المطلب الثاني: في بيان القرائن المرجحة لأحد الاحتمالين.
وهي إما لفظية، وإما سياقية، وإما خارجية.
القرينة اللفظية
مثالها: ما قدمناه عن ابن الأنباري في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} وهو أن القرء إذا جمع على قروء فالمراد به الطهر لا الحيض، والجمع قد يختلف باختلاف المعاني، وإن كان اللفظ المفرد مشتركًا، ألا ترى أن العود مشترك بين الخشبة - وجمعه إذ ذاك أعواد - وبين آلة الغناء - وجمعه إذ ذاك عيدان، وكذلك الأمر مشترك بين القول المخصوص - وجمعه إذا ذاك أوامر - وبين الفعل - وجمعه إذ ذاك أمور.
ومن ذلك قول أصحابنا: الأطهار مذكرة فيجب ذكر التاء في العدد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
المضاف إليها، فيقال: ثلاثة أطهار، والحيض مؤنثه [فيجب حذف التاء من العدد المضاف إليها، فيقال: ثلاثة حيض، ولما قال الله تعالى، {ثلاثة قروء} بالتاء علمنا أنه أراد الأطهار.
والحنفية يجيبون عن هذا: بأن المعنى الواحد قد يكون له لفظان أحدهما مذكر والاخر مؤنث]. فيكون التأنيث فيه لفظيا لا معنويًا، ألا ترى أنك تقول: جسد وجثة، والمراد واحد، ثم تقول: ثلاثة أجساد وثلاث جثث، ولما كان لفظ الحيضة مؤنثا وجب حذف التاء في جمعه، ولما كان لفظ القرء مذكرا وجب ذكر التاء في جمعه فقس على هذه القرائن اللفظية أمثالها.
القرينة السياقية
مثالها: احتجاج الحنفية وبعض أصحابنا على جواز انعقاد النكاح بلفظ الهبة، بقوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} وإذا جاز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)
انعقاد نكاح النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة جاز انعقاد أنكحة الأمة به بالقياس عليه.
فيقول أصحاب الشافعي: لما قال الله تعالى: {خالصة لك من دون المؤمنين} دل ذلك على اختصاصه صلى الله عليه وسلم بشيء دون المؤمنين، فيحتمل أن يكون ذلك الشيء هو جواز النكاح بلا مهر، ويحتمل أن يكون ذلك جواز انعقاد نكاحه بلفظ الهبة، وإذا كان اللفظ محتملا للمعنيين لم يصح القياس حتى يترجح أن المراد بالاختصاص هو ملك البضع من غير عوض لا جواز النكاح بلفظ الهبة.
فيقول الأولون: سياق الاية يرجح أن المراد ملك البضع وذلك: أن الآية سيقت لبيان شرفه صلى الله عليه وسلم على أمته ونفي الحرج عنه، ولذلك قال تعالى: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج}، ولا شك أن الشرف لا يحصل بإباحة لفظ له وحجره على غيره، إذ ليس في ذلك شرف، بل إنما يحصل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
الشرف بإسقاط العوض عنه حتى يكون تعالى ذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم ثلاثة أنواع من الإحلالات:
إحلال نكاح بمهر، وهو قوله تعالى: {إنا أحللنا لك أزوجك التي ءاتيت أجورهن}.
وإحلال بملك اليمين، وهو قوله تعالى: {وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك}.
وإحلال بلا مهر بل بتمليك مجرد وهو قوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي}.
وأيضا فالحرج المقصود نفيه من الاية إنما يكون بإيجاب العوض عليه لا بحجر لفظ عليه يؤدي المعنى المطلوب دونه ألفاظ كثيرة أسهل منه، فهذا السياق كله يدل على أن المراد بالخلوص هو: ملك البضع من غير مهر لا اللفظ.
والقرائن الحالية قريبة من السياقية وهي لا تنضبط.
القرينة الخارجية
وهي موافقة أحد المعنيين لدليل منفصل من نص أو قياس أو عمل.
ومثال الأول: ما إذا قال أصحابنا: المراد بالقروء الأطهار،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
والدليل عليه قوله تعالى: {يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} فأمر بطلاقهن طلاقا يستعقب عهدتهن ولا تتراخي العدة عنه، ولذلك قرأ ابن مسعود، لقبل عدتهن، وليس ذلك إلا في الطهر لا في الحيض، فإن الطلاق في الحيض حرام.
والحنفية يرجحون احتمالهم بقرينة خارجية أيضا، فيقولون: قال الله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} فجعل الأشهر بدلا عن الحيض لا عن الأطهار، فدل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
أن الحيض أصل في العدة، ألا ترى أنه تعالى قال في التيمم: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} فعلمنا أن الماء هو الأصل، وأن الصعيد بدل عنه.
