قرر الأستاذ العلامة والبحر النحرير الفهامة ههنا تقريرًا يشفي البال ويذهب البلبال فنلقيه عليك كما ألقاه علينا ونفيده لك كيما تقر عينًا (1) فنقول: إن المؤلف رحمه الله تعالى جزاه الله عنا وعن سائر أصحاب المذاهب خيرًا عقد لبيان هذه المسألة أربعة أبواب لما فيها من الاختلاف الوافر والأحاديث التي كل منها يقضي على خلاف الآخر فيما يبدو للناظر فالباب الأول معقود لبيان أن المستحاضة ليست في حكم الحائض حيث لا تمنعها الاستحاضة صومًا (2) ولا صلاة ولا غيرها بخلاف الحائض وهذا الباب وإن كان المقصود عنه ما ذكرنا إلا أنه ذكر فيه بعض أحكام المستحاضة الجارية عليها عند قوم ولكن هذا الذكر تبع واستطراد.
والباب الثاني معقود لبيان حكم المستحاضة عند قوم (3) وهو أنها تتوضأ--------------------------------------------
(1) أي كي تقر بهذا التقرير عينك.
(2) وتقدم قريبًا أنه إجماع ولم يختلفوا في ذلك إلا في الوطي فكذلك عند الجمهور منهم الأئمة الثلاثة وهو رواية عن أحمد، وفي أخرى له لا يأتيها إلا أن يطول ذلك، وفي رواية لا يجوز إلا أن يخاف زوجها العنت، كذا في الأوجز.
(3) وهم الجمهور مع الاختلاف فيما بينهم أنها تتوضأ لكل فرض صلاة أو لكل وقت صلاة وتوضيح ذلك أن الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء ذهبوا إلى أن المستحاضة لا يجب عليها الغسل إلا مرة واحدة عند انقضاء حيضها إلا المتحيرة ثم بعد الغسل اختلفوا في الوضوء فقالت المالكية لا ينقض وضوئها بدم الاستحاضة للعذر وما ورد في الروايات من الوضوء محمول عندهم على الندب وقالت الأئمة الثلاثة يجب عليها الوضوء ثم اختلفت الثلاثة في وقت وجوب الوضوء فقالت الشافعية يجب عند كل صلاة، وقالت الحنفية والحنابلة عند وقت كل صلاة، ووهم من حكى مسلك الحنابلة موافقًا للشافعية، كما بسط في الأوجز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
لكل صلاة ومستندهم في ذلك ما رواه في هذا الباب من أنها تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة.
والباب الثالث لما روى من حكم المستحاضة في رواية أخرى وهو الجمع بين الصلاتين الظهر والعصر في غسل وبين المغرب والعشاء في غسل وإفراد صلاة الفجر بغسل وهو متمسك لقوم أيضًا كما سيذكره.
والباب الرابع لبيان حكمها عند آخرين واستدلالهم بحديث أم حبيبة المروي في هذا الباب هذا وقد اختار إمامنا الأعظم الهمام الأفخم رواية الوضوء لكل صلاة بحمل اللام فيها على الوقت كما هو الشائع فيها لوقوعه مفسرًا (1) في رواية أخرى فلم يكن للعدول عنه مساغ وسيرد عليك وجه ترجيحه إن شاء الله تعالى ثم اختلفوا في الجواب عما يخالف مذهب كل مجتهد من تلك الروايات فقال الإمام قدوة العلماء الأعلام أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت أبي حبيش بما يجب العمل به لسائر بنات حواء من غير فصل وليس في شيء من تلك الروايات ما يخالف مفهوم الرواية الثانية المثبتة للوضوء لكل صلاة بل الذي تثبته الروايات بأسرها إنما هو الوضوء لكل صلاة، وأما الغسل حيثما أمرت به فإنما هو معالجة لها لا تشريع كما سيرد عليك تفصيله إن شاء الله تعالى، والشافعي (2) رحمه الله تعالى وإن وافقنا في وجوب الوضوء لا الغسل لكل صلاة إلا أنه حمل الصلاة على معناها المصطلح ولم يحمل اللام فيها على الوقت وهو محجوج في ذلك بالرواية المفسرة للمراد وبكثرة--------------------------------------------
(1) فقد روى إمام الأئمة أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش: وتوضئ لوقت كل صلاة ولذلك متابعات بسطت في الأوجز، وإن لم يحتج إليها بعد السند المذكور.
