*
المطلب السادس: المنهج القرآني في التدرج بالأحكام.
من الشواهد على تدرج القرآن الكريم في تشريع الأحكام هذه الآية.
وقد مر تحريم الربا بأربع مراحل وهي(1):
المرحلة الأولى: أول ما نزل في الربا قوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39].
وليس في هذه الآية نص على تحريم الربا وإنما إشارة إلى أن الله يمحق الربا فلا ينمو ولا يبارك الله فيه بخلاف الزكاة التي يراد بها وجه الله فإنه سبحانه يضاعف الثواب لصاحبه.
المرحلة الثانية: قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 160 - 161]
بين سبحانه وتعالى إلى أن من معاصي اليهود أكلهم الربا وقد نهوا عنه، وفي ذلك إشارة إلى أنه إذا كان أكل الربا والتعامل به محرمًا على اليهود فأولى أن يكون كذلك بين المسلمين وهم خير أمة أخرجت للناس وهو تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح وفي هذا توطئة للنص على التحريم في المرحلة التالية.
المرحلة الثالثة: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130].--------------------------------------------
(1) انظر: دراسات في علوم القرآن للرومي (250).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
بدأ تحريم الربا بتحريم نسبة منه معينة وهي ما كانت أضعافًا مضاعفة تمهيدًا لتحريمه كله في المرحلة الأخيرة.
المرحلة الرابعة: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278 - 279] الآيات من سورة البقرة.
فغلظ سبحانه في تحريم الربا، وغلظ في تحريمه بالتهديد والوعيد لأصحابه ووصفهم بأنهم محاربون لله ورسوله وهل بعد هذا أغلظ في التحريم وأبشع في الوصف، وأصرح بالتحريم.
ملحوظة: وقع بعض المفتين في الخطأ في الفتيا فأباح بعضهم الربا اليسير وهو الذي لا يصل إلى الأضعاف المتضاعفة جهلًا منه بأن هذا كان في مرحلة من مراحل تحريم الربا(1)، وأنه بهذا كمن يبيح الخمر في غير أوقات الصلاة مستدلًّا بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] ولعله يظهر بهذا أهمية معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل.
* المطلب السابع: الاستشهاد بالآية على مستند الإجماع.
أجمع العلماء على حل البيع وحرمة الربا(2)، والإجماع حجة، ولا بد له من مستند(3)، ويستدل بالآية على كونها مستنداً للإجماع.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق.
(2) نقل الإجماع على تحليل البيع وتحريم الربا جمع من العلماء: منهم ابن قدامة في المغني (6/ 7، 51).
(3) قال الآمدي في الإحكام (1/ 261): «اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا على مأخذ ومستند يوجب اجتماعها عليه، خلافاً لطائفة شاذة … » وانظر: كشف الأسرار (3/ 293 - 295)، شرح الكوكب (2/ 259).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
* المطلب الثامن: من قواعد القياس.
(1) استدل بالآية من قال بعدم حجية القياس.
ووجه الاستدلال منها: أنه لو كان الدّين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة، لكن لما كانت الشبهة مدفوعة وذمهم الله تعالى عليها تبين أن الدّين بالنص لا بالقياس، وأن القياس ليس حجة.
والجواب عن هذه الاستدلال: إن هذا القياس في مقابلة نص، ولا قياس مع النص، فلا تبطل بذلك جميع الأقيسة إذا توفرت شروطها وأركانها.
كما أن الكفار قدموا ذكر البيع على الربا مع أن القياس تقديم الربا للمبالغة، لأن البيع متفق على جوازه، فمرادهم المناقضة والإلزام، وليس التمسك بطريقة القياس(1).
(2) التعليل بالحكمة(2): ذكر بعض العلماء أن مرجع التفرقة بين البيع والرّبا هو التعليل بالمظنة، وذلك لمراعاة الفرق بين حالي المقترض والمشتري «فقد كان الاقتراض لدفع حاجة المقترض للإنفاق على نفسه وأهله لأنهم كانوا يعدّون التداين هماً وكرباً، وقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، وحال التاجر حال التفضّل. وكذلك اختلاف حالي المسْلِف والبائع، فحال باذل ماله للمحتاجين لينتفع بما يدفعونه من الربا فيزيدهم ضيقاً؛ لأنّ المتسلّف مظنّة الحاجة، ألا تراه ليس بيده مال، وحال بائع السلع تجارةً حال من تجشّم مشقّة لجلب ما يحتاجه المتفضّلون وإعداده لهم عند دعاء حاجتهم إليه مع--------------------------------------------
(1) انظر: التفسير الكبير للرازي (7/ 77)، اللباب في علوم الكتاب (4/ 452).
