فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام (عبد الرحمن بن علي الحطاب)القسم: أصول الفقه
الكتاب: فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام
(تعليق على كتاب بلوغ المرام من آيات الأحكام)
المؤلف: عبد الرحمن بن علي الحطاب
الناشر: دار طيبة الخضراء - مكة المكرمة
الطبعة: الأولى، 1444 هـ - 2023 م
عدد الصفحات: 715
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 7 جُمادَى الآخرة 1445
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد اعتنى المسلمون في جميع تخصصاتهم بالقرآن الكريم أشد عناية، كيف لا وهو المصدر الأول من مصادر التشريع، وهو دستور هذه الأمة، وقد تنوعت أوجه العناية به، ومن تلك العناية ما قام به العلماء من جميع المذاهب بجمع أحكامه الفقهية بمؤلفات خاصة، مبسوطة ومتوسطة ومختصرة، وقد شرفني المولى الكريم بتأليف (بلوغ المرام من آيات الأحكام)، وقصدت به السير في ترتيب أبوابه ترتيب الحافظ ابن حجر في كتابه بلوغ المرام من أدلة الأحكام، وقد بدى لي خدمة القرآن وأحكامه ببيان مآخذ تلك الأحكام المستنبطة من آيات الأحكام الواردة في مؤلفي بلوغ المرام، وكتبت هذه التعليقة أرجو من الله أن تلقى قبولاً، وتكون نافعة في بابها، وأسميتها: (فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام).
ثم إن المقصود بالمآخذ هنا: هي الأصول التي أخذت منها أحكام المسائل الجزئية، وهي تشمل القواعد الأصولية، والفقهية، والمقاصدية، وجُلُّ تلك المآخذ الواردة في هذا المؤلف محصورة في القواعد الأصولية، لضرورة إظهارها، وأهمية مكانها في الاستنباط، فإن كل فقه لم يبن على الأصول فليس بفقه.
والحديث عن أهمية معرفة مآخذ الأحكام مما يطول ذكره، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، ودونك بعض ما قاله المحققون الأوائل في ذلك:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
قال ابن السبكي في طبقاته: «فإن المرء إذا لم يعرف علم الخلاف والمآخذ لا يكون فقيهاً إلى أن يلج الجمل في سم الخياط، وإنَّما يكون رجلا ناقلا مخبطا حامل فقه إلى غيره لا قدرة له على تخريج حادث بموجود»(1).
وقال في مقدمة الأشباه والنظائر: «حق على طالب التحقيق، ومن يتشوف إلى المقام الأعلى في التصور والتصديق أن يحكم قواعد الأحكام ليرجع إليها عند الغموض، وينهض بعبء الاجتهاد أتمَّ نهوض، ثُمَّ يؤكدها بالاستكثار من حفظ الفروع؛ لترسخ في الذهن مثمرة عليه بفوائد غير مقطوع فضلها ولا ممنوع»(2).
وقال الزنجاني في مقدمة كتابه تخريج الفروع على الأصول: «ثم لا يخفى عليك أن الفروع إنما تبنى على الأصول، وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط، ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأدلتها التي هي أصول الفقه، لا يتسع له المجال، ولا يمكنه التفريع عليها بحال»(3).
وقال الإسنوي في مقدمة كتابه التمهيد: «ثمَّ إني استخرت الله تعالى في تأليف كتاب يشتمل على غالب مسائله، وعلى المقصود منه، وهو كيفية استخراج الفروع منها .... وحينئذ يعرف الناظر في ذلك مأخذ ما نص عليه أصحابنا وأصلوه، وأجملوه أو فصلوه، ويتنبه به على استخراج ما أهملوه، ويكون سلاحاً وعدة للمفتين، وعمدة للمدرسين»(4).
ويقول القرافي في الذخيرة: « … وبيَّنت مذهب مالك رحمه الله في أصول الفقه؛ ليظهر علو شرفه في اختياره في الأصول كما ظهر في الفروع، ويطَّلع على موافقته لأصله أو--------------------------------------------
(1) طبقات الشافعية (1/ 319).
(2) الأشباه والنظائر (1/ 10).
(3) تخريج الفروع على الأصول (24).
(4) التمهيد (46).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
مخالفته له، لمعارض أرجح منه فيطلبه حتى يطَّلع على مدركه، ويطلع المخالفين في المناظرات على أصله»(1).