(2) ولا يذهب عليك أن المصنف ذكر مالكًا أيضًا مع الشافعي مع الاختلاف بينهما في الوضوء فهو عند الشافعي واجب، وعند مالك مندوب كما تقدم قريبًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
استعمال اللام في مثل ذلك في الوقت ومنه قوله تعالى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} إلى غير ذلك.
[باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة (1)] مطابقة هذا الباب للحديث الوارد فيه ظاهرة وظهر من عقد الترجمة بما عقدها المؤلف به أن الظرف وهو قوله عند كل صلاة لا يتعلق إلا بقوله تتوضأ فقط وأن قوله تغتسل غير مقيد به فأفهم.
[قال أحمد وإسحاق] هذا جمع منهما بين الروايات الثلاثة بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر كلاً من تلك النسوة بشيء منها، ومن المعلوم أن أحكام الشرع لا تختص فردًا دون فرد علم منها جواز العمل لكل امرأة على كل منها حسب ما يوافقها.
[فقد منعتني الصيام والصلاة] وذلك لأنها زعمتها حيضة فلم يسغ لها الإتيان بالصلاة ولا الصوم حسب زعمها غير أنها بعد زمان يسير أو كثير أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله ذلك فكان المنع عنهما قبل الورود إليه أول ورود الاستحاضة عليها بحملها على الحيض فلما كبر عليها تركهما أتت تستفتيه ثم في قول النبي صلى الله عليه وسلم.
[أنعت لك الكرسف] وغيره دلالة على أن المعذور يجب عليه رد عذره ما استطاع وذلك لأن الحكم بجواز الصلاة مع سيلان الدم وانفلات الريح وسلسل البول وغير ذلك من أسباب العذر مبني على كونه غير قادر على الامتناع عنه وأما إذا قدر عليه بنوع معالجة فلا ومن ههنا يعلم أن المعذور إن كان بحيث لو صلى يركع ويسجد سأل عذره ولو قائمًا أو قاعدًا يؤمى بالركوع والسجود لا فإنه يصلي بالإيماء لأنه قادر على أداء الصلاة بالطهارة مع أن للركوع والسجود بدلاً إلى غير ذلك من الجزئيات التي فيها كثرة.
[قوله سآمرك بأمرين] يعني بعد بيان (2) ما يجب عليك لأجل جواز--------------------------------------------
(1) وقدمنا قريبًا مذاهب الأئمة في ذلك مع الاختلاف فيما بينهم.
(2) حاصل ما أفاده حضرة الشيخ وبه جزم جمع من شراح الحديث كشيخنا في البذل والقارئ في المرقاة وغيرهم أن المراد بالأمرين الغسل لكل صلاة والجمع بين الصلاتين بغسل مستدلين على ذلك بما ورد في الروايات في قصة أم حبيبة المفسرة من تفصيل الأمرين بهما وما يخطر في بالي من زمان أن حمل روايات حمنة على قصة أم حبيبة ليس بوجيه بل هما روايتان مختلفتان، ولم أجد (وما قال أبو دؤاد في حديث ابن عقيل الأمر أن جميعًا لا يتعلق بحديث حمنة عندي كا حررته قفي حاشيتي على بذل المجهود) في رواية في قصة حمنة الغسل لكل صلاة فالأوجه عندي إن كان صوابًا فمن الله وإن كان خطًا فمني ومن الشيطان، إن المراد بالأمرين في قصة حمنة، الأول التحري في تعيين أيام الحيض فتترك الصلاة بالتحري ستة أيام أو سبعة أيام ثم تغتسل وتتوضأ لكل وقت صلاة، والثاني الجمع بين = الصلاتين بغسل واحد وجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الثاني أعجبهما إليه لأن فيه براءة الذمة باليقين بخلاف الأول فإن فيه براءة الذمة بالتحري فتأمل فإنه لطيف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
صلاتك وتحصيل طهارتك كما يرشدك إليه سين التسويف فإنها لا تؤتى بها في الكلام إلا إذا قصد الإمهال والإرخاء وههنا قد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في أمرها بما كان لها أن تأتمر به فلا يصح (1) إتيانه بالسين إلا للبناء على ما قلنا من أنه بين لها أولاً ما يجب عليها من الغسل أول انقطاع حيضتها ثم الاكتفاء بالوضوء لكل وقت صلاة إلا أن الرواة أوردوها في بعض طرقها بحيث يلتبس المراد كما ههنا وإلا فالأمر أظهر كما ستقف عليه.
