الخبر، وهو محط أمثلة الأصوليين غالبًا، وهذا الأسلوب يعرف كونه مستعملًا في معنى الأمر من سياق الكلام، وما يستوجه من الإلزام. والمقصود بالإلزام هنا: ما يشير إليه العلماء غالبًا في إثبات كون الصيغة للطلب مثل قولهم: لو لم يكن للطلب للزم الخلف لما هو مشاهد في الواقع، فيقولون -مثلا- عند قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، وجدت مطلقات لا يتربصن ثلاثة قروء، ولو كان خبراً محضاً لما تخلف الخبر عن مخبره، لأن أخبار الله تعالى لا تنفك من وجود مخبراتها، فلما وجد الانفكاك علمنا بأنه خرج من الخبرية إلى الإنشائية معنًى دون اللفظ(1).
يقول الزركشي عن الآية نفسها: «إن السياق يدل على أن الله تعالى أمر بذلك لا أنه خبرٌ، وإلا لزم الخلف في الخبر»(2).
وهذا الأسلوب -الثالث- هو مجال البحث التطبيقي، وقبل ذلك تجدر الإشارة بذكر خلاف العلماء في كونه يأخذ حكم الأمر أو لا؟
فذهب جمهور العلماء(3) إلى أن الخبر الذي بمعنى الأمر يأخذ حكمه فيحمل على الوجوب، عند تجرده عن القرائن الصارفة له عن ذلك.
قال ابن حزم: «الأوامر الواجبة ترد على وجهين: أحدهما: بلفظ: افعل، أو افعلوا. والثاني: بلفظ الخبر … »(4).--------------------------------------------
(1) انظر: أحكام القرآن للجصاص (1/ 517).
(2) البرهان في علوم القرن (2/ 220). (2/ 320)
(3) انظر: شرح تنقيح الفصول (115)، والتنقيح وشرحه التوضيح مطبوعان مع شرح التلويح على التوضيح (1/ 281282)، والموافقات (3/ 117)، والبحر المحيط (2/ 371) و (3/ 465)، و (4/ 226227)، وفتح الغفار (35)، وإرشاد الفحول (2/ 20).
(4) الإحكام (3/ 301).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
وذكر الشاطبي أنها من الأوامر غير الصريحة وأنها تدل على تقرير الحكم حيث قال: «وأما الأوامر والنواهي غير الصريحة فضروب:
أحدها: ما جاء مجيء الإخبار عن تقرير الحكم، كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] … وأشباه ذلك مما فيه معنى الأمر، فهذا ظاهر الحكم، وهو جار مجرى الصريح من الأمر والنهي».(1)
وقال ابن النجار: «وكأمر خبر بمعناه، يعني: أن الأمر الذي بلفظ الخبر نحو قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] حكمه حكم الأمر الصريح في جميع ما تقدم(2).
ونقل الخلاف في هذه المسألة عن ابن الزملكاني(3)، وبعض الشافعية الشافعية.(4)، حيث ذهب إلى عدم جريان الخلاف الذي في الأمر والنهي في الخبر الذي في معناهما، فلا يأخذ حكمهما(5).
وحجته: أن ما كان موضوعاً حقيقة لغير الأمر والنهي، ويفيد معناهما
-كالخبر الذي هو بمعناهما- لا يدعي أنه حقيقة في الوجوب أو الحرمة؛ لأنه--------------------------------------------
(1) الموافقات (3/ 422 - 423).
(2) شرح الكوكب المنير (3/ 66).
(3) هو: محمد بن علي بن عبد الواحد بن الزملكاني، الشافعي، القاضي، الفقيه، الأصولي، النحوي، رأس الشافعية في زمانه، توفي سنة (727 هـ). انظر: طبقات الشافعية (9/ 190)، وشذرات الذهب (6/ 78).
(4) انظر: البحر المحيط (2/ 371) و (3/ 465)، و (4/ 226227)، وإرشاد الفحول (2/ 20).
(5) قاله ابن الزملكاني في رد له على شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة الزيارة، حيث جعل شيخ الإسلام ابن تيمية قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث» في معنى النهي، والنهي للتحريم، كما أن الأمر للوجوب، فنازعه ابن الزملكاني، وألف في ذلك مؤلفاً يرد فيه على ابن تيمية في مسالتي الطلاق والزيارة، كما في كتب ترجمته السابقة، وانظر: البحر المحيط (2/ 105).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
يستعمل في غير موضعه إذا أريد به الأمر أو النهي. وادعاء كونه حقيقة في الخبر مكابرة.
