وقال الشافعي له الأخذ من غير جنسه حتى العقار واستحسن متأخر فقهائنا هذه الرواية لفساد القضاة وأخذهم الرشى في الحكم [قال الدين مقضي] اختار في العارية لفظ الأداء لأن الدين إنما يؤخذ لأداء مثله ولا يؤتي عين ما أخذ ولا كذلك العارية فإنها مؤداة بعينها [قال قتادة ثم نسى الحسن] والأصل أن الحسن لم ينس الرواية بل فهم قتادة رواية الحسن على غير فهم الحسن فإن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله العارية مؤداة وقوله على اليد ما أخذت هو أن الشيء المستعار يرد بعينه ولا يجوز أن يبدله من عنده أو يحبسه عنه فلا يعطيه وأنت تعلم إن أداه بعينه يستدعي بقاءه وأما إذا هلك فلا يجب عليه أن يضمنه لأن يده على العارية يد أمانة لا يد ضمان فلم يك رواية الحسن خلافًا لفتواه نعم فهم قتادة بينهما خلافًا فنسب الحسن إلى النسيان وأما إذا خالف المستعير أمر المعير فلم يبق عارية بل صار مغصوبًا يجب عليه ضمانه والقرينة على ذلك أنه إذا ضمنها فإنه لم يرد إلا مثلها ولما لم يبق العارية عارية وانقلبت غصبًا فإن وجوب المثل حينئذ لا ينافي الرواية لأنها لم تتعرض بذكر الغصب فإن المذكور فيها مسألة العارية فقط، والله أعلم.
[باب ما جاء في الاحتكار]
اعلم أن الاحتكار منهي عنه إذا حبس أقوات الأناس أو الدواب عند افتقارهم إليها أو اشتراها وهم كذلك ثم لم يبعها أو اشتراها لا لضرورة له إليها بل لربح فيها لغلاء ثمنها أو اشتراها وانتظر غلاءها ليبيعها غاليًا وأما إذا عدم الأمران فلا يكره إلا أن الآخذين من سعيد حملوا اللفظ على عمومه فسألوا عن احتكاره فقال إن أستاذي كان يحتكر وهو صحابي عامل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم فعلم بذلك أن كل أنواع الاحتكار غير منهي عنه وهذا الجواب كاف لكل من حضر ثمة من العوام والخواص ثم بين حقيقة الأمر في وقته وهو تخصيصه بما يفتقر إليه فالمدار في النهي تعينه لتسني (1) حوائج الناس أو الدواب، وما لم يتعين له جاز--------------------------------------------
(1) قال المجد تسنى زيد تسهل في أموره.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 317)
الاحتكار فيه واحتكار الخبط لم يدخل فيه لأنه غير محتاج إليه احتياج الناس إلى الطعام مع أن في ورق الخبط كثرة.
[باب في اليمين الفاجرة]
قوله [فقال ليهودي احلف] فعلم أن المدار في الدعاوي للكافر والمسلم هو البينة أو اليمين فحسب، والله أعلم.
[باب ما جاء إذا اختلف البيعان]
والمراد به الاختلاف في الثمن كما وقع لابن مسعود (1) حين ذكر الرواية وظاهر الحديث الوارد في الباب مخالف لما ذهب إليه الإمام من أنهما يتحالفان عند اختلافهما ويترادان، وقال الشافعي القول قول البائع في قدر الثمن إذا اختلفا فيه ويحلف فإذا (2) حلف خير المشتري في أخذه بذلك الثمن الذي ادعاه أو فسخه والجواب أن ابن مسعود لم يذكر ههنا--------------------------------------------
(1) فقد أخرج أبو داؤد قال اشترى الأشعث رقيقًا من رقيق الخمس من عبد الله بعشرين ألفًا فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم فقال إنما أخذتهم بعشرة آلاف فقال عبد الله فاختر رجلاً يكون بيني وبينك قال الأشعث أنت بيني وبين نفسك قال عبد الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان.
(2) قال الخطابي اختلف أهل العلم في هذه المسألة فقال مالك والشافعي يقال للبائع احلف بالله ما بعت سلعتك إلا بما قلت فإن حلف البائع قيل للمشتري إما أن تأخذ السلعة بما قال البائع وإما أن تحلف بما اشتريتها إلا بما قلت فإن حلف برئ منها وردت السلعة إلى البائع وسواء عند الشافعي كانت قائمة أو تالفة فإنهما يتحالفان ويترادان وكذلك قاله محمد بن الحسن ومعنى يترادان أي قيمة السلعة عند الاستهلاك وقال النخعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف القول قول المشتري مع بمينه بعد الاستهلاك وقول مالك قريب من قولهم بعد الاستهلاك في أشهر الروايتين عنه، إلخ، هكذا في البذل وقال محمد في موطأه بعد ما أخرج عن ابن مسعود بلاغًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما بيعان تبايعًا فالقول قول البائع أو يترادان قال محمد وبهذا نأخذ إذا اختلفا في الثمن تحالفا وترادا البيع وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا إذا كان المبيع قائمًا فإن كان المشتري قد استهلكه فالقول ما قال المشتري في الثمن في قول أبي حنيفة، وأما في قولنا فيتحالفان ويترادان القيمة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 318)
الحديث بتمامه وفي لفظ الحديث إنهما يتحالفان ويترادان (1) إلا أن ابن مسعود لم يذكره لعدم الافتقار إليه ووجه ذلك أنه كان باع عبدًا من أحد فاختلفا في الثمن فخلف عبد الله بن مسعود وبين الرواية فقال المشتري إني لا اشتريه فسكت عن ذكر سائره ولو أصر المشتري على الشراء بذلك الثمن الذي ادعاه عبد الله لوصلت النوبة إلى الحاكم، وبينه ابن مسعود، وهذا هو المذهب عندنا أن المشتري لو رضى بقول البائع لأدى ذلك الثمن ولو رد البيع رده، وأما إذا أصر على أخذه بغير الثمن الذي يدعيه البائع تحالفًا وترادًا وذلك لأن كلا منهما منكر فالمشتري ينكر زيادة الثمن والمدعي للزيادة ينكر استحقاق المشتري بذلك الثمن.