وأما الثاني وهو موافقة القياس فمثاله: قول أصحابنا وأصحاب الشافعي: إن العدة لما كانت مأمورا بها كانت عبادة من العبادات، والشأن في العبادة أن الحيض ينافيها، ولا تتأدى فيه، فضلا عن ان تتأدى به، ألا ترى أن الصلاة والصيام والطواف لا تصح مع الحيض بخلاف الطهر، فالقياس يقتضي في العدة أنها تتأدي بالطهر لا بالحيض، وإذا كان كذلك وجب حمل القروء في الاية على الأطهار، لا على الحيض.
والحنفية يرجحون احتمالهم أيضا بقياس آخر، وهو أن القصد من العدة استبراء الرحم، والعلامة الدالة على براءة الرحم في العادة إنما هي الحيض لا الطهر، فإن الطهر تشترك فيه الحامل والحائل، والحيض إنما هو في الغالب مختص بالحائل، ولذلك كان الاستبراء بالحيض لا بالطهر، وإذا كان كذلك وجب حمل القروء في الاية على الحيض لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
على الأطهار.
وأما ماوفقته لعمل الصحابة، فمثاله: احتجاج العلماء على وجوب غسل الرجلين بقوله تعالى: {وأرجلكم} بالنصب فيكون معطوفا على قوله: {وجوهكم وأيديكم}.
فيقول المعترض: يحتمل أن يكون معطوفا على الوجه واليدين كما ذكرتم ويحتمل أن يكون معطوفا على الرأس من قولهم: ما زيد بجبان ولا بخيلا، وقول الشاعر:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
معاوي إننا بشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا الحديدا
ومع هذا الاحتمال فلا استدلال.
والجواب عند العلماء: أنه لم ينقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم إلا الغسل لا المسح، فكان ذلك دليلا على ان المراد بقوله تعالى: {وأرجلكم} الغسل، ويكون معطوفا على قوله: وجوهكم وأيديكم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)
المطلب الثالث: في مسائل ذكرها الأصوليون واختلفوا في كونها مجملة أو ليست بمجملة، وهي ست مسائل:
المسألة الأولى: في إضافة الأحكام الشرعية إلى الأعيان، هل يوجب إجمالا أو لا؟
ومثاله: قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم}، وقوله تعالى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)
{حرمت عليكم الميتة} فإنه أضاف التحريم إلى ذات الأم، وذات الميتة، والتحريم حكم شرعي فلا يتعلق إلا بفعل.
وقد اختلف في مثل هذا، هل هو مجمل أو لا؟
والقائلون بأنه مجمل يرون أنه لما استحال تعلق التحريم بالاعيان وجب أن يضمر في الكلام ما يصح أن يتعلق به التحريم، وإذا تعين الإضمار فإما أن يضمر الجميع هو باطل، لأن الإضمار على خلاف الأصل، فلا يضمر إلا بقدر ما تدعو إليه الضرورة، والضرورة لا تدعو إلا إلى ما لا يتم الكلام إلا به، ولا تدعو إلى الجميع، فلا يضمر الجميع، وإنما يضمر البعض، والبعض المضمر: إما معين أو غير معين، والمعين باطل، لأنه ترجيح من غير مرجح لاستواء جميع الأفعال، وإذا بطل أن يكون الفعل المضمر معينا وجب أن يكون غير معين وحينئذ يكون اللفظ مجملا.
والمحققون يرون: أنه ليس بمجمل، ويعينون المضمر بالعرف والسياق: لأن العرف والسياق يدلان على أن المضمر هو المعنى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)
المقصود من الأم وهو الاستمتاع، ومن الميتة هو الأكل.
المسألة الثانية: في الكلام الذي يتوقف صدقه على الإضمار، هل هو مجمل أو لا؟
ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، فإن نفس الخطأ ونفس النسيان واقعان في الأمة، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم واجب الصدق، فلابد من إضمار، والكلام في هذه المسألة كالكلام في التي قبلها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)
والذي يعين ذلك المضمر يقول: العرف في مثل هذا رفع المؤاخذة به، أي لا تؤاخذ أمتي بخطأ ولا نسيان.
المسألة الثالثة: في دخول النفي على الحقائق الشرعية:
مثل: قوله صلى الله عليه وسلم: لا نكاج إلا بولي، ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)
وقد اختلف في ذلك، فمن يرى أنها مجملة يقول: يتعذر نفي هذه الحقائق لأجل أنها توجد بدون هذه الشروط فيتعين الإضمار، فيحتمل أن تضمر الصحة، أي لا نكاح صحيح، ولا صياح صحيح، ويحتمل أن يضمر الكمال، أي لا نكاح كامل، ولا صيام كامل ومع هذا الاحتمال يثبت الإجمال فلا يستدل بشيء من هذه على عدم الصحة.
ومن يرى أنها غير مجملة: منهم من يمنع الاحتياج إلى الإضمار، لأن هذه لما كانت حقائق شرعية صح تعلق النفي بها، وما يوجد منفكًا عن الشروط فليس بنكاح شرعي، ولا صيام شرعي.
ومنهم من يسلم الإضمار ويقول: يتعين نفي الصحة لأنه إذا انتفت الصحة انتفت الفائدة منه، والعرف في مثل نفي الفائدة كقولهم: لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)
علم إلا ما نفع، وأيضًا: فلما تعذر نفي الحقيقة وجب أن يحمل اللظف على أقرب المجازات، وما يصير الحقيقة كالعدم أولى وأقرب إلى نفي الحقيقة مما لا يصيرها كذلك، وإذا انتفت الصحة كان أقرب إلى نفي الحقيقة، فإضمارها أولى.
المسألة الرابعة: في اللفظ إذا كان يحتمل معنيين إن حمل على أحدهما أفاد فائدة، وإن حمل على المعنى الآخر أفاد فائدتين.
ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: من استجمر فليوتر، فإنه يحتمل أن يتعلق الوتر بالفعل نفسه، ويحتمل أن يتعلق بالجمار، فإن تعلق بالفعل نفسه لم يقتض الوترية في الجمار، لاحتمال أن يستجر بشفع من الجمار وترا، وإن تعلق بالجمار تعين الوتر في الفعل.
وقد اختلف في ذلك، فمنهم من يرى أنه مجمل، ومنهم من يرجح بكثرة الفائدة، والمحققون يرون: أنه مجمل، لأن كثرة الفائدة إنما تكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)
بعد إرادة المعنى الذي يقتضيها، فلا يستدل بكثرة الفائدة عليه وإلا لزم الدور.
المسألة الخامسة: في اللفظ الدائر بين إفادة حكم شرعي وإفادة وضع لغوي
ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: الاثنان فما فوقهما جماعة، وقوله صلى الله عليه وسلم:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)
الطواف بالبيت صلاة، فإنه يحتمل أن يكون ذلك إخبارا منه أن أقل الجمع في اللغة اثنان، وأن الطواف بالبيت في اللغة يسمى صلاة، ويحتمل أن يكون أفاد أن الشرع جعل الطواف بالبيت صلاة، وجعل الاثنين جماعة، فمنهم من يرى أن هذا مجمل للاحتمال الذي فيه، ومنهم من حمله على المحمل الشرعي ورأي أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لتعريف الأحكام الشرعية لا لتعريف الألقاب اللغوية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)
المسألة السادسة: فيما إذا كان للفظ مسمى في اللغة ومسى في الشرع:
ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: توضئوا مما مست النار، فإنه يحتمل أن يكون أراد الوضوء الشرعي، ويحتمل أن يكون أراد الوضوء اللغوي، فمنهم من زعم أنه مجمل لهذا الاحتمال، ومنهم من يرى انه ليس بمجمل، وأنه إنما يحمل على المسمى الشرعي، ولأنه عرف الشارع، وإنما يحمل لفظ الشارع على عرفه.
فهذا تمام الكلام في المجمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 469)
الفصل الثالث: في الظاهر
اعلم أن الظاهر: هو اللفظ الذي يتحلم معنيين وهو راجح في أحدهما من حيث الوضع، فلذلك كان متضح الدلالة، ولاتضاح الدلالة من جهة الوضع أسباب ثمانية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 470)
السبب الأول: الحقيقة وهي في مقابلة المجاز
والحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له كإطلاق لفظ الأسد على الحيوان المفترس، والمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينه وبين ما وضع له، كإطلاق لفظ الأسد على الرجل الشجاع فإذا كان اللفظ محتملا لحقيقته ومجازه فإنه راجح في الحقيقة.
والحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
حقيقة لغوية وفي مقابلتها مجاز لغوي.
وحقيقة شرعية وفي مقابلتها مجاز شرعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 471)
وحقيقة عرفية وفي مقابلتها مجاز عرفي.
أما الحقيقة اللغوية، فمثالها: ما احتج به اصحاب الشافعي وابن حبيب من أصحابنا على أن خيار المجلس مشروع، وذلك بقوله: صلى الله عليه وسلم: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)