ويمكن أن يجاب عنه: بأن الخبر هنا وإن كان مستخدماً في غير معناه الحقيقي إلا أن منع دلالته على الوجوب غير مسلمة؛ إذ العبرة بالمعنى لا بصورة اللفظ، والمعنى أمر فيكون دلالته كدلالة الأمر، بل إن بعض العلماء قال: إنه أقوى في الدلالة، كما سيأتي في بيان أسباب العدول من صيغة الأمر إلى أسلوب الخبر في المبحث القادم.
قال ابن النجار: «قال أرباب المعاني: وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي؛ لأن المتكلم لشدة طلبه نزَّل المطلوب بمنزلة الواقع لا محالة … »(1)
واستدل أصحاب القول الأول القائلين بجريان الخلاف الوارد في الأمر والنهي، أنه ربما يكون حقيقة في الأمر أو النهي، ويترتب عليه أحكامهما، بالأدلة التالية:
الدليل الأول: إن الخبر الذي بمعنى الأمر والنهي، يدخله النسخ، كما يدخل الصيغ الصريحة في ذلك، أما الأخبار المحضة فلا يدخلها النسخ(2).
الدليل الثاني: إن مدلول الخبر هو الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم أو نفيه عنه، فالمحكوم به في خبر الشارع إن كان هو الحكم الشرعي مثل {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] و {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] فلا يخفى أنه يفيد--------------------------------------------
(1) شرح الكوكب المنير (3/ 32). وانظر: شرح تنقيح الفصول (115)، والبحر المحيط (2/ 372)، وفتح الغفار (35).
(2) انظر: البحر المحيط (2/ 371)، وشرح الكوكب المنير (3/ 66).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
ثبوت الحكم الشرعي من غير أن يجعل مجازا عن الأمر، وإن لم يكن كذلك فوجه إفادته للحكم الشرعي أن يجعل الإثبات مجازاً عن الأمر، والنفي مجازاً عن النهي، فيفيد الحكم الشرعي بأبلغ وجه؛ لأنه إذا حكم بثبوت الشيء أو نفيه فإن لم يتحقق ذلك لزم كذب الشارع وهو محال، بخلاف الأمر فإنه لا يلزم من عدم الإتيان بالمأمور به كذب الشارع(1).
الدليل الثالث: أن هذا الخبر يوجد خلافه، ولو كان خبراً محضاً لما وجد ذلك؛ لما يلزم عليه من الخُلْف في خبر الشارع، فوجب حمله على الأمر إذاً(2).
الدليل الرابع: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن صيغ العقود كبعت واشتريت، والفسوخ، كفسخت، وطلقت، والالتزامات، كقول القاضي: حكمت، أنها وإن كانت إخبارات في أصل اللغة إلا أن معناها الإنشاء، وتأخذ حكمه.
الدليل الخامس: إن استعمال الأمر أو النهي بلفظ الخبر عرف سائد عند العرب، فيقولوا مثلاً: جمع رجل عليه ثيابه، وحسبك درهم، أي اكتف به(3).
الدليل السادس: أن من العلماء من يرى أنه داخل تحت دلالة الاقتضاء، إذ قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233]. معناه: ليرضعن، وكذا قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، أي: ليتربصن، فقدروا صيغة الأمر في الخبر(4).--------------------------------------------
(1) انظر: شرح التلويح على التوضيح للتفتازاني (1/ 282)، وقال المرداوي في التحبير (5/ 2196): " واستند بعضهم في ذلك لقول البيانيين وغيرهم إن ذلك أبلغ من صريح الأمر والنهي فينبغي أن يكون للوجوب قطعاً ".
(2) انظر: البحر المحيط (2/ 371).
(3) انظر: البحر المحيط (2/ 372).
(4) انظر: البحر المحيط (3/ 282) (3/ 296)، الإبهاج (2/ 704).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
يقول ابن نجيم عند قوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}: " … وأصل الكلام ليتربصن، ولام الأمر محذوفة، فاستغنى عن ذكره، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد له، وللإشعار بأنه مما يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله .... "(1).
الدليل السابع: إن أهم عنصر ذاتي في مفهوم لفظ الأمر، هو طلب الفعل الجازم، وفي النهي طلب الترك الجازم، وهذا يشمل المستعمل في الطلب حقيقة أو مجازاً، إذ أن المقصد والهدف هو إخراج الصيغ المستعملة في الطلب غير الجازم وهو الندب، أو إخراج الصيغ المستعملة في الترك غير الجازم كالكراهة(2).