[قوله أيهما فعلت أجزأ (2) عنك] في شفاء مرضك وتقليل دمك حتى لا تثجين--------------------------------------------
(1) قلت: وأما على ما قررت لك فيكفي للتأخير في إتيان السين قوله صلى الله عليه وسلم بأيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر فإن قويت عليهما فأنت أعلم فإن هذا القدر كاف للتسويف.
(2) فهذا السياق كالنص على أجزاء كل من الحكمين عن الآخر فترك الصلاة مع التحري ثم الوضوء لكل صلاة يجزئ عن الجمع بين الصلاتين وكذا العكس وإن قويت عليهما معًا بأن تتحرى ثم تجمع بين الصلاة بالغسل فهي أعلم بحال استطاعتها وقدرتها فهذا السياق كالنص على ما ابتدعت في تقرير الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
كما تثجين، ثم بين لها أن الذي وقع لها من ترك الصوم والصلاة.
[إنما هي ركضة من الشيطان] وهو مجاز عن سروره بذلك وانشراح صدره به وضمير هي راجعة إلى الوسوسة التي هجست في قلبها حتى منعتها الصوم والصلاة ولا يبعد إرجاعها إلى الحيضة لكونها سببًا لتلك الوسوسة.
[وقوله إن قويت عليهما فأنت أعلم] بما تختارين منهما لنفسك وهذا مشير إلى أن هذين الأمرين اللذين أمرها بهما لم يكونا بحسب التشريع لها ولا إيجابًا عليها وإنما هي معالجة وتدبير لإزالة مرضها وتقليل دمها وإلا لما كان للتخيير معنى ويؤيده قوله إنك أعلم وربما (1) يتوهم أن التخيير لا يمكن أن يجعل دليلاً على كون المذكور ههنا معالجة لا تشريعًا إذ ربما يخير المكلف بين أمرين أو أمور أيهما فعله سقط عنه الواجب وإن لم يكن الواجب واحدًا عينًا حتى يلزم أن لا يفرغ ذمته بفعل أحدهما وله في الشرع نظائر منها جمعة المسافر وظهره فإنه مخير بين إتيانه هذه أو هذه وكمن حلق رأسه في الإحرام بعد زفافه مخير في إحدى الخصال الثلاثة المذكورة في النص مع أنه ليس شيء منها واجبًا عليه عينًا فالتخيير لا يتمشى دليلاً على أنه معالجة لجواز كونه واجبًا والجواب أن التخيير بين نوعي جنس واحد غير معقول، وإنما المعهود التخيير بين أجناس مختلفة كما في الحلق وقتل صيد الحرم، وأما صلاة المسافر فليس له تخيير فيها وإنما الواجب عليه هو الظهر--------------------------------------------
(1) هذا كله مبنيًا على ما اختاره حضرة الشيخ وعامة الشراح من تفسير الأمرين بالغسل لكل صلاة والجمع بين الصلاتين وما قرره هذا المبتلى بالسيئات والمقر بالتقصيرات فلا يتمشى فيه شيء من ذلك فإن الأخذ بالتحري مبائن للأخذ باليقين كلية كما لا يخفى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
عينًا لا أحدهما لا بعينه غاية الأمر أن فريضة الظهر تسقط عنه بالجمعة فضلاً من الله ومنة ولئلا تجتمع الوظيفتان في وقت واحد مع أنا لواد عينًا أن الجمعة والظهر لبون بائن بين أحكامهما من الاختلاف الكثير في شرائط الوجوب والأداء وعدد الركعات وغير ذلك فأما مقام الجنسين لا نوعي جنس واحد لم يبعد وههنا الغسل في كل وقت صلاة لكل صلاة أو في كل وقت مشترك بين الصلاتين لأجلهما معًا لا يخفى كونهما نوعي جنس واحد فلا يكون التخيير فيهما من هذا القبيل ويمكن الجواب عن أصل التوهم أيضًا بأن الرواية (1) المذكورة مفصلة في سنن أبي داؤد ذكر فيها الأمرين اللذين ذكرهما علاجًا فلو حملاً على التشريع لأحدهما عين كما ذكره المتوهم لم يكن معنى (2) لقوله فتحيضي ستة أيام إلى أن قال صومي وصلى وكذلك فأفعلي بلفظ الإيجاب فإن مقتضاه الإتيان بالصوم والصلاة مع أنه لم يذكر فيه الغسل بعد فبقى على ما هو الظاهر من الاكتفاء بالوضوء لكل صلاة ثم أكد ذلك بالتشبيه حيث قال كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات إلخ وليس فيه تخيير حتى يلزم ما لزم فعلم إنما التخيير إنما هو في أمر آخر وراء ما أمرها به عينًا ونص رواية (3) أبي داؤد في سننه هكذا أن سهلة بنت سهيل استحيضت فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل والمغرب--------------------------------------------
(1) إلا أن الروايات المفصلة التي في أبي داؤد وغيره التي فيها الغسل لكل صلاة والجمع بين الصلاتين ليست في قصة حمنة ولم أجد مع التتبع الكثير في قصة حمنة في رواية ذكر الغسل لكل صلاة فتأمل إلا أن الشراح عامة فسروا حديث حمنة هذا بأحاديث غيرها فتأمل.
