المطلب الثاني
الباعث على تصنيفه والغرض منه
إن الباعث على تصنيف الصحيح عند الإمام مسلم هو: ما أفصح عنه في مقدمة كتابه إذ يقول:
"فَإِنَّكَ يَرْحَمُكَ الله بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بِالْفَحْصِ عن تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ الْمَاثُورَةِ عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وما كان منها في الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَغَيْرِ ذلك من صُنُوفِ الْأَشْيَاءِ بِالْأَسَانِيدِ التي بها نُقِلَتْ، وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَأَرَدْتَ أَرْشَدَكَ الله أَنْ تُوَقَّفَ على جُمْلَتِهَا مُؤَلَّفَةً مُحْصَاةً، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لك في التَّالِيفِ بِلَا تَكْرَارٍ يَكْثُرُ، فإن ذلك زَعَمْتَ مِمَّا يَشْغَلُكَ عماله قَصَدْتَ من التَّفَهُّمِ فيها، وَالِاسْتِنْبَاطِ منها، وَلِلَّذِي سَأَلْتَ أَكْرَمَكَ الله حين رَجَعْتُ إلى تَدَبُّرِهِ، وما تؤول بِهِ الْحَالُ إن شَاءَ الله عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ، وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ، وَظَنَنْتُ حين سَأَلْتَنِي تَجَشُّمَ ذلك أَنْ لو عُزِمَ لي عليه، وَقُضِيَ لي تَمَامُهُ كان أَوَّلُ من يُصِيبُهُ نَفْعُ ذلك إِيَّايَ خَاصَّةً قبل غَيْرِي من الناس لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْوَصْفُ إلا أَنَّ جُمْلَةَ ذلك أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ من هذا الشان، وَإِتْقَانَهُ أَيْسَرُ على الْمَرْءِ من مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ منه، ولا سِيَّمَا عِنْدَ من لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ من الْعَوَامِّ إلا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ على التَّمْيِيزِ غَيْرُهُ، فإذا كان الْأَمْرُ في هذا كما وَصَفْنَا، فَالْقَصْدُ منه إلى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ … "
إلى أن قال:"فَلَوْلَا الذي رَأَيْنَا من سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثًا فِيمَا يَلْزَمُهُمْ من طَرْحِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ وَتَرْكِهِمْ الِاقْتِصَارَ على الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ مِمَّا نقلة الثِّقَاتُ الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إلى الْأَغْبِيَاءِ من الناس هو مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ عن قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الحديث مِثْلُ مَالِكِ بن أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بن الْحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بن عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بن سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرحمن بن مَهْدِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ من الْأَئِمَّةِ لَمَا سَهُلَ عَلَيْنَا الِانْتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ من التَّمْيِيزِ وَالتَّحْصِيلِ، وَلَكِنْ من أَجْلِ ما أَعْلَمْنَاكَ من نَشْرِ الْقَوْمِ الْأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
بِالْأَسَانِيدِ الضِّعَافِ الْمَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بها إلى الْعَوَامِّ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا خَفَّ على قُلُوبِنَا أجابتك إلى ما سَأَلْتَ" (1).--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم: (تأليف: أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ت261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، المقدمة 1/ 3 و4 و7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
المطلب الثالث
مكان وزمن التصنيف
قال الحافظ ابن حجر: "ألف مسلم الصحيح في موطنه نيسابور بحضور أصوله في حياة كثير من شيوخه" (1).
وكانت مدة تأليفه خمس عشرة سنة، قال أحمد بن سلمة: "كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة" (2).
قال الدكتور محمد عبد الرحمن طوالبة: " … نريد أن نعرف متى بدأه ومتى فرغ منه، فذكر العراقي وحاجي خليفة أن مسلماً ألف كتابه سنة مائتين وخمسين هجرية، ولا يفهم منه أنه ابتدأه في تلك السنة، وانتهى منه فيها، لما قدمت عن أبي سلمة، وأنما يفهم منه أن مسلماً فرغ من تأليفه في تلك السنة، ويكون قد ابتدأه سنة خمس وثلاثين ومائتين هجرية، وعمره آنذاك تسعة وعشرون عاماً، وهو قول يسوغه العقل والمنطق، وليس هناك ما يناقضه؛ لأن مسلماً في هذه السن قد هيأ نفسه، وثقفها بهذه الصناعة ثقافة كاملة، وأصبح جديراً بالقيام بمثل هذا العمل، وبمثل هذا التأليف" (3).
وذكر ابن خير الأشبيلي قول ابن سفيان: "فرغ مسلم من قراءة الكتاب لعشر خلون من رمضان من العام المذكور ـ يعني سنة 257هـ ـ وتوفي مسلم بن الحجاج سنة261 (4).--------------------------------------------
(1) هدي الساري مقدمة فتح الباري1/ 23، وينظر توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار: (الصنعاني محمد بن إسماعيل الأمير الحسني ت1182هـ)، تحقيق: محمد محي الدين … عبد الحميد، المكتبة السلفية ـ المدينة المنورة، ص47.
(2) تذكرة الحفاظ 2/ 589.
(3) الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه ص105 و106.
(4) فهرسة ابن خير الأشبيلي 1/ 86.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
المطلب الرابع
سمات منهجية الصحيح
اتصف "صحيح مسلم" بسمات قلما اتصف بها كتاب في الحديث مثله، بل حتى البخاري لم يبلغ إلى مرتبته في الترتيب ـ وهذه السمة سيأتي الكلام عليها في المفاضلة بين الصحيحين ـ وترك لنا مؤلفه مقدمة سبق بها كتابه بين فيها شروط الرواية عن الرواة، ومهما تمعن الباحث فيه وسبر هذا الكتاب فقد فاته ما غمض عما لم يبينه الإمام مسلم، إلا إننا اعتمدنا على كلام من سبق من العلماء، كأبي علي الغسانيُّ، والقاضي عياض، والإمام النووي، وابن الصلاح وابن حجر وغيرهم، ومن معاصرينا الدكتور محمد عبد الرحمن طوالبة، والشيخ عبد المحسن عباد، والشيخ عبد الرحمن السديس إمام الحرم المكي، وغيرهم ممن اطلعنا على مؤلفاتهم وبحوثهم، ومن هذه السمات:
1 - إنه روى في كتابه الحديث المجرد (1) فلم يرو الموقوف والمقطوع، بل روى الحديث المتصل برواية العدل الضابط من مثله إلى منتهاه، مع خلوه من الشذوذ والعلل القادحة، فهو شرط الصحيح، ولم يكن الإمام مسلم أول من فعل ذلك بل سلك سبيل شيخه البخاري فيه.
أما ما يظهر للقارئ أن بعض الأحاديث ساقها الإمام مسلم، وهي معلولة فهو ساقها ليدل على علتها وليس غفلة منه.
2 - يعد ثاني كتاب صنف في الصحيح من الحديث النبوي (2).
3 - ليس فيه من التعليقات إلا اثنا عشر حديثاً كما أشار إلى ذلك أبو علي الغساني، والإمام المازري من أهل المغرب، وابن حجر والسيوطي من أهل المشرق، على أنها متصلة عند غير مسلم كالبخاري وأبي داود وغيرهما (3).--------------------------------------------
(1) صيانة صحيح مسلم ص72.
(2) ينظر أبجد العلوم 2/ 228.
(3) ينظر غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة: (تأليف: الإمام الحافظ العطار رشيد الدين أبي الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي المصري المالكي)، تحقيق: محمد خرشافي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط1، 1417هـ، 1/ 116.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
4 - رتبه على الكتب والأبواب الفقهية، وترك الاستنباطات والآراء الفقهية، وكذلك ترك ترجمة الأبواب المتعلقة بالعقائد دون ترجمة ولا تأويل (1).
وذكر الدكتور طوالبة (2) سمات أخرى منها:
5 - جمع طرق الحديث وأسانيده في مكان واحد ولهذه الخاصية فوائد حديثية جمة.
6 - جمع المتون المتعلقة بالمسألة الواحدة في الموطن الواحد ولهذا عدة فوائد حديثية منها:
أ- معرفة اتفاق المتون.
ب- معرفة اختلاف المتون.
جـ- معرفة الزيادة أو النقص الحاصل في المتون فيعرف الشاذ من غيره.
د- سهولة الكشف عن الأحاديث المتعلقة بالمسألة الواحدة.
هـ- تفسير رواية لأخرى قبلها من غريب حديث أو مشكل.
7 - تقديم أحاديث الثقات المتقنين ثم من دونهم وفق ما أشار إليه في المقدمة أنه قسمهم إلى ثلاث طبقات.
8 - أكثرَ من المتابعات والشواهد.
9 - سرد الرواية دون تقطيع، والعناية بضبط اللفظ.
10 - إنه يميز بصيغ التحمل بحدثنا وأخبرنا، والعنعنة.--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية 11/ 33، والتعريف بالإمام مسلم وكتابه الصحيح: بحث أعده لملتقى أهل الحديث الشيخ عبد الرحمن السديس.
(2) الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه، ص117، وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
المطلب الخامس
علاقة صحيح مسلم بصحيح البخاري، والترجيح بينهما
تأتي علاقة صحيح مسلم بصحيح البخاري من علاقة الإمامين ببعضهما، فهذا الخطيب البغدادي يقول: "ولما ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مسلم، وأدام الاختلاف إليه" (1).
وقال الذهبي: " وكان الحافظ أبو عبد الله بن الاخرم أعرف بذلك، فأخبر عن الوحشة الاخيرة، وسمعته يقول: كان مسلم بن الحجاج يظهر القول باللفظ، ولا يكتمه، فلما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم الاختلاف إليه، فلما وقع بين البخاري والذهلي ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناس من الاختلاف إليه، حتى هجر، وسافر من نيسابور، قال: فقطعه أكثر الناس غير مسلم" (2).
وذكر الذهبي قول ابن عساكر في الأطراف ـ بعد أن ذكر صحيح البخاري ـ ثم سلك سبيله مسلم بن الحجاج فأخذ في تخريج كتابه وتأليفه وترتيبه (3).
وقال الخطيب البغدادي: "حدثني عبد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال:
سمعت أبا الحسن الدارقطني يقول: لولا البخاري ما ذهب مسلم ولا جاء" (4).
وقال الدارقطني أيضاً: "إنما أخذ مسلم كتاب البخاري فعمل فيه مستخرجاً، وزاد فيه أحاديث" (5).
وكان أبو علي الحسين بن علي النيسابوري يقول: "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث" (6).
وقال أحمد بن سلمة: "رأيت أبا زرعة، وأبا حاتم يقدمان مسلماً في معرفة--------------------------------------------
(1) تاريخ بغداد 13/ 103.
(2) سير أعلام النبلاء 12/ 572.
(3) المصدر نفسه12/ 572.
(4) تاريخ بغداد 13/ 103.
(5) المصدر نفسه.
(6) تاريخ مدينة دمشق 58/ 92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
الصحيح على مشايخ عصرهما" (1).
وقال ابن كثير ذهبت المغاربة، "وأبو علي النيسابوري من المشارقة إلى تفضيل صحيح مسلم على صحيح البخاري" (2).
أما القول عن صحيح مسلم مستخرجاً على صحيح البخاري، فإنه لا ينطبق لأمرين:
1 - من شرط المستخرجات أن يأخذ صاحب المستخرج كتاب شيخه، فيعمد إلى تخريج أحاديثه من غير طريق عن شيخ شيخه ليساويه في علو الإسناد، وهذا إن انطبق، فإنه ينطبق على أحاديث قليلة منه، ولا يراد به الكل.
2 - إن مسلماً بن الحجاج سمى كتابه المسند الصحيح، ولو كان مستخرجاً لسمّاه مستخرجاً، وخلاصة القول هذا القليل إنما جاء مطابقاً لا إستخراجاً.
وأما قول أبي علي النيسابوري "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم"، فظاهره يشعر أن غيره ليس أصح منه، قال الذهبي: "لعل أبا علي ما وصل إليه صحيح البخاري" (3)، واستبعد الحافظ ابن حجر هذا القول فقال: "إن عبارة أبي علي هذه تقتضي أن صحيح مسلم في أعلى درجات الصحيح، وأنه لا يفوقه كتاب أما أن يساويه كتاب كصحيح البخاري، فذلك لا تنفيه هذه العبارة" (4).
وقال ابن الصلاح: "إن ذلك محمول على سرد الصحيح فيه دون أن يمزج بمثل ما في صحيح البخاري مما ليس على شرطه، ولا يحمل على الأصحية" (5).
وأما قول أحمد بن سلمة: "رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلماً في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما"، فهذا يحمل على بعد وفاة البخاري، فمسلم على جلالة قدره، فإنه يسأل البخاري عن علل الحديث قال أحمد بن حمدون: "سمعت مسلماً بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري، فقبل ما بين عينيه، وقال: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء 12/ 565.
(2) البداية والنهاية 11/ 33.
(3) تذكرة الحفاظ 2/ 589.
(4) هدي الساري 1/ 23.
(5) النكت على ابن الصلاح1/ 282.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
علله، حدثك محمد بن سلام، حدثنا محمد بن يزيد الحراني قال: أخبرنا ابن جريج، قال: حدثنا موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة … ـ رضي الله عنه ـ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكفارة في المجلس "إذا قام من مجلسه فقال سبحانك ربنا وبحمك، فهو كفارة له"، قال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا حديثاً غير هذا، إلا أنه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل قال: حدثنا وهيب، قال: حدثني سهيل عن عون بن عبد الله بن علية، وعثمان، وصالح بنو أبي صالح "وهو من أهل المدينة" (1).
ومن المغاربة من شارك أبا علي النيسابوري في تفضيل صحيح مسلم على البخاري، وهو أبو محمد بن حزم، وله قول في ذلك ذكره الإمام الصنعاني قال: ذكر أبو محمد القاسم بن القاسم التجيبي في فهرسته عن أبي محمد بن حزم أنه كان يفضل كتاب مسلم على كتاب البخاري؛ لأنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث المجرد.
قال ابن حجر: ما فضله المغاربة ليس راجعاً إلى الأصحية بل هو لأمور أحدهما: ما تقدم عن ابن حزم، الثاني: أن البخاري كان يرى جواز الرواية … بالمعنى، وجواز تقطيع الحديث من غير تنصيص على اختصاره بخلاف مسلم والسبب في ذلك أمران] هما [:
1 - إن البخاري صنف كتابه في طول رحلته فقد روينا عنه أنه قال: "رب حديث سمعته بالشام فكتبته بمصر، ورب حديث سمعته بالبصرة فكتبته بخراسان"، فكان لأجل هذا ربما كتب الحديث من حفظه، فلا يسوق ألفاظه برمتها، بل يتصرف فيه، ويسوقه بمعناه، ومسلم صنف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة شيوخه، وكان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السياق.
2 - إن البخاري استنبط فقه كتابه من أحاديث فاحتاج أن يقطع المتن الواحد إذا اشتمل على عدة أحكام ليورده كل قطعة منه في الباب الذي استدل به على ذلك--------------------------------------------
(1) طبقات الحنابلة 1/ 273، وسير أعلام النبلاء 12/ 564.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
الذي استنبط منه؛ لأنه لو ساقه في المواضع كلها سرداً لعطف بعضها على بعض في موضع واحد. انتهى.