(2) الحكمة هي: الأمر المناسب الذي تضمنه الوصف الظاهر. قاله السفياني في كتابه الثبات والشمول (390)، وانظر: تشنيف المسامع (3/ 215).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
بذلهم له ما بيدهم من المال. فالتجارة معاملة بين غنيّين: ألا ترى أن كليهما باذل لما لا يحتاج إليه وآخذٌ ما يحتاج إليه، فالمتسلّف مظنّة الفقر، والمشتري مظنّة الغِنى، فلذلك حرم الربا لأنّه استغلال لحاجة الفقير وأحلّ البيع لأنّه إعانة لطالب الحاجات. فتبيّن أنّ الإقراض من نوع المواساةِ والمعروف، وأنّها مؤكّدة التعيُّن على المواسي وجوباً أو ندباً، وأيّاً ما كان فلا يحل للمقرض أن يأخذ أجراً على عمل المعروف. فأما الذي يستقرض مالاً ليتجَّر به أو ليوسع تجارته فليس مظنّة الحاجة، فلم يكن من أهل استحقاق مواساة المسلمين، فلذلك لا يجب على الغني إقراضه بحال فإذا قرضه فقد تطوّع بمعروف. وكفى بهذا تفرقة بين الحالين»(1).
(3) من المعلوم أن من شروط القياس ألا يكون حكم الفرع منصوصاً على حكمه(2)، إذا لا قياس مع النص. وهذا الشرط غالبا ما يذكر ضمن شروط الفرع الذي هو أحد أركان القياس، وفي الآية الكريمة قياس البيع على الربا، فجعلوا الفرع الذي هو «البيع» هنا مثل الربا، الذي جعلوه أصلا في قياسهم(3)، والفرع الذي هو البيع منصوص على حكمه.--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور (3/ 85)، ثم ذكر أن الفخر الرازي ذكر لحكمة تحريم الربا أسباباً أربعة، قلت: انظرها في التفسير الكبير (7/ 74).
(2) انظر: تقريب الوصول لابن جزي (355)، وعلق محققه - شيخنا الدكتور محمد المختار بن محمد الأمين - على هذا الشرط بقوله: «سواء أكان النص عليه بموافق، أو مخالف؛ لأن التعدية إن كانت على وفاق النص الذي في الفرع فلا فائدة فيه؛ لأن النص يغني عنه، وإن كانت على خلافه فهو باطل؛ لمخالفته حكم النص، والصحيح أنه إن كان موافقاً فلا مانع منه؛ لأنهم درجوا على القول بأن هذه المسألة دلَّ عليها النص، والإجماع، والقياس، وأنه لا مانع من توارد الأدلة على مدلول واحد، كما هو الواقع في الأدلة من الكتاب والسنة» وانظر: الشرط في: البحر المحيط (5/ 108)، شرح الكوكب (4/ 110).
(3) صنيعهم هذا يسمى عند الأصوليين بقياس العكس، ويقصد به هنا إبطال مذهب الخصم، وهو إنما يلجأ إليه عند المناظرة، لا في وقت استنباط المجتهد في خاصة نفسه.
انظر: التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور (2/ 551).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
(4) من الطرق الدالة على العلة طريق الإيماء والتنبيه وهو اقتران الحكم بوصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيداً فيحمل الوصف على التعليل دفعًا للاستبعاد(1).
وهو أنواع كثيرة(2)، اتفق الأصوليون على بعض صوره، واختلفوا في البعض الآخر، ومن الصور المختلف فيها: أن يذكر الوصف صريحاً، ولا يذكر الحكم معه، بل يكون الحكم مستنبطا منه(3)، ومن ذلك الآية الكريمة فالوصف هنا وهو البيع مذكور صريحاً، أما الحكم وهو صحة البيع فهو مستنبط من كونه بيعاً.
فمن قال بأنه إيماء فبناء على أن الاقتران بين الوصف والحكم قد حصل من غير نظر إلى أن الحكم أو الوصف صريح أو مستنبط أو مقدر.
أو يقال: إن الحكم لما كان مستلزماً - بالفتح - للوصف فذكر الوصف يغني عن ذكره فتحقق الاقتران.
ويرى بعض الأصوليين أنه ليس بإيماء، لعدم ذكر الحكم والوصف صريحين(4).
وينبني على كونه إيماء تعميم الحكم في كل ما وجدت فيه العلة.--------------------------------------------
(1) انظر: المحصول (5/ 143)، روضة الناظر (3/ 839 - 846)، شرح مختصر الروضة (3/ 362)، البحر المحيط (5/ 198)، التحبير (7/ 3331)، شرح الكوكب (4/ 125).
(2) انظر: المصادر السابقة.
(3) انظر: البحر المحيط (7/ 252)، تسنيف المسامع (3/ 268)، التحبير (7/ 3347)، بيان المختصر للأصفهاني (3/ 100).
