ومنها الدعاء، كقوله تعالى: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ومنها: بيان العاقبة، كقوله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون}.
ومنها: اليأس، كقوله تعالى: {لا تعذروا}.
ومنها الإرشاد كقوله تعالى: {لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ومنها: التحقير كقوله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجنا منهم زهرة الحيوة الدنيا}.
وهي حقيقة في النهي إجماعًا، ومجاز في غيره، فلذلك لا تخرج عن معنى النهي إلا لقرينة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
واعلم أن الأصوليين القائلين بأن تقدم التحريم قبل صيغة الأمر ثرينة تصرف الصيغة عن معنى الأمر اختلفوا في تقدم الوجوب قبل صيغة النهي:
فمنهم من يرى أن تقدم الوجوب قرينة تصرف الصيغة عن معنى النهي، كما أن تقدم التحريم قرينة تصرف الصيغة عن معنى الأمر.
ومنهم من لا يرى تقدم الوجوب قرينة، بل قد نقل الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، الإجماع على أن تقدم الوجوب لا يكون قرينة تصرف الصيغة عن معنى النهي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)
والحق أن في ذلك خلافًا.
ومثاله قوله تعالى: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} بعد قوله: {فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن}، والمراد بهذه الصيغة النهي بلا خلاف.
وفي معنى النهي بعد تقدم الأمر قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد} فإن الثابت بعد أخذ الجزية تحريم قتالهم بعد تقدم وجوبه.
وإذا تمت هذه المقدمة فلنتكلم في المسألتين:
المسألة الأولى: في كون النهي مقتضيا للتحريم أو للكراهة
وقد اختلف في ذلك، ومذهب الجمهور أنه للتحريم، لأن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم لم يزالوا يحتجون بالنهي على التحريم، وأيضا ففاعل ما نهي عنه عاص إجماعا، لأنه قد خالف ما طلب منه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
والعاصي يستحق العقاب، وكل فعل يستحق فاعله العقاب فهو حرام، فالنهي يقتضي التحريم.
وينبني على هذا مسائل كثيرة من الفقه، فمن ذلك:
الصلاة في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر الكعبة، فإن العلماء اختلفوا في كون الصلاة في هذه المواضع محرمة أو مكروهة.
وعندنا في المذهب في ذلك خلاف، مبناه على أن النهي هل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)
يدل على تحريم المنهي عنه أو لا؟ وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذه المواضع السبعة، أخرجه الترمذي.
وكذلك اختلفوا في استقبال القبلة لبول أو غائط، هل هو حرام أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
مكروه؟ بناء على قوله صلى الله عليه وسلم: لا تستقبلوا القبلة لبول ولا غائط ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا، هل ذلك محمول على التحريم أو على الكراهة؟
المسألة الثانية: في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أو لا؟
في ذلك خلاف بين الأصوليين، والجمهور منهم على أنه يدل على فساد المنهي عنه إلا ما خرج بدليل منفصل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
وحجتهم في ذلك أن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم لم يزالوا يحتجون على فساد بياعات وأنكحة كثيرة بصدور النهي عنها، ولم ينكر بعضهم على بعض ذلك الاستدلال، بل يعارض بعضهم بعضا بأدلة أخرى.
وعلى هذا الأصل اختلف الفقهاء في نكاح الشغار، هل يفسخ أو لا؟
فالمالكية والشافعية يحكمون بفسخه، والحنفية لا تحكم بذلك،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
وفي الحديث: {إن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن نكاح الشغار} فمن رأي أن النهي يدل على فساد المنهي عنه حكم بفسخ نكاح الشغار، ومن رأي أنه لا يدل على فساده لم يحكم بفسخه؟
ومنه بيع وشرط، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: نهي عن بيع وشرط.
ومنه بيع وسلف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهي عن بيع وسلف".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
ومنه الصلاة في الدار المغصوبة، لأنه منهي عنها، ففي فسادها خلاف.
وكذلك الصلاة في الأوقات الممنوعة والأمكنة الممنوعة، ففي جميع ذلك خلاف بناء على أن النهي يدل على فساد المنهي عنه.
وتحقيق المذهب أن النهي عن الشيء إن كان لحق الله تعالى فإنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
يفسد المنهي عنه، وإن كان لحق العبد فلا يفسد المنهي عنه، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن التصرية، فقال: {لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر}، فلم يحكم صلى الله عليه وسلم بفسخ البيع، ولو كان مفسوخًا لم يجعل للمشتري خيارًا في الإمساك، فلما جعل له الخيار في الإمساك دل على أنه لم يفسخه، وذلك لأن الحق فيه للعبد إلا لله تعالى.
وإن كان النهي فيه لحق الله تعالى فإنه فاسد، ولذلك قلنا: إن البيع وقت النداء للجمعة يفسخ، لأنه منهى عنه لحق الله تعالى، وهذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
هو وجه تفرقة أكثر الرواة بين ما يفسخ من النكاح المنهي عنه بطلاق، وما يفسخ بغير طلاق، فإنهم قالوا: كل نكاح كان للزوج أو للزوجة أو للولي إمضاؤه وفسخه فإنه يفسخ بطلاق، لأن النهي فيه ليس إلا لحق من له الخيار فالنكاح في نفسه منعقد ليس بفاسد.
وأما كل نكاح لا خيار فيه لأحد الثلاثة، بل يجب فسخه على كل حال فإنه يفسخ بغير طلاق، لأن الفسخ فيه ليس لحق أحد منهم، ولو كان لحق أحد منهم لسقط الفسخ بإسقاطه حقه، فلما لم يسقط الفسخ بإسقاط أحدهم علمنا أن الحق فيه لله تعالى فكان فاسدًا غير منعقد، فلا يحتاج في فسخه إلى طلاق، لأن الطلاق إنما هو حل العقد، فحيث لا عقد فلا حل، فهذه قاعدة المذهب، وما خرج عن هذا فإنما هو لدليل منفصل.
واعلم أن النهي يقتضي الدوام والفور، وكون ضد المنهي عنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)
مأمور به، كما أن ضد المأمور به منهي عنه.
وما ذكرنا من مسائله هو المهم في الفقه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
القول في التخيير
اعلم أن اللفظ الدال على التخيير بين الفعل والترك لا يدل على تسوية الطرفين، ألا ترى أن المسافر مخير بين الصوم والفطر، والصوم أفضل عند جمهور أصحابنا، والفطر أفضل عند بعضهم.
وكذلك هو مخير بين الإتمام والقصر في السفر، والقصر أفضل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
وكذلك العبد والمرأة والمسافر مخيرون في يوم الجمعة بين صلاة الجمعة وبين الظهر، والجمعة أفضل.
وإذا كان كذلك لم يصح الاحتجاج على التسوية بين الطرفين بالتخيير بينهما.
والذين يرون أن المندوب مأمور به، والمكروه منهي عنه، يجعلون التخيير مختصًا بالإباحة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
وقد اختلفوا في كون الإباحة حكما شرعيًا، أو حكما عقليا ثابتا بالبراءة الأصلية، وينبني على ذلك مسائل: نشير إلى بعضها في فصل القياس، إن شاء الله تعالى.
فهذا تمام الكلام في التخيير، وبه تم الكلام في الطرف الأول.
الطرف الثاني: في الدلالة على متعلق الحكم.
اعلم أن اللفظ إما أن يحتمل معنيين أو لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فإن لم يحتمل بالوضع إلا معنى واحدًا فهو {النص}، وإن احتمل معنيين، فإما أن يكون راجحا في أحد المعنيين أو لا يكون راجحا، فإن لم يكن راجحا في أحد المعنيين فهو {المجمل}، وهو غير المتضح الدلالة، وإن كان راجحا في أحد المعنيين، فإما أن يكون رجحانه من جهة اللفظ، أو من جهة دليل منفصل، فإن كان من جهة اللفظ فهو {الظاهر}، وإن كان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
من جهة دليل منفصل فهو {المؤول}.
فخرج من هذا: أن اللفظ إما نص، وإما مجمل، وإما ظاهر، وإما مؤول.
فينبغي أن نعقد في كل قسم من هذه الأربعة فصلا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
الفصل الأول في النص
وهو لا يقبل الاعتراض إلا من غير جهة دلالته على ما هو نص فيه:
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع لا ثلاث بقوله صلى الله عليه وسلم: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا.
والحنفية يوجبون الغسل ثلاثا، لكنهم لا ينازعون في دلالة لفظ السبع، على العدد المعلوم، بل يقولون: كان أبو هريرة يفتي بغسل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
الإناء ثلاثًا، وهو راوي الحديث، فدل على أن الحديث غير معمول به.
وقد يعتقد معتقد في العدد أنه نص في القصر عليه، وهو في الحقيقة ليس بنص في ذلك، بل هو نص في الانتهاء إليه، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم، فإن ذلك لا يدل نصًا على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
منع الزيادة على الخمس، بل ولا بمنطوقه، وإنما يدل بمفهومه، وللعدد مفهوم كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد فرق بعض الأصوليين بين ذكر العدد في نفس الحكم، كقوله: فليغسله سبعًا، وبين ذكره في متعلق الحكم، كقوله: خمس فواسق، وجعل المنع من الزيادة على ثلاثة أيام في الخيار نصا من قوله صلى الله عليه وسلم: إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثة أيام، فإن هذا الحديث في الحكم، لا في محل الحكم، فلا تصح الزيادة في الخيار على ثلاثة أيام.
وهذا الذي ذكروه لا ننازعهم فيه، بل نقول: الخيار الذي يكون للغبن يتحدد بالثلاثة، وهو الذي ورد في هذا الحديث، وأما الخيار الذي يعرض في البيع لاختبار المبيع، فلا تحديد عندنا فيه، ويختلف باختلاف السلع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
ومما يدل أيضاً نصاً على الحكم ما احتج به أصحابنا، على أن الإمام مخير في الأسرى بين المن والفداء بقوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء} وهذا نص في التخيير.
فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا وإن كان نصا في التخيير إلا أنه مغي بغاية مجهولة، وهو قوله تعالى: {حتى تضع الحرب أوزارها} ووضع الحرب أوزارها مجهول، فإنه يحتمل أن يكون المراد منه: حتى لا يبقى شرك، أي إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يريد: حتى يفترق القتال، ويحتمل غير ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)