره، مع اتفاقهم على تجويز الاجتهاد والحكم به.
وأما الثاني- قلنا: الداعي إلى إظهار الخلاف قائم وتعلق الغرض به وهم لا أمارة عليه، فلا يترك العمل بالداعي لأجله. على أنا نقول: إن الله تعالى جعل الإجماع حجة يعرف به الحق، فيجب أن يكون لنا طريق إلى العلم به. ولو اعتبرنا هذا الوهم لا نسد باب العلم إلى معرفة الإجماع، وذا لا يجوز.
وأما الثالث- قلنا: من صوب كل مجتهد، فإنه يصوبه على شرط أنه استوفى شرائط الاجتهاد وتم نظره في الإمارة. وإذا كان الحق عنده، بخلاف ما أظهر صاحبه، جوز أنه لم يتم نظره ولم يستوف شرائط الاجتهاد، فيظهر الخلاف رداً لقوله. على أنه إن صوب خصمه، فالداعي إلى إظهار قوله، لو كان حقاً، ثابت، لأن عنده أن ما اعتقده صواب أيضاً، فيظهر قوله، ليعلم أن في الحادثة حقاً، غير ما قاله خصمه، فدل ترك الإظهار على الموافقة.
والمخالف احتج بأن قال: 1 - إن الإجماع ل ينعقد إلا باتفاق الكل، والموجود من البعض السكوت، وهو محتمل: يحتمل الرضا ويحتمل السخط ويحتمل التوقف، فلا يدل على الموافقة بالشك. و 2 - لأن من الجائز أن يكون ببعض أطراف العالم مخالف لأقوالهم لم يلغه أقاويلهم، ولم يصل إليهـ[ـم] خلافه، ومع تجويز هذا، لا ينعقد الإجماع.
والجواب:
وأما الأول- فقد ذكرنا أن السكوت في هذه الحالة دليل الرضا والموافقة، وإن كان في نفسه محتملاً، وهو كامتناع الكفار وسكوتهم عن معارضة القرآن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 569)
والمعجزات، فإنه دليل على وجود العجز لتحقق الداعي عليه، لولا العجز- فكذا هذا.
وأما الثاني- قلنا: اعتبار هذا يسد باب معرفة الإجماع، بالقول أيضاً، لأن ما ذكرتم من الوهم قائم في كل صورة، على أن المعتبر في ذلك ما توقف عليه، ولنا سبيل إلى العلم به [إذ] إتباع سبيل المؤمنين يقتضى أن يكون لنا طريق العلم- وقد مر هذا في الأبواب المتقدمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 570)
4
باب
في: تقليد الصحابي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 571)
143 - اعلم أن الصحابي إذا قال قولاً، وانتشر، ولم يظهر له مخالف، كان إجماعاً- على ما مر.
ولو عرف له مخالف، لا يكون حجة، إذ لو كان أحدهما حجة، لكان الآخر حجة، لكونه قول الصحابي، فيؤدي إلى التناقض.
فأما إذا قال قولاً، ولم ينتشر، ولم يعرف له مخالف:
- فإن لم يكن من أهل العلم والاجتهاد، لا يكون قوله حجة.
- وإن كان من أهل العلم والاجتهاد:
* فإن كان في حكم لا يدرك بالقياس:
فهو حجة، لأنه لا يظن به القول جزافاً، ولا مجال للقياس فيه، فتعين السماع من النبي عليه السلام، فيحمل عليه، وعلى هذا التقدير يجب الأخذ به. فإن قيل: هذا باطل، بقول من بعدهم من المجتهدين: فإنه لا يظن به أنه قال ذلك جزافاً، ولا سبيل إل القياس، فتعين سماع حديث فيه. وعلى هذا التقدير يجب الأخذ به- قلنا: علم السماع من النبي عليه السلام منقطع في حق غير الصحابي، فلا يمكن الحمل على السماع من النبي عليه السلام، ولا كذلك الصحابي، لأنه أمكن حمله على السماع من النبي عليه السلام بغير واسطة. وهذا لأن المسموع من النبي عليه السلام بغير واسطة ليس فيه من الاحتمال ما في المنقول بواسطة، لأن احتمال الكذب والغلط في الواسطة قائم.
