وأطلق سبحانه وتعالى تحريم أمهات الزوجات ولم يقيده بالدخول كما فعل مع البنت الربيبة-كما سيأتي -، وقد وقع خلاف بين العلماء هل يحرمن بالعقد على البنات أو بالدخول عليهن؟(1)، ومن قال بالدخول فكان مأخذه القياس على البنت، فكما أن البنت لا تحرم إلا بالدخول على أمها فكذلك الأم لا تحرم إلا بالدخول على بنتها. وأخذ جمهور أهل العلم بمقتضى الإطلاق، ولم يشترطوا الدخول بهن(2).
ونقل الموزعي عن بعض المتأخرين أن منشأ اختلاف الفريقين هو الأصل المشهور في الصفة إذا تعقبت جُملاً عطف بعضها على بعض هل يعود إلى الجميع أو يختص بالأخيرة؟.
وأعتقد أن قوله تعالى: {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} -وهي الصفة هنا(3) - عائد إلى {نِسَائِكُمُ} في قوله {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} وقوله {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ} على قول. وعائد إلى الأخيرة في قول.
ثم قال الموزعي: "وليس كذلك، بل تقييد الصفة خاص بالربائب. "(4) ..
قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23]، وهو معطوف على قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]، فدل على تحريم الربائب(5).--------------------------------------------
(1) تيسير البيان للموزعي (2/ 327 - 328).
(2) نسبه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (5/ 102) للجمهور، وقال: " وعليه الحكم والفتيا"، وانظر مزيد تدليل وتفصيل عند ابن القيم في زاد المعاد (5/ 122).
(3) وهو متضمن للشرطية. فإن تحقق الدخول بالزوجة تحقق الحكم وهو تحريم أمها، وإلا فلا.
(4) تيسير البيان للموزعي (2/ 327 - 328)، وانظر: للجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/ 102).
(5) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/ 108).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
قال ابن عبد البر: "لا أعلم أحداً قال بهذا من فقهاء الأمصار، أهل الرأي والحديث الذين تدور عليهم وعلى أصحابهم الفتوى"(1).
قوله: {وَرَبَائِبُكُمُ} جمع مضاف فيعم، كل ربيبة سواء كانت في حجر الزوج، أو ليست في حجره، وسواء دخل بأمها أولا. كما أن اللفظ يشمل بنات الربيبة، وبنات الربيب، " فإنهن داخلات في اسم الربائب"(2)، وانعقد الإجماع على تحريمهن(3).
قلت: لعله من الإجماع بعد الخلاف؛ لثبوت الخلاف عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبعض الصحابة(4). *
وهل تدخل بنت الجارية؟، يرى ابن القيم أن " السرية قد تدخل في جملة نسائه، كما دخلت في قوله {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]، ودخلت في قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187]، ودخلت في قوله {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22] "(5)، وعليه فهي تدخل في لفظ النساء في قوله {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ}.--------------------------------------------
(1) الاستذكار لابن عبد البر (5/ 458 - 459).
(2) زاد المعاد لابن القيم (5/ 121).
(3) نقل ابن قدامة الإجماع في المغني (7/ 85) عن ابن المنذر. وانظر: فتح الباري لابن حجر (9/ 158)، والجامع لأحكام القرآن (5/ 108).
(4) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب النكاج، باب وربائبكم، برقم (10834)، ورقم (10835)، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (9/ 158): " والأثر صحيح عن علي وكذا صح عن عمر .... ولولا الإجماع الحادث في المسألة وندرة المخالف لكان الأخذ به أولى .. ".
(5) زاد المعاد (5/ 122 - 123)، وبيَّن رحمه الله إن الزوجة صارت من نسائه بمجرد العقد، وأما المملوكة فلا تصير من نسائه حتى يطأها، فإذا وطئها صارت من نسائه فحرمت عليه أمها وبنتها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
قوله: {اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} قيد يدل بمفهوم صفته على أنّهن إذا لم يكن في الحجور لا يحرمن(1).
وذهب جمهور أهل العلم على أنه لا مفهوم له في هذه الآية، لخروجه مخرج الغالب، فإن الغالب الموجود من أحوال الناس أن الربائب لا يكن إلا في حجور أزواج أمهاتهن(2).