وقال الغزالي في المنخول: «ولا مطمع في الإحاطة بالفرع وتقريره والاطلاع على حقيقته إلا بعد تمهيد الأصل وإتقانه، إذ مثار التخبط في الفروع ينتج عن التخبط في الأصول»(2).
وإني لأرجو أن تتحقق لطالب العلم المطَّلع على هذا المؤلف أمورٌ منها:
(1) تنمية الملكة الفقهية، والتدرب على الاستنباط والترجيح، وتفريع المسائل وبنائها على الأدلة.
(2) الكشف عن الأسس العلمية، والمناهج المختلفة في الاستنباط، التي أدت إلى اختلاف العلماء.
(3) ربط الجزئيات الكثيرة بمآخذها، مما يساعد على فهم وحفظ المسائل الفقهية.--------------------------------------------
(1) الذخيرة (1/ 39).
(2) المنخول (59).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
كتاب الطهارة
قسم العلماء كتب الأحكام إلى كتب وأبواب، أمّا الكتاب فهو كالجنس، والباب كالنوع، فكتاب الطهارة جنس، أنواعه باب المياه، باب الأنية، باب إزالة النجاسة وبيانها، باب الوضوء، باب المسح على الخفين، باب نواقض الوضوء، باب الغسل وحكم الجنب، باب التّيمم، باب الحيض، وهناك أنواع أخرى لم تذكر لعدم وقوفي على آيات أحكام تندرج تحتها.
والكتاب والطهارة في الأصل مصدران أضيفا وجعلا اسمًا لمسائل من مسائل الفقه تشتمل على مسائل خاصة. وأهم مسائل الفقه هي الصّلاة، ولما كانت الطهارة شرطا من شروطها بدأ بها، وحقها إدراجها تحت شروط الصلاة في كتاب الصّلاة، ولكن قدموها لكونها هي مفتاح الصلاة، كما أن مسائلها كثيرة.
والطهارة اسم مصدر، أي: طهّر تطهيرًا وطهارة، مثل كلّم تكليمًا وكلامًا.
وحقيقة الطهارة: استعمال المطهرين - أي الماء والتراب - أو أحدهما على الصّفة المشروعة في إزالة النجس، أو رفع الخبث. ولما كان الماء هو المأمور بالتطهر به أصالة قدمه فقال:
باب المياه
الباب لغة: ما يدخل ويخرج منه قال تعالى: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} [المائدة: 23]، {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189] وهو هنا مجاز، شبّه الدخول إلى الخوض في مسائل مخصوصة بالدخول في الأماكن المحسوسة، ثم أثبتت لها الباب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
والمياه: جمع ماء، وأصله موه؛ ولذا ظهرت الهاء في جمعه، وهو جنس يقع على القليل والكثير؛ إلّا أنّه جمع لاختلاف أنواعه باعتبار حكم الشّرع؛ فإنّ فيه ما ينهى عنه، وفيه ما يُكره.
قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] و [المائدة: 6].
استدل بالآية الكريمة على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: من شروط التّيمم - كما سيأتي - عدم وجود الماء، ويدخل فيه كل ما يطلق عليه ماء.
مأخذ الحكم: ورود لفظ (ماء) في الآية نكرةً في سياق نفي، وهو يعم لغة كل ماء، والماء اسم جنسٍ، فيكون عمومه في الجنس، فيدخل فيه كل ماء قليلًا كان أو كثيرًا، وسواء كان ماءً من سماءٍ أو نهرٍ، أو عين عذب أو ملح.
قال الطّحاوي: «فإنّما أباح التّيمم عند عدم كل جزء من الماء؛ لأنّه لفظ منكر يتناول كل جزء منه سواء كان مخالطًا لغيره، أو منفردًا بنفسه، ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التّمر ماء، فلما كان كذلك وجب أن لا يجوز التيمم مع وجوده بالظّاهر»(1).
• الحكم الثاني: ذهب جمهور أهل العلم إلى تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس.
ومن العلماء من جعل القسمة ثنائية: طهور، ونجس، استدلالًا بالآية، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(2) وعلى هذا التقسيم سارت الفتيا عند كثير--------------------------------------------
(1) أحكام القرآن (2/ 484).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (24/ 35)، (19/ 236)، الإنصاف (1/ 44).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
من علماء هذا البلد، كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ العثيمين -رحمهما الله-(1).