الدليل السادس: أن الحكم تابع للمعنى الذي دلّ عليه اللفظ دون صورة اللفظ(3)؛ وعليه يمكن أن يستند في إثبات الوجوب بهذا الأسلوب على ما يأتي:
(1) قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
حيث حذر تعالى من مخالفة الأمر بإطلاق فيدخل فيه ما جاء بصيغة الخبر وأُريد به الأمر، والتحذير لا يكون إلا في ترك الواجب.
(2) قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].--------------------------------------------
(1) البحر الرائق (4/ 140).
(2) انظر: المناهج الأصولية للدكتور الرديني (701).
(3) شرح الكوكب المنير (3/ 66).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
حيث بين تعالى أنه لا خِيَرة لأحد بعد أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن فعل ذلك يؤدي بالشخص إلى الوقوع في المعصية والضلال المبين، وقد أطلق تعالى الأمر فيدخل فيه ما جاء بصيغة الخبر وأُريد به الأمر، وعلى هذا فإنه يفيد الوجوب، إذ مثل هذا التحذير لا يكون إلا في ترك الواجب.
تنبيه: نازع ابن العربي العلماء وقال إنه: لا يصح ورود الخبر ومعناه الأمر بل هو خبر لفظا ومعنى فهو خبر عن حكم الشرع، ثم قال: هذه الدفينة التي فاتت العلماء فقالوا: "إن الخبر يكون بمعنى الأمر" وما وجد ذلك قط ولا يصح أن يوجد فإنهما مختلفان حقيقة ومتباينان وضعا(1).
والظاهر أن كلامه لا يعارض استعمال الخبر في معنى الأمر مجازا إذ استبعد استعمال الخبر في الأمر حقيقة ولا يصح ذلك فعلا، إذ حقيقته الخبر وليس الأمر.
ولا شك أن الخلاف بينه وبين غيره في الطريق والأسلوب وليس في إثبات الحكم فإن كلا منهما يرى ثبوت حكم الوجوب بالخبر إلا أن ابن العربي أثبته بالخبر مباشرة وقال إنه خبر عن الحكم الشرعي، وغيره أثبته بعد أن جعله في معنى الأمر لما سلف آنفا.--------------------------------------------
(1) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/ 188، 253، 280)، الإتقان (2/ 205)، بدائع الفوائد (1/ 116)، البرهان في علوم القرآن (3/ 349).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
تنبيه في بيان أسباب العدول عن أسلوب الأمر وصيغه إلى أسلوب الخبر:
عدل الشارع عن أسلوب صيغ الأمر الصريحة إلى الأسلوب الخبري لأسباب مظانها كتب علم المعاني، وذكرها الأصوليون لما لها تعلق بالأحكام، ومن تلك الأسباب:
أولا: إن الحكم المخبر به يؤذن باستقرار الأمر وثبوته على حدوثه وتجدده فإن الأمر لا يتناول إلا فعلا حادثا فإذا أمر بالشيء بلفظ الخبر آذن ذلك بأن هذا المطلوب في وجوب فعله ولزومه بمنزلة ما قد حصل وتحقق فيكون ذلك أدعى إلى الامتثال. وهو أبلغ من صريح الأمر لأن المتكلم لشدة طلبه نزل المطلوب منزلة الواقع لا محالة(1).
يقول الزمخشري: " ورود الخبر والمراد الأمر أو النهي، أبلغ من صريح الأمر أو النهي، كأنه سُورع فيه إلى الامتثال وأخبر عنه "(2).
يقول الزركشي: " فإنما يجيء الأمر بلفظ الخبر الحاصل تحقيقاً لثبوته، وأنه مما ينبغي أن يكون واقعاً ولابدَّ، وهذا هو المشهور "(3).
ثانيا: أن أسلوب الأمر و إن دل على الوجوب فقد يحتمل في اللغة معنى الاستحباب فإذا جيء بأسلوب الخبر علم أنه أمر ثابت مستقر و انتفى احتمال الاستحباب(4).--------------------------------------------
(1) انظر: التحبير شرح التحرير (5/ 2196) البحر المحيط (2/ 372)، الإبهاج (2/ 704).
(2) الكشاف للزمخشري (1/ 156).
(3) البرهان في علوم القرآن (3/ 401).