وضمير الجمع في قوله: {حُجُورِكُمْ} ورد لمقابلة الجمع في قوله: {وَرَبَائِبُكُمُ}
وقوله: {مِنْ نِسَائِكُمُ} اسم جمع مضاف فيعم كل من للربائب عليهن ولادة(3).
يقول ابن القيم: " فتتناول بذلك بناتهن وبنات أبنائهن، فإنهن داخلات في اسم الربائب "(4).
قوله: {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} قيد يدل بمفهوم صفته أنه إن لم يكن دخل بأمها فله أن ينكحها فلا جناح ولا إثم عليه، وهذا مفهوم معمول به، وجاءت تكملة الآية منطوقة به فقال سبحانه: {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}--------------------------------------------
(1) انظر: تيسير البيان للموزعي (2/ 327).
(2) انظر: أحكام القرآن للجصاص (3/ 72)، وأحكام القرآن لابن العربي (1/ 387)، وتيسير البيان للموزعي (2/ 328)، وزاد المسير لابن الجوزي (2/ 47).
(3) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/ 377)، وأحكام القرآن لابن الفرس (2/ 129).
(4) زاد المعاد (5/ 121).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
قوله تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} النساء: 23
دلت الآية على تحريم زوجات الأبناء، حيث صُدِّرت بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} النساء: 23 ثم عطف عليها تحريم زوجات الأبناء.
قوله: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ} جمع مضاف فيعم زوجة الابن، وابن الابن، وابن البنت من النسب وإن نزلوا، سواء دخل الفرع بزوجته أو لم يدخل(1).
قوله: {وَحَلَائِلُ} مفهومه بالصفة يقتضي عدم تحريم ما وطئه الابن بملك اليمين، لأن لفظ الحليلة مخصوص بالمنكوحة -على قول- لكن الإجماع دل على عدم اعتبار هذا المفهوم، وألحق ما وطئها الابن بملك اليمين بالمنكوحة(2).
وعلى القول الآخر: إن الحليلة بمعنى المحلَّلة، فيدخل موطوآت الابناء بملك اليمين بالنص، وليس بالإلحاق والقياس(3).
يقول الألوسي: " والظاهر من كلام اللغويين إن الحليلة: الزوجة - كما أشرنا إليه - واختار بعضهم: إرادة المعنى الأعم الشامل لملك اليمين، ليكون السر في التعبير بها دون الأزواج أو النساء: أن الرجل ربما يظن أن مملوكة ابنه مملوكة له بناء على أن الولد وماله لأبيه، فلا يبالي بوطئها وإن وطئها الابن، فنبهوا على تحريمها بعنوان صادق عليها وعلى الزوجة، صدق العام على أفراده للإشارة إلى أنه لا فرق بينهما فتدبر "(4).--------------------------------------------
(1) انظر: زاد المعاد (5/ 123).
(2) انظر: تيسير البيان للموزعي (2/ 329)، وأحكام القرآن لابن الفرس (2/ 129).
(3) انظر: زاد المعاد (5/ 123).
(4) روح المعاني للألوسي (4/ 260).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
وهل مازنى بها الابن تدخل في التحريم على الآباء؟ بمعنى هل حرمة المصاهرة تثبت بالزنا؟.
دلت الآية بإشارتها إلى عدم دخولها في التحريم؛ لأن القرآن أتى بلفظ الحلائل، وهو جمع حليلة، "ومن زنى بها الابن لا تسمى حليلة لغة، ولا شرعاً ولا عرفاً"(1)، ومن أدخلها فهو باعتبار اشتقاق الحلية، من الحَل، أو من الحلول(2).
قوله: {الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} جمع مضاف، يقول الجصاص: "فيتناول عند الجميع تحريم حليلة ولد الولد على الجد، وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه من صلب الجد، لأن اطلاق الآية قد اقتضاها عند الجميع، وفيه دلالة على أن ولد الولد منسوب إلى الجد بولادة"(3)
وهو قيد دل بمفهوم صفته على أن زوجة الابن من التبني لا تحرم. وهذا المفهوم صرح القرآن به في قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37] وقوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} [الأحزاب: 4] وقوله: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40].(4)--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين لابن القيم (5/ 192).