(4) انظر: المصادر السابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
(5) من قوادح القياس، فساد الاعتبار، والمعارضة. أما فساد الاعتبار وهو القياس في مقابلة النص(1)، فقد بيّن سبحانه وتعالى فساد قياسهم: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} بأنه مخالف للنص وهو قوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} والقياس مع النص فاسد(2).
أما المعارضة، فقد يعترض على الاستدلال بظاهر الآية بعدة اعتراضات منها:
(أ) الاستفسار(3) على القول بالإجمال وعدم ظهور المراد بالبيع أو الربا لما سيأتي من القول بالإجمال.
(ب) منع ظهور صحة كل بيع في الدلالة، وذلك لخروج صور لا تحصى، أو لا نسلم أن اللام للعموم - كما سيأتي في مباحث العموم - فإنه يجيء للعموم والخصوص(4).
(ج) التأويل، وهو أنه وإن كان ظاهراً فيما ذكرت، لكن يجب صرفه عنه إلى محمل مرجوح بدليل يصيره راجحًا(5).
فيقال مثلا في البيع الغائب غير داخل في العموم لما فيه من الغرر وقد نهى عليه الصلاة والسلام(6) عن بيع الغرر وهذا أقوى، لأنه عام لم يتطرق إليه تخصيص أو التخصيص فيه أقل(7).--------------------------------------------
(1) انظر: روضة الناظر (3/ 930)، شرح مختصر الروضة (3/ 467).
(2) انظر: اللباب في علوم الكتاب (4/ 452).
(3) الاستفسار هو: طلب تفسير اللفظ، وبيان المراد منه، ويتوجه على الإجمال.
انظر: روضة الناظر (3/ 930)، شرح مختصر الروضة (3/ 467).
(4) انظر: التحبير (7/ 3580)، شرح الكوكب (3/ 261).
(5) انظر: التحبير (7/ 3580)، شرح الكوكب (4/ 260).
(6) أخرجه مسلم، في كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر، برقم (1513).
(7) انظر: التحبير (7/ 3580)، شرح الكوكب (4/ 260).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
فصرف بيع الغرر - إن قلنا بأن حكمه ظاهر في حل البيع - عن ظاهره لدليل راجح وهو النهي عن بيع الغرر.
• المبحث الثاني: مباحث العموم.
* المطلب الأول: من صيغ العموم.
من صيغ العموم، دخول «أل» غير العهدية على المفرد المشتق(1)، كما في لفظي «البيع»، و «الربا» في الآية ومن ثم يعم لحل كل بيع، وحرمة كل ربا.
واشترط بعض الشافعية للعموم في «أل» الداخلة على المفرد المشتق، عدم مخالفته لأصل، فعم في البيع لأنه موافق للأصل من حيث إن الأصل في المنافع الحل، فمهما حرم البيع فهو على خلاف الأصل، وعم في الربا من حيث إن الأصل في المضار المنع.
أما إذا لم يكن موافقاً للأصل فأن اللفظ المفرد المشتق وإن دخلت عليه «أل» غير العهدية فإنها لا تعم. ومثّل ذلك ب «الزكاة» في قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وذلك لأن الزكاة على خلاف الأصل لتضمنها أخذ مال الغير بغير إرادته، فوجوبها على خلاف الأصل(2).
* المطلب الثاني: الخلاف بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص.
اختلف الأصوليون في قوله {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} هل هو عام مراد به الخصوص أو عام مخصوص؟
وسبب الخلاف راجح إلى الخلاف في التفرقة بينهما، وقد ذكر جمع--------------------------------------------
(1) انظر: روضة الناظر (2/ 665)، شرح مختصر الروضة (2/ 465)، التحبير (5/ 2363).
(2) انظر: البحر المحيط (4/ 141)، التحبير (6/ 2775)، شرح الكوكب (3/ 427).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
الأصوليين فروقاً بينهما(1)، ومن تلك الفروق: إن الذي يراد به الخصوص يكون المراد به أقل فإذا كان المراد به هو الأكثر فذلك العام المخصوص.
والباقي بعد تخصيص الربا، والبيوع المحرمة المنهي عنها دائر بين الأقل والأكثر.
ويترتب على الخلاف في كونه عاماً مخصوصاً، أو عاماً مراداً به الخصوص ما قاله البرماوي حيث قال: «وحاصل ما قرره أن العام إذا قصر على بعضه له ثلاث حالات:
الأولى: أن يراد به في الإبتداء خاص، فهذا هو المراد به خاص.
الثانية: أن يراد به في عام ثم يخرج منه بعضه فهو نسخ.
الثالثة: أن لا يقصد به خاص، ولا عام في الابتداء، ثم يخرج منه أمر، ويتبين بذلك أن لم يرد به في الابتداء عمومه، فهذا هو العام المخصوص. ولهذا كان التخصيص عندنا بياناً لا نسخاً إلا إن أخرج بعد دخول وقت العمل بالعام فيكون نسخاً لأنه قد تبين أن العموم أريد في الابتداء»(2).