فإن قيل: هذا الاحتمال قائم في حق الصحابي، لأنه يحتمل أنه سمع من صحابي آخر، لا من الرسول عليه السلام قلنا: هذا خلاف الظاهر، لأنه متى أمكنه الرجوع إلى النبي عليه السلام من غير واسطة، والحكم بما لا يهتدي إليه الرأي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 573)
فالظاهر هو الرجوع إليه. وفي الرجوع إليه. وفي الجملة: الاحتمال هنا أقل من الاحتمال في حق غير الصحابي، فالمنع من لزوم تقليد غير الصحابي لا يوجب المنع من لزوم تقليد الصحابي.
* وأما إذا كان في حكم يدرك بالقياس- فقد اختلفوا فيه:
- ذهب أبو الحسين وجماعة من أصحاب الشافعي: [أنه] لا يلزمه تقليده. وهو مذهب الشافعي رحمه الله.
وقال بعض أصحابنا: يلزمه تقليده. وإليه ذهب الكرخي. والجصاص قال: كثيراً ما رأيت أبا يوسف رحمه الله في أثناء مسائله يقول: القياس هكذا، إلا أنى تركت القياس للأثر من الصحابي. وعن محمد رحمه الله: أن شراء ما باع، بأقل مما باع، قبل نقد الثمن، لا يجوز، واحتج بحديث عائشة رضي الله عنها، والقياس يجوزه. وقال: إن الحامل تطلق ثلاثاً للسنة، قياساً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 574)
ولكني تركت القياس لأثر بن مسعود. [و] في هذا إشارة إلى أنهما كانا يريان تقليد الصحابي.
أما من منع منه- فقد احتج بأن قال:
إن الصحابي غير معصوم عن الخطأ، وكان احتمال الخطأ في اجتهاده قائماً، واحتمال أنه قال ذلك باجتهاده ثابت، فلا يلزم تقليده. ولأن الله تعالي متى نصب الأمارات على الأحكام، فقد كلف المجتهد بالاستدلال بها، ولا يختص ذلك ببعض المجتهدين دون البعض، فيجب على كل مجتهد العمل باجتهاده، وذلك يمنع من تقليد غيره. بخلاف العامي، لأنه مكلف بالرجوع إلى قول المفتي- دل عليه أن أحداً من الصحابة لم يدع الناس إلى قوله، ولم يحذر أحداً على ترك مخالفته، بل جوزوا مخالفة قولهم، نحو ما روي عن زيد رضي الله عنه أنه قضى بقضية وقال: " ليس برأيي حقاً على المسلمين" وأمثال ذلك، ولو كان قولهم حجه على غيرهم، لفعلوا لك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 575)
وأما من قال بلزوم تقليد الصحابي- فقد احتج بأشياء:
1 - منها- الأحاديث الواردة فيهم، وهي قوله عليه السلام: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، وقوله عليه السلام: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقوله: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، وقوله: "الحق من بعدي مع عمر"، وقوله: "اللهم أدر الحق مع على حيثما أداره".
2 - ومنها- أن بعض الصحابة كان يرجع إلى قول بعض، عن سماعه، من غير أن يسأله عن دليله، نحو ما روى عن عمر رضي الله عنه: أنه رجع إلى قول علي ومعاذ رضي الله عنهما، ولم ينكر عليه أحد.
3 - ومنها- أن قول الصحابي لا يكون جزافاً، ما لم يكن لحديث سمعه من النبي عليه السلام، أو قال باجتهاده: فإن كان الأول فهو حجة. وإن كان الثاني فاجتهاده وقياسه أقوى من اجتهاد غيره وقياسه، فالأخذ به أولى.