(2) يقال للمرأة حليلة وللرجل حليل، وسميا بذلك من الحَل؛ لأن كل واحد منهما يحل إزاره للآخر. وقيل: من الحلول، أي النزول؛ لأن كل واحد منهما يحل مع الآخر، وقيل: من الحِل؛ لأن كل منهما حلال للآخر. انظر: معاني القرآن للنحاس (2/ 54)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/ 109).
(3) أحكام القرآن للجصاص (3/ 73).
(4) انظر: تيسير البيان للموزعي (2/ 329)، وأضواء البيان للشنقيطي (1/ 249).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
كما أن الآية أخرجت بمفهوم الصفة - أيضاً - حليَّة زوجة الابن من الرضاع. وعليه فإن زوجة الابن من الرضاع تحل لأبيه إذا طلقها الابن أو مات عنها.
يقول ابن القيم: "ومعلوم أن لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرضاع، فكيف إذا قيد بكونه ابن الصلب؟ وقصد إخراج التبني بهذا لا يمنع إخراج ابن الرضاع، ويوجب دخوله "(1).
قلت: واعتبار هذا المفهوم خلاف بين أهل العلم، وقد نقل كثير من أهل العلم الاتفاق والإجماع على تحريم حليلة ابن الرضاع(2)، واستدلوا لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»(3) وبهذا الحديث يدفع المفهوم الدال على حليلة ابن الرضاع، ومعلوم أن المفهوم إنما يكون حجة إذا لم يعارضه منطوق.
يقول الخطابي: "وفي هذا الحديث بيان حرمة الرضاع في المناكح كحرمة الأنساب، وأن المرتضعيْن من الرجال والنساء باللبن الواحد كالمنتسبين منهم إلى النسب الواحد"(4)
قال تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] عطفاً على قوله في أول الآية: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} وفيه بيان للحكم--------------------------------------------
(1) زاد المعاد (5/ 557 - 564).
(2) انظر: تيسير البيان للموزعي (2/ 329)، يقول ابن القيم في زاد المعاد (5/ 557 - 564): " ودعوى الإجماع في هذه المسألة مردود بلاخلاف في التحريم بلبن الفحل، فيلزم من لا يحرم بلبن الفحل ألا يحرم على المرأة أبا زوجها من الرضاعة، ولا ابنه من الرضاعة ".
(3) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، برقم (2645)، ومسلم في كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، برقم (1447).
(4) معالم السنن للخطابي (2/ 245).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
الشرعي، وهو تحريم الجمع بين الأختين.
قوله: {وَأَنْ تَجْمَعُوا} تنحل الجملة إلى مصدر، وهو (الجمع) فيحرم الجمع بين الأختين، و (الجمع) اسم جمع معرف بأل غير عهدية فيعم، ويشمل نكاحهن معاً أو مترتبات.
وضمير الجمع في قوله: {تَجْمَعُوا} يشمل كل ناكح سواء كان حراً أو عبداً.
وقوله: {الْأُخْتَيْنِ} مثنى عرف بأل وهو يفيد العموم، فتشمل الحرائر بالاتفاق سواء كن شقيقتين أو لأب أو الأم، وسواء كن بالنسب أو الرضاع، واختلفوا في الأختين بملك اليمين هل يجوز الجمع بينهما في الوطء.
قال ابن القيم: " وحرم سبحانه الجمع بين الأختين، وهذا يتناول الجمع بينهما في عقد النكاح، وملك اليمين، كسائر محرمات الآية، وهذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم وهو الصواب "(1).
وسبب الخلاف راجع إلى التعارض الوارد بين هذه الآية - التي دلت على تحريم الجمع بين الأختين - وبين الآية التي بعدها، وهي وقوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وذلك عند من يقول بأن الاستثناء يعود إلى الجمل السابقة، ومنها قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ}، وسيأتي بيان ذلك في محله.
كما أن الآية تفيد بمفهومها المخالف عدم دخول غير الأختين أما بمفهومها الموافق، فدلت على حرمة الجمع بين سائر المحارم، ويرى البعض أن تحريم--------------------------------------------
(1) زاد المعاد (5/ 125 - 126)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/ 112).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
الجمع بين سائر المحارم إنما كان بالقياس(1).