(4) انظر: البحر المحيط (2/ 372).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
ثالثا: أن الأحكام قسمان أحدهما خطاب وضع وأخبار: وهو جعل الشيء سببا وشرطا ومانعا كالطلاق سبب لوجوب العدة، فإذا جيء بأسلوب الخبر كانت فيه دلالة على أنه من قبيل خطاب الوضع والأخبار الممتازة عن سائر خطاب التكليف(1).
رابعاً: على القول إن الخبر لا يأتي بمعنى الأمر، وإنما المقصود من مثل هذا الخبر إخبار محض عن حكم الشرع واستقرار حسنه في العقل والشريعة والفطرة، فمعنى قول عمر رضي الله عنه: صلى رجل في إزار ورداء" أي هذا مما وجب في الديانة وظهر وتحقق من الشريعة، ومعنى قول العرب: أنجز حر ما وعد" أي ثبت ذلك في المروءة واستقر في الفطرة. فالإشارة إلى هذه المعاني حسنت صرفه إلى صورة الخبر(2).
خامسا: تنويع الأساليب وتعددها مثل تعدد الصيغ، والألفاظ المشتركة، والمترادفة.--------------------------------------------
(1) البحر المحيط (2/ 372).
(2) بدائع الفوائد (1/ 116).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
الدراسة التطبيقية
قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125].
تضمنت الآية أحكاماً فقهية بالأسلوب الخبري وتفاصيل ذلك فيما يأتي:
أولا: قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} تضمنت هذه الآية وجوب العمرة، ووجوبها على الآفاقي استدلالاً بهذه الآية، أو بغيرها- كما سيأتي- في قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] هو مذهب الشافعية(1) والحنابلة(2) وقول عند الحنفية(3)، والمالكية(4).
ووجه الاستدلال على هذه الحكم من هذه الآية- على القول بأنها بمعنى الطلب(5) - هو: أن المولى سبحانه وتعالى أخبر بأنه جعل البيت مثابة للناس، أي: معاداً--------------------------------------------
(1) انظر: المجموع (7/ 11، 7)، مغني المحتاج (1/ 460)، نهاية المحتاج (3/ 228).
(2) انظر: المغني (5/ 13)، الإنصاف (3/ 387)، كشاف القناع (2/ 376).
(3) انظر: مجمع الأنهر (1/ 257).
(4) انظر: المقدمات الممهدات (1/ 304).
(5) وهو الصحيح - بإذن الله - كما هو ظاهر؛ ولأن العلماء قدروا (القول) في الجملة التي تليها (واتخذوا) أي: وقلنا اتخذوا، حتى لا يكون من باب عطف الإنشاء على الخبر وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالآية الخبر على حقيقته، وحملوا الآية على أحد التأويلات التالية:
1 - إنهم يثوبون إليه في كل عام.
2 - إنه لا ينصرف أحد عنه إلا وهو يتمنى العود إليه.
3 - إنهم يحجون إليه فيثابون عليه.
انظر: تفسير حدائق الروح والريحان للشيخ محمد الأمين الهروي (2/ 257).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
يرجعون ويعودون إليه، وهذا يستلزم عدم خلو البيت منهم سواء كان في الحج أو العمرة في جميع أيام السنة، ولا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى إلا بحملها على الوجوب؛ لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، فوجب حمل الآية على الوجوب؛ لأن الحمل على الوجوب يفضي إلى صيرورته مثاباً، أكثر من حمله على الندب(1).
ثانيا: قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125] تضمنت هذه الآية - أيضاً - وهو تأمين البيت. وقد أمر المولى سبحانه وتعالى عباده أن يجعلوا مكة مكاناً مأموناً من الغارات والقتل ونصب الحروب(2).
فكأنه سبحانه وتعالى قال: أمنوا من دخل البيت. ولا يمكن حمل الآية على الخبرية المحضة، إذ الواقع والمشاهد وقوع القتل المحرم والمباح في الحرم، فيلزم الخلف في إخباره سبحانه وتعالى وهذا مستحيل.
ووجوب تأمين الداخل للحرم محل اتفاق بين العلماء، سواء كان الداخل إنساناً أو حيواناً، أو طيراً، وأمن الإنسان يكون في نفسه أو أهله أو ماله.
ووجه العموم في الآية ورود الأمن في الآية بلفظ النكرة {وَأَمْنًا} كما أشار إلى ذلك ابن الفرس(3)، ولعل ذلك لورودها في سياق الامتنان.--------------------------------------------
(1) انظر: التفسير الكبير (4/ 46).
(2) انظر: التفسير الكبير (4/ 47).