ووجه التقسيم ومأخذ الحكم من الآية: كون لفظ الماء جاء نكرة في سياق نفي فعمَّ كل ما يطلق عليه ماء، ويحمل اللفظ على إطلاقه، ولا يقيد إلا بالشرع، فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا.
يقول شيخ الإسلام: «إنّ الشّارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا وطهورا»(2).
وقال أيضاً: «فهذا التّقسيم مخالف للكتاب والسّنة، وإنما قال الله {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا أن كل ما يقع عليه اسم ماء فهو طاهر طهور»(3).
فمأخذه رحمه الله وقاعدته هي: أن الاسم الذي أطلقه الشرع لا يقيَّد إلا بالشرع.
وقد نصَّ على ذلك فقال: «والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم ويقيد ما قيده»(4).
تنبيه: إلى أن تقسيم الماء إلى قسمين أو إلى أكثر هو بالنظر لمطلق الماء، أما الماء المطلق فلا يصدق إلا على الماء الطهور فقط.
فمطلق الشيء يراد به حقيقة الماهية فلا يقيد، أما الشيء المطلق فهو لبيان الماهية بقيد الإطلاق، وهو يفيد التجرد عن جميع القيود، وعليه فالعلاقة بينهما--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (10/ 14)، الشرح الممتع (1/ 54).
(2) مجموع الفتاوى (24/ 35).
(3) مجموع الفتاوى (19/ 236).
(4) مجموع الفتاوى (24/ 13).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
علاقة عموم وخصوص مطلق، فمطلق الشيء أعم، فمطلق الماء أعم، والماء المطلق أخص مطلقا فهو فرد من أفراد(1).
• الحكم الثالث: استدل بقوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} من قال بطهوريّة الماء المتغير بالدواء، شريطة أن يبقى اطلاق اسم الماء عليه(2).
مأخذ الحكم: المأخذ السابق، أو القول إن لفظة {مَاءً} نكرة في سياق النّفي، فتعمّ كل ما يطلق عليه ماء، والماء المتغير بالدواء يطلق عليه اسم الماء، فلم يسلبه الدواء المخالط اسم الماء، وعليه لا يجوز العدول عنه إلى التيمم.
قال القرطبي: «فأما غير الجنس وهو المتغير فلا يدخل فيه، كما لا يدخل فيه ماء الباقلاء ولا ماء الورد»(3).
وكلام القرطبي يشير إلى الفرق بين الماء غير المطلق، أي: الذي يطلق عليه اسم الماء ولكن بالإضافة، كماء الورد وماء الباقلاء، وبين المائعات الّتي لا يطلق عليها اسم الماء مطلقًا إلّا من حيث السيولة فقط، مثل: النّبيذ، والقهوة، والشّاي، واللّبن … ، وسواء كان ماء تغير بمخالطة طاهر، أو طبخ فيه طاهر. فالأخير لا يجوز التّطهر به على خلاف في النّبيذ.
قال ابن قدامة: «فصل: فأمّا غير النّبيذ من المائعات، غير الماء، كالخل، والمرق، واللبن، فلا خلاف بين أهل العلم، فيما نعلم، أنه لا يجوز بها وضوء ولا غسل»(4).--------------------------------------------
(1) انظر: المنثور في القواعد للزركشي (3/ 181)، التحبير للمرداوي (2/ 605).
(2) ينظر: فقه النوزال في العبادات للمشيقح (20).
(3) الجامع لأحكام القرآن (5/ 230).
(4) المغني (1/ 10).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
تنبيه: هذا الحكم مبني على أن الماء إذا خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه؛ فإنّه يبقى على طهوريته، ما لم يسلبه اسم الماء المطلق، وهذا مذهب الحنفية، ورجحه كثير من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رأي الشيخين عبد العزيز بن باز وابن عثيمين -رحمهما الله- كما سبق.
• الحكم الرابع: استدل بالآية على من قال بأن المياه المتغيرة بصدأ الأنابيب والخزانات باقية على طهوريتها، ولا يجوز التيمم مع وجود هذا الماء، ولا يؤثر تغير الصدأ فيها؛ لعدم القدرة عن الانفكاك عنه، ولا يمكن التحرز ولا صون الماء منه(1).