الجواب:
[الأول]- أما الأحاديث- فالمراد من الحديث الأول: ليس كل الصحابة، فإن فيهم من لا يجوز تقليده، وهم الأعراب العوام. وإنما المراد: الاجتهاد والرأي، معناه: اعلموا بالرأي والاجتهاد، بعد الكتاب والسنة، كما عملت الصحابة، اقتداء بهم، واطلبوا الصواب بالرأي من أقوالهم دون التقليد، ألا ترى أنه شبهم بالنجوم، وإنما يهتدي بالنجوم بعد الاستدلال، فكذا هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 576)
على أن نقول: هذا الحديث والثاني والثالث خطاب مواجهة لمن كان في ذلك العصر ممن ليس في الصحابة: أن تقلد الصحابي وتتبعه. ومن لم يكن صحابياً [و] لم يكن من أهل الاجتهاد، فجاز له أن يقلد الصحابي، ولا كلام فيه.
ثم نقول: ليس في هذه الأحاديث بيان وجوه الاقتداء، فيحتمل أن الاقتداء بهم في روايتهم، لأنه يقال لمن اتبع رواية غيره: إنه اقتدي به.
وأما قوله عليه السلام: "الحق بعدي مع عمر" ودعاؤه لعلي رضي الله عنهما، فليس فيه ما يدل على لزوم تقليد ما، لمجتهد آخر، فأن قولهما واجتهادهما قد كون حقاً، واجتهاد غيرهما قد يكون حقاً. على أن هذه أخبار آحاد، لا يجوز إثبات أصل من الأصول بها.
وأما الثاني- قلنا: الصحابة كان يرجع بعضهم إلى قول بعض، بعد ظهور الحق في قوله، باجتهاد من رجع، لا تقليداً. ورجوع عمر إلى قول علي ومعاذ رضي الله عنهم كان بعد التنبه على وجه قولهما، والصحابة لم ينكروا عليه، مع أنه لم يبين ذلك الوجه لحسن ظنهم به.
وأما الثالث- فهو بناء على أن اجتهاد غير الصحابي دون اجتهاد الصحابي، وهذا مما لا سبيل إليه، لاختلاف الحوادث وأحوال المجتهدين فيه والله اعلم.
تمت أبواب الإجماع وبالله تعالى التوفيق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 577)
5
باب
القياس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 579)
144 - [تعريفات]:
يحتاج إلى:
- بيان معنى الاسم لغة.
- وإلى بيان حده شرعاً.
ليتضح الكلام فيه، نفياً وإثباتاً.
فنقول:
- أما معنى الاسم لغة- فتقدير الشيء بغيره موازنة واعتباراً. من قولهم "قس النعل بالنعل" أي احذه وقدره به.
- وأما حده شرعاً- فقد اختلف الناس فيه:
* قال بعضهم- القياس استخراج الحق. وهذا غير صحيح. لأنه يلزم منه، أن يكون الاستدلال بالنصوص والظواهر، قياساً. وبهذا يبطل قول من يقول بأنه: استدلال على الحكم.
*والصحيح في حد القياس- أنه تحصيل مثل حكم الأصل، في الفرع، لمشاركة بينهما في العلة، رأياً واجتهاداً.
وإنما قلنا: "رأياً واجتهاداً" لأن المجتهد إذا ظن بين الشيئين مشاركة، وأثبت حكم أحدهما في الآخر، ولم يكن بينهما مشاركة، كان ذلك قياساً. وإنما حددنا القياس بهذا، لأن المعقول من القياس الشيء على غيره،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 581)
فإنما من قال: " قست هذا الشيء"، يقال: " على ماذا قسته؟ " ومن أثبت حكم الشيء في غيره، من غير مشاركة بينهما في العلة، لا يكون قائساً، بل مبتدئاً في إثبات الحكم. فإذن لا بد في القياس من: أصل، وفرع، وعلة يشتركان فيها، ومن حكم يثبت بهذه المشاركة- فنبين:
معنى كل واحد من هذه الألفاظ.