* المطلب الثالث: الخلاف بين العام المخصوص والعام الباقي على عمومه.
اختلف العلماء في العموم الوارد في قوله {وَحَرَّمَ الرِّبَا} فالقائل بأنه باق على عمومه قائل بأن التحريم يشمل كل عقد فيه ربا سواء كان ربا فضل أو نسيئة.
أما القائل بأنه عام مخصوص، باعتبار تخصيصه بقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الربا في النسيئة»(3) كما خص بالقرائن المتصلة وسيأتي تفصيل ذلك في مباحث التخصيص.--------------------------------------------
(1) انظر: الفروق في أصول الفقه للحمد (558 - 561).
(2) انظر: التحبير (5/ 2380)، شرح الكوكب (3/ 167).
(3) أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلاً بمثل، برقم (1596).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
* المطلب الرابع: حمل العام على الخاص.
تكاد تتفق كلمة الأصوليين على وجوب حمل العام على الخاص فيما إذا استقلَّ العام - كما في الآية -(1) ثم إن الخاص قد يكون كتاباً أو سنة أو غير ذلك، وقد حمل العلماء عموم البيع في الآية على غير ما نهى الله ورسوله من البياعات، وسيأتي أمثلة لذلك في مباحث التخصيص.
* المطلب الخامس: حجية العام المخصوص فيما بقي بعد التخصيص.
سبقت الإشارة إلى الخلاف في كون قوله تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} عاماً مراداً به الخصوص أو عاماً مخصوصاً، وعلى القول بأنه عام مخصوص فهل الباقي بعد التخصيص حجة؟
وقع خلاف بين العلماء في العام إذا خُصَّ بمبهم، هل يكون حجة في الباقي؟(2)
وعلى القول بأن لفظ «الربا» في الآية مجمل، وهو بمنزلة الاستثناء من جمل البيع، فإن الخلاف ينسحب عليه. ومن قال بأنه لم يبق حجة قال: إما لأنه خص بمبهم، أو لأنه ليس بعام بل لكون البيع أصبح مجملاً بهذا الاستثناء كما سيأتي في مباحث الإجمال. وعلى القول ببقاء عمومه، وبأن الربا معلوم، كما في المخصصات المعلومة المعينة الأخرى من عموم البيع، فهل يجعل البيع - العام المخصوص - حجة فيما بقي بعد التخصيص؟--------------------------------------------
(1) انظر: المحصول (3/ 104)، البحر المحيط (3/ 407)، شرح مختصر الروضة (3/ 733)، شرح الكوكب (3/ 382).
(2) نقل الأصبهاني في بيان المختصر (2/ 142) الاتفاق على حجيته. وقال ابن السبكي في إبهاجه (2/ 137 - 138): «وقد ادعى جماعة فيه الاتفاق، وهي دعوى غير مسموعة، فقد صرح ابن برهان في الوجيز بأن محل الخلاف فيم إذا خُصَّ بمبهم .... ».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
ذهب جمهور أهل العلم(1) إلى بقاء حجيته في غير ما تناوله التخصيص، ولهذا استدل العلماء بالآية على أن الأصل حل البيع وجوازه، فمن ادعى الحظر وإخراج شيء فعليه إقامة الدليل(2).
* المطلب السادس: دلالة العام على أفراده.
اختلف العلماء في دلالة العام على أفراده هل هي بطريق الظهور أو التنصيص(3)؟.
وثمرة الخلاف تظهر في التخصيص بالتراخي، فعلى القول بأنه بطريق الظهور لا يكون نسخاً، ولو كان العام نصاً على أفراد لكان نسخاً.
كما أن دلالة العام إن كانت بطريق التنصيص فإذا ما تعارضت مع الخاص في شيء واحد فإنهما يتساويان، فيطلب الترجيح من خارج.
أما على القول بالأول وهو أن دلالته على أفراده بطريق الظهور فالحديث المخصص للآية يعتبر قاصراً لبعض أفراده عليه وليس ناسخاً للعام.
يقول الغزالي في مسألة تخصيص خبر الآحاد للقرآن: «قولهم: إن الحديث إما أن يكون نسخاً أو بياناً، والنسخ لا يثبت بخبر الواحد اتفاقاً، وإن كان بياناً فمحال إذ البيان ما يقترن بالمبين، وما يعرفه الشارعُ أهلَ التواتر حتى تقدم الحجة به قلنا: هو بيان ولا يجب اقتران البيان بل يجوز تأخيره عندنا … »(4).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق. وانظر: أحكام القرآن للجصاص (1/ 568)، أصول السرخسي (1/ 144)، وروضة الناظر (2/ 706)، المسودة (116).
(2) انظر: المغني لابن قدامة (4/ 134)، البحر المحيط (4/ 141).
(3) انظر: أصول السرخسي (1/ 132)، كشف الأسرار (1/ 161)، البرهان (2/ 1195)، جمع الجوامع (2/ 8).
(4) المستصفى (2/ 160).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
* المطلب السابع: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (1).
يقال في سبب نزول الآية أن ثقيفاً كانوا أكثر العرب رباً، فلما نهوا عنه قالوا: كيف ننهي عن الربا وهو مثل البيع، فحكى الله تعالى ذلك عنهم، ثم أبطل ما ذكروه من التشبيه بالبيع(2)، فقال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}.
فيقال العبرة بعموم اللفظ، فيحرم جميع أنواع الربا، ومنها الربا الذي يعامل به أهل الجاهلية إذا حل دينه على غريمة طالبه، فيقال: زدني في الأجل وأزيدك في المال، وهو ربا النسأ، واللفظ يعمه ويعم ربا الفضل.
• المبحث الثالث: مباحث التخصيص.
* المطلب الأول: تخصيص الآية بالكتاب.
تخصيص الكتاب بالكتاب مما لا خلاف فيه بين أهل العلم(3)، ومن أمثلة ذلك وشواهده تخصيص عموم حل البيع الوارد في هذه الآية بالربا الوارد تحريمه بنفس الآية، فيكون بمنزلة الاستثناء من الجملة، ولو لم يخصه لكانت الاباحة عامة في سائر البياعات رباً كان أو غيره(4).
كما خصصوا الآية بالآيات التي حرمت بعض البيوع، بعموم لفظها، كالبيوع الداخلة تحت قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]--------------------------------------------
(1) انظر: العدة (1/ 501)، روضة الناظر (2/ 693)، شرح الكوكب (3/ 178)، المستصفى (2/ 131)، الإحكام (2/ 258)، شرح التنقيح (216)، فواتح الرحموت (1/ 290).
(2) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/ 240).
(3) يقول الآمدي في الإحكام (2/ 456): «اتفق العلماء على جواز تخصيص الكتاب بالكتاب، خلافاً لبعض الطوائف» والمخالف هم الظاهرية كما الإحكام لابن حزم (1/ 77)، وانظر: شرح تنقيح الفصول (202)، والإبهاج (2/ 180)، شرح الكوكب المنير (3/ 359).
(4) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (1/ 406)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (3/ 339).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
أو الداخلة تحت عموم مقتضاها، كتحريم بيع الميتة والدم من قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3] إلى غير ذلك من الآيات.
* المطلب الثاني: تخصيص الآية بالسنة.
وتخصيص الكتاب بالسنة ولو كانت آحادية هو قول جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة(1).
قال السيوطي: «ومن أمثلة ما خُصَّ بالحديث: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} خُصَّ منه البيوع الفاسدة، وهي كثيرة في السنة»(2).
قلت: وجواز هذا التخصيص إجماع الصحابة كما سيأتي في المطلب القادم.
ثم إن العام والخاص دليلان متعارضان، وخبر الواحد أخص من العموم الوارد في الآية، فيتقدم عليه، لأن تقديم العموم عليه يقتضي إلغاء خبر الواحد بالكلية، وتقديم الخبر على العموم، لا يبطل العموم بل يبقى في غير ما يتناوله الخبر فكان أولى(3).
كما أن المسألة ترجع إلى الخلاف في تخصيص المقطوع بالمظنون، والواقع أن الخبر يتسلط على فحوى العام، وفحواه غير مقطوع به(4).--------------------------------------------
(1) انظر: العدة (2/ 551)، التبصرة (132)، الإحكام للآمدي (2/ 347)، أحكام الفصول للباجي (262)، البحر المحيط (4/ 242)، شرح الكوكب (3/ 359).
(2) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (4/ 1419).
(3) انظر: شرح تنقيح الفصول (208).
(4) انظر: المنخول (252)، البحر المحيط (4/ 482) ونقل الزركشي عن القاضي قوله: «أنا أتوقف فيه إذا ظاهر القرآن مقطوع الأصل غير مقطوع الفحوى، ونص أخبار الآحاد مقطوع الفحوى غير مقطوع الأصل».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
* المطلب الثالث: تخصيص الآية بالقياس.
ذهب كثير من العلماء إلى جواز تخصيص الكتاب بالقياس على النص الخاص(1).
فقوله سبحانه وتعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} دل على جواز كل بيع بلفظ عام، ثم ورد النص بتحريم الربا في البرّ بعلة الكيل - مثلا- ثم يقاس على البر الأرز، فيحرم الربا في الأرز، ويخص تحريم الربا في الأرز من حل البيع فهو قياس نص خاص يخص به عموم إحلال البيع(2).
ملحوظة: قد يقال: إن القياس فرع على النص، فلو خص القياس العموم لكان قد اعترض بالفرع على الأصل. وبمعنى آخر يقال: إن حكم القياس حكم أصله الذي هو النص الخاص، وكما أن النص الخاص يخص العموم، فكذا قياسه الذي حكمه حكمه، فكما أن النص على تحريم الربا في البر خصَّ عموم البيع، فكذا قياس البر في الأرز(3).
والجواب: إن قياس الأرز على البر إنما يخص قول الله: عز وجل {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}. وليس هذه الآية أصلاً لهذا القياس، لأن أصل القياس هو ما يقع الرد إليه كالبر، أو تحريمه، أو ما يدل على تحريمه، أو ما يدل على صحة القياس كإجماع الصحابة وغيره.
فأما قول الله عز وجل {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} فليس هو الذي رددنا إليه الأرز،--------------------------------------------
(1) انظر: شرح تنقيح الفصول (203)، فواتح الرحموت (1/ 351)، روضة الناظر (2/ 734) وقال محقق الروضة الدكتور عبد الكريم النملة: «والخلاف في القياس الظني، أما القياس القطعي فيجوز التخصيص به إجماعاً».
(2) انظر: المعتمد (2/ 279 - 280)، شرح مختصر الروضة (2/ 572).
(3) انظر: شرح مختصر الروضة (2/ 572).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
ولا هو الدال على صحة القياس، فلم يعترض بالفرع على أصله.
* المطلب الرابع: تخصيص العام بمقصوده.
لما كانت الآية القصد منها التفريق بين البيع والربا، والرد على من قال {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة: 275] اختلف العلماء في تخصيص العام بمقصوده فذهب الجمهور إلى عدم تخصيصه بمقصوده(1)، بل يجب إجراء اللفظ على موجبه لغة، فيحمل لفظ «البيع» على عمومه.
وذهب بعض الأصوليين إلى وجوب وقف العموم على ما قصد به، وأن لا يتعداه إلى غيره إلا بدليل، وإن كانت الصيغة تقتضي العموم وذلك لأن العموم لم يقع مقصوداً.
وعليه يكون البيع غير عام، فلا يدخل في العموم الصور غير المقصودة فلا يستشهد به - مثلاً- على جواز بيع لبن الآدميات ونحوه مما وقع فيه الخلاف(2).
* المطلب الخامس: تخصيص العام بالقرائن.
تكلم أهل الأصول عن القرائن وبينوا أن اللفظية المتصلة منها تخصص اللفظ العام، ومثلوا لذلك بالآية الكريمة، حيث بيّن قوله تعالى {وَحَرَّمَ الرِّبَا} أن المراد من قوله سبحانه {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} البعض دون الكل. كما أن قوله سبحانه وتعالى {وَحَرَّمَ الرِّبَا} قد خصصه بعضهم بربا النسيئة، للحديث «إنما الربا في النسيئة» وبالقرائن اللفظية المتصلة بالآية، ومن تلك قوله تعالى {فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275].--------------------------------------------
(1) أي لا يقصر العام على مقصوده، بل يحمل على عموم لفظه، وانظر قول الجمهور في: المسودة (132)، أصول الفقه لابن مفلح (3/ 975)، البحر المحيط (3/ 58)، شرح الكوكب (3/ 389).
(2) انظر: التمهيد للإسنوي (329)، الكوكب الدري للإسنوي (216)، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (265).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
• المبحث الرابع: مباحث الإجمال.
* المطلب الأول: وجود الإجمال في القرآن الكريم.
نقل غير واحد من أهل العلم وجود الإجمال في القرآن الكريم، وأن ذلك المجمل قد فُسِّر وبُيِّن في سنة الرسول الكرم عليه أفضل الصلاة والتسليم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية «وقد اتفق الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة الدين: أن السنة تفسر القرآن وتبينه، وتدل عليه، وتعبّر عن مجمله، وأنها تفسر مجمل القرآن، من الأمر والخبر»(1).
وقال القرطبي بعد أن نقل القول بأنه عام واختاره: «وقال بعضهم: هو من مجمل القرآن الذي فُسِّر بالمحلَّل من البيع وبالمحرم فلا يمكن أن يُستعمل في إحلال البيع وتحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن دلَّ على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل وا وهذا فرق ما بين العموم والمجمل، فالعموم يدل على إباحة البيوع في الجملة والتفصيل ما لم يخص بدليل، والمجمل لا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان»(2)
* المطلب الثاني: دلالة الإجمال في لفظي «البيع» و «الربا».
لورود الإجمال في لفظي (البيع) و (الربا) أسباب عدة منها(3):
(1) تردد اللفظ بين الحقيقة الشرعية، والحقيقة اللغوية، فإذا أطلق الشرع لفظ «الربا» فإنه يتردد بين مسمييه اللغوي والشرعي، لأن الربا في اللغة: الزيادة كيف كانت، وحيث كانت، وفي الشرع هو زيادة مخصوصة، وهو التفاضل--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (17/ 432).