(2) إلا أني لم أجد هذا اللفظ في أحاديث وردت فيها الغسل لكل صلاة والجمع بين الصلاتين فتفكر.
(3) وبنحو ذاك فسره شيخنا في البذل وتبعهما عامة الشراح ومحشو زماننا لكن كما ترى هذه الروايات كلها في غير قصة حمنة فتدبر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
والعشاء بغسل وتغتسل للصبح، وفي رواية له بعد هذه أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا سنة إلخ (1) ثم قال ورواه مجاهد عن ابن عباس لما اشتد عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين، وفي رواية له جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر خبرها قال ثم اغتسلي ثم توضئ لكل صلاة وصلى فهذا كله (2) يرشدك إلى أن الواجب شرعًا إنما كان هو الوضوء لا غير نعم أمرها بالغسل إفرادًا أو جمعًا معالجة ومن أصرح ما يدل على ما ذكرنا ما في سنن أبي داؤد أيضًا أن امرأة كانت تهراق الدم وكانت (3) تحت عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي فهذا الاختلاف في أمرها لا يجتمع إلا بما ذكرنا وكم من رواية (4) دلت على أن الواجب في مثل هذا هو الوضوء--------------------------------------------
(1) ولفظها منذ كذا وكذا فلم تصل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله هذا من الشيطان لتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلاً واحدًا وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحدًا وتغتسل للفجر غسلاً واحدًا وتوضأ فيما بين ذلك.
(2) أي النظر على مجموع هذه الروايات والجمع بينهما يدل على أن الواجب هو الوضوء فقط كما لا يخفى.
(3) والتي كانت تحت عبد الرحمن هي أم حبيبة، وأما حمنة فقد كانت تحت مصعب بن عمير فقتل عنها يوم أحد فتزوجها طلحة بن عبيد الله كما في الإصابة وغيره.
(4) يعني إذا اتحدت الروايات كلها مع قطع النظر عن نسائها وإلا فظاهر ما وقفت عليها بعد أن حمنة كانت متحيرة وحكم المتحيرة عندنا كما في الفروع أنها تتحرى فإن وقع تحريها على طهر تعطي حكم الطاهرة وإن كانت على حيض تعطي حكمه لأن غلبة الظن من الأدلة الشرعية وإن لم يغلب ظنها على شيء فمتى ترددت بين طهر ودخول حيض تتوضأ لكل صلاة ومتى ترددت بين حيض ودخول طهر تغتسل لكل صلاة، كذا في الشامي وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
لا غير وسيأتي لذلك زيادة بيان ثمة.
[قال أحمد وإسحاق إلخ] هذا جمع منهما رضي الله تعالى عنهما بين الروايات المختلفة الواردة في حكم المستحاضة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بأمور ثلاثة مختلفة ومن المعلوم أن الأحكام لا تختلف بحسب اختلاف أشخاص المكلفين وأفرادهم إذا كانوا من نوع واحد لزم القول بجواز كل من تلك الثلاث لكل من النسوة اللاتي تبتلين بأمر الاستحاضة ثم هذا تكرار ظاهر فيما يبدو للناظر حيث كان المؤلف ذكر مذهبهما أولاً ثم عاد إلى بيانه ثانيًا من غير فائدة جديدة في إحداهما لا تكون في الأخرى مع أن ما ههنا لو حمل على الإيجاب كان مناقضًا لما تقدم حيث ذكر التخيير لكل منها بكل منها وههنا ليس كذلك، والجواب أن ما ذكر أولاً كان بيانًا للمذهب وما ههنا جمع بين الروايات بحمل كل منها على اختلاف أحوال السائلات أو بأن الأول كان بيانًا لما يجوز لكل من النسوة وهذا بيان الأفضلية والاستحباب أو المراد في الأول ليس هو الإطلاق في العمل لكل امرأة بل المراد العمل بكل من الروايات لكل من كانت داخلة في مصداق تلك الرواية المعينة وإنما التخيير بحسب ظاهر الحال لعدم العلم بحال تلك المرأة المعينة وعلى هذا فلم يكن بد من بيان التفصيل ثانيًا ليتقيد ما أطلقه في أول بيان مراده والله أعلم بمعاني كلمات عباده.