وقد وردت السنة بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ومما ورد في الصحيحين قوله عليه السلام: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم»(2).
تنبيه: يرى ابن الفرس أنه حتى يصح إلحاق ما في الخبر بما في الآية فإنه يجب أن لا تكون هذه الزيادة نسخاً، لأنه يرى أن نسخ القرآن بخبر الآحاد فاسد، والجمهور خلافاً للحنفية لا يرون الزيادة على النص نسخاً(3).
قوله تعالى: {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} الاستثناء في الآية راجع إلى الجملة الأخيرة، ومعلوم أن الاستثناء المتعقب جملاً يعود إلى الجميع عند الجمهور إلا إذا دلّ دليل على قصره على الجملة الأخيرة.
ومما يستدل على رجوع الاستثناء للجملة الأخيرة قول ابن عباس رضي الله عنهما: "كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين"(4).
قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ} الواو حرف عطف، وهو يقتضي مطلق الجمع(5)، وهذا يقتضي الجمع بين المحصنات والمعطوف عليه من المحرمات من النساء في التحريم.--------------------------------------------
(1) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 333).
(2) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، برقم (5109)، ومسلم في كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، برقم (1408).
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي (317)، والمحصول للرازي (3/ 363)، والتحبير شرح التحرير للمرداوي (6/ 3093).
(4) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 336، 330).
(5) انظر: التحبير شرح التحرير للمرداوي (2/ 602).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
{وَالْمُحْصَنَاتُ} جمع عرف بالألف واللام غير العهدية فيعم جميع المحصنات، وهن الزوجات(1)، ويدخل في ذلك الحرائر والإماء.
قوله: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (إِلَّا) استثناء متصل فأخرج الإماء من الحكم السابق فيحل نكاحهن.
وقوله: {أَيْمَانُكُمْ} جمع مضاف، فيشمل كل من دخلت تحت ملك اليمين، سواء كانت مسبية، أو مشتراة، أو غير ذلك، وثنية كانت أو كتابية، وسواء كن أخوات أو غير أخوات(2).
وقد اختلف أهل العلم في عود الاستثناء إلى جميع الجمل السابقة، أو إلى الجملة الأخيرة، والذي عليه الجمهور هو عوده إلى الجميع، ويرى بعض المحققين "أن الصواب في رجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله، أو بعضها، يحتاج إلى دليل منفصل؛ لأن الدليل قد يدل على رجوعه للجميع، أو لبعضها دون بعض، وربما دلَّ الدليل على عدم رجوعه للأخيرة التي تليه"(3). وبناء على الخلاف السابق في عود الاستثناء، اختلف العلماء في عوده للأختين بملك اليمين، هل يجوز الجمع بينهما في الوطء، فمن قال بعود الاستثناء للجميع قال بأنه يحل الجمع بينهما في الوطء؛ لأن ملك اليمين مستثنى من التحريم المنصوص عليه في الجملة المعطوفة السابقة، وهي {وَأَنْ تَجْمَعُوا--------------------------------------------
(1) هذا ما عليه جمهور المفسرين. وقيل المراد بهن: الحرائر، يقول ابن القيم في زاد المعاد (5/ 129 - 130): " ورد هذا لفظاً ومعنى … " ثم بين ذلك فراجعه. وانظر: تيسير البيان للموزعي (2/ 332 - 333)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/ 115).
(2) انظر: تيسير البيان للموزعي (2/ 333).
(3) أضواء البيان للشنقيطي (5/ 522)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ}.
ويرى الشيخ محمد الأمين الشنقيطي أن هناك مانعاً من رجوع الاستثناء إلى قوله {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ}، فقال: "لما قدمنا من أن قوله {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي بالسبي خاصَّة مع الكفر، وأن المعنى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي: وحرمت عليكم المتزوجات من النساء، لأن المتزوجة لا تحل لغير زوجها، إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي مع الكفر، فإن السبي يرفع حكم الزوجية عن المسببية، وتحل لسابيها بعد الاستبراء … وإذا كان ملك اليمين في قوله {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} في السبي خاصَّة - كما هو مذهب الجمهور - كان ذلك مانعاً من رجوعه إلى قوله {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} لأن محل النزاع في ملك اليمين مطلقاً "(1)
وكونه خاصاً بالمسبيات يؤيده سبب نزول الآية، وهو ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشاً إلى أوطاس فلقي عدواً، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، فأصابوا لهم سبايا، فكأن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرَّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهنَّ من المشركين، فأنزل عليه في ذلك(2): {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، أي فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن(3).--------------------------------------------
(1) أضواء البيان للشنقيطي (5/ 522).