(3) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (1/ 110).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
يقول ابن العربي: " … وهذا إخبار من الله تعالى عن منته على عباده، حيث قرر في قلوب العرب تعظيم هذا البيت، وتأمين من لجأ إليه"(1).
وقد استثنى العلماء من عموم الآية أشياء منها ما ذكره ابن الفرس من الداجن، من الإبل والبقر والغنم والدجاج، فإنه يجوز ذبحه حتى للمحرم.
وذكر - أيضاً- الفواسق الخمس التي يجوز قتلها في الحل والحرم، والاختلاف في العلة المخرَّجة هل هي الضرر كما يقول مالك، أو عدم أكل لحمها كما يقول الشافعي، وبحسب ذلك طرد كل واحد علَّته(2).
ومن المستثنيات: " الدفاع عن النفس(3) بقوله تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: 191].
وبحسب تعميم الأمن الوارد في الآية يدخل ما ذكره أبو حنيفة من عدم إقامة الحدود في الحرم(4)، وخالفه العلماء في ذلك(5).
وقد نقل القرطبي الإجماع على أنه لو قتل في الحرم قُتل به، ولو أتى حدَّاً أقيد منه فيه، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه .... فنحن نقتله بالسيف، وهو-أي: أبي حنيفة - يقتله بالجوع و الصدِّ، فأي قتل أشد من هذا "(6).--------------------------------------------
(1) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/ 39).
(2) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (1/ 110).
(3) انظر: أحكام القرآن لابن عثيمين (1/ 446).
(4) وذلك لمن جنى خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم، وهو مذهب الحنابلة. انظر: حاشية ابن عابدين (2/ 625)، الإنصاف (10/ 167).
(5) انظر: الشرح الكبير للدسوقي (4/ 261)، شرح الزرقاني (8/ 24)، والمجموع (7/ 466)، مغني المحتاج (4/ 43).
(6) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2/ 111).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
ثالثا: قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]. كون الجملة خبرية ثابت بقراءة نافع وابن عامر بفتح الخاء على جهة الخبر(2) عمن اتخذه من مبتغي إبراهيم عليه السلام، فهو إخبار عن قوم إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى".
واختلف المفسرون في المراد بمقامه(3)، والأكثر على الموضع المخصوص للصلاة، والمعهود، ويؤيده سبب نزول الآية حين طلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت الآية(4)، وبيَّن المراد منها النبي صلى الله عليه وسلم بفعله حين قرأ بالآية ثم صلى خلف المقام المعهود ركعتي الطواف(5).
* وقد اختلف العلماء في حكم ركعتي الطواف على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنها واجبة، وهو مذهب الحنفية(6)، والمالكية(7)، وقول للشافعية(8)، ورواية عن الإمام أحمد(9).
القول الثاني: إنها سنة، وهو مذهب الشافعية(10)، والحنابلة(11)، وقول للحنفية(12)،--------------------------------------------
(2) انظر: القراءات وأثرها في التفسير والأحكام بازمول (2/ 912)، تفسير الروح والريحان للهرري (2/ 257).
(3) انظر: جامع البيان للطبري (1/ 536).
(4) كما عند البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} برقم (4213).
(5) كما في صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجه صلى الله عليه وسلم برقم (1218).
(6) انظر: شرح فتح القدير (2/ 456).
(7) انظر: حاشية العدوي (1/ 469)، بلغة السالك (1/ 274).
(8) انظر: المجموع (8/ 51)، مغني المحتاج (1/ 492).
(3) انظر: الفروع (3/ 305)، الإنصاف (4/ 18).
(4) انظر: المجموع (8/ 51)، مغني المحتاج (1/ 492).
(5) انظر: الفروع (3/ 503)، الإنصاف (4/ 18).
(6) انظر: مجمع الأنهر (1/ 265)، حاشية ابن عابدين (2/ 499).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
والمالكية(7).
القول الثالث: إنها تابعة للطواف، فتجب بعد الطواف الواجب، وتسن بعد الطواف المسنون، وهو قول للمالكية(8)، والشافعية(9).
والذي يهمنا هنا هو استدلال أصحاب القول بالآية باعتبار كونها أمراً ووردها بالأسلوب الخبري، وقد ثبت هذا الأمر بصيغة الأمر الصريحة في قراءة الجمهور(10)، والأصل فيه أنه يقتضي الوجوب، وهو عند أصحاب القول الأول على ظاهره وأصله، غير مصروف إلى الندب.