[قوله فتحيضي] عدي نفسك حائضًا وعاملي معك معاملة الحيض سبعة (1) أيام أو ستة وتفصيل تحقيق الترديد مذكور في الحاشية (2) بما لا يزيد عليه غير--------------------------------------------
(1) والأوجه عندي أن قوله صلى الله عليه وسلم سبعة أو ستة إيماء إلى أكثر عادة النساء إلى ذلك فتتحرى على وفق عادتها وذلك أن النساء على ثلاثة أحوال رطبة الأمزجة فيحضن عشرة أيام ونحوها ويابسة الأمزجية فيحضن ثلاثة أيام ونحوها ومعتدلة فيحضن ستة أو سبعة واعتدال المزاج هو الأصل.
(2) إذ قال كلمة أو ليست للشك ولا للتخيير بل المراد اعتبري ما وافقك من عادات النساء وقيل للشك من الراوي، وقيل أمر ببناء الأمر على ما تبين لها من أحد العددين على سبيل التحري، انتهى مختصرًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
أن الأوجه بناء الأمر على ما هو العادة في نسائهم فلما كانت مختلفة أورد على الترديد.
[فإن ذلك يجزئك] أي يفرض طهارتك وكذلك فأفعلي كل شهر كما تحيض النساء وكما تطهرن أي ليس بينك وبين سائر تلك النسوة اللاتي تعرفين حكمين فرق وهو الذي ذكرنا سابقًا من الاكتفاء بالوضوء لكل صلاة.
[وقوله فإن قويت على أن تؤخري إلخ] بيان لأول (1) الأمرين الموعود بهما وقد ترك الرواة ثانيهما وقد ذكرنا لك ما يبين أن الثاني مذكور في كثير من الروايات وإن لم يبين ههنا وأيضًا فقد علمت في غير ما رواية أن الواجب لأجل جواز الصلاة إنما هو الوضوء لا غير وإنما كان الاكتفاء بالغسل لكل صلاتين أعجب إليه صلى الله عليه وسلم لسهولته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب ما سهل (2) على أمته ولم يتعسر سواء كان من أمور دينهم أو دنياهم مع أن الدوام على السهل أسهل وعلى العسير أعسر فينجر تعسره إلى الترك أصلاً.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى وهذا وإن كان مستحسن الظاهر لما فيه من البناء على الأقل في أمر الحيض فيما مر وما يأتي لإلزام القضاء في أوله والأمر بالأداء فيما بعد ذلك إلا أنه لا يخلو من مفسدة الأداء في أيام الحيض فإن اليوم الثاني من الشهر الثاني من أيام استمرار الدم الذي بعد أول الاستمرار متردد بين كونه حيضًا واستحاضة فالأمر بأداء الصلاة في أمثال تلك الأيام ليس في شيء من الاحتياط مع أن ترك الواجب أهون من أداء الواجب (3) وأما ما ذهب إليه--------------------------------------------
(1) على مختار الشيخ وغيره، وأما عندي فبيان الأمر الثاني كما عرفت سابقًا.
(2) وهذا لا شك فيه فقد ورد ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما إلا أن الأوجه عندي ههنا أن أعجبيته صلى الله عليه وسلم لبراءة الذمة باليقين بخلاف ما في التحري من غلبة الظن بالبراءة.