ثم نبين جواز ورود التعبد به في الشرع.
وما يتصل بذلك من الأبواب، على الترتيب إن شاء الله تعالى.
أما الأصل:
فهو ما يتفرع عليه غيره، كما ذكرنا في صدر الكتاب.
وتكلم العلماء في: أصل القياس:
قال بعضهم: هو الدليل الدال على الحكم، في الموضع المقيس عليه، كحديث الربا في البر.
وقال بعضهم: هو الشيء الذي يثبت حكم القياس فيه بالنص والإجماع. وهو كالبر في حكم الربا.
وقال بعضهم: هو الحكم الثابت في موضع النص، كجرمه الربا في البر.
وكل ذلك صحيح: جاز أن يراد بذكر أصل القياس.
أما الحديث الدال على قبح بيع الربا في البر- فلأن قبح بيع الأرز متفرع عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 582)
وكذلك وصف البر بأنه " أصل"- لأن حكم الأرز متفرع على حكم البر على معنى أنا إذا نظرنا فيه وظننا، أمكننا إثبات الحكم في الأرز، ثم البر "أصل" لحكمه، لأن الشيء أصل لوصفه.
وكذلك وصفنا الحكم بأنه "أصل"، لأن حكم الأرز متفرع على حكم البر. وكل واحد من هذه الأقاويل صحيح، وإن كان الأولى أن يكون " الأصل" هو " الحكم".
وأما الفرع:
قال بعضهم: هو الشيء الذي طلب حكمه بالتعليل. وهو نحو الأرز في الربا.
وقيل: هو الشيء الذي يعتدي حكم غيره إليه.
وقيل: هو الشيء الذي يتأخر العلم بحكمه، عن العلم بحكم غيره.
والأولى- أن يكون"الحكم" هو: الفرع، لأن نفس الأرز لا يتفرع على غيره، وإنما يتفرع حكمه.
وأما العلة:
ففي اللغة- ما أثر في أمر من الأمور، نفياً كان أو إثباتاً، كقولهم: مجيء زيد علة لخروج عمرو، أو في أن لا يخرج عمرو. ولهذا يسمون المرض علة، لأنه يؤثر في فقد قدرة التصرفات.
وفي عرف الفقهاء: ما أثرت حكماً شرعياً. وإنما يعرف ذلك إما بالتنصيص عليه، كالطوف في الهرة، أو بالمناسبة والملائمة، بأن يكون بحال لو عرض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 583)
على العقل، يغلب على الظن الحكم بوجوده، في الجملة.
وأما الحكم:
فالمراد به الأحوال الثابتة لأفعال المكلفين، ككون الفعل حلالاً وحراماً، وكون البيع جائزاً وفساداً، ونحو ذلك.
145 - باب: جواز ورود التعبد بالقياس، عقلاً وشرعاً.
- منع بعضهم جواز ورود التعبد بالقياس. واختلفوا فيما بينهم:
*فمنهم- من منع منه عقلاً.
*ومنهم- من جوزه عقلاً، ومنع منه شرعاً.
- وعامة أهل الأصول- جوزوا التعبد به عقلاً، وشرعاً.
والدلالة على ذلك- أن القياس إذا تم أوجب غلبة الظن. أما مشاركة الفرع الأصل في علة الحكم، وكوننا ظانين مشاركة الفرع الأصل، حالة من حالاتنا فلا يمتنع ورود التعبد به، إذ لا يمتنع أن يتعلق مصلحتنا بذلك، لما عرف أن المصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، كما في السفر والإقامة، وغير ذلك. وإذا جاز تعلق المصلحة به، جاز ورود الشرع بالتعبد به.
