وبالجملة: فيحتمل أن الغاية قد وجدت فيرتفع التخيير، ويحتمل أنها لم توجد بعد، فيبقى حكمه مستمرًا، وإذا كان كذلك فالآية مجملة.
والجواب عند أصحابنا: أن أئمة التفسير قد رووا عن ابن عباس: حتى ينزل عيسى بن مريم، وحتى لا يبقى على الأرض مشرك.
واعلم أنه قد يتعين المعنى ويكون اللفظ نصا فيه بالقرائن والسياق لا من جهة الوضع.
ومثاله: ما احتج به أصحابنا على أن بيع الرطب بالتمر، لا يجوز، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم، قال: فلا إذن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
فيقول أصحاب أبي حنيفة: قوله: {فلا إذن} لا يتم إلا بحذف، فقد يكون معناه، فلا يجوز إذن، وقد يكون معناه: فلا بأس إذن، ومع هذا الاحتمال فلا استدلال.
والجواب عند أصحابنا: إن جوابه صلى الله عليه وسلم إنما يطابق سؤال السائل إذا كان المعنى: فلا يجوز لأنه إنما سئل عن الجواز، وأيضا: فقرينة التعليل بالنقص تدل على المنع، إذ النقص لا يكون مناسبًا للجواز، فهذا يوجب القطع بأن المراد أنه لا يجوز.
واعلم أنه قد يحلق بالنص ما يتطرق إليه احتمال غريب نادر، لا يكاد يقبله العقل. ومثاله: ما احتج به أصحاب الشافعي على أن قراءة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
الفاتحة واجبة على المأموم، هو قوله صلى الله عليه وسلم إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن.
فيقول مخالفوهم: يحتمل أن يكون المراد بإلا معنى الواو، فكأنه قال: ولا تقرءوا ولا بأم القرآن، فإن {إلا} قد وردت بمعنى الواو، كما في قوله تعالى: {إلا الذين ظلموا منهم} وكقول الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه … لعمر أبيك إلا الفرقدان
أي ولا الذين ظلموا منهم، ولا الفرقدان، وإذا كان كذلك، كان الحديث محتملاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
والجواب عندهم: أن هذا التأويل البعيد الذي يصير الحديث كاللغز ينفيه قوله بعد ذلك: فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن.
خاتمة: وقد يكون المعترض هو الذي يدعى النصوصية في القول، ويريد بذلك أن يمنع تقييده، كما إذا أراد أصحابنا تعيين فاتحة الكتاب في الصلاة بقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
فيقول أصحاب أبي حنيفة: قد قال تعالى: {فاقرءوا ما تيسر منه}، فالآية نص في إجزاء ما تيسر منه، والحديث قد تضمن زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بأخبار الآحاد لا يجوز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
والجواب عند أصحابنا: أن المطلق ظاهر في معناه لا نص، وإذا كان ظاهرًا جاز تأويله بخبر الواحد.
فهذا تمام الكلام في النص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)
الفصل الثاني في المجمل
قد قدمنا أن المجمل لا يكون متضح الدلالة، إذ لو اتضح مدلوله لم يكن مجملا فينحصر الكلام في المجمل في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول في التعريف بأسباب الإجمال:
اعلم أن الإجمال تابع للاحتمال، والاحتمال في اللفظ: إما في حالة الإفراد، وإما في حالة التركيب.
والاحتمال في حالة الإفراد: إما في نفس اللفظ، وإما في تصريفه، وإما في لواحقه، فهذه ثلاثة أقسام.
والاحتمال في التركيب، : إما في اشتراك تأليفه بين معنيين، وإما بتركيب المفصل وإما بتفصيل المركب، فهذه ثلاثة أقسام.
فجميع أسباب الاحتمال ستة أقسام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)
السبب الأول: الاشتراك في نفس اللفظ
ومثاله: استدلال أصحابنا على أن الاعتداد بالأطهار بقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} والقرء في اللغة الطهر، ومنه قول الشاعر:
وفي كل عام أنت جاشم غزوة … تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مالا وفي الحمد رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
أي من أطهارهن بسبب الغزو.
فتقول الحنفية: لفظ القراء يحتمل الحيض بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: دعي الصلاة أيام أقرائك، وإنما المراد: أيام الحيض لا أيام الطهر.
والدليل على ثبوت الاشتراك بين المعنيين لغة اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، وهم أهل اللغة.
فإن كان المبتديء بالاستدلال أصحابنا فعليهم بيان أن اللفظ أرجح في الطهر منه في الحيض، فمنهم من رجح بما ذكره ابن الأنباري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
وهو: أن القرء مفردًا يحتمل الطهر والحيض، فإن جمع على أقراء فالمراد به الحيض كقوله صلى الله عليه وسلم: دعي الصلاة أيام أقرائك، وإن جمع على قروء فالمراد به الطهر كقوله الشاعر:
لما ضاع فيها من قروء نسائكا
ولما جمع القرء في الآية على قروء دل على أن المراد به الطهر لا الحيض.
والحنفية يقدحون في هذا ويقولون: لو صح هذا لما اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، فإنهم أهل اللغة، وأعرف بها، فلما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
اختلفوا دل ذلك على بقاء الاحتمال حالة الجمع، كما كان حالة الإفراد، وقد قال الشاعر:
يارب ذي ضغن وضب فارض … له قروء كقروء الحائض
السبب الثاني: التصريف
ومثاله: احتجاج بعض أصحابنا على أن الحضانة في الولد حق له لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
لها بقوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها} فنهى المرأة عن أن تضر بالولد، فدل على أن الحق له عليها.