مأخذ الحكم: ما سبق من كون لفظ {مَاءً} في الآية نكرة في سياق النفي فتعمّ كل ماءٍ، وهذا ماء فلا يجوز التيمم مع وجوده.
ومأخذ آخر: عموم النكرة في سياق الامتنان الواردة في قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]، وقوله: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48].
• الحكم الخامس: استدل بالآية من قال بطهورية مياه الصرف الصحي بعد تنقيتها، وعدم جواز التيمم مع وجودها(2).
ومأخذ الحكم: ما سبق من كون لفظ {مَاءً} نكرة في سياق نفي، تعمّ كل ما يتعلق عليه ماء، ومياه الصّرف الصّحيّ بعد تنقيها يطلق عليها ماء، فيكون المتيمم--------------------------------------------
(1) ينظر: فقه النوزال في العبادات للمشيقح (20 - 21).
(2) ينظر: قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الحادية عشرة (258)، ورجحه مجلس هيئة كبار العلماء في قراره رقم (64)، وفتاوى اللجنة الدائمة (5/ 80 - 100)، وأبحاث الهيئة (6/ 216)، ومجلة البحوث الإسلامية (49/ 359 - 361)، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز (10/ 404)، والشرح الممتع (1/ 47)، وفقه النوازل للمشيقح (57)، والفقه الميسر (9/ 7)،.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
واجدًا، ولا يجوز له العدول عنه إلى التيمم عند وجوده.
وناقش البعض: صحة المأخذ السابق، بأنّ مياه الصّرف الصّحي لا يطلق عليها اسم الماء إلّا بالإضافة.
يقول الدكتور عبد الله بن بكر أبوزيد: وماء الصرف الصحي بعد تنقيته ليس ماءً مطلقاً باقياً على أصل خلقته بل مقيداً بوصف التنقية المشعر بالاستقذار والاستخباث(1).
قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]
وقوله: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]
استدل بالآية الكريمة على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: مشروعية الطهارة بالماء.
قال السيوطي عن الآية الأولى: «هذا أصل الطّهارة بالماء في الأحداث والنّجاسات»(2).
مأخذ الحكم: ورود لفظ {مَاءً} في الآيتين منكرًا، والآيتان في سياق امتنان فيعم كل ماء نزل من السماء كالمطر، والثلج، والبرد، ونحو ذلك.
واللام في قوله: {لِيُطَهِّرَكُمْ} لام التّعليل، والباء في قوله: {به} للسّببية.
فامتن المولى سبحانه وتعالى على عباده بإنزال الماء لأجل أن يتطهروا بسببه، وهذا يؤيد أنّ معنى {طَهُورًا} في الآية الثانية: الّذي يفعل به التّطهير، أو خبرٌ عن التطهير به، فهو طاهر بنفسه ومطهر لغيره بالإجماع.--------------------------------------------
(1) فقه القضايا المعاصرة في العبادات (117) رسالة دكتوراه غير منشورة.
(2) الإكليل (2/ 782).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
قال ابن عاشور: «ووصف الماء بالطّهور، يقتضي أنّه مطهر لغيره؛ إذ العدول عن صيغة فاعل إلى صيغة فعول لزيادة معنى في الوصف، فاقتضاؤه في هذه الآية أنّه مطهر لغيره اقتضاء التزامي؛ ليكون مستكملا وصف الطهارة القاصرة والمتعدية»(1).
فالآيتان: «معناهما واحد، وإن اختلفت تراكيب الصّيغ، لكن الألفاظ غير مقصودة لذاتها، بل لإظهار المعنى» قاله الطّوفي(2).
تنبيه: قوله: {مِنَ السَّمَاءِ} إشارة إلى أنقى ماء، وأطهره، إذا لم يختلط به شيء يكدره أو يقذره، والمعنى: أنّ الماء النازل من السماء هو بالغ نهاية الطهارة في جنسه من المياه.
وقد كان ماء المطر معظم شراب العرب المخاطبين حينئذ، ولذلك يقال لهم: بنو ماء السّماء، وفي البخاري في قصّة سارة: (تلك أمكم يا بني ماء السماء)(3).
قال الحافظ ابن حجر: «كأنّه خاطب بذلك العرب؛ لكثرة ملازمتهم للفلوات التي بها مواقع القطر؛ لأجل رعي دوابهم»(4).