(2) الجامع لأحكام القرآن (3/ 339).
(3) انظر: التفسير الكبير للرازي (7/ 81).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
في الأموال الربوية، كبيع درهم بدرهمين، وصاع بصاعين، فنتوقف فيه حتى نعلم أيّ الزيادتين أراد(1).
يقول الجصاص في ترجيح كون الربا منقولاً من معناه اللغوي إلى معناه الشرعي: «وهو في الشرع يقع على معان لم يكن الاسم موضوعاً لها في اللغة، ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى النساء ربا في حديث أسامة بن زيد فقال: «إنما الربا في النسيئة»(2).
وقال عمر بن الخطاب: إن من الربا أبواباً لا تخفى منها السلم في السن(3)، يعني الحيوان. وقال عمر: - أيضا -: إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يبينه لنا، فدعوا الربا والريبة(4).
فثبت بذلك أن الربا قد صار اسماً شرعياً؛ لأنه لو كان باقياً على حكمه في أصل اللغة، لما خفي على عمر؛ لأنه كان عالماً بأسماء اللغة؛ لأنه من أهلها، ويدل عليه أن العرب لم تكن تعرف بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة نساء رباً، وهو ربا في الشرع، وإذا كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان، وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الاسم موضوعاً لها في اللغة» «البيع».--------------------------------------------
(1) التفسير الكبير للرازي (7/ 81)، واللباب لابن عادل (4/ 453).
(2) أخرجه مسلم، وقد سبق.
(3) أخرجه ابن كثير في مسند أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأقواله على أبواب العلم (1/ 347)، ونقل الألباني في إرواء الغليل (5/ 215) برقم (1373) عن الجوزجاني ص (341) ولم يحكم عليه.
(4) أخرجه ابن ماجة في كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، برقم (2276) وقال محققه محمد فؤاد عبد الباقي: «إسناده صحيح، ورجاله موثوقون، إلا أن سعيداً، وهو ابن عروبة، اختلط بآخره. كذا في الزوائد».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
يريد أن الشارع وإن بيَّن الإجمال في لفظ «الربا» إلا أن البيان ليس وافياً؛ لأنه لم يحصر الربا فيما بيَّنه، فجاز الاجتهاد ولبيان ما يكون فيه الربا قياساً على ما ورد في بيان السنة(1).
وقال ابن العربي: «قال علماؤنا: الربا في اللغة هو الزيادة، ولا بد في الزيادة من مزيد عليه تظهر الزيادة به، فلأجل ذلك اختلفوا هل هي عامة في تحريم كل ربا، أو مجملة لا بيان لها إلا من غيرها؟ … فحرم الله تعالى الربا، وهو الزيادة، ولكن لما كان كما قلنا لا تظهر الزيادة إلا على مزيد عليه، ومتى قابل الشيء غير جنسه في المعاملة لم تظهر الزيادة، وإذا قابل جنسه لم تظهر الزيادة أيضاً إلا بإظهار الشرع؛ ولأجل هذا صارت الآية مشكلة على الأكثر، معلومة لمن أيَّده الله تعالى بالنور الأظهر … الخ»(2).
وبعض الأصوليين قرر الإجمال بسبب التردد بين مسمييه اللغوي والشرعي في لفظ «البيع».
وبيان ذلك: أن البياعات في الشرع منها حلال، كالعقود المستجمعة لشروط الصحة، ومنها حرام كبيوع الغرر(3)، وبيع تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي(4) … الخ، فتردده بين هذه البياعات الجائزة والمحرمة جعلها مجملة، ثم ورد البيان من الشرع بالمحرم منها من الجائز(5).--------------------------------------------
(1) انظر: أصول السرخسي (1/ 168 - 169)، أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار (1/ 86).
(2) أحكام القرآن لابن العربي (1/ 241).
(3) سبق تخريجه.
(4) ورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد»، أخرجه البخاري برقم (2158)، ومسلم، برقم (1521).
(5) انظر: شرح مختصر الروضة (2/ 661).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
قال ابن السمعاني: - « … وعلى القول الثاني ليس بمجمل، وهو الأصح، لأن البيع معقول في اللغة، فيحمل اللفظ على العموم إلا ما خصه الدليل .. »(1).
(2) من أسباب الإجمال تردد «أل» في لفظي «البيع» و «الربا» هل هي للتعريف أو للاستغراق(2).
(3) إن قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} مجمل - على القول بذلك كما في السبب الأول - وهو مذكور في حكم الاستثناء عن البيع، والمجهول إذا استثنى من المعلوم انسحب على الكلام كله فأصبح لفظ «البيع» أيضا مجملاً.
يقول ابن القشيري في تفسيره: «قال العلماء: هذه الآية مجملة لأن قوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} يقتضي تحليل كل بيع. وقوله {وَحَرَّمَ الرِّبَا} يقتضي تحريم كل بيع، لأنه لا يبيع إلا ويقصد منه الزيادة»(3).
* المطلب الثالث: السنة تبين القرآن الكريم.
وضع الله سبحانه وتعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم موضع الإبانة عنه سبحانه وتعالى، وفرض على خلقه اتّباعه فقال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] فهذه الآية - {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} على القول بأنها مجملة فهي مما تولى سبحانه تنزيله، ووقعت الإحالة على النبي صلى الله عليه وسلم بيانه، فبين عليه الصلاة والسلام ما يحل وما يحرم فعلم من ذلك أنه سبحانه وتعالى أراد بإحلال البيع ما لم يحرّم منه دون ما حرّم على لسان نبيه، أو يقال: أحل--------------------------------------------
(1) انظر: قواطع الأدلة (1/ 291)، أحكام القرآن لابن العربي (1/ 241)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (3/ 340).
(2) انظر: أصول السرخسي (1/ 168) كشف الأسرار للبخاري (1/ 86).
(3) انظر: البحر المحيط (5/ 67 - 68)، والتفسير الكبير للرازي (7/ 93).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
الله البيع إذا كان على غير ما نهى الله في كتابه أو على لسان نبيه.
فائدة: ذكر الجصاص في كتابه الفصول باباً فيما يحتاج إلى البيان، وما لا يحتاج إليه، وذكر الضابط في ذلك فقال: «كل لفظ أمكن استعماله على ظاهره وحقيقته، ولم يقترن إليه ما يمنع استعمال حكمه على مقتضى لفظه فغير محتاج إلى البيان، إلا أن يريد به المخاطب بعض ما انتظمه، أو كان مراده غير حقيقته، فيحتاج إلى بيان المراد به، وكل لفظ لا يمكن استعمال حكمه إما لأنه مجمل في نفسه، أو لأنه اقترن إليه ما جعله في معنى المجمل على حسب ما تقدم من القول في صفة المجمل، وما في معناه فهو مفتقر إلى البيان، فالأول نحو قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] هذه ألفاظ معانيها معقولة ظاهرة فهو غير مفتقر إلى البيان بنفس ورودها … »(1).
* المطلب الرابع: جواز كون المبيِّن أضعف من المبيَّن (2).
على القول بأن الآية مجملة، وقد بينتها السنة الآحادية، وهي من حيث الثبوت أضعف من الآية الكريمة، فتكون الآية شاهده على جواز ذلك.
يقول الغزالي: «وعلى القول بأنه بيان فلا يشترط فيه التواتر، بل العمل جار على تكليفهم بقول عدل واحد، ثم ما يدريهم؟ فلعله ألقاه إلى عدد التواتر ..... »(3).--------------------------------------------
(1) الفصول في الأصول للجصاص (2/ 27)، وانظر: العدة لأبي يعلى (1/ 108).
(2) انظر: المحصول (3/ 184)، التحبير (6/ 2814).
(3) المستصفى (2/ 160).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
* المطلب الخامس: جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
من المعلوم إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز(1)، لدخوله في تكليف ما لا يطاق، ولم يقع شيء من ذلك في الشريعة، بخلاف تأخيره إلى وقت الحاجة، فأنه جائز وواقع في الشريعة الإسلامية(2)، ومما يستدل به على ذلك الحديث المبين للإجمال في الآية.
يقول الغزالي: «ويجوز تأخيره عندنا، وما يدريهم أنه وقع متراخياً؟ فلعله كان مقترناً، والراوي لم يرو اقترانه»(3).
* المطلب السادس: ثمرة الخلاف في دلالة الآية على العموم أو الإجمال.
تظهر فائدة الخلاف في دلالة الآية على العموم أو الإجمال، إذا قلنا بأن البيع مجمل قد بُيِّن كان حجة بلا خلاف، وأن قلنا بأنه عام خصَّ كان في بقائه بعد التخصيص حجة خلاف، والجمهور على حجته.
وإن كان القولان متقاربين، وذلك لأن تخصيص العموم نوع من البيان، وكونه من باب العام المخصوص أولى وأكثر وأشهر(4).--------------------------------------------
(1) انظر: العدة (3/ 724)، التحبير (3/ 493)، شرح التنقيح (282)، فواتح الرحموت (2/ 49).
(2) انظر: العدة (3/ 725)، روضة الناظر (2/ 585)، الإحكام للآمدي (3/ 36)، شرح مختصر الروضة (2/ 688)، البحر المحيط (3/ 494)، التحبير (6/ 2820 - 2821)، فواتح الرحموت (2/ 49).
(3) المستصفى (2/ 160).
(4) انظر: شرح مختصر الروضة (2/ 662)، التحبير (6/ 2773).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)