- أما عقلاً-فلأن العقل يوجب القيام من تحت حائط مائل يخشى سقوطه لفرط ميله، وإن جاز أن تكون السلامة في القعود والهلاك في النهوض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 584)
وكذلك العقل: يمنع من الخروج إلى السفر عند ظن الخسران وغلبة اللصوص، وإن جاز خلافه.
-وأما شرعاً- فلأن الشرع ورد بالعمل بالشهادات عند ظننا صدق الشاهد، وبالأيمان. وكذلك شرعاً: ورد بالعمل بالظن في تقدير النفقات وقيم المتلفات وأروش الجنايات والتحري في أمر القبلة، وإن جاز خلاف ما ظنناه في هذه المواضع.
وأما المخالف- فقد احتج في المسألة بأشياء:
1 - منها- أنه لو جاز التعبد بالقياس في الفروع الشرعية، لجاز في أصولها، لأن الكل بني على المصالح، وهذا محال.
2 - ومنها- أنه لو جاز إثبات الشرعيات، التي هي المصالح، بالظن الذي يجوز فيه الخطأ، لجاز الإخبار عن كون زيد في الدار بالأمارات لتي [ق] تخطئ- وذلك غير جائز.
3 - ومنها- أن الأمارة والظن قد يخطئان، ولا يجوز من الحكيم أن يتعبدنا في المصالح بما [قد] يخطئ المصالح.
4 - ومنها- أن القياس فعلنا، ولا يجوز أن يتوصل إلى المصلحة، بفعلنا.
5 - ومنها- أنه لو كانت للشرعيات علل، لكانت كالعلل العقلية، في استحالة انفكاكها عن الأحكام. وفي ذلك إثبات الشرع قبل الشرع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 585)
6 - ومنها- أنه لو جاز أن يتعبدنا الشرع بتحريم [شيء لـ] ظننا شبهه بأصل محرم عن أمارة، لجاز أن يتعبدنا بتحريم شيء [إذا] ظننا شبهه بأصل محرم من غير أمارة، أو اشتهينا تحريمه، أو اخترنا تحريمه، أو شككنا في تحريمه، لأنه كما جاز أن يكون العمل على حسب الظن مصلحة، جاز أن يكون العمل بما اشتهيناه أو اخترناه، أو شككنا [أن] فيه مصلحة، وذلك باطل.
7 - ومنها- أن القياس لو كان حجة في نفسه، لكان حجة مع النص، وليس كذلك، بالإجماع.
والجواب:
أما الأول- قلنا: هذا الكلام يحتمل وجوهاً:
- جاز أن يراد به إلزام قياس بيع البر بالبُر متفاضلاً، الذي هو أصل، على أصل آخر عرف حكم الربا فيه بالنص.
- وجاز أن يراد به إلزام قياس بيع البُر لا على أصل.
- وجاز إلزام استعمال القياس في أصول الدين كالتوحيد والنبوات.
فإن أراد به الأول- فنحن نلزمه ونجوزه. غير أن قبح بيع البُر متفاضلاً والحالة هذه، فرع لغيره، لأنه عُرف بالرد على غيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 586)
وإن أراد به الثاني- فقد ألزم ما لا يعقل، لأنه قياس شيء لا على شيء معقول.
وإن أراد به الثالث- قلنا: الفرق أن فائدة القياس في الفروع العمل. ويجوز أن يكون العمل عند الظن مصلحة إذ المصالح تختلف بأحوال الأفعال، على خلاف ما هو به. فأما فائدته في الأصول-[فـ] الإقرار والاعتقاد. وذا لا يحسن إلا على حسب العلم. وهذا لأن الإقرار والاعتقاد قبحه (؟ )، لكون المقر به والمعتقد على خلاف ما هو به. ولا يقع الأمن عن ذلك إلا بالعلم واليقين. فأما قبح الفعل وحسنه لجهات تختلف، فجاز أن يثبت حسنه عند الظن.