أما أصحاب القول الثاني فقد صرفوه إلى الندب بما ورد في عدد من الأحاديث بأن الواجب على العبد من الصلوات هو الصلوات الخمس لا غير، ومن ذلك حديث معاذ رضي الله عنه، وفيه: " فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" الحديث(11).
وحديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه في الرجل من أهل نجد الذي جاء يسأل عن الإسلام وفيه: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوّع .. " الحديث(12).--------------------------------------------
(7) انظر: حاشية الدسوقي (2/ 42، 41)، جواهر الإكليل (1/ 179).
(8) انظر: بلغة السالك (1/ 274)، جواهر الإكليل (1/ 179).
(9) انظر: المجموع (8/ 51)، مغني المحتاج (1/ 492).
(10) تفسير حدائق الروح والريحان للشيخ محمد الأمين الهروي (2/ 257)، القراءات وأثرها في التفسير والأحكام لمحمد بازمول (2/ 474).
(11) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، برقم (1496). ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، برقم (29).
(12) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام، برقم (46). ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد الأركان، برقم (8).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
(1) قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158]
أجمع العلماء على مشروعية السعي بين الصفا والمروة، واختلفوا في حكمه، وكل استدل بالآية وهي خبر متضمنة للأمر.
قال السيوطي: " وقال قوم: قوله {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} دليل على الوجوب؛ لأنه خبر بمعنى الأمر، ولا دليل على سقوطه "(1) ا. هـ.
* ثم اختلف العلماء القائلون بحتميته، هل السعي ركن في الحج أو أنه واجب؟ على قولين:
الأول: هو ركن من أركان الحج، فلا يصح الحج بدونه، ولا يجبر بدم ولا غيره، وهو مذهب المالكية(2)، والشافعية(3)، والحنابلة(4).
القول الثاني: هو واجب من واجبات الحج، يجبر بدم، وهو مذهب الحنفية(5) ورواية عن أحمد(6) اختارها بعض الحنابلة ورجحها ابن قدامه(7).
وعضد الجميع حتمية السعي بين الصفا والمروة بما ورد في الآية، وبما ذكر في سبب نزولها وذلك على النحو التالي:
1) تصريحه عز وجل بأن الصفا والمروة من شعائر الله يدل على أن السعي بينهما--------------------------------------------
(1) الإكليل في استنباط التنزيل (77).
(2) انظر: الاستذكار (3/ 520)، جواهر الإكليل (1/ 165)، الجامع لأحكام القرآن (2/ 183).
(3) انظر: المجموع (8/ 81)، مغني المحتاج (1/ 746)، أسنى المطالب (3/ 200).
(4) انظر: المغني (5/ 238)، المبدع (3/ 263)، منتهى الإرادات (2/ 174).
(5) انظر: بدائع الصنائع (2/ 214)، فتح القدير (1/ 161)، تبين الحقائق (2/ 21).
(6) انظر: المغني (5/ 239).
(7) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
أمر حتم، ولابُدَّ منه؛ لأن شعائر الله عظيمة لا يجوز التهاون بها، لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} [المائدة: 2]، وقوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، فدَّل ذلك على وجوب إقامة شعائر الله، ومنها السعي بين الصفا والمروة(1).
1) سبب نزول الآية، وتفسير أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما للآية وفيه جواب لما ذهب إليه بعض العلماء من القول إن السعي بين الصفا والمروة تطوع وليس بركن ولا واجب.
وبيان ذلك أن عروة قال: " سألت عائشة رضي الله عنهما فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158]، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطَّوف بالصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت: لا جناح عليه أن لا يتطوَّف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يُسلموا يهلّون لمناة(2) الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المُشلَّل(3)، فكان من أهل يتحرّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلمَّا أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قالوا: يا رسول الله إنا كنّا نتحرَّج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله--------------------------------------------
(1) انظر: أضواء البيان للشنقيطي (3/ 281).
(2) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (3/ 630): " مناة: بفتح الميم والنون الخفيفة: صنم كان في الجاهلية. وقال ابن الكلبي: كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي لهذيل، وكانوا يعبدونها. والطاغية صفة لها إسلامية ".
(3) المشلَّل: بضم الميم وفتح الشين، ولام مشدَّدة مفتوحة، وآخره لام ثانية، موضع على الطريق بين مكة والمدينة. والمشلل: ثنية مشرفة على قديد. ينظر: فتح الباري (3/ 630)، معجم البلدان (5/ 136).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} قالت عائشة رضي الله عنهما: وقد سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. ".(1)
فهذا حديث صحيح صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم سنّ الطواف بين الصفا والمروة، أي فرضه بالسنة، وليس مرادها نفي فرضيته(2)، ويؤيده قولها: " فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة. "(3).