[باب ما جاء في بيع فضل الماء]
اعلم أن الماء إن كان من غير البيئر وأمثاله فكل الناس يشتركون فيه قبل الإحراز، وأما بعد الإحراز فهو أخص به من غيره، وأما ماء (2) البيئر وما في حكمه فصاحبه أحق به من غيره ما--------------------------------------------
(1) خرج هذه الروايات في حاشية موطأ محمد.
(2) قال صاحب الكنز، وفي الأنهار المملوكة والآبار والحياض لكل شربه وسقى دوابه لا ارضه وإن خيف تخريب النهر لكثرة البقور يمنع، قال الزيلعي: سقى الأرض بمنع صاحب الماء عنه وإن لم يكن عليه بذلك ضرر وهو المراد بقوله لا أرضه لأن في إباحة ذلك إبطال حق صاحبه إذ لا نهاية لذلك فيذهب به منفعته فيلحقه به ضرر، ولا كذلك شربه وسقى دابته لأنه لا يلحقه بمثله ضرر عادة حتى لو تحقق فيه الضرر بكسر ضفته أو غيره كان له المنع وهو المراد بقوله وإن خيف تخريب النهر لكثرة البقور يمنع لأن الحق لصاحبه على الخصوص، وإنما أثبتنا حق الشرب لغيره للضرورة فلا معنى لإثباته على وجه يتضرر به صاحبه إذ به تبطل منفعته والشفة إذا كانت تأتي على الماء كله بأن كان جدولاً صغيرًا وفيما يرد عليه من المواشي كثرة ينقطع الماء عنه، اختلفوا فيه، قال بعضهم لا يمنع منه لإطلاق الحديث، وقال أكثرهم له أن يمنع لأنه يلحقه ضرر بذلك كسقي الأرض، انتهى ملخصًا بقدر الحاجة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 319)
احتاج إليه وليس له بعد ذلك فيه استحقاق ولذلك منع صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء دون أصله فقوله نهى عن بيع الماء إن كان المراد به الغير المحرز منه فالنهي على ظاهره وهو التحريم، وإن كان المراد به الماء بعد الإحراز فالنهي تنزيه وتعليم لأمته مكارم الأخلاق، قوله [والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أنهم كرهوا] إلخ، ظنًا منهم أن النهي عام والآخرون جوزوا البيع مطلقًا والحق ما قلنا.
قوله [لا يمنع فضل الماء إلخ] صورته رجل له مرعى وفيه بئر فأراد رجل أن يرعى فيه إبله فلم يمنعه مالك الأرض عن الرعي صراحة، وإنما تلطف في المنع بأن قال أما الكلاء فلا أمنعكم عن رعيه، وأما الماء فلا يفضل عن حاجتي حتى آذنكم فيه، والحال أنه قد كذب في هذا القول، وكان ذلك حيلة منه في منعه الكلاء فإنهم لما لم يجدوا الماء لم يرعوا الكلاء فإن الأكثر أن رعى الكلاء لا يمكن إلا ومعه سقى الماء فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ارتكاب مثل ذلك لما فيه من منع الكلاء وفضل الماء المحرمين وإخبارهم عن حال الماء أنه لا يفضل عن حاجته، وهو كذب وإنما يرتكب مثل ذلك لما أن رب الأرض الكالية (1) أسوة لسائر الناس--------------------------------------------
(1) يشكل عليه أن أصحاب الفروع صرحوا بأن حكم الكلاء والماء واحد ففي الدر المختار وحكم الكلاء كحكم الماء فيقال للمالك إما أن تقطع وتدفع إليه وإلا تتركه ليأخذ قدر ما يريد قال ابن عابدين الكلاء ما ينبسط وينتشر ولا ساق له كالأذخر ونحوه والشجر ماله ساق، والكلام في الكلاء على أوجه أعمها ما نبت في موضع غير مملوك لأحد فالناس فيه شركاء في الرعي والاحتشاش منه كالشركة في ماء البحار وأخص منه ما نبت في أرض مملوكة بلا إنبات صاحبها، وهو كذلك إلا أن لرب الأرض المنع من الدخول في أرضه وأخص من ذلك كله وهو أن يحتش الكلاء أو أنبته في أرضه فهو ملك له وليس لأحد أخذه بوجه لحصوله بكسبه، انتهى، قلت: اللهم إلا أن يقال إن في البئر لما وجد منه الصنع صار مقدمًا بخلاف الحشيش فلا صنع له فيه فلا ترجيح له وترجم البخاري في صحيحه باب من قال صاحب الماء أحق بالماء حتى يروي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع فضل الماء، وفي هامشه عن العيني، قال ابن بطال لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروي، انتهى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 320)
ويشاركونه في الكلاء على السواء فلا حق لرب الأرض إلا فيما له ساق من الشجر أو ما ينبت بعلاجه وبذره، وأما شركتهم في الماء فمنوطة بزيادة الماء على حاجته وإذا لم يزد عليها فهو أحق به من غيره فرأى أنه لو منعهم من الكلاء لم يمتنعوا لما أنه ليس له حق المنع عنه شرعًا فاحتال بذلك.
[باب ما جاء في كراهة عسب الفحل]
أي التيس ووجه الكراهة عدم تمول (1) ما يلفي في رحمها، قوله [فرخص له في الكرامة] وهذا جائز ما لم يكن--------------------------------------------
(1) ففي الهداية لا يجوز أخذ أجرة عسب التيس، وهو أن يواجر فحلا لينزو على إناث لقوله عليه السلام إن من السحت عسب التيس والمراد أخذ الأجرة، وفي هامشه عن الكفاية فاته أخذ المال لمقابلة ماء مهين لا قيمة له والعقد عليه باطل لأنه يلتزم ما لا يقدر على الوفاء به، وهو الأحبال فإن ذلك ليس في وسعه، وهو يبتني على نشاط الفحل أيضًا، قال الشوكاني أحاديث الباب تدل على أن بيع ماء الفحل وإجارته حرام لأنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه وإليه ذهب الجمهور، وفي وجه للشافعية والحنابلة، وبه قال الحسن وابن سيرين، وهو مروي عن مالك أنها تجوز إجارة الفحل للضراب مدة معلومة، وأحاديث الباب ترد عليهم لأنها صادقة على الإجارة، انتهى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 321)
معروفًا وإذا صار معروفًا عند قوم فالمعروف كالمشروط، قوله [حلوان الكاهن] الحلوان هو الشيء الحالي وحرمته على معنى معصيته الإخبار عن الغيب وهو كذب فيكون معصية ويدخل فيه ما كان مثله في الأخذ على ما لا يجوز ارتكابه، قوله [فرخص بعضهم في ثمن كلب الصيد] فمذهب الشافعي حرمته مطلقًا، ومذهب ذلك البعض حرمة ثمن الكلب غير الصيد ومذهب الإمام جوازه مطلقًا لما مر (1) من أن حرمة ثمنها كانت لما أمر بقتل الكلاب ونهى عن اقتنائها فلما رخص في اقتنائها انتسخت حرمة ثمنها، أو النهي تنزيهي كثمن الهرة (2).
[باب ما جاء في كسب الحجام]
قال بعضهم كسبه خبيث وحرام بعد، وقال الآخرون بل انتسخت حرمته لما احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وآتاه على ذلك صاعين ولو كان حرامًا لما فعل، وقد كلم مواليه فوضعوا عنه وكان كسبه من ذلك ولو كان حرامًا لما رخصهم في أكل خراجه مطلقًا، وقد يثبت بلفظ وضعوا من خراجه أنهم كانوا يأكلون خراجه الحاصل بالحجامة قبلاً وبعدًا وهذا جواب عما يقال آتاه النبي صلى الله عليه وسلم ما أتى من غير اشتراط ويمكن توجيه الحديث بحيث لا يفتقر إلى--------------------------------------------
(1) في أبواب النكاح مفصلاً.
(2) قال الشوكاني، في الحديث دليل على تحريم بيع الهر، وبه قال أبو هريرة ومجاهد وجابر بن زيد، وذهب الجمهور إلى جواز بيعه، وأجابوا عن الحديث بالضعف وقد عرفت دفع ذلك، وقيل يحمل على كراهة التنزيه ولا يخفى أن هذا إخراج للنهي عن معناه الحقيقي، انتهى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 322)
القول بالنسخ، وهو أن الكسب في قوله عليه السلام كسب الحجام خبيث ليس بمعنى المال المكتسب، وإنما هو المعنى المصدري المعبر عنه بالحرفة فكان المعنى أن هذه الحرفة دنيئة لتلطخ فيه الدماء لا باعتبار ما يحصل فيه من المال ولذلك لم ينه أبا طيبة عن الاشتغال بها لكونه عبدًا فكانت هذه الخباثة خباثة مقابلة بالنظافة واللطافة والشرافة لا خباثة تقابل الحلة والطهارة، والقرينة على ما قلنا قول ابن محيصة في حديث الباب فلم يزل يسأله ويستأذنه أفترى صحابيًا أو غيره من المسلمين يصر على الشارع عليه السلام في تحليل ما حرمه على أمته فلم يكن بد من أن يقال إن محيصة لما نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن الكسب المسئول عنه علم بقرائن خارجة موجودة ثمة أو بما سمعه منه قبل هذا أن نهيه عليه السلام عنه ليس إلا لأنه لا يناسب حالي وإن كان حلالاً حاصله فلما أصر عليه رخصه في شيء يسير منه بقدر ما يطعم رقيقه أو يعلفه ناضحه منعًا له عن الاشتغال بذلك لسائر اليوم إذ العادة أن المرء لا يأخذه سآمة عن تحصيل المال لنفسه ولأهله فلا يقنع بيسير ولا بكثير، وأما العبيد (1) والاماء وكذلك الدواب فلا يسعى لهم إلا بما يفتقرون إليه فحسب فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن آخر أمره لو قلت ذلك يكون الترك فأمره بارتكابه بذلك الشرط لتلك الفائدة مع أنه لا يمكن أن يكون المال الحاصل بكسب الحجامة حلالاً للعبد حرامًا للمولى.
قوله [نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب والسنور] إن كان المراد التنزه عن ثمنيهما فالأمر ظاهر وإن كان التحريم في الكلب والتنزيه في السنور فإرادة المعنيين معًا بلفظ واحد مشكل، والجواب أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنهما منفردًا كلاً منهما عن الآخر فكان أحدهما تنزيهًا والآخر تحريمًا، ثم لما رواهما الراوي أوردهما معًا للاشتراك في اللفظ لا غير مع أنه يصح على عموم المجاز بإرادة معنى أعم من--------------------------------------------
(1) حكى الشوكاني في النيل تحريم كسب الحجام عن بعض أصحاب الحديث وحكى القارئ في شرح الشمائل عن أحمد التفريق بين الحر والعبد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 323)
التنزيه والتحريم، والجواب عن ثمن الكلب ما مر أن حرمته منسوخة، قوله [نهى عن أكل الهر وثمنه] والجواب عن استعمال اللفظ في معنييه ما سبق آنفًا.
[ولا يصح إسناده أيضًا] كأنه يشير إلى تضعيف استثناء كلب الصيد لمخالفته مذهبه، والجواب أن تعدد الطرق جابر لضعفه، قوله [وثمنهن حرام] أي ما كان منه على غنائها فإن المأخذ منظور إليه في الحكم على المشتق ولا يحرم الثمن إذا باعها من غير نظر إلى وصف غنائها، قوله [من فرق بين والدة وولدها] ثم استنبط المجتهدون (1) -شكر الله سعيهم- أن المحرم قرابة مطلقة لا خصوص الولاء وإلا أنه يشترط كونها موجبة لحرمة الازدواج وإن موجب الترحم هو الصغر فلا بأس بتفريق الكبيرين لأنه لم يدخل تحت قوله من لم يرحم صغيرنا، ولما ثبت من تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين مارية أم ولد النبي صلى الله عليه وسلم وأختها (2) أم عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وقوله [وهب لي غلامين] قد ثبت بالرواية أنهما كانا صغيرين (3).--------------------------------------------
(1) قال الشوكاني: في أحاديث الباب دليل على تحريم التفريق بين الوالدة والولد وبين الأخوين أما بين الوالدة والولد فحكى أنه إجماع، واختلف في انعقاد البيع فذهب الشافعي إلى أنه لا ينعقد، وقال أبو حنيفة وهو قول للشافعي ينعقد، وأما بقية القرابة فذهبت الحنفية إلى أنه يحرم، وقال الشافعي لا يحرم، انتهى.
(2) بياض في الأصل، ولعله وقع تردد في اسمها وفي الهداية قد صح أنه صلى الله عليه وسلم فرق بين مارية وسيرين وكانتا أمتين أختين، انتهى، قلت: وفي شروح الهداية مارية هي أم إبراهيم أم ولده صلى الله عليه وسلم وسيرين وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت وهي أم عبد الرحمن بن حسان، انتهى.
(3) كما ذكره صاحب الهداية إلا أن الحافظين الزيلعي وابن حجر لم يذكرا فيما خرجاه من الروايات لفظ الصغيرين، ولم يتعقبا صاحب الهداية أيضًا فتأمل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 324)
قوله [وقد كره بعض أهل العلم التفريق بين السبي مطلقًا] سواء كان بينهم قرابة أم لا وصغارًا كانوا أو كبارًا، وأنت تعلم ما فيه من الحرج ومخالفة فعله صلى الله عليه وسلم وما تعاملته الصحابة والتابعون أفلا تراهم كانوا يقتسمون على حسب انصبائهم السبي كالأموال وإنما غرهم عموم قوله صلى الله عليه وسلم المذكور من قبل قوله [رخص بعض أهل العلم بالتفريق بين المولدات إلخ] لما أنهم يستأنسون بصبيان المسلمين ورجالهم ونسائهم فلا يتضررون بمفارقة آبائهم وأمهاتهم وأقاربهم الأخر، قوله [إني قد استاذنتها] لعل الولد كان كبيرًا فلم يحتج إلى عدم التفريق لأجله لكونه قد استغنى عنها فكان له بيعه من غير رضاء الأم والولد شرعًا إلا أنه امتن على الأم وأراد أن لا يفرقهما لو كانت تستضر بذلك، فلما أذنت فرق بينهما بأذنها استحسانًا واحتياطًا، وإذنها دليل أيضًا على أنه كان كبيرًا إذ لولا ذلك لما أذنت، قوله [أن الخراج بالضمان] تفسيره مستغن عن البيان فإن العبد إذا دخل في ضمانه فلو هلك بعد ذلك هلك من ماله فهذا الغرم بذلك الغنم، قوله [من حديث هشام بن عروة] يعني أن الغرابة جاءت فيه من قبله واستغرب (1) محمد هذا الحديث بحجة أنه ظن أن عمر بن علي تفرد فيه وظنه هذا غير صحيح، لما أن مسلمًا وجريرًا يرويانه عن هشام ولو نقض في جرير لبقى الآخر سالمًا.
[باب ما جاء في الرخصة في أكل الثمار للمار بها]
هذا مبني على عرف الأنصار أنهم كانوا لا يمنعون عن ذلك فكل موطن يحكم فيه على عرف أهله والأنصار كانوا لا يمنعون أحدًا أكل الساقط والجائع عن أكل المعلق أيضًا، وكل ما قال المؤلف من الأقوال ههنا فهي مبنية على أن عرف بلدان قائليها كان كذلك وكل بلدة رخص أهلها في الساقط، والمعلق للجائع والشبعان كان الحكم الجواز هناك،--------------------------------------------
(1) قال الحافظ: في بلوغ المرام الحديث ضعفه البخاري وأبو داؤد وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم وابن القطان، انتهى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 325)
قوله [لا ترم وكل إلخ] علم من حاله بقرائن موجودة هناك أنه ليس فيمن يجوز له أكل المعلق بالجوع.
[باب ما جاء في الثنيا]
قوله [نهى عن المحاقلة والمزانبة والمخابرة والثنيا إلا أن تعلم] أما المحاقلة والمزابنة فقد مر (1) تفسيرهما والمخابرة هي المزارعة (2) وهي عقد على الزرع ببعض الخارج، ومما استدل به الإمام على نهيه هذا الحديث فلا سبيل عند الإمام إلا إجارة الأرض أو استيجار الإنسان والدواب، وقال صاحباه هي جائزة لما أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع والذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم كان يكون مشروطًا بشروط فاسدة لا يقتضيها العقد كاستثناء ما يخرج على الجداول والسواقي إلى غير ذلك، لا مطلق المزارعة، وقوله أحوط (3) لكن الفتوى على قولهما لكثرة الاحتياج إلى المزارعة، وأما الثنيا فهي أقسام استثناء جزء شائع كالنصف والثلث واستثناء تخل معين أو تخلات كذلك واستثناء أرطال (4) معلومة، وهذا القسم الثالث--------------------------------------------
(1) في باب النهي عن المحاقلة والمزابنة.
(2) قال صاحب الهداية، المزارعة مفاعلة من الزرع وفي الشريعة عقد على الزرع ببعض الخارج وهي فاسدة عند أبي حنيفة، وقالا جائزة لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع وله ما روى أنه عليه السلام نهى عن المخابرة وهي المزارعة ومعاملة النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح وهو جائز، انتهى مختصرًا.
(3) يعني قول الإمام أحوط لكونه موافقًا لحديث قولي صريح نص في الباب ولو سلم التعارض فالترجيح للمحرم أيضًا يؤيده.
(4) ففي الدر المختار ما جاز إيراد العقد عليه بانفراده صح استثناؤه منه إلا لوصيته بالخدمة فصح استثناء قفيز من صبرة وشاة معينة من قطيع وأرطال معلومة من بيع ثمر نخلة لصحة إيراد العقد عليها، انتهى، وبحث فيه ابن عابدين فارجع إليه لو شئت.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 326)
لا يجوز إلا إذا علم بيقين أنه يفضل من ذلك المبيع للمشتري بقية بعد إخراج ذلك المقدار، وأما إذا لم يعلم فلا يجوز والقسمان الأولان جائزان من غير تفصيل، وما وراء ذلك المذكور من الصور الثلاث فهو غير جائز.