وأما الثاني- قلنا: بعض أهل الأصول سووا بينهما، فقالوا: كما جاز أن يتعبدنا الله بإثبات الحكم في الفرع عند ظننا شبه الفرع بالأصل، جاز أن يتعبدنا بالإخبار عن كون زيد في الدار إذا ظننا كونه فيها. ثم الفرق ما ذكرنا: أن حسن الخبر لكونه متناولاً للمخبر به على ما هو به، وذا لا يختلف بالظن، وحسن الفعل قد يحصل عن الظن.
وأما الثالث- قلنا: لا نقول إن المصلحة ما ظنناه، فلزمنا ذلك، بل نقول: المصلحة هو العمل على ظننا، وهو ثابت، بدلالة التعبد بالقياس.
فإن قيل: الإلزام قائم، لأن كون العمل، على ما ظنناه مصلحة، مبني على الظن، والظن قد يخطئ، والمصلحة أيضاً جاز الخطأ فيها- قلنا: التعبد على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 587)
العمل بالظن مبني على نفس الظن، لا على ما ظنناه. ولا تردد في الظن، سواء كان المظنون على ما ظنناه أو لم يكن.
وأما الرابع-قلنا: فعلنا في القياس النظر في الدلالة والأمارة، ولا يمتنع أن يتوصل بذلك إلى المصلحة، كالنظر في النصوص والدلائل العقلية. على أن من أفعال العباد ما نثبته بالمصلحة، كالنكاح والعتق والبيع ونحوها.
وأما الخامس- قلنا: هذا جمع بين العلل العقلية والشرعية، من غير جامع. ثم نقول: العلة العقلية موجبة للحكم بذاتها، فلا يجوز أن يقف إيجابه على شرط. وأما العلل الشرعية [فـ] مصالح تتعلق بالأفعال أو الأمارة على المصلحة، وذلك يقف على تعريف الشرع.
وأما السادس- قلنا: كما تقرر في العقول حسن التصرف في منافع الدنيا ومضارها إذا ظنناه بأمارة صحيحة، تقرر فيها قبح ذلك بناء على مجرد الشهوة، وهو الاختيار والظن، لا عن إمارة وعند الشك في وجه القبح والحسن. ووجه ذلك أن الظن، عن أمارة مبنية على المصلحة على بعض الوجوه، ولا كذلك هذه الأشياء والظن لا عن أمارة.
وأما السابع- إن عني به أنه يجب أن يكون حجة مع النص بخلافه في الفرع،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 588)
فالكلام فيه في الخبر الواحد إذا ورد على خلاف قياس الأصول. وإن عنى به أنه، مع النص على مثل حكمه في الفرع: فإن كان ذلك النص خبر الواحد، فهو حجة معه مطلقاً. وإن كان الكتاب أو الخبر المتواتر فهو حجة على معنى أنه لولا النص لا يمكننا إثبات الحكم به.
146 - باب في: أنه هل يجوز أن يجب العمل بالقياس في جميع الشرعيات أم لا:
لا خلاف في أنه يجوز أن يجب العمل بالنص في جميع الشرعيات. بأن ينص الله تعالى على صفات المسائل في الجملة، فندخل تفاصيلها فيها. نحو أن ينص على حكم الربا في كل موزون. ويجوز أن تكون مصلحتنا في ذلك.
فأما العمل بالقياس في جميع الشرعيات، فيمتنع. لأنه: أما أن يقاس بعضها على بعض، أو يقاس على غيرها: لا وجه إلى الأول، بأن يقاس شيء على شيء، ويقاس ذلك على فرعه، لأنه فيه تبيين الشيء بنفسه، وهو محال. ولا وجه للثاني، لأن غير الشرعيات، العقليات، ونحن لا نجد، في العقليات، أصلاً، كوجوب الصلاة وأعداد الركعات وشروطها وأوقاتها، فتعذر القياس فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 589)