(2) أخرجه مسلم في كتاب الرضاع، باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي، برقم (1456). وانظر: أسباب النزول للواحدي (141 - 142).
(3) انظر: تيسير البيان للموزعي (2/ 332 - 333).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
يقول ابن عبد البر: " وهذا دليل واضح على ذلك، وفيه تفسير الآية، وهو أولى ما قيل في تفسيرها"(1).
ثمَّ ذكر المولى سبحانه حلِّية ما وراء هؤلاء المحرَّمات بقوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} النساء: 24(2). ثمَّ قال سبحانه وتعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24]، وقيل: إنها نزلت في نكاح المتعة، ويؤيده القراءة الشاذة (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن)(3)، ثمَّ اختلف القائلون بأنها نزلت في نكاح المتعة في الناسخ لها بعد الاتفاق على نسخ حكم المتعة، وثبوت حرمتها بالسنة(4). وجمهور المفسرين على كون الآية محكمة(5)، ولا علاقة لها بالمتعة، وتأويلها بمعنى: ما استمتعتم به منهن، فآتوهن أجورهن، أي مهورهن فريضة(6).
وسباق الآية وسياقها يمنع حملها على المتعة، وذلك لأن سياق الآية بيان المحرمات، وكان آخر المحرمات المتزوجات من النساء إلا ما ملكت اليمين،--------------------------------------------
(1) التمهيد لابن عبد البر (3/ 144)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/ 117).
(2) يقول ابن العربي في أحكام القرآن (1/ 384): " هذا عموم متفق عليه ممن نفاه، وممن أثبته".
(3) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/ 389)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/ 125)، وأحكام القرآن لابن الفرس (2/ 144)، وتيسير البيان للموزعي (2/ 342).
(4) لقوله عليه الصلاة والسلام: «ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئا فلا يأخذه» وفي رواية ما يفيد أن إباحتها بالسنة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذالك إلى القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا».
(5) ونقل القرطبي نسخها عن سائر العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعي. انظر: الجامع لأحكام القرآن (5/ 128).
(6) انظر: تفسير الطبري (5/ 13)، تيسير البيان للموزعي (2/ 344).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
ثم قال سبحانه: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: 24] أي تلذذتم به منهن في النكاح الصحيح {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي: مهورهن.
ثم قال بعدها {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] إلى آخر الآيات التي تبين أن المعنى بهذه الآيات إنما هو النكاح الدائم لا المتعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
تخريج النوازل على أحكام وأصول المحرَّمات
المقصود هنا تخريج الفروع النازلة على الفروع والأحكام المستنبطة من آيات المحرَّمات، وكذا تخريج النوازل على أصول تلك الأحكام، فيتضمن البحث نوعان من أنواع التخريج هما: تخريج الفروع على الفروع، والمقصود بالفروع الأولى النازلة العصرية، وكذا يتضمن تخريج هذه النوازل على الأصول، وهذان هما التخريج الشائع عند الفقهاء والأصوليين، والأول وهو عبارة عن استنباط للأحكام من فروع الأئمة المنسوبة إليهم، سواء كانت أقوالهم أو أفعالهم أو تقريراتهم، واصطلح على تسميته بتخريج الفروع على الفروع.
والثاني وهو عبارة عن استنباط للأحكام من القواعد، واصطلح على تسميته بتخريج الفروع على الأصول(1).--------------------------------------------
(1) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (185 - 186).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
إذا تبيَّن المقصود - هنا - ففيما يلي بعض النوازل المخرَّجة على ما سبق تقريره في المبحث الأول:
(1) سبق القول أن التحريم في قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} الآيات، لايضاف إلى الأعيان، ويجب تقدير محذوف، وقدَّر العلماء فعلاً من أفعال المكلف، وهو (نكاح)، أي حرِّم عليكم نكاح أمهاتكم، كما سبق أن النكاح حقيقة في العقد، وبالقول بعموم المقتضى والمحذوف فإنه يتخرَّج على القاعدة: تحريم جميع صور عقود النكاح، سواء كانت حقيقية أو صورية.