(2) قوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194].
قوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} جملتان خبريتان تدلان على جواز قتال المشركين في الأشهر الحرم إذا ابتدؤوا بالعدوان.
ومعنى الآية: من استحل دمكم في الشهر الحرام فاستحلوا دمه فيه. وهذا الحكم لا خلاف في جوازه بين أهل العلم.
قال ابن القيم: " ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو، إنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء"(4). ويؤيد هذا الحكم منطوق الآية ذاتها: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة، وجُعل من شعائر الله، برقم (1643).
(2) انظر: فتح الباري (3/ 632)، أضواء البيان (3/ 283)، اختيارات الشيخ محمد الأمين الشنقيطي الفقهية في العبادات (2/ 1439).
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركنٌ لا يصحّ الحجَّ إلا به، برقم (3070).
(4) زاد المعاد (3/ 301).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
وهنا فائدتان: الأولى: المراد بالأشهر الحرم: ذي العقدة، وذي الحجة، والمحرم، ورجب، وهذا أيضا باتفاق أهل العلم(1)، وقد ورد فيها قوله عليه السلام: "إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو العقدة، وذو الحجة، والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان"(2).
الفائدة الثانية: ذهب جمهور أهل العلم(3) إلى أن ابتداء القتال في الأشهر الحرم كان منهياً عنه وغير جائز، ثم نسخ ذلك وصار القتال فيها جائزاً.
يقول أبو عبيد: " والناس اليوم بالثغور جميعاً على هذا القول، يرون الغزو مباحاً في الشهور كلها حلالها وحرامها، لا فرق في ذلك عندهم، ثم لم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم، وكذلك أحسب قول أهل الحجاز. "(4).
(3) قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 196].
ذكرت الآية الكريمة أحكاما فقهية، ما ثبت منها بلفظ الخبر حكمين فقهيين--------------------------------------------
(1) نقل الإجماع النووي في شرحه على صحيح مسلم (1/ 182).
(2) أخرجه البخاري، في كتاب التفسير، باب تفسير سورة براءة، برقم (4385).
(3) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (33)، أحكام القرآن للجصاص (1/ 390)، أحكام القرآن لابن العربي (1/ 147)، الجامع لأحكام القرآن القرطبي (3/ 43)، نواسخ القرآن لابن الجوزي (1/ 271).
(4) الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (208).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
وهما:
الحكم الأول: وجوب العمرة.
وقد سبق القول بأن وجوب العمرة هو مذهب الشافعية والحنابلة، وهو قول عند الحنفية والمالكية عند قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125].
وقد استدلوا بهذه الآية على قراءة الجمهور بنصب لفظ {وَالْعُمْرَةَ} عطفاً على {الْحَجَّ} على خلاف بينهم في معنى الإتمام(1) في قوله: {وَأَتِمُّوا}.
ووردت الآية بقراءة آحادية عن ابن مسعود برفع لفظ (العمرةُ)(2) وهي بهذه القراءة خبر بمعنى الأمر، والمعنى أنها مما تتقربون بها إلى الله عز وجل وقد ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) أن الكفار كانوا يفعلون الحج لله والعمرة للصنم(3). فتكون الآية تأمرهم بأن تكون العمرة كذلك لله سبحانه وتعالى.
يقول الدكتور محمد بازمول: " والقراءة الآحادية برفع (العمرةُ) أفادت الأمر بإتمام الحج، ثم استئناف كلام جديد يخبر الله تعالى بأن العمرة لله، وهو خبر بمعنى الأمر ليفيد مزيد الاهتمام بالعمرة فلا تصرف إلا لله، لأن بعض المشركين--------------------------------------------
(1) اختلف العلماء في تأويل الإتمام على خمسة أقوال:
الأول: يعني، وأتموا الحج لمناسكه، وسننه، وأتموا العمرة بحدودها وسننها.
الثاني: أن إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
الثالث: أن إتمام العمرة أن تحرم بها في غير الأشهر الحرم، وإتمام الحج أن تأتي بجميع مناسكه، حتى لا يلزم دمٌ لجبران نقصان.
الرابع: أن تخرج من دويرة أهلك لأجلها لا تريد غيرهما من تجارة ولا مكسب.