(3) كذا في الأصل والأولى عندي على الظاهر بدله من فعل الحرام وإن أمكن تأويل كلام الشيخ بأن المراد من أداء الواجب أداء الصلاة في حالة الحيض وهو مستلزم لفعل الحرام أو يقال إن ترك الحرام واجب فهو بعينه أداء الواجب فتأمل ثم الأئمة مختلفة في مدة الحيض فقالت الحنفية أقلها ثلاثة أيام ولياليها وأكثرها عشرة، وقال أحمد والشافعي أقله يوم وليلة وأكثره قيل خمسة عشر يومًا ولياليها، وقيل سبعة عشر، وعند مالك لا حد لأقله وأكثره سبعة عشر يومًا وقيل ثمانية عشر يومًا وفي مختصر الخليل: أكثره للمبتدأة نصف شهر وللمعتادة ثلاثة استظهارًا على أكثر عادتها واستنبط الرازي مسلك الحنفية بما ورد في الروايات الكثيرة الشهيرة في الصحاح الستة من قوله صلى الله عليه وسلم: «لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن» فقال إطلاق الأيام من ثلاثة إلى عشرة وأما قبله فيقال يوم ويومان وبعده يقال أحد عشر يومًا، كذا في الأوجز، وقد ورد نصًا مرفوعًا في روايات عديدة أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام ذكر طرقها الزيلعي والحافظ في الدراية مع الكلام على رواتها ليس هذا محلها وقد أقر ابن قدامة وغيره من محققي أهل الفقه أنهم لم يجدوا دليلاً على أن أكثره خمسة عشر يومًا فتأمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
أصحابنا رحمهم الله تعالى فالأمر ظاهر إذ الصلاة حق الله تعالى فلما أسقطه في ابتداء أيام الدم لا محالة لا يعود الوجوب بالشك لأن اليوم الثاني والثالث مشكوك في كونه حيضًا وطهرًا فإن اليقين يعارض لليقين ولا يعارضه الشك فإذا تم العشر من أيام الدم علم خروج أيام الحيض يقينًا فهذا اليقين يصلح لمعارضة مثله.
[باب المستحاضة تغتسل عند كل صلاة]
.
[قوله لا إنما ذلك دم عرق إلخ] فيه دلالة على أن الحكم في الخارج من السبيلين وغيرهما مشترك في النقض وإن كان التفاوت بينهما ثابتًا بوجوه مفصلة في الفقه ولا يتوهم خروج دم الاستحاضة من إحدى السبيلين وإن كان هذا هو الظاهر بحسب ما يبدو للناظر وذلك لأن المراد بالسبيل ههنا مخرج البول لا أعم منه ودم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
الاستحاضة لا يخرج (1) منه كما هو ظاهر لمن له أدنى درية بأحوالهن نعم سبيل المني والاستحاضة واحد وكذلك الحكم في سبيل البراز فإن الخارج منها بحسب الظاهر لا يؤتي له حكم الخارج من المبرز ما لم يكن منه حقيقة كما في غدد البواسير فإن الطهارة لا تنتقض بخروج شيء منها ما لم يسل لأنها غير السبيلين فالخارج منها ليس له حكم الخارج منها بل هو خارج من حكمها وقاسوا على دم الاستحاضة كل ما هو خارج من غير السبيلين نجس وجعلوا الخارج النجس من غير السبيلين ناقضًا للوضوء بهذا الحديث وأمثاله غير أن قوله صلى الله عليه وسلم في جواب السائل ما الناقض كل ما خرج من السبيلين أهدر التفاوت بين الكثير والقليل إبقاء لكلمة ما على عمومها سيما وقد وصفت بصفة عامة ولا كذلك فيما خرج من غير السبيلين وليس هذا موضع تفصيله.
[باب ما جاء في الحائض أنها لا تقضي (2) الصلاة] لما فيه من التضاعف الموجب للحرج وليس عليكم في الدين من حرج ولما فيه من الدم والتنجس، وفيه من المضادة لأمر الصلاة ما لا يخفى وذلك لأن الصلاة يشترط لها الطهارة فالتلبس بها ينافي كون الملتبس بها قابلاً لأداء الصلاة ولا كذلك الصيام فإن الركن ثمة هو الإمساك عن المفطرات الثلاثة نهارًا ناويًا فليس في مفهومه منافاة بالتلبس بشيء من الأنجاس، والحاصل أن منافاة التنجس بنجاسة الدماء لكون المتلبس قابلاً لأداء الصوم--------------------------------------------
(1) ففي الفتح الرحماني عن نهاية النهاية أن مدخل الذكر هو مخرج الولد والمني والحيض وفوقه مخرج البول كاحليل الرجل وبينهما جلدة رقيقة وفوق مخرج البول جلدة رقيقة يقطع منها في الختان، كذا في الأوجز.
(2) نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع المسلمين على أنه لا يجب على الحائض قضاء الصلاة ويجب عليها قضاء الصيام وحكى عن طائفة من الخوارج أنهم يوجبون عليها قضاء الصلاة، وعن سمرة بن جندب أنه كان يأمر به فأنكرت عليه أم سلمة، قال الحافظ لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب كما قاله الزهري وغيره، كذا في البول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
أكثر (1) من منافاته لكونه قابلاً لأداء الصلاة وإن كان نفس التلبس بدماء الحيض والنفاس يساوي في كون المتلبس بها غير قابل (2) لأداء الصوم كما أنه غير قابل لأداء الصلاة وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يكون شهود رمضان يقتضي وجوب صيامها لتلك القابلية التي أشرنا إليها بخلاف وقت الصلاة إلا أنها مع كونها أهلاً للوجوب منعت عن أدائه لهذا التلبس المانع عن الأداء فأفهم فإنه وإن كان أمرًا لم يقرع سمعك قبله مثله إلا أنه لا يخلو عن لطافة وهذا من أدنى إفادات شيخنا العلامة أدام الله ظلال مجده وأفاض على العالمين من بره ورفده.