فيقول من زعم غير ذلك من أصحابنا: يحتمل أن يكون ذلك لا تضارر بكسر الراء فيصح الاستدلال، ويحتمل أن يكون لا تضارر بفتح الراء فيكون الفعل مبنيا لما لم يسم فاعله فلا يصح الاستدلال.
والجواب عند الأولين: أن احتمال الفاعلية متعين، لأن الخطاب حينئذ يتعلق بمعين، وأما على الاحتمال الثاني فيتعلق الخطاب بغير معين لكن المأمور والمنهي من شرطه أن يكون معينًا لا مبهمًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
السبب الثالث: اللواحق: من النقط والشكل
ومثاله: احتجاج أصحابنا على المنع من بيع ذهب وعرض بذهب بحديث فضالة بن عبيد: أن رجلا سأل رسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ابتعت قلادة فيها خرز وذهب بذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حتى تفصل، فأمر بالتفصيل ونهي عن البيع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
مجملا، فدل على أن بيع سلعة وذهب بذهب لا يجوز.
فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا الحديث قد ورد في رواية أخرى: حتى تفضل بالضاد المعجمة مخففة، أي يكون في الذهب فضل على مقدار الذهب المضاف مع السلعة، ولما كانت القصة واحدة، علمنا أن اللفظين معا لم يصدرا عن النبي صلى الله عليه وسلم لتنافي معنييهما، وأن اللظف الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم واحد معين في نفسه مجهول عندنا فلا يحتج به.
والجواب عند أصحابنا: أن رواية الصاد غير المعجمة أصح عند المحدثين، وهي المحفوظة عندهم، ويعضدها ما روى من طريق آخر أنه قال: {لا حتى تميز} فوجب أن تكون إحدي الروايتين مفسرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)
للأخرى، ثم إن رواية الضاد المعجمة تستلزم زيادة النقطة، والأصل عدمها.
ومثاله أيضا في التغيير بالحركة: احتجاج الشافعية على أن بيع الحنطة في السنبل لا يجوز، بما روى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع الحب حتى يفرك، أي يخرج من سنبله.
فتقول الحنفية: قد نقل في رواية أخرى: {حتى يفرك} أي يطعم ويبلغ حد الأكل، وإذا اختلفت الرواية واللفظ واحد ثبت الاحتمال في اللفظ، فوجب أن لا يحتج به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
والجواب عند الشافعية: أن الروايتين تحملان على التعدد في الأخبار، وحينئذ نقول بالموجب فيهما معًا.
السبب الرابع: اشتراك التأليف
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن للأب أن يسقط نصف الصداق المسمى عن الزوج إذا طلق قبل البناء، بقوله تعالى: {أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح} والذي بيده عقدة النكاح، هو الولي في وليته.
فيقول أصحاب الشافعي: هذا التأليف مشترك بين الزوج والولي، لأن الزوج أيضا يصدق عليه أنه الذي بيده عقدة النكاح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
والجواب عند أصحابنا: أن نسق الآية يدل على أنه الأب، لأن ذلك كله مستثني من قوله: {فنصف ما فرضتم} أي فالواجب نصف ما فرضتم إلا أن يقع عفو من المرأة إن كانت مالكة أمر نفسها، أو من وليها إن كانت في حجره.
السبب الخامس: تركيب المفصل
ومثاله: احتجاج أصحاب أبي حنيفة على جواز الوضوء بنبيذ التمر، بقوله صلى الله عليه وسلم: تمرة طيبة وماء طهور، فحكم على النبيذ بأنه ماء طهور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
فيقول أصحابنا: هذا اللفظ يحتمل أن يكون المراد به التركيب، أي مجموع من تمرة طيبة ومن ماء طهور، لا أنه بعد المزج والتركيب يصدق عليه أنه تمرة طيبة وانه ماء طهور، ألا ترى أن الخمسة تركبت من زوج وفرد، أي من اثنين وثلاثة، ولا يصدق كل واحد منهما بانفراده على الخمسة، إذ لا يصدق على الخمسة أنها زوج، وكما تقول في المز، إنه حلو حامض فإنه يصدق هذا الكلام على المز ولا يصدق عليه انه حلو وحده، ولا أنه حامض وحده، فثبت أن اللفظ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
قد يصدق حالة التركيب على معنى لا يصدق عليه حالة التفصيل، فمن الجائز أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم، تمرة طيبة وماء طهور، مما يصدق مجموعا ولا يصدق مفردا، ولا يتم الاستدلال به إلا إذا كان يصدق مفردًا.
والجواب عند الحنفية: إن الحديث يعين أن المراد به التفصيل لا التركيب بدليل ما روي أنه صلى الله عليه وسلم: توضأ به.
السبب السادس: تفصيل المركب
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الاقتصار على مسح الناصية وحده لا يجوز، وان المسح على العمامة وحده لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
يجوز بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى العمامة، فلو كفاه المسح على الناصية لاقتصر عليه، ولو كفاه المسح على العمامة لاقتصر عليه.
فيقول أصحاب أحمد بن حنبل، ومن يخالفنا في هذه المسألة:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
يحتمل أن يكون هذا في وضوء واحد، ويحتمل أن يكون من وضوءين، مسح بناصتيه في وضوء ومسح على العمامة في وضوء، ومع هذا لا دليل على المنع من الاقتصار على أحدهما.
والجواب عند أصحابنا: أن المغيرة راوي الحديث ذكر أنه وضوء واحد.
فهذه جملة أسباب الاحتمال في اللفظ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)