[باب كراهية بيع الطعام حتى يستوفيه]
فقد سبق ذكره مفصلاً إلا أن الذي ينبغي التنبيه له أن قول ابن عباس، وأحسب كل شيء مثله، يشير إلى أن المفهوم غير معتبر عنده إذ لو كان المفهوم معتبرًا لم يقل وأحسب كل شيء مثله بل نفى الحرمة عن غير الطعام وفيه شبهة وهي أن الأمر لو كان كذلك لما ذهب أحد من أصحاب المفهوم إلى حرمته في غير الطعام مع أنه ليس كذلك فلعلهم رأوا في ذكر القيد فائدة أخرى فلا يفتقر إلى القول بالاحتراز إذ أصحاب المفهوم أيضًا لا يذهبون إلى مفهوم المخالفة إلا إذا لم يظهر لذكر القيد فائدة أخرى.
[باب ما جاء في النهي عن البيع على بيع أخيه]
المراد بحديث السوم وحديث البيع واحد وهو الاستيام على استيامه، وهو مقيد بما إذا ركن أحدهما على الآخر كما سبق، وأما البيع على بيع أخيه كما هو مدلول ظاهر ألفاظ الحديث فغير مقدور له إذ قد نفذ فيه ملك المشتري الأول.
[باب ما جاء في بيع الخمر إلخ] سبق بعض تفصيله (1)، وأما كسر الدنان فكان لتشديد أمرها وتوكيد نفرتها وحرمتها أو لأن الخمر يتشرب في الدنان فخاف أن ينقعوا فيه التمر ثم يشتد لأثر الخمر فيضنوا به (2) جريًا على اعتياد نفوسهم بشربها وكثرة رغباتها في الطباع.--------------------------------------------
(1) أي ما يتعلق بأمر إهراق الخمر مع كونه ليتيم فقد تقدم قريبًا في باب النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر ببيعها.
(2) هكذا في الأصل، قال المجد: ضي كرضي ضننًا وضن كحرى وحر ومرض مرضًا مخامرًا كلما ظن برؤه نكس، انتهى (وفي لغات الصراح ضنى (روكي هونا) أي لم يبرحوا معتادين بشرب الخمر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 327)
قوله [وهذا أصح] يعني أن رواية أنس قصة أبي طلحة هو الأصح لا كما رواه الليث من رواية أبي طلحة قصة نفسه لأنس (1) ولعل الوجه في كونها أصح كثرة من روى هذا الحديث موافقًا لرواية سفيان دون الليث، ولكن الجمع بينهما ممكن بحيث لا يكون مدلول أحد السندين مخالفًا لما دل عليه السند الآخر، وهو أن معنى قوله عن أبي طلحة عن قصته وحاله لا أنه روى عنه، قوله [عاصرها] المرتكب لفعل العصر والمعتصر من يرتكب له والظاهر أن العاصر من يرتكب العصر لغيره والمعتصر لنفسه، وفي حكم العاصر كل من اهتم لأمرها وسعى في إعدادها، فأما الأجير لحملها فلم يوجدها ولا هو ساع في إيجادها فلا يقاس أحدهما على الآخر، والحامل هو الحامل ليشرب فلا يدخل فيه من استأجره (2) ذي ليحمل خمره إلى بلدة كذا لما أنه لم يحمل لذلك، وإن لم يخل فعله هذا عن كراهة إلا أنه لا يحرم عليه أجرته.
[باب ما جاء في احتلاب المواشي بغير إذن الأرباب]
هذا كما تقدم في أكل الثمار مبني على عرف الأنصار فإنهم كانوا لا يمنعون المسافر، ولا الجائع عنه إلا إن لفظ الحديث يشير إلى أن استعمال ملك الغير لا يجوز من غير إذنه غير أن--------------------------------------------
(1) قلت: وفي متن الروايتين أيضًا فرق وهو أن في الحديث الأول كان شراء أبي طلحة، وفي الثاني كان موجودًا عنده، قال الزيلعي وأخرج مسلم عن أنس أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرًا قال أهرقها، الحديث.
(2) ففي الدر المختار جاز حمل خمر ذي بنفسه أو دابته بأجر لا عصرها لقيام المعصية بنفسه، انتهى، وذكر صاحب الهداية الخلاف في ذلك بين الإمام وصاحبيه فقال يطيب له الأجر عند الإمام، وقالا يكره له ذلك للحديث وله أن المعصية في شربها وهو فعل فاعل مختار، وليس الشرب من ضرورات الحمل، والحديث محمول على الحمل المقرون بقصد المعصية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 328)
الأمر والإذن قد يكون صراحة وقد يكون دلالة والأول هو الأول والأولى فعليه أن يجهد لتحصيل صريح الإذن لأصالته، وإذا علم أن ليس هناك أحد يستأذنه يكتفي بدلالة إذن العرف ولا يجوز الإقدام عليه فيمن ليس لهم عرف في الإذن إلا أن المضطر يشرب منه ويضمن.
[باب ما جاء في بيع جلود الميتة والأصنام]
عطف على الجلود وبيعها حرام إذا باعها لكونها أصنامًا، وأما إذا باعها لغير ذلك كمن باع حطبًا وفيه أصنام خشب فالبيع جائز إذا باع بثمن الخشب والحطب لأنه لم يبع أصنامًا إلا أن يبيعه ممن يعلم أنه يعظمه أو يعبد، قوله [قيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة إلخ] إنما سألوا عن ذلك بعد العلم بأن حرمة الانتفاع بالميتة توجب حرمة الانتفاع بسائر أجزائها لما علموا أن بعض أجزاء الميتة جائز استعمالها كاهليها (1) وعظامها فلعل الحكم في الشحم يكون هو الجواز كيف وهم يفتقرون إليه في كثير من الأمور مع ما رخص الشارع في إحراق بعض النجاسات كإحراق الخثي والروث والبعر والاستصباح بالدهن (2) الذي تنجس بوقوع نجس فيه، وحاصل الجواب أن جواز الانتفاع موكول على زوال الرطوبات النجسة ولا يمكن زوال الرطوبة من الشحم ثم أكد النبي صلى الله عليه وسلم أمر حرمة الانتفاع بالميتة وأجزائها، بقوله [قاتل الله إلخ] لما أن الغالب عليهم أن يرتكبوا مثل ما ارتكبت اليهود--------------------------------------------
(1) أي بعد الدبغ فإنه لا يجوز استعماله قبل الدبغ عند الجمهور.
(2) ففي الدر المختار عن المجمع ونجيز بيع الدهن المتنجس والانتفاع به في غير الأكل بخلاف الودك، قال ابن عابدين: قوله نجيز أشار بالفعل المضارع بضمير الجماعة إلى خلاف الشافعي كما هو اصطلاحه، وقوله في غير الأكل كالاستصباح وقيدوه بغير المسجد، وقوله بخلاف الودك، أي دهن الميتة لأنه جزؤها فلا يجوز بيعه اتفاقًا، وكذا الانتفاع به لحديث البخاري «إن الله حرم بيع الخمر» فذكر حديث الباب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 329)
والنصارى سيما (1) وقد أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه فكان لعن اليهود في هذا الحديث ردعًا لأمته المرحومة عن اختراع الحيل في إحلال ما حرمه الله تعالى.
[باب كراهية الرجوع من الهبة]
الهبة مصدر وهبة يهب، وقد يطلق على ما يوهب فكان مصدرًا بمعنى المفعول ولذلك تراهم يستعملونه تارة بلفظ من كما في ترجمة الباب، وهي ههنا مصدر وتارة بلفظ في كما في لفظ الحديث فهي بمعنى المفعول ثم لا يخفي إنه لو عاد الواهب في هبته فإنه يملكها مع ارتكاب المحرم وأما العود في هبة ذي رحم محرم منه فغير جائز لحديث النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها رواه البيهقي (2) والدارقطني والحاكم، بقى المعارضة في هذا الحديث وفي قوله صلى الله عليه وسلم لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا لوالد فيما يعطي ولده فإن الولد من أقرب قريب ذي رحم محرم والجواب أن الاستثناء ههنا منقطع، وليس أخذ الأب هبته ذلك من الرجوع في شيء إنما هو تملك من الأب لهذا الشيء كسائر أملاك الابن لا لكونه هبة بل لكونه ملك ولده وقد رخصه الشارع أن يتملك أملاك عند فاقته إليها بقوله أنت ومالك--------------------------------------------
(1) ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد مرفوعًا لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن، وفي الباب عن أبي واقد الليثي عند الترمذي، وقال في آخره: في الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة، انتهى.
(2) قال الحافظ في الدراية: حديث إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها رواه الحاكم والدارقطني والبيهقي من طريق الحسن عن سمرة بهذا، قال الحاكم صحيح، وقال الدارقطني تفرد به عبد الله بن جعفر عن ابن المبارك عن حماد بن سلمة عن قتادة عنه وظن ابن الجوزي أنه ابن المديني فضعفه وليس كما ظن بل هو الرقي وهو ثقة، انتهى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 330)
لأبيك، فكان قوله هذا دفعًا لضرر الامتناع عن تملك ما وهبوا لأبنائهم فإنهم لما نظروا إلى ظاهر قوله، العائد في هبته كالكلب، فلعلهم أن يستنكفوا ويأنفوا عما وهبوه الأبناء فأزال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الأنفة بأن أورده بلفظ الاستثناء كأنه جوز لهم تملك ما ملكته الأبناء ولو كان ذلك رجوعًا في الهبة، قوله [مثل السوء] يصح بفتح وضم للسين، قوله [كالكلب يعود في قيئه] ومن عادته أنه إذا أكثر من أكل شيء ذهب فأدخل في حلقه شيئًا من النباتات فقاء وجعله محفوظًا ثم إذا اشتهى أكل منه والتشبيه في كونه مكروهًا طبيعيًا وفيه دلالة على جواز العود إذ لا شك أن الكلب ينتفع بفعله هذا ويحصل له شبع بما قاء أولاً فكذلك العائد في الهبة لا يحرم من التملك وإن لم تخل فعلته تلك من كراهة.
قوله [وهو قول الثوري إلخ] وذلك لأن الرواية المذكورة من قبل لم تخل عن إشارة ما إلى جواز العود في الهبة مطلقًا ثم خصص الرواية الثانية، وهو قوله عليه الصلاة والسلام الواهب أحق بهبته ما لم يثبت منها وقوله عليه الصلاة والسلام إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها خصص منها هبة عوض منها وهبة لذي رحم فبقى الباقي (1) على عمومه وهو جواز العود (2) في الهبة ومعنى قوله [والعمل على هذا عند أهل العلم إلخ] أنهم عملوا على هذا الحديث المار من قبل مع ملاحظة للروايات الآخر لا أنهم قصروا نظرهم على هذه الرواية فقط حتى يتوهم أن ما ذكره منهم ليس بمستنبط عن هذه الرواية صراحة ولا إشارة فكيف قال: والعمل على هذا إلخ.--------------------------------------------
(1) أي غير الهبتين المذكورتين وما في معناهما فإن الرجوع عند الإمام لا يجوز في سبعة مواضع جمعها قولهم دمع خزقه.
(2) وبه قالت الحنفية بشرط التراضي أو قضاء القاضي كما في الكفاية وتكملة فتح القدير وغيرهما.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 331)
[باب ما جاء في العرايا والرخصة في ذلك]
اعلم أن العرية (1) هي العطية وكانوا يعطون المفاليس أشجارًا ونخلات من حيطانهم ليأكلوا ثمارها ثم إن الأنصار ملاك البساتين كان من عادتهم توطن الحيطان في أيام إدراك الثمار يقيمون بها مع أهلهم فكانوا يتضررون بدخول هؤلاء المفاليس عليهم في أي وقت شاؤا وكان هؤلاء يتضررون بالذهاب إلى البساتين والإياب منها لثمرات ثمرات فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بتضرر الفريقين كليهما رخص المفاليس أن يبيعوا أرطابهم والأغنياء الملاك للبساتين أن يشتروا هذه الأرطاب بتمرات مثل كيلها خرصًا فقد تبين أن تسمية هذه المبادلة بيعًا مجاز لما أنها كانت هبة لم تتم لعدم القبض فعوضوا عن هبتهم هبة أخرى والخرص كان تطييبًا لقلوب المعرى لهم لما كانوا يترقبون وصول ذلك المقدار إليهم بعد الجذ وإيفاء لعدة من أعرى من الأغنياء فإنه إذا وعد بإعطاء حق ونوى أن يعطي ذلك المقدار فأولى له أن لا ينقص منه ويفي بوعده بتمامه، ثم تقييده بخمسة أوسق كما وقع في بعض الروايات مبني على أنهم كانوا يعرون كذلك ولو أعطوا أكثر منه رخص فيه وكذلك استبداله بالتمر لما أنهم لا يجدون إلا ذلك فلو استبدلوه بالأرطاب أو بالثمن لجاز لهم إلا أن ذلك لم يكن فلم يذكر هذا ما قال الإمام الهمام، وقال الآخرون أن العرية مزابنة إلا أن العرية يطلق على ما قل المبيع فيه من خمسة أوسق وهي جائزة مع حرمة المزابنة التي هي داخلة فيها لاستثناء النبي صلى الله عليه وسلم إياها عن الحرمة حين حرم المزابنة وأنت تعلم أن هذا خرق لعرف اللغة إذ ليس فيه معنى العارية والتزام لمفاسد كثيرة لا تحصى منها إبقاؤها على النخيل بعد الشراء فإن الرجل إذا اشترى ما على الشجر فليس له أن يترك على النخيل بعد ذلك ومنها ما في ذلك من شبهة الربا فإن الخرص فيه ثلاثة احتمالات، إما أن--------------------------------------------
(1) قال صاحب المجمع: هو فعيلة بمعنى مفعولة من عراه يعروه إذا قصد أو بمعنى فاعلة من عرى يعرى إذا خلع ثوبه كأنها عريت من التحريم فعريت، انتهى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 332)
يزيد ما على النخيل أو يزيد ما على الأرض أو تساويًا وهذا الثالث نادر جدًا، وفي الأولين يتحقق الربا لا محالة إلا أن يقال هذا محتمل عند الكل فأنا أيضًا (1) مقرون بجواز ذلك إذا لم يكن نسيئة، والثالث (2) أن معطي التمر، إما أن يعطيها قبل أن يجذ الرطاب أو بعده فإن كان الأول لزم ما قلنا (3) آنفًا من بيع الثمر بالتمر نسيئة وإن كان الثاني لزم بيع الكالي بالكالي، قوله [وهذا أصح من حديث] أي الذكر (4) بعنوان الاستثناء غير الأصح والأصح هو أن يذكر كما ذكره مالك، قوله [معنى هذا] أي وجه الجواز وهذا التفسير يغاير تفسيرنا المتقدم والفاعل على هذا في قوله قالوا لا نجد ما نشتري هم الذين ليس لهم بساتين واشتهوا أن يأكلوا الأرطاب وليس لهم الثمن ولا شيء آخر غير التمر ويمكن إرجاعه إلى--------------------------------------------
(1) يعني إذا تحقق المساواة كلية فنحن أيضًا مقرون بالجواز لكن الشرط منتف فإنه لا سبيل إلى العلم بالمساواة بالقطعية فآض الاحتمالات الثلاثة وهي شبهة الريا.
(2) أي من المفاسد وتقدم المفسدان من قوله منها إبقاؤها إلخ ومن شبهة الربا.
(3) لعله إشارة إلى قوله إبقاؤها على النخيل فإن في الإبقاء على النخيل ما يزيد بعد البيع يكون البيع فيه نسيئة على الظاهر، فتأمل.
(4) قلت: وفسر الحافظ في الفتح كلام الترمذي بغير ما أفاده الشيخ فقال أخرج الترمذي من طريق محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت ولم يفصل حديث ابن عمر من حديث زيد بن ثابت وأشار الترمذي إلى أنه وهم فيه والصواب التفصيل يعني أن التصريح بالنهي عن المزابنة لم يرد في حديث زيد بن ثابت، وإنما رواه ابن عمر بغير واسطة وروى ابن عمر استثناء العرايا بواسطة زيد بن ثابت فإن كانت رواية ابن إسحاق محفوظة احتمل أن يكون ابن عمر حمل الحديث كله عن زيد بن ثابت وكان عنده بعضه بغير واسطة، انتهى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 333)
ما قلنا بأن أصحاب البساتين شكوا إليه أنا لا نجد ما نشتري به الثمار اللاتي أعطيناها الفقراء إلا أن نشتري بالتمر، وقد علموا أن اشتراء الثمر بالتمر نسيئة لا يجوز وفي شرائها بها ناجزًا حرج إذ يلزم أن يعطوا كل ما (1) أخذوا ثمرًا تمرًا ولا يحصل لهم ما قصدوا من أن يأكلوها متى شاؤا إذ يلزم أن يجذوها مرة فيستبدلوا بها فرخصهم في استبدالها بالتمر وفيه أنه يلزم هذا لو لم تكن لهم سوى تلك النخلات التي أعطوها الفقراء وهو ممنوع.
[باب ما جاء في كراهة النجش]
وهو المعنى (2) بالتنقيق المنفي من قبل.
[باب ما جاء في الرجحان في الوزن]
إنما بينه لئلا يتوهم أنها زيادة خالية عن العوض فيتوهم كونه ريا فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم بأنها جائزة لخلوها عن الاشتراط وفيه مرضاة الطرفين ولا عرف حتى يعد مشروطًا، قوله [فساومنا بسراويل] وكان النبي صلى الله عليه وسلم اشتراها بشيء وزني لا بالثمن كما هو مدلول قوله صلى الله عليه وسلم زن وأرجح، وأما أنه شراه بثمن وأمر بوزنه فبعيد يتوقف على إثبات أنه شرى جملة (3) منها، وقد ثبت بهذا شراؤه سراويل ولم يصرح (4) في شيء من الروايات أنه لبسها.--------------------------------------------
(1) يعني لو أعطوا بكل ما جذوا من الثمر مقدارها من التمر ففيه حرج.
(2) أي المقصود منها واحد وهو الخداع وتغرير المشتري وإلا فمصداق حديث التنفيق هو البائع على المشهور والنجش بفتحتين أن يزيد أحد في الثمن ولا يريد الشراء ليرغب غيره كذا في الهداية، وهذا هو المشهور وفي المجمع نهى عن النجش في البيع هو أن يمدح السلعة لينفقها ويروجها أو يزيد الثمن ولا يريد شراؤها انتهى، فعلى المعنى الأول محمل النجش والتنفيق واحد، وحمل كلام الشيخ على هذا أظهر.
(3) هكذا في الأصل، والظاهر أن المراد جماعة منها لأن وزن الثمن من النقود يكون على الظاهر بمقابل المعدودة.
(4) وما في جمع الفوائد من رواية الموصلي والأوسط عن أبي هريرة بلفظ قلت: يا رسول الله إنك لتلبس السراويل قال أجل في السفر والحضر وبالليل والنهار فإني أمرت بالستر فلم أجد شيئًا أستر منه، حكم السيوطي على سنده بالضعف ولذا اختلف أهل العلم في ثبوت لبسه صلى الله عليه وسلم السراويل نفاه جماعة ومال ابن القيم إلى الإثبات.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 334)
[باب ما جاء في الأنظار للمعسر]
إظلال العرش منبئ عن كون العرصة خارجًا عن ظل العرش ولا ضير فيه فإن سعة القدرة والعلم أكثر من ذلك بكثير فلا يردان السموات والأرض محاطة بالعرش فلا أحد يكون خارجًا من ظل العرش ولا يبعد أن يقال المراد بالظل نوع منه مختص لا يوجد لغيره وإن العرش وإن شمل كل مكان وجد ثمة فلا يستلزم أن يكون القائم تحت العرش مظللاً، كيف والشمس التي منها الحر والحرور تحت العرش لا يجدي كون أهل الحشر تحت العرش ما لم يظلهم الله تعالى بظل من رحمته ولو بشيء من جوانب العرش وجهاته وهو المراد في أمثال هذه الروايات، والله أعلم بالصواب، قوله [أو وضع له] سواء كان ضعة بعضه أو كله، قوله [فلم يوجد له من الخير شيء] أي من الخير الذي يوجب له انفتاح الغرفة إلى الجنة، ورفع الدرجات، وأما أصل الإيمان فغير منفي عنه، ومن ههنا يعلم أن الرجل إذا فعل خيرًا ولم ينوبه الثواب بل إنما كان لاعتياده كريم الأخلاق أو لمقتضى طبعه أن يرحم بني نوعه فإنه يثاب عليه إذ لو كان الرجل المذكور في الحديث ينوي بإنظاره ذلك أجر الآخرة لما قيل فلم يوجد له من الخير شيء وينبغي أن يعلم أن هذه المحاسبة له قد وقع في القبر على خلاف ما جرت به العادة من أنهم يحاسبون يوم القيامة لا قبله، وكثيرًا ما يعبر عن أحوال الحشر بلفظ المضي لتيقن وقوعها، يبعد أن يكون المذكور في الرواية جاريًا على تلك الطريقة أو يكون قد كشف عليه صلى الله عليه وسلم فذكره بلفظ الماضي لما أنه قد شاهده وعاينه وهذا كثير في الكتاب والسنة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 335)
أو يقال إن المراد بالمحاسبة هو النظر إليها والمقابلة بين سيئاته وحسناته والموازنة فيها من غير ميزان لا المحاسبة الحقيقية، ثم اعلم أن المذكور في أخبار أحوال القبر وأهوال الحشر إنما هو حال الكفرة الخلص أو المؤمنين الكمل، وأما ما يجده في القبر فساق الأمة وفجارها فقد طوى ذكرها في الأحاديث والذي يعلم بعد تتبعها أنهم يعذبون في قبورهم ومع ذلك فيراحون ويوعدهم لهم الخيرات ولا يقنطون فكان تعذيبهم كتعذيب الآباء والأمهات أولادهم أو كتعذيب الأطباء أو الجراحين المرضى والجرحى بإشرابهم أدوية كريهة الطعم وشق الجروح إلى غير ذلك فإن هؤلاء ما يقاسون كل ذلك لا ييئسون عن برئهم وصحتهم ولا يبغضون من عذبهم ويعلمون أنهم يغسلون بذلك التعذيب عن دنس الأوساخ التي ارتكبوها في الدنيا من منهياته تعالى، قوله [نحن أحق بذلك منه] لأنه أتى به مع كونه مفتقرًا متطمعًا إلى غير ذلك.
[باب ما جاء في مطل الغني (1) ظلم] بينه النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يتلفوا حقوق الناس محتجين بما ورد في الأنظار من الأحاديث والأخبار، قوله [وقال إسحاق] ظاهر سوق المؤلف هذه العبارة مشير إلى فرق بينه أي بين توجيه الحديث على ما ذكره إسحاق وبين مذهب الأحناف (2) فإنه جوز الرجوع على المحيل إذا ظن--------------------------------------------
(1) من إضافة المصدر إلى فاعله كما هو المشهور وعليه الجمهور، وقيل إلى المفعول يعني يمطله لأنه غني وإذا كان في حق الغنى ففي حق الفقير أولى.
(2) ومذهب الأحناف في ذلك ما في الهداية ونصه تصح الحوالة برضاء المحيل والمحتال والمحتال عليه، وإذا تمت الحوالة بريئى المحيل من الدين بالقبول، وقال زفر لا يبرأ اعتبارًا بالكفالة ولنا أن الحوالة النقل لغة، ثم لا يرجع المحتال على المحيل إلا أن يتوي حقه، وقال الشافعي لا يرجع وإن توى والتوى عند أبي حنيفة أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بينة له عليه أو يموت مفلسًا وقالا الثالث أن يحكم الحاكم بإفلاسه، وهذا بناء على أن الإفلاس لا يتحقق بحكم القاضي عنده خلافًا لهما.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 336)