[باب الجنب والحائض (3) لا يقرآن القرآن].
[وقال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش إلخ] لأن إسماعيل (4) لا يروي--------------------------------------------
(1) كذا في الأصل والصواب على الظاهر بدله أقل.
(2) لا يقال إن الطهارة ليست بشرط للصوم فلا يظهر كون المتلبس بالدماء غير قابل للصوم لأنا نقول إن الشارع عليه الصلاة والسلام لما نهى المتلبس بها عن الصوم علم به عدم قابليته له بداهة إلا أن التنجس لما لم يكن منافيًا لحقيقة الصوم أوجب قضائه بخلاف الصلاة إذ لم يوجب قضائها.
(3) الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء على أنهما لا يقرآن القرآن إلا الحائضة عند مالك فعنه فيها روايتان، قال ابن العربي: الجنب لا يقرأ القرآن، وقال بعض المبتدعة: يقرأ وحديث على دليل على ما قلنا، وأما الحائض ففي قراءتها عن مالك روايتان إحداهما المنع حملاً على الجنب ووجه الأخرى أن الحيض ضرورة يأتي بغير الاختيار ويطول أمرها فلو منعت من ذلك لنسيت ما تعلمت بخلاف الجنب فإنه تأتي الجنابة باختياره ويمكن إزالتها في الحال وهو أصح، انتهى، قلت: وعامة شراح البخاري على أن ميل البخاري إلى الجواز فتأمل.
(4) فقد قال يعقوب بن سفيان: تكلم قوم في إسماعيل وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشام وأكثر ما قالوا يغرب عن ثقات المدنيين والمكيين، وكذا قال غيره جمع من الأئمة أن أحاديثه عن الشاميين مستقيمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
منكرًا إلا عن أهل الحجاز والعراق وليس يروي منكرًا عن ثقة بخلاف بقية فإن له مناكير من الثقات.
[باب ما جاء في مباشرة الحائض]
.
[قوله اتزر] تكلموا في لفظه وفي معناه أما الكلام في لفظه (1) فإنه لا يصح ادغام همزة الافتعال بقلبها تاء في التاء وندر اتخذ إلا أن يثبت تكلم رضي الله تعالى عنها بعين تلك الكلمة فحينئذ لا يمكن في صحتها كلام وإن لم يوافق قواعدهم المستنبطة من كلام هؤلاء وذلك لأن تلك القواعد أكثرية لا كلية وأيضًا فإن اللسان قاضية على القاعدة دون العكس وأما المعنى فإن العلماء قد اختلفوا في المباشرة حسب اختلافهم في فهم المعنى من تلك الرواية فمنهم من ذهب إلى أن إصلاح الأزار كان للاتقاء عن الركبة إلى السرة، ومنهم من قال معناه أن تجعل إزارها كالسراويل ليسترها عن السرة إلى القدم، وهذا ما اختاره (2) الإمام وهو الأحوط وما ثبت--------------------------------------------
(1) قلت: وتوضيح ذلك أن جمعًا من أهل اللغة والتصريف كالمجد والزمخشري وغيرهما غلطوا هذا اللفظ ولا يصح تغليطهم ذلك كما رددت عليهم في أوجز المسالك لا سيما بعد ثبوته في غير حديث ولا حديثين فقد ورد هذا اللفظ في عدة أحاديث منها حديث الباب وما في معناه، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في الصلاة في ثوب واحد إن كان قصيرًا فليتزر به وغير ذلك مما لا يخفى على ناظر الحديث.