مما يدل على أنه لا مفهوم له مخالف، أي إن ماء غير السماء مطهر أيضاً.
فائدة: اختلف العلماء هل جميع المياه مصدرها من ماء السّماء؟
فمنهم من ذهب إلى ذلك مستدلًا بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير (19/ 47 - 48).
(2) شرح مختصر الروضة (1/ 124).
(3) أخرجه البخاري كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} وقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} وقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} برقم (3179)، ومسلم كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم، برقم (2371).
(4) فتح الباري (6/ 394).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ} [المؤمنون: 18]
وقوله: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ} [الزمر: 21].
ذكر السيوطي أنه قد استدل بالآيتين من قال إنّ المياه كلها من السّماء وأنّه لا ماء من الأرض(1).
وذهب آخرون إلى خلاف ما سبق. قال القرطبي: «توقف جماعة في ماء البحر، لأنه ليس بمنزل من السماء»(2).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ليس في القرآن أن جميع ما ينبع يكون من ماء السماء ولا هذا أيضا معلوما بالاعتبار، فإنّ الماء قد ينبع من بطون الجبال، ويكون فيها أبخرة يخلق منها الماء، والأبخرة وغيرها من الأهوية قد تستحيل، كما إذا أخذ إناء فوضع فيه ثلج فإنه يبقى ما أحاط به ماء وهو هواء استحال ماء وليس ذلك من ماء السماء فعلم أنه ممكن أن يكون في الأرض ماء ليس من السماء فلا يجزم بأنّ جميع المياه من ماء السماء وإن كان غالبها من ماء السماء»(3).
وسواء كان ماء الأرض من السماء أو لا، قفد اتفق العلماء على طهورية كل ماء سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض.
قال ابن رشد: «وأجمع العلماء على أنّ جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها، إلّا ماء البحر، فإنّ فيه خلافًا في الصّدر الأوّل شاذا»(4).
فقد حكي عن ابن عمر كراهية الوضوء به، وأكثر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على--------------------------------------------
(1) انظر: الإكليل (3/ 1151).
(2) الجامع لأحكام القرآن (13/ 53).
(3) مجموع الفتاوى (16/ 16).
(4) بداية المجتهد (1/ 29).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
خلافه، وكذا العلماء(1).
والكراهية لا تنافي الجواز؛ لذا قال ابن عبد البر: «وقد أجمع العلماء وجماعة أئمة الفتيا من الفقهاء: أن البحر طهور، وأنّ الوضوء جائز به»(2).
• الحكم الثاني: اختلف العلماء في أقسام المياه.
فذهب الجمهور إلى تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس.
ومأخذ الحكم: أن قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} يدل على أنّ الطّاهر غير الطّهور، وإلّا لزم التّأكيد، والتأسيس أولى(3).
ومن العلماء من جعل الماء قسمين:
ومأخذ الحكم: القول بأن الأسماء التي أطلقها الشّارع تبقى على إطلاقها، فأطلق الماء فكل طاهر منه فهو طهور، ولم يفرق بينهما.
قال شيخ الإسلام: «إنّ الشّارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا وطهورا … »(4).
وقال أيضا: «لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره ولا بما يشق الاحتراز--------------------------------------------
(1) قال ابن العربي في أحكام القرآن (1/ 447): «قال ابن عمر رضي الله عنه: إنه لا يجوز الوضوء به؛ لأنه ماء النار، أو لأنه طين جهنم، وكأنهم يشيرون إلى أنه ماء عذاب، فلا يكون ماء قربة».
(2) التمهيد (16/ 221)، وانظر الاستذكار (1/ 159)، وقد حكي عن ابن عمر كراهية الوضوء به، وأكثر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلافه، قال ابن العربي في أحكام القرآن (1/ 447): «قال ابن عمر رضي الله عنه: إنه لا يجوز الوضوء به؛ لأنه ماء النار، أو لأنه طين جهنم، وكأنهم يشيرون إلى أنه ماء عذاب، فلا يكون ماء قربة».
(3) انظر: مغني المحتاج للشربيني (1/ 29).
(4) مجموع الفتاوى (21/ 35).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
عنه؛ ولا بما لا يشق الاحتراز عنه، فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا … وهذا القول هو الصّواب»(1).
تنبيه: هذا المأخذ كان سببًا في اختلاف العلماء في مسائل كثيرة متعلقة بالمياه، وذلك لأن في خفاء تناول اسم الماء المطلق لبعض المياه ولا سيما بسبب مخالطة الماء لغيره خلافاً في كثير من المسائل، بمعنى هل كان اسم الماء المطلق يتناوله فيصح الطهارة به أو لا؟
قلت: ويكاد يكون هذا المأخذ هو أصل هذا الباب؛ لكثرة ما يتفرع عليه،
ومن ذلك.
(1) أن الماء لا تفسده النّجاسة الحالّة فيه قليلا كان أو كثيرا، إلا أن تظهر فيه النّجاسة وتغيّر منه طعما أو ريحا أو لونا. قال القرطبي: «وهو الصّحيح في النّظر وجيد الأثر»(2).
وأورد في مسألة مستقلة أخرى الخلاف في الفرق بين ورود النّجاسة على الماء، وورود الماء على النّجاسة، ثم قال: «والماء لا يخلو تغيّره بنجاسة أو بغير نجاسة، فإن كان بنجاسة وتغير، فقد أجمع العلماء على أنّه غير طاهر ولا مطهر، وكذلك أجمعوا أنّه إذا تغير بغير نجاسة أنّه طاهرٌ على أصله. وقال الجمهور: إنّه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربة وحمأة. وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه، ولا التباس»(3).
(2) أنّ الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الاحتراز عنه، فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (24/ 35).
(2) الجامع لأحكام القرآن (13/ 42).
(3) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
به، لعدم الاحتراز منه والانفكاك عنه، وأن هذا التَّغيُر لا يسلبه اسم الماء(1).
(3) ما نقله القرطبي عن علمائهم بأنّه يكره «سؤر النّصراني وسائر الكفار، والمدمن الخمر، وما أكل الجيف، كالكلاب وغيرها. ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء عليه حتى يستيقن النّجاسة»(2).
ثم ذكر في مسألة أخرى الخلاف في سؤر الكلب.
(4) ما مات في الماء مما لا دم له، فلا يضرّ الماء إن لم يغيّر ريحه، فإن أنتن لم يتوضأ به. وكذلك ما كان له دم سائل من دواب الماء، كالحوت والضفدع، لم يفسد ذلك الماء موته فيه، إلا أن تتغير رائحته، فإن تغيرت رائحته وأنتن لم يجز التطهر به ولا الوضوء منه. قال القرطبي: «وليس بنجس عند مالك»، ثم قال: «وأمّا ما له نفسٌ سائلة، فمات في الماء ونزح مكانه ولم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر، سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا عند المدنيين»(3)، يعني من أصحاب مالك، ثم ذكر الخلاف فيه.
• الحكم الثالث: المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها.
ومأخذ الحكم: ما سبق من أن اسم الماء يتناولها فيصح التطهر بها.
تنبيه: المخالط للماء على ثلاثة أضرب:
ضربٌ يوافقه في صفتيه جميعًا - أي كونه طاهراً ومطهراً - فإذا خالطه فغيَّره لم يسلبه وصفا منهما لموافقته لهما وهو التراب.--------------------------------------------
(1) انظر: المغني (1/ 22)، أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 386).
(2) الجامع لأحكام القرآن (13/ 44).
(3) الجامع لأحكام القرآن (13/ 46).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
والضرب الثاني: يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة، دون التّطهير فإذا خالطه فغيَّره سلبه ما خالفه فيه وهو التطهير، كماء الورد وسائر الطاهرات.
والضرب الثالث: يخالفه في الصّفتين جميعًا، فإذا خالطه فغيَّره سلبه الصّفتين جميعًا لمخالفته له فيهما وهو النجس.
• الحكم الرابع: الماء المستعمل طاهر، إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة، وهل يكون مطهراً لغيره؟، من العلماء من قال إنَّه مطهر لغيره.
مأخذ الحكم: أنّه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء، فهو ماء مطلق، أي أنه يندرج تحت اسم الماء المطلق، فيصح التطهر به.
وقيل: بل هو مطلق لا عام، فلا يصح التطهر به.
مأخذ الحكم: ذكر القرافي في فروقه مدركاً وصفه بأنّه وجه قوي حسن، ومدرك جميل، فقال: «وأن قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} وقوله: {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} مطلق في التطهير لا عامّ فيه، بل عامّ في المكلفين، إذا تطهّرنا بالماء مرّة حصل موجب اللفظ، فبقيت المرّة الثانية منه غير منطوق بها، فتبقى على الأصل غير معتبرة، فإنّ الأصل في الأشياء عدم الاعتبار في التّطهير؛ إذ الأصل أن لا يعتبر في التطهير وغيره إلّا ما وردت الشّريعة به»(1).
وقال ابن العربي: «مسألة الماء المستعمل إنما تنبني على أصل آخر، وهو أن الآلة إذا أدّي بها فرض، هل يؤدى بها فرض آخر أم لا؟ فمنع ذلك المخالف قياسًا على الرقبة إذا أدّى بها فرض عتق، لم يصلح أن يتكرر في أداء فرض آخر، وهذا باطل من القول، فإنّ العتق إذا أتى على الرّق أتلفه فلا يبقى محل لأداء الفرض بعتق آخر. ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء فإنه لا يصح أن يؤدى به فرض آخر؛--------------------------------------------
(1) الفروق (2/ 118).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
لتلف عينه حسًّا كما تلف الرّق في الرّقبة بالعتق حكما، وهذا نفيس فتأملوه»(1).
• الحكم الخامس: جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة.
استدل بالآية على جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة(2).
مأخذ الحكم هو: ما سبق من كون لفظة {مَاءً} نكرة في سياق نفي، تعمّ كل ما يتعلق عليه ماء، ومياه الصّرف الصّحيّ بعد تنقيها يطلق عليها ماء، فيكون المتيمم واجدًا، ولا يجوز له العدول عنه إلى التيمم عند وجوده.
وناقش البعض: صحة الاستنباط السابق، بأنّ مياه الصّرف الصّحي لا يطلق عليها اسم الماء إلّا بالإضافة.
يقول الدكتور عبد الله بن بكر أبوزيد: وماء الصرف الصحي بعد تنقيته ليس ماءً مطلقاً باقياً على أصل خلقته بل مقيداً بوصف التنقية المشعر بالاستقذار والاستخباث(3).
وقد حرم سبحانه وتعالى الخبيث بقوله: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]، ولفظ (حرم) وما تصرف منه يفيد التحريم، وهي هنا إخبار عن الحكم شرعي، ومياه الصرف الصحي وإن حصل لها تنقية فإن علة الاستخباث والاستقذار باقية باعتبار أصلها، وكونه ماءً خارجاً ومعتصرًا من البول والغائط.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (3/ 438).
(2) صدر به قرار المجمع الفقهي، وهيئة كبار العلماء في المملكة قرارها رقم (64). ينظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي (91 - 93، 258)، فتاوى اللجنة الدائمة (5/ 80)، ومجلة البحوث الإسلامية (49/ 359 - 361)، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (10/ 404).
(3) فقه القضايا المعاصرة في العبادات (117) رسالة دكتوراه غير منشورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
وقد ذكر الشيخ الدكتور بكر أبو زيد عضو المجمع في علة تحريمه ما سبق وقال: ( .... فتحصل أن مياه المجاري قبل التنقية معلة بأمور:
الأول: الفضلات النجسة باللون والطعم والرائحة.
الثاني: فضلات الأمراض المعدية، وكثافة الأدواء والجراثيم (البكتيريا).
الثالث: علة الاستخباث والاستقذار لما تتحول إليه باعتبار أصلها، ولما يتولد عنها في ذات المجاري من الدواب والحشرات المستقذرة طبعاً وشرعاً.
ولذا صار النظر بعد التنقية في مدى زوال تلكم العلل، وعليه:
فإن استحالتها من النجاسة بزوال طعمها ولونها وريحها لا يعني ذلك زوال ما فيها من العلل والجراثيم الضارة. والجهات الزراعية توالي الإعلام بعدم سقي ما يؤكل نتاجه من الخضار بدون طبخ فكيف بشربها مباشرة. ومن مقاصد الإسلام المحافظة على الأجسام؛ ولذا لايورد ممرض على مصح، والمنع لاستصلاح الأبدان كالمنع لاستصلاح الأديان.
ولو زالت هذه العلل لبقيت علة الاستقذار والاستخباث باعتبار الأصل لماء يعتصر من البول والغائط فيستعمل في الشرعيات والعادات على قدم التساوي … إلخ)(1).
ونوقش: بأن العبرة في التحليل والتحريم للنصوص وليس لما تحسنه أو تقبحه النفوس.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: (من قال من العلماء أنه حَرَّم على جميع المسلمين ما تستخبثه العرب وأحل لهم ما تستطيبه، فجمهور العلماء على خلاف هذا--------------------------------------------
(1) قرارات المجمع ص (91 - 93)، وفقه القضايا المعاصرة في العبادات د. عبد الله أبوزيد (111) رسالة دكتواره غير منشورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
القول .... وما كان عليه الصحابة والتابعون: أن التحليل والتحريم لا يتعلق باستطابة العرب ولا باستخباثهم، بل كانوا يستطيبون أشياء حرمها الله: كالدم، والميتة، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وأكيلة السبع، وما أهل به لغير الله، وكانوا بل خيارهم يكرهون أشياء لم يحرمها الله حتى لحم الضب كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرهه، وقال: (لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه)(1)، وقال مع هذا: (أنه ليس بمحرم)، وأُكل على مائدته وهو ينظر وقال فيه: (لا آكله ولا أحرمه)(2).
وقال جمهور العلماء: الطيبات التى أحلها الله ما كان نافعاً لآكلهِ في دينه، والخبيث ما كان ضاراً له في دينه)(3).
باب الآنية
الأنية: جمع إناء، وهو معروف، وإنّما بُوِّب لها؛ لأنّ الشّارع قد نهى عن بعضها فتعلقت بها الأحكام.
قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]
قوله: {حُرِّمَتْ} لفظ «التّحريم» من الألفاظ الصّريحة الدّالة على المنع والّتي لا تحتمل معنى آخر، ولا يختلف في أن المراد بها في القرآن خاصّة هو الحظر والمنع، والمحظور: ما يذم فاعله، ويمدح تاركه.
والميتة هي: ما فارقه الرّوح من غير ذكاة مما يذبح، وما ليس بمأكولٍ فذكاته كموته، كالسّباع وغيرها.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب الضب، برقم (5217)، ومسلم برقم (1945)، (1946).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب الضب، برقم (5216).
(3) مجموع الفتاوى (19/ 24).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
استدل العلماء بالآية الكريمة على تحريم استعمال جلد الميتة في الأواني، وبالآية على جواز ذلك.
مأخذ من حرم استعمال جلد الميتة: التحريم الوارد بصيغة العموم {الْمَيْتَةُ}، فهو مفرد محلى بأل، أو داخل على اسم جنس فيعم أجزاء الميتة من لحم أو جلد، ويعم الأكل والاستعمال.
ووجه ذلك: أن الحكم المضاف للأعيان - كإضافة التحريم هنا إلى عين الميتة - لا يصح، لأن الأعيان أنفسها لا توصف بحظر ولا إباحة؛ لأنّ الحظر منع، والإباحة إطلاق، والأعيان الموجودة لا يصح المنع والإطلاق في عينها، بل تتعلق الأحكام بأفعال، والتحريم حكم شرعي متعلق بأفعال المكلفين، فلا بد من تقدير فعل للمكلف، فقالوا إن الظاهر هو تحريم التّصرف فقالوا بعموم المضمرات هنا، فقدروا لفظ «التّصرف «أو «الاستعمال «أو «فعلكم «ليشمل جميع أفعال المكلفين من أكل أو بيع، أو شرب، أو استعمال واقتناء، وهو من عموم المعاني. ومن التصرف والاستعمال اتخاذ جلد الميتة آنية.
مأخذ من أباح استعمال جلد الميتة: هو المأخذ السابق، إلا أنهم قصروا التحريم على الأكل، والأكل فعلٌ من أفعال المكلفين، والتّقدير: حرم عليكم أكل الميتة.
وقالوا إن الكلام عن العموم مفروض إذا لم يقم على تعيين أحد المقدّرات، وهنا قد دلّ العرف على أن المراد بتحريم الميتة، تحريم أكلها، وهو الّذي يسبق إلى الفهم من تحريم الميتة، ويدل عليه القرينة اللفظية في سياق الآيات كقوله تعالى: {عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} وقوله {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} وقرينة خارجية، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (إنّما حرم من الميتة أكلها)(1).--------------------------------------------
(1) أخرجه الدارقطني في سننه (1/ 58) برقم (100).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)