[قال الصنعاني]: قلت: لو يعزب عنك أن هذا التأويل الذي ذكره الحافظ خروج عن محل النزاع، فإن الدعوى بأن البخاري أصح الكتابين، وهذا التأويل أفاد أنهما مثلان فما أتى المدعي إلا بخلاف المدعى على أن قول القائل: "ما تحت أديم السماء" أعَلمَ من فلان يفيد عرفاً أنه أعلم الناس، وأنه لا يساويه أحد في ذلك، وأما في اللغة فيحتمل توجيه النفي إلى الزيادة أعني زيادة إنسان عليه في العلم لا نفي المساوي فيه والحقيقة العرفية مقدمة، سيما في مقام المدح والمبالغة بقوله ما تحت أديم السماء (1).--------------------------------------------
(1) توضيح الأفكار 1/ 75. وللتوسع في طلب هذه الخصوصية، ينظر هدي الساري 1/ 21 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
المبحث الثالث
العناية بالصحيح
المطلب الأول
نسخ صحيح مسلم المعتمدة المطبوعة
عند التتبع لطبعات صحيح مسلم وجدتها كثيرة بعضها عندي، والأكثر لم أطلع عليه، فسألت شيخي الدكتور محمد إبراهيم السامرائي ـ وهو المشرف على هذه الرسالة، فأحالني إلى بحث مكتوب ومنشور على موقع ملتقى أهل الحديث للباحث الدكتور عبد الرحمن السديس، فوجدته أكثر فائدة في تضمين بعضه هنا، قال الدكتورعبد الر حمن السديس: لصحيح مسلم طبعات كثيرة جدا قديمة، وحديثة فمن الطبعات القديمة:
طبع بكلكته عام 1265هـ، ثم في بولاق عام 1290هـ، ثم في دهلي 1319هـ، والآستانة 1320هـ، ثم في المطبعة الميمنية عام 1327هـ، ثم في القاهرة 1329هـ، ثم مرة أخرى في بولاق 1329هـ، ثم في الآستانة في المطبعة العامرة عام 1334هـ، ثم في بولاق مرة ثالثة 1344هـ، ثم في القاهرة … مطبعة البابي الحلبي عام 1348هـ (1)، ثم طبع بتحقيق محمد فواد عبد الباقي عام 1374هـ، في دار إحياء الكتب العربية، ثم في القاهرة في مطبعة محمد علي صبيح عام 1380هـ (2).
وطبع طبعات حديثة كثيرة مفردة، ومع الشروح منها: طبعة دار المعرفة مع شرح النووي بتحقيق خليل مأمون شيحا، وطبعة بيت الأفكار الدولية بعناية أبي صهيب الكرمي في مجلد، وطبعة دار السلام في مجلد، ودار المغني في مجلد (3).
وأفضل هذه الطبعات:
1 - الطبعة التركية في المطبعة العامرة في أربعة مجلدات كبار، وهي مقسمة إلى ثمانية أجزاء، وكان طبعها في تركيا عام 1334هـ جاء في آخرها مصححا،--------------------------------------------
(1) ينظر تاريخ الأدب العربي 3/ 180.
(2) ينظر تاريخ التراث العربي 1/ 264.
(3) ينظرالتعريف بالإمام مسلم وصحيحه ص 46و47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
ومحشى بقلم: محمد شكري الأنقروي، بعد تصحيح مصححي المطبعة العامرة بمقابلات مكررة على عدة نسخ معتمدة معتبرة، وهما: أحمد رفعت بن عثمان حلمي، والحاج محمد عزت بن محمد عثمان، جاء على طرتها: مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات، ونسخ معتمدة.
وهي مضبوطة بالشكل، وفي نهاية كل جزء تصحيح للأخطاء إن وجدت، ولو بالحركات، وفي جوانب النسخة نقلوا تبويبات النووي، ولهم حواشي، وتعليقات، وإشارات إلى فروق النسخ ويعقبونها بـ" نخـ" يعني في نسخة، وضبط لبعض الألفاظ بالحروف .. وهذه النسخة قد نالت إعجاب العلماء، وبلغت عندهم مبلغا عظيما.
وصورت هذه الطبعة عدة مرات في دار المعرفة، والجيل، والفكر ..
2 - طبعة مع شرح النووي في حاشية إرشاد الساري المطبوعة في المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر، فهذه الطبعة نفيسة مصححة اعتنى بها الشيخ المحقق محمد الحسيني إلا أن القراءة فيها عسرة، ومتعبة، فمن تشق عليه القراءة فيها، يمكنه الاستفادة منها عند الشك، والاشتباه.
3 - طبعة مع شرح الأُبي المسمى "إكمال إكمال المعلم" المطبوع في مطبعة السعادة بمصر عام 1328هـ، وهي كالتي قبلها في الحاشية، وصححها ابن الشيخ حسن الفيومي إبراهيم.
وهاتين الطبعتين لم يضبط فيهما متن الصحيح بالحركات، والقراءة فيهما متعبة، وشاقة، وهي غير مخدومة بترقيم، ولا فهارس تفصيلية ـ حسب علمي ـ، ويندر من يعزو إليهما.
لكن ميزتها الإتقان فالقائمون عليهما ممن لهم عناية فائقة بالكتب، ومراجعتها، وتصحيحها قبل نزولها للأسواق، وقد أثنى عليها بعض أهل العلم، وعُرف بالتجربة إتقانها.
4 - طبعة خليل مأمون شيحا في دار المعرفة مع شرح [صحيح] مسلم ـ إن كان وَفَى بما وعد، فإني لم أبلوها ـ فقد ذكر في المقدمة أنه اعتمد مع النسخ الخطية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
على الطبعات الثلاث التي قدمتُها، وزاد على ذلك المقابلة على تحفة الأشراف، وقد ذكر تحت كل حديث من أخرجه من أصحاب الكتب الستة، ويعزو إلى اسم الكتاب، واسم الباب، ورقم الحديث، ويذكر رقمه في تحفة الأشراف، وهذه مزية لهذه النسخة، وهي أيضا مضبوطة بالشكل، ويشير إلى فروق نسخته في الحاشية على ما في المخطوط، أو المطبوع، وأيضا قد جعلها المحقق قابلة للنظر لمن أراد التخريج من المعجم المفهرس، أو تحفة الأشراف فقد ذكر في أعلى كل صفحة من الجانب الأيمن ما يوافق عزو المعجم المفهرس بالحروف والأرقام، وفي الجانب الأيسر ما يوافق تحفة الأشراف كذلك، إلا أنه جعل الترقيم بحسب الأسانيد؛ فخالف بذلك الترقيم المعتمد الذي عمله محمد فؤاد … عبد الباقي والذي يعزو إلى ترقيمه كثير من العلماء، والباحثين، فهي متعبة من هذه الناحية، وقد خدمها بمجلد فيه فهارس تفصيلية مفيدة.
5 - ومن أشهر الطبعات، وأكثرها انتشارا، وتداولا بين الناس، والتي اعتُمِد ترقيمها، ويوافقها العزو في المعجم المفهرس، ومفتاح كنوز السنة، وتحفة الأشراف ـ مع اختلاف في بعض المواضع بسبب اختلافهم في تسمية الكتب ـ، واعتمد عليها معظم الباحثين في العزو إلى أرقامها، واعتمد عليها معظم من طبع الصحيح بعدها، وهي الطبعة التي حققها الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، ومن ميزات هذه الطبعة مع ما تقدم ذكره:
أنها مضبوطة بالشكل، ومصفوفة صفا جميلا في أربعة مجلدات، والمجلد الخامس فهارس تفصيلية كثيرة، ومتنوعة، ومن ميزاتها أيضا: أن فيها نقولا فقهية، وشرحاً للغريب، وبياناً للمعاني، وترقيماً للكتب، والأبواب، والأحاديث بطريقة مبتكرة بحيث يجعل رقماً عاماً لغير المكرر، ورقماً خاصاً لكل كتاب بعد الرقم العام .. ، ويُخْلي المكرر من الترقيم.
وجاء في الصفحة التي تلي الغلاف: وقف على طبعه، وتحقيق نصوصه، وتصحيح، وترقيم، وعد كتبه، وأبوابه، وأحاديثه، وعلق عليه ملخص شرح النووي، مع زيادات عن أئمة اللغة محمد فؤاد عبد الباقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
الملاحظات على هذه الطبعة:
لم يبين هل أخذ المتن من المطبوعات السابقة، أو اعتمد على أصول خطية، أو جمع بينهما … فلا يُدرى من أين اعتمد على عمله.
ومن الملاحظات: إدخاله تبويب النووي في صلب الكتاب من غير بيان، مما جعل كثيرا من الناس، بل طلبة العلم يظن أن التبويب لمسلم، فكم قيل: وبوب عليه مسلم في صحيحه بقوله: … الخ!.
وهذا الإدخال خطأ، فلو أنه رحمه الله فعل كما فعل أصحاب الطبعة العامرة من جعل التبويب بالهامش لكان حسنا.
6 - الطبعات ذات المجلد الواحد كطبعة أبي صهيب الكرمي، وأظنها أول الطبعات التي صدرت في مجلد واحد فقد ذكر المحقق ص9: أنه أخذها من طبعة محمد فؤاد عبد الباقي ووصفها بأنها أفضل النسخ، وأدقها!! … وتعد هذه النسخة موثقة موثوق بها قل أن يرد فيها الوهم، وقد صححنا الأخطاء الواردة فيها، وأتممنا السقط في بعض المواضع التي سقط منها كلمات سهوا، وأزلنا الإشكال في بعض الأسانيد إذا أوهمت الخطأ فيها، أو جاءت على وجه يشكل فيه الفهم، ونسبة هذا في نسخة عبد الباقي قليل. كما أننا صححنا النسخة من الأخطاء المطبعية كلمات، وأرقاما، وأتينا بها على وجهها. اهـ.
قلتُ: وصفه لها بأنها أصح النسخ فيه نظر، وليته كلف نفسه بالنظر في الطبعات القديمة، والنسخ الخطية .. وقوله إنه صحح الأخطاء … دعوى فقد فاقت نسخته أخطاء التي ذكر، إلا أن يكون صححها من حفظه!.
وألْحَق بنسخته كتاب العلل لابن عمار، وصيانة مسلم، وفهارس لمسانيد الصحابة، ولأطراف الأحاديث، وللكتب والأبواب، وربط تخريج الأحاديث مع البخاري.
يقع الكتاب في 1473 صحيفة كتبت بخط صغير في كل صفحة عامودين طولا، والكتاب ثقيل حمله، صغير خطه، قليل ضبطه (1).--------------------------------------------
(1) التعريف بالإمام مسلم وصحيحه ص47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
طبعة دار ابن الهيثم
بين أيدينا طبعة لصحيح مسلم طبعت بمطبعة دار ابن الهيثم في القاهرة، عام 1422هـ - 2001م في مجلد واحد مكتوب في واجهتها: طبعة جديدة ومصححة، وملونة في مجلد واحد - وهي بلونين الأسود والأحمر - لم يذكر لها محقق أو مصحح.
عرَّفت هذه الدار بالإمام مسلم ـ اسمه كنيته مولده نشأته رحلاته مشايخه تلاميذ رأي العلماء فيه مؤلفاته.
وتصدّر الصحيح مقدمة الإمام مسلم في خمس عشرة صفحة في كل صفحة حقلين على طول الصفحة وكل جهة تحتوي 27 سطراً وهذا حال كل الكتاب ثم يبدأ الصحيح وفق كتب وأبواب حسب ما موجود في صحيح مسلم، وفي آخر صفحة منه مكتوب: "انتهى متن صحيح مسلم ويتبعه إن شاء الله تعالى فهارس متنوعة". وهذه الفهارس هي:
فهرس الآيات القرآنية، فهرس الأحاديث، فهرس أسماء كتب الصحيح، فهرس موضوعات الكتاب. ثم ختمت بما ستصدره هذه الدار من موضوعات وعدد صفحات الكتاب 889 صفحة.
وهي نسخة مضبوطة الشكل ومرقمة حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي وعدد الأحاديث فيها 3033حديثاً، وحروفها صغيرة جداً.
وقد قارنت هذه الطبعة مع طبعة وتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي فجاءت مطابقة.
هذا وفي ختام هذا المطلب لا بد إلى الإشارة إلى أنه لم نجد لصحيح مسلم نسخة مطبوعة بغير رواية ابن سفيان، وهناك نسخ أخرى مخطوطة لم يشرق عليها النور، وهي في غاية الإتقان كنسخة القلانسي، وابن ماهان، وابن خير الأشبيلي، وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
النسخ المخطوطة:
أعظم أصل مخطوط لصحيح لمسلم
قال الكتاني: "وبمكتبة القرويين بفاس ـ إلى الآن ـ نسخته [ابن خير] من صحيح مسلم التي قابلها مراراً، وسمع فيها، وأسمع بحيث يعد أعظم أصل موجود من صحيح مسلم في أفريقية، وهو بخط الشيخ الأديب الكاتب أبي القاسم … عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر الأموي الإشبيلي المالكي فرغ منه سنة 573هـ، وعلق عليه بخط المترجم أنه عارضه بأصول ثلاثة معارضة بنسخة الحافظ أبي علي الجياني شيخ عياض، وغيره من الأعلام، وكتب المترجم بهامشه كثيراً من … الطرر، والفوائد، والشرح لغريب ألفاظه، وشروح بعض معانيه وفرغ من ذلك سنة 573هـ أيضا" (1).
وذكر السديس: قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تحقيق اسمي الصحيحين ص44 ـ معلقاً على كلام الكتاني ـ:
قد تحفظ، وتطلق شيخنا عبد الحي رحمه الله في قوله عن نسخة ابن خير من صحيح مسلم إنها (أعظم أصل موجود في أفريقية) بل أظن أنها أعظمُ أصلٍ مطلقاً الآن لكتاب مسلم. اهـ.
قلتُ: قد رأيتُ صورة لهذه النسخة مع الشيخ علي العمران، لكن فيها مواضع تصويرها غير واضح انتهى (2).
وعند الباحث نسخة منها حصلنا عليها مؤخراً.--------------------------------------------
(1) فهرس الفهارس والاثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمساسلات: (تأليف: عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني)، تحقيق: د. إحسان عباس، دار الغرب الاسلامي، بيروت، لبنان، … ط2،1402هـ ـ1982م 1/ 385.
(2) التعريف بالإمام مسلم وصحيحه ص45ـ46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
المكتبات الإلكترونية
وفي عصرنا ظهرت المكتبات الإلكترونية على الـ "ويب"، والأقراص الليزرية، وقد اطلعت على بعضها، وهي:
أ- المكتبة الوقفية وفيها صحيح مسلم مصور ضوئياً بصيغة (pdf) ، وفيها صحيح مسلم بخزانة المكنز الإسلامي، والطبعات المفردة، والمقترنة بالشروح لأكثر من مؤلف، وهي موافقة للمطبوع، وجزى الله العاملين عليها كل خير.
ب- ومن الجهود الكبيرة المبذولة في خدمة العلوم الشرعية مكتبات البحث الإلكتروني وهي:
1 - المكتبة الشاملة بالإصدارين الأول والثاني - وبخصوص صحيح مسلم - فالإصدار الأول على طبعة محمد فؤاد عبد الباقي، ويكثر فيها الأخطاء المطبعية، والسقط في الأسانيد، والمتون بل يسقط منها أحاديث برمتها وطبعة صحيح مسلم مع شرح النووي وهي أقل منها سقطاً.
أما الإصدار الثاني فلا يعرف أي طبعة اعتمدوها اما الطبعة مع شرح النووي على صحيح مسلم فهي مضبوطة بالشكل، ويسقط منها بعض صفحات الشروح.
2 - الجامع الكبير لكتب التراث العربي والإسلامي: وهي أوثق من سابقتيها إلا أن ترقيم الأحاديث لا يوافق المطبوع.
3 - مكتبة جامع الحديث النبوي، وقد بذل القائمون عليها جهوداً مشكورة، إلا أنها لم تأت منضبطة وفق رواية ابن سفيان وفيها خلط في المتون مع بعض ما وقع لابن ماهان، وهذا يعني عدم وجود متخصصين في ضبطه.
وهناك غير هذه المكتبات مثل المكتبة الألفية، والكتب التسعة، وموسوعة تبارك الإسلامية وأغلبها للنشر الحاسوبي غير موافق للمطبوع. وغيرها.
ونصيحتي للباحثين في هذه المكتبات أن يطابقون ما فيها مع المطبوع ليسلموا من المآخذ التي عليها، ويكون استخدامهم لها لغرض التسريع في البحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
المطلب الثاني
رواة النسخ
إن النسخ الحديثية على اختلاف موضوعاتها، والتي وصلت إلينا لها رواة عن أصحابها هم الذين نشروها، ورووها في مختلف الأمصار، وكان للصحيحين النصيب الأكبر على مر العصور، وبما أن موضوعنا يتعلق بالإمام مسلم، فإن له رواة كثر سأقتصر في هذه الدراسة على الأشهر منهم، فلم يكن لمسلم رواية واحدة تناقلها التلاميذ ولكن له أكثر من رواية، وقد أفردت لهذه الروايات مطلباً وفصلت فيه أقوال العلماء عن كل رواية ومسموعاتها ورواتها، والذي سأتطرق إليه في هذا المطلب هو رواة النسخ التي اشتهروا بالسماع المتصل عند أهل المشرق والمغرب، وهما:
1 - رواة صحيح مسلم عن ابن سفيان في المشرق فالراوون عنه الجلودي والكسائي ومن يتفرع منهما.
2 - رواة صحيح مسلم عن ابن ماهان في المغرب عن أحمد بن محمد بن يحيى الأشقر عن القلانسي عن مسلم، ولا بد من نسبة الفضل لأهله فقد وجدت دراسة، وإن كانت تحتاج إلى شيء من الإضافة إلا أنني سأذكر دراسة أحدهم، وهو الدكتور مجيد خليفة بعنوان "جهود علماء الأندلس برواية صحيح مسلم"، وقد تصرفت ببعض عباراته بما رأيته مناسباً لدراستي هاهنا.
رواة صحيح مسلم عن ابن سفيان:
1 - الجُلُوديُّ:
الجلودي فهو أبو أحمد محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرويه بن منصور الزاهد، النيسابوريُّ، الجُلوديُّ بضم الجيم، ومن فتح الجيم منه فقد أخطأ، وإنما الجلودي بفتح الجيم آخر ذكره يعقوب بن السكيت، ثم ابن قتيبة، وهو منسوب إلى جلود اسم قرية قيل بإفريقية، وقيل بالشام، وهذا الجلودي أبو أحمد فيما ذكره أبو سعد ابن السمعاني، وقرأته بخطه في كتاب الأنساب له منسوب إلى الجلود جمع جلد، وعندي انه منسوب إلى سكة الجلوديين بنيسابور الدارسة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
روينا عن الحاكم ابي عبد الله: أن أبا أحمد هذا كان شيخا صالحا زاهدا من كبار عباد الصوفية صحب أكابر المشايخ، ومن أهل الحقائق (1)، وكان يورق ـ يعني ينسخ ويأكل من كسب يده ـ سمع أبا بكر ابن خزيمة، ومن كان قبله، وكان ينتحل مذهب سفيان الثوري، ويعرفه توفى رحمه الله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وهو ابن ثمانين سنة (2).
قال: وختم بوفاته سماع كتاب مسلم بن الحجاج، وكل من حدث به بعده عن إبراهيم بن محمد بن سفيان وغيره فإنه غير ثقة.
وأخذ عنه كل من:
أـ السجزي: أبو سعيد عمر بن محمد بن محمد بن داود (ت نحو 404هـ) (3)، نزيل نيسابور، وكان قد أخذ صحيح مسلم عن الجلودي (قراءة عليه) سنة 369هـ بنيسابور، وبعد مروره ببغداد ذهب إلى مكة، وحدث في الحرم بصحيح مسلم سنة 403هـ، وهناك توفى ـ رحمه الله تعالى ـ (4).
ب ـ ابن بندار: هو أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن بندار بن جبريل الرازي (ت بعد سنة 409هـ) (5)، قال الذهبي: (وكان من علماء الحديث)، كان يحدث بصحيح مسلم في الحرم المكي، وهناك أخذ الناس عنه--------------------------------------------
(1) هو مصطلح عند المتصوفة قال أبو سعيد الخراز:"الذين فاقوا جميع الناس وفضلوا عليهم بمكارم الأخلاق وهم الذين يحتملون الأذى ويصبرون على البلوى ويرضون بالقضاء ويفوضون إليه أمورهم من غير اعتراض خاضعين متواضعين قد رسخوا في العلم وفضلوا بالفهم على سائر أهل زمانهم هم خيرة الله من خلقه وخواصهم من عباده اختصهم لدينه وهم في الخلق بالخلق مختلطون لا يشار إليهم بالأصابع وهم غير أخفياء والأعين عنهم مصروفة" … تفسير السلمي وهو حقائق التفسير: (تأليف: أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن موسى الأزدي السلمي)، تحقيق: سيد عمران، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط1، 1421هـ - 2001م، 2/ 139، والمتصوفة يطلقون هذا المصطلح أيضاً بالنقيض لمن قال بالدليل الظاهر، ينظر مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: (تأليف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله)، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي - بيروت، 1393 هـ - 1973م، الطبعة: الثانية 2/ 70.
(2) صيانة صحيح مسلم ص107 و108.
(3) ينظر تاريخ بغداد: 11/ 270.
(4) فهرسة ابن خير: ص86.
(5) سير أعلام النبلاء: 17/ 299.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
منهم: أحمد بن عمر بن أنس العذري المعروف بابن دلهاث، أخذ عنه صحيح مسلم مرتين سنة 409هـ (1).
جـ ـ أبو الحسين الفارسي: عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد النيسابوري (ت 448هـ) (2)، حدث عن الجلودي بصحيح مسلم سنة 365هـ، قال حفيده عبد الغافر بن إسماعيل: (وقد قرأ عليه الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ (صحيح مسلم) نيفاً وثلاثين مرة، وقرأه عليه أبو سعد البحيري نيفاً وعشرين مرة، هذا سوى ما قرأه عليه المشاهير من الأئمة، استكمل خمساً وتسعين سنة، وطعن في السادسة والتسعين، وألحق الأحفاد بالأجداد) (3). ويعد أبو الحسين الفارسي من أشهر الرواة لصحيح مسلم عن الجلودي، ومن طريقه وصل السند إلى ابن الصلاح (4)، وممن قرأ عليه الصحيح أيضاً من المشاهير:
الطبري: أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسين الشافعي (ت 498هـ) (5)، سمع صحيح مسلم سنة 439هـ من أبي الحسين الفارسي، ورواه مرات، وسمع من أبي عثمان الصابوني، وكريمة المروزية، وطائفة.
وحدث عن أبي الحسين الفارسيّ أيضاً: زين الإسلام أبو القاسم القشيري، والواحدي، عبد الرحمن بن أبي عثمان الصابوني، وإسماعيل بن بكر القاري، وفاطمة بنت زعبل العالمة، وآخرون.
2 - الكسائي: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى النيسابوري النحوي … (ت385هـ) (6)، قال الحاكم: (كان من قدماء الأدباء، وتخرج به جماعة في العربية)، وقد أنكر عليه الحاكم روايته لصحيح مسلم فقال: "حدث بـ (الصحيح) من كتاب جديد بخطه، فأنكرت عليه، فعاتبني، فقلت: لو أخرجت أصلك وأخبرتني بالحديث على وجهه، فقال: أحضرني أبي مجلس ابن سفيان الفقيه--------------------------------------------
(1) فهرسة ابن خير: ص86.
(2) صيانة صحيح مسلم: ص108، سير أعلام النبلاء: 18/ 19؛ شذرات الذهب: 3/ 277.
(3) سير أعلام النبلاء: 18/ 20.
(4) صيانة صحيح مسلم: ص109.
(5) ترجمته في: تبيين كذب المفترى عليه: ص287؛ سير أعلام النبلاء: 19/ 203؛ شذرات الذهب: 3/ 408.
(6) ترجمته في: الأنساب: 10/ 422؛ سير أعلام النبلاء: 16/ 465؛ لسان الميزان: 5/ 26.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
لسماع هذا الكتاب، ولم أجد سماعي، فقال لي أبو أحمد الجلودي: قد كنتُ أرى أباك يقيمك في المجلس، تسمع وأنت تنام لصغرك، فاكتب الصحيح من كتابي تنتفع به" (1) وقد عاب عليه الحافظ ابن حجر ذلك، وسبقه في ذلك الذهبي، إذ أوردوه في كتبهم في نقد الرجال، وقد صرح الكسائي بسماعه لصحيح مسلم عن ابن سفيان سنة 308هـ بنيسابور، أي في العام نفسه الذي توفى فيه ابن سفيان، وعن الكسائي أخذ الصحيح عبد الملك بن الحسن الصقلي، ومن طريقه وصلت رواية الكسائي لصحيح مسلم إلى المغرب والأندلس (2)، وممن روى عنه أبو العباس أحمد بن محمد بن زكريا الفسوي (3).
رواة صحيح مسلم عن القلانسي:
سبق أن ترجمت للقلانسي عند الكلام عن تلاميذ مسلم والفوارق ما بين نسخة القلانسي وابن سفيان ظهرت جلياً من طريق ابن ماهان عن الأشقر عن القلانسي لهذا تركز إهتمام العلماء على ابن ماهان وهذا تعريف بمن أتى بعد القلانسي.
المتكلم الأشقر: أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى المتكلم الأشقر، من أهل نيسابور، شيخ أهل الكلام في عصره بنيسابور، من أهل الصدق في رواية الحديث سمع جعفر بن محمد بن سوار، وإبراهيم بن أبي طالب، ويوسف بن موسى المروالروذي، وإبراهيم بن محمد السكني، وأقرانهم.
سمع منه الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، وكان سمع المسند الصحيح من أحمد بن علي القلانسي، ورواه وهو أحسن راوية لذلك الكتاب، وأنهم ثقات، وتوفي في ذي الحجة سنة تسع وخمسين وثلاث مئة (4).
وسمع منه ابن ماهان وكما سيأتي:--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء: 16/ 465.
(2) فهرسة ابن خير: ص86.
(3) لم أقف على ترجمة له.
(4) الأنساب 5/ 190 و191.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)