الخامس: أن إتمامهما واجب بالدخول فيهما.
انظر: جامع البيان للطبري (2/ 214)، معاني القرآن للزجاج (1/ 266).
(2) انظر: زاد المسير (1/ 204)، الجامع لأحكام القرآن (2/ 369)، البحر المحيط (2/ 72).
(3) انظر: تفسير البحر المحيط (2/ 71).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
كان يحج لله ويعتمر للصنم، كما قال الماتريدي في كلامه السابق والله أعلم"(1). اه
الحكم الثاني: وجوب صيام عشرة أيام كاملة لمن لم يجد الهدي للمتمتع، فإن كان عاجزاً عن الدم فإنه ينتقل إلى صيام عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، ثم قال سبحانه وتعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فقال بعض أهل العلم: إن لفظه خبر ومعناه أمر، أي: أكملوها ولا تنقصوها ذلك، وهذا الحكم متفق عليه بين أهل العلم(2)، وإنما الخلاف فيما إذا فات المتمتع صيام الأيام الثلاثة في الحج، فهل يجب عليه صيام السبعة الباقية أم تسقط عنه ويتعين عليه الدم؟. وبسط هذا في كتب الفقه(3).
(4) قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197].
أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج: ثلاثة أشهر، أولها شوال، واختلفوا في آخرها، هل هو العاشر من ذي الحجة، أم ذي الحجة بأكمله؟(4)
وقوله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} خبر بمعنى الأمر، أي: إن أشهر الحج هي: شوال، وذو العقدة، وذو الحجة، فمن أراد الحج فليبدأ بالإحرام من شوال إلى--------------------------------------------
(1) القراءات وأثرها في التفسير والأحكام لمحمد بازمول (2/ 474).
(2) نقل الإجماع عليه ابن قدامة في المغني (5/ 360)، والنووي في المجموع (7/ 186).
(3) انظر: الاستذكار لابن عبد البر (3/ 398)، شرح الزركشي على الخرقي (3/ 310 - 311)، الفروع لابن مفلح (3/ 323)، المحلى لابن حزم (7/ 145).
(4) انظر: المجموع (7/ 136)، فتح الباري (3/ 529)، نيل الأوطار (5/ 29).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
عشر ذي الحجة(1).
ومن قال بأن شهر ذي الحجة كاملة من أشهر الحج، كالمالكية، فباعتبار ما يمتد فيه الإحلال(2).
فائدة: قال العلماء بأن المولى سبحانه وتعالى أطلق الأشهر على شهرين، وبعض شهر، تنزيلاً للبعض منزلة الكل(3).
(5) قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228].
قال القرطبي رحمه الله: " قوله: " {يَتَرَبَّصْنَ} التربص: الانتظار على ما قدمناه، وهذا خبر والمراد الأمر"(4).
وقد اتفق العلماء(5) على وجوب تربص المرأة المطلقة واعتدادها ثلاثة قروء. قال ابن قدامه: " عدة المطلقة إذا كانت حرة، وهي من ذوات القروء، ثلاثة قروء بلا خلاف بين أهل العلم"(6).--------------------------------------------
(1) انظر: فتح القدير (3/ 17 - 18)، حاشية ابن عابدين (3/ 474)، المجموع (7/ 135)، مغني المحتاج (1/ 686 - 687)، المغني (5/ 110)، شرح منتهى الإرادات (2/ 11).
(2) انظر: شرح الخرشي على خليل (3/ 130)، الشرح الكبير (2/ 21).
(3) انظر: الغرر البهية (4/ 108)، اختيارات الشيخ محمد الأمين الشنقيطي الفقهية من خلال أضواء البيان (2/ 951).
(4) الجامع لأحكام القرآن (3/ 112).
(5) نقل الإجماع عليه عدد من العلماء، منهم ابن حزم في مراتب الإجماع (134)، وابن رشد في بداية المجتهد (2/ 151 - 152)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (3/ 112).
(6) القرء في اللغة: الحيض والطهر معاً، فهما من الأضداد. وأصله من دنو وقت الشيء، فيكون للحيض والطهر جميعاً. واختلف الفقهاء في المراد منه؛ هل هو الحيض، أو الطهر؟، على قولين: فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه: الحيض. وذهب المالكية والشافعية إلى أنه الطهر.
انظر: لسان العرب (1/ 130 - 131)، المبسوط (6/ 13)، المدونة (2/ 234)، روضة الطالبين (7/ 361)، الإنصاف (9/ 279).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)