ومن العقود الصورية الواقعة في بلاد الغرب - ويفعلها بعض الجاليات المسلمة - عقد زواج صوري للجنس الآخر - من غير قصد له، وقد يكون بمقابل مادي - بغية حصول أحد الطرفين، وهو غير المتجنس بجنسية تلك البلد الغربي الإقامة، أو الهجرة لها إذ أن النظام في بعض الدول الغربية يتيح الإقامة أو الهجرة لمن كان متزوجاً بطرف يحمل جنسية تلك البلاد(1)، ولهذه العقود صور، والقصد أن الطرف الآخر قد يكون من المحارم(2)، فهنا يخرَّج حكم التحريم بالنص على هذه النازلة.
(2) وهذه المسألة متعلقة بحقيقة النكاح أيضاً، وسبق ذكر خلاف العلماء في أن النكاح في القرآن الكريم يراد به: العقد، أو الوطء، أو يطلق عليهما بالاشتراك--------------------------------------------
(1) انظر: القواعد الأصولية المؤثرة في فقه الأقليات المسلمة (287 - 288)، رسالة مقدمة لمرحلة العالمية الماجستير (آلة) من الطالب يحي عثمان صوفي - إمريكي الجنسية- بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
(2) بعض القوانين الغربية تبيح نكاح المحارم إن كانوا من الدرجة الثانية، كالعمات والخالات، وتبيح نكاح الأصهار مطلقاً، بزعمهم لعدم وجود ما يثبت ضرره من الناحية الطبية. انظر: أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب للدكتور سالم عبد الغني الرفاعي (364 - 366).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
اللفظي. وإذا ما خرجنا عن تحريم النكاح بسبب القرابة، وتوجهنا إلى المحرمات بسبب المصاهرة، كتحريم ما نكح الأب، وأمهات النساء، وابنة المرأة التي دخل الرجل بأمها. أو حتى التحريم بسبب الوطء المحرم سواء من الأب على الابن، أو من الابن فتحرم على الأب، فحصل ما يسمى اليوم بتأجير الرحم، كأن تؤجر زوجة الأب رحمها لزراعة لقيحة الابن(1)، وهذه الصورة محرمة بالاتفاق(2)، لا لكونها نكاحاً، بل لكونها مؤديةً إلى اختلاط الأنساب، وقد يحدث حملين في الزوجة الحاضنة، أحدهما من معاشرة زوجها لها، والثاني من اللقيحة المزروعة، فيحدث الاختلاط في الأنساب. والشاهد هنا أنه وقع التحريم في جميع صور ما يسمى بتأجير الأرحام، إلا فيما إذا زرعت لقيحة الزوجين حال قيام الزوجية في رحم الزوجة الثانية للرجل، عند عدم إمكانية حمل الزوجة الأولى صاحبة البيضة، ونظراً لهذا الخلاف فقد توقف مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في المسألة بعد أن قرروا جوازها أولاً(3).
قلت ومن المعلوم أن العقد سبب للوطء، والوطء سبب للإنزال وبه يثبت النسب أو يختلط، فهو علة العلة، أو الحكمة التي من أجلها أباح الله النكاح وحرم الزنا(4)--------------------------------------------
(1) يتقدم الزوجان - الابن وزوجته هنا - بالتلقيح الخارجي، ثم تنقل اللقيحة إلى رحم زوجة الأب مثلاً، وهم يقسمون الرحم إلى الرحم المضيف الأجير، وهذا بأجرة، والرحم القريبة، وهي رحم أحد قريبات الزوجين، أو أحدهما، وقد تكون بغير مقابل ..
(2) انظر: الأم البديلة رؤية إسلامية للدكتور عارف علي عارف (2/ 812)، وأحكام التلقيح غير الطبيعي للدكتور سعد الشويرخ (1/ 356).
(3) انظر: قرارات وتوصيات المجمع الفقهي الإسلامي (152).
(4) يجب التأكيد هنا على أن العلة في تحريم الزنا كونه زنا، وليست العلة اختلاط الأنساب، وبناء عليه لو أدخل ذكره في فرج امرأة أجنبية عنه فهو زان وإن لم ينزل، أو لو أنزل مع وجود حائل من جهته أو جهتها فهو زان، قلت هذا لوجود من يبيح الزنا بدعوى أن العلة اختلاط الأنساب، والاكتشافات الحديثة، والطب المتقدم استطاع معالجة ما قد يخشى منه؟!!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
وهنا مسألتان متعلقتان بهذه المسألة:
المسألة الأولى: هل تسمى صاحبة الرحم المستأجرة أماً، فتدخل في آية المحرمات، لقوله تعالى {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} ومفهوم الآية يدل على أن الأمومة الحقيقة محصورة في الولادة، وتتصف به صاحبة الرحم المستأجرة.
أما الثانية: وهو عدم تسمية صاحبة النطفة أماً، باعتبار ما سبق، وهو عدم حصول الولادة منها، وقد يبنى عليه عدم المحرمية.
والذي يظهر لي عدم صحة الاستدلال بقوله: {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} على عدم تسمية صاحبة النطفة أماً؛ لأن الآية تحمل على أنها لبيان الواقع، وليس لها مفهوم.
ثم إن الآية نزلت على سبب خاص، وهو الرد على من يظاهرون من نسائهم بتشبيه الزوجة بالأم في الحرمة، فبيّن المولى سبحانه أن الأمومة ليست قولاً باللسان وإنما هي حقيقة تترتب عليها أحكام معينة، وذلك لأن المظاهر أمام امرأتين: زوجته التي ظاهر منها، وأمه التي ولدته، وشبه زوجته بها، أما زوجته فهي بعيدة كل البعد عن معنى الأمومة بالنسبة له، ولذلك فهي غير محرمة عليه وإنما تحرم عليه المرأة التي ولدته(1).
وأما تسمية صاحبة الرحم أماً باعتبار الحمل والولادة - وتسمى بالأم البديلة(2) - فهو وارد في نظري، ولاسيما أن الطفل يتغذى بدمها وعبر مشيمتها،--------------------------------------------
(1) انظر: أحكام التلقيح غير الطبيعي للدكتور سعد الشويرخ (1/ 398 - 399).
(2) سمى الدكتور عارف علي عارف: الأم البديلة رؤية إسلامية، منشور ضمن كتاب: دراسات في قضايا طبية معاصرة، مع مجموعة باحثين، دار النفائس للنشر والتوزيع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
وقد يسقى بماء زوجها. وقياساً على الأم المرضعة بجامع المشاركة في نمو جسم الطفل بالتغذية.
المسألة الثانية: يدخل ضمن تحريم البنات بقوله تعالى: {وَبَنَاتُكُمْ} تحريم بنته من التلقيح غير الشرعي، عبر ما يسمى بالتلقيح الاصطناعي، أو أطفال الأنابيب؛ كما في بعض صوره فيما إذا تبرع بالنطفة، ودخولها في معنى البنت؛ لأنها مخلوقة من مائه(1).
ومما يدل على أن ابنته المتخلقة من تلقيح محرم داخلة في عموم آية المحرمات، أن الله ذكر في تحريم حليلة الابن، قيداً في تحريمها وهو أن يكون الابن من صلب الأب، وكان القيد احترازاً عن ابنه الذي تبناه، فعلم بذلك أن لفظ البنت والابن يشمل كل من كان في لغتهم داخلاً في الاسم، فيدخل في لفظ البنت بنته من تلقيح غير شرعي؛ لأنها ابنته لغة(2).
(3) ذكر المولى سبحانه وتعالى من أسباب التحريم الإرضاع فقال: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} وقد حلَّت نوازل عصرية بسبب غياب ما كان يعرف بالمرضعات، والطفل قد يحرم من حليب أمه لأسباب كثيرة(3)، مما أدى في هذا العصر إلى البحث عن بدائل أخرى وكان من تلك البدائل:
(أ) بنوك الحليب، وهي عبارة عن مجمع لحليب خليط من الأمهات يرضع منه الأطفال الخدج(4) بمقابل مادي، واختلف المعاصرون في نشرها للحرمة، ونظراً--------------------------------------------
(1) انظر: أحكام التلقيح غير الطبيعي للدكتور سعد الشويرخ (1/ 257).
(2) انظر: المصدر السابق (1/ 260).
(3) كوفاة الأم، أو إصابتها بمرض معد، أو لنضوب اللبن، إلى غير ذلك من الأسباب.
(4) جمع خديج، وهو الطفل الذي يولد قبل تمام أيامه. انظر: المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية بمصر (219).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
لهذا الخلاف وخشية اختلاط الأنساب، ذهب كثير من المعاصرين إلى حرمة الرضاع منها، وبه صدر قرار المجمع الفقه الإسلامي بجدة(1).
(ب) ومما ظهر في هذا العصر أيضاً ما يسمى بالحليب المعدّل وراثياً، وقد توصل العلم الحديث من خلال الهندسة الوراثية إلى طريقة يمكن من خلالها إنتاج كميات كافية من الحليب البشري، وذلك بنقل الجين المخلق للبروتين البشري (ألفالاكتالبومين) إلى الحيوان المدر للحليب، كالبقرة مثلاً، فتصبح البقرة منتجة لهذا البروتين في حليبها الذي تدره، فيكون من شرب حليب البقرة كأنما شرب من حليب السيدة التي أخذ منها الجين، وهناك طرق أخرى لإنتاجه.
وذهب إلى جواز إنتاج وشرب هذا الحليب كثير من الباحثين، وصدر به قرار المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في ندوة الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري رؤية إسلامية، وجمعية العلوم الطبية الإسلامية الأردنية(2).
قلت ولا يمكن قياس هذه المسألة على سابقتها لوجود الفرق، إما من خلال المفاسد والسلبيات المترتبة من كلٍ، كما أن الحليب المعدل مستهلك فيه الحليب البشري، إن قلنا بوجوده، إذ أن العرف العلمي الخاص لا يسمي هذا حليباً بشرياً.
ومما يتعلق بالإرضاع - أيضاً- من المسائل العصرية حكم نقل الدم لطفل دون الحولين من امرأة غير أمه التي ولدته، مما قد يتغذى منه الطفل، فهل--------------------------------------------
(1) انظر: فقه النوازل للدكتور محمد حسين الجيزاني (4/ 160).
(2) انظر: أحكام الهندسة الوراثية للدكتور سعد الشريرخ (568)، وأثر النظر المقاصدي في المسائل الطبية (358)، رسالة مقدمة لمرحلة العالمية الماجستير (آلة) من الطالب ديالو حذيفة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
للتخصيص بالإرضاع مفهوم، والذي عليه إجماع المعاصرين وبه صدر قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بمكة أن التحريم خاص بالرضاع ولا يتعدى إلى نقل الدم(1).
وفي ظني لا ينتقض هذا مع ماذكرناه سابقاً من أن الطفل المتغذي بدم الأم البديلة، أو ما يسمى بالمؤجرة رحمها؛ لأن غذاءه قبل الولادة هذا طريقه، وبعد الولادة طريقه الرضاعة، وإذا حصل الفرق اختلف الحكم، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) انظر: فقه النوازل للدكتور محمد الجيزاني (4/ 156).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
فهرس المصادر والمراجع
(1) القرآن الكريم.
(2) إتحاف البرية فيما جدّ من المسائل الفقهية، محمد سعود الحربي، تركي محمد حامد النصر، ط: الأولى، 1435 هـ - 2014 م، مجلة الوعي الإسلامي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، دولة الكويت.
(3) الاتقان في علوم القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق مركز الدراسات القرآنية، بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف، مطبعة المجمع.
(4) أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي، د. هشام بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، ط: الثانية، 1418 هـ - 2007 م، مكتبة الرشد.
(5) الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة، العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السّعدي، اعتنى به: هيثم بن جواد الحداد، إشراف: الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل، ط: الثانية، شوال 1420 هـ - 2000 م، دار المعالي، ودار ابن الجوزي للنشر والتوزيع.
(6) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، تحقيق: علي الهندي، المكتبة السلفية، ط: الثانية، 1409 هـ.
(7) أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب، د. سالم بن عبد الغني الرفاعي، دار الوطن للنشر، ط. 1، 1422 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)