(2) حاصل ما أفاده الشيخ في المسألة ثلاثة أقوال: الأول الاتقاء من السرة إلى الركبة، والثاني من السرة إلى القدم، والثالث اتقاء موضع الدم لا غير وجعل الثاني قول الإمام أبي حنيفة ولم أجد مع التتبع البليغ هذا القول للإمام أبي حنيفة إلا ما يؤمى إليه كلام صاحب البحر عن المحيط لكن المشهور في الفروع والشروح هو القولان فقط أحدهما الاتقاء عن السرة إلى الركبة وهو قول الإمام وأبي يوسف ومالك والشافعي، والثاني اتقاء موضع الدم فقط وهو قول محمد وأحمد واختاره من المالكية أصبغ ومن الشافعية النووي، كذا في البحر وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
من فعله صلى الله عليه وسلم مما يدل على سوى ذلك فهو عنده من خصوصياته المبنية على كونه صلى الله عليه وسلم أملك لأربه فلا يكون فعله هذا تشريعًا لسائر أفراد أمته ممن ليس بتلك المثابة إذ لا يخفى أن مباشرة ما تحت الأزار في أكثر الأمر يفضي إلى ارتكاب ما هو حرام قطعًا فيكون حرامًا لأن سبب الشيء في حكمه فيون سبب (1) الحرام كما أن تحصيل أسباب المفروض من الصلاة فرض، ومنهم من قال إن المنهي عنه الاستمتاع بموضع الدم لا غير فإصلاح الأزار عند هؤلاء كناية عن عقده ليتقي به شعار الدم وأنت تعلم أن من يرعى حول الحمي يوشك أن يقع فيه والله المسول للعصمة عن معاصيه.
[قوله سألت النبي صلى الله عليه وسلم] والحامل على المسألة ما أثرت فيهم مجاورة اليهود وملابستهم تشدد في أمر الحيض فإن اليهود كانت إذا حاضت (2) فيهم المرأة اعتزلوا عنها فلم يواكلواها ولم يشاربوها ولم يخالطوها فاستثبتوا من حكم النساء في حيضها ليكونوا على بصيرة منه وأما حكم سورها وطهورها فلعلي ذكرته من قبل (3).
[باب الحائض تتناول الشيء من المسجد]
.--------------------------------------------
(1) هكذا في الأصل وظاهر السياق أنه سقط من القلم خبر يكون وأصل العبارة فيكون سبب الحرام حرامًا ويحتمل أن يكون الخبر محذوفًا لظهوره ويحتمل أيضًا أن يكون قوله سبب الحرام خبرًا، والاسم ضمير يرجع إلى مباشرة ما تحت الأزار.
(2) أخرجه وسلم أبو داؤد وغيرهما مفصلاً.
(3) قلت: تقدم في باب الرجل يستدفئ بالمرأة بعد الغسل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
[إن حيضتك ليست في يدك] لما علمت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النهي عن دخول الحائض المسجد لمعنى يعم الجسم كله فلا بد وأن يكون اليد متلبسة بشيء منه أيضًا فإن حلول هذا المعنى في الجسم يقتضي حلوله في جزء جزء منها، فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم بأن النهي عن الدخول لا يستلزم النهي عن إدخال اليد وغيرها مما لا يعد دخولاً عرفًا أو لغة أو شرعًا فإدخال سائر تلك الأجزاء منفردة لا يكون متهيأ عنه لعدم دخوله تحت الدخول ولعل الوجه في ذلك أن الحدث بنوعيه يسري في الجسم كله بحيث اتصف به المجموع كله اتصافًا واحدًا ولذا اشتهر فيما بينهم أن الحدث غير متجز كنقيضه فليس الجسم كله إلا متصفًا بمعنى واحد جعل سببًا لترتب النهي عليه لا أن حدث الرأس مثلاً وراء حدث الرجل وحدث اليد سوى حدث الوجه فإذا أدخل شيئًا من أجزائه في المسجد مثلاً لم يلزم دخول هذا المعنى المبني عليه النهي عن الدخول بل دخول شيء منها وذا لا يضر لا يقال على هذا التقرير أن الداخل في المسجد إذا أبقى رجله أو يده خارجة يعد غير داخل فيه لعدم دخول الجسم كله فلا يلزم دخول المعنى المبني عليه النهي لكون الجزء الحال منه في اليد أو الرجل غير داخل فيه لأنا نقول لما أمكن اتصاف الجسم بالحدث ونقيضه مع عدم بعض هذه الأجزاء كمن قطعت يده ورجله أو كلتاهما لم تعتبر تلك الأجزاء في مقابلة الجسم كله وكذلك الرأس فإن الجسم يتصف بالطهر ونقيضه من دون الرأس ولذلك إذا وجد الميت بغير الرأس غسل وصلى عليه وإذا وجد الرأس فقط لم يغسل ولم يصل عليه وما ذلك إلى لاتصافه بالطهارة في الصورة الأولى دون الثانية، والصلاة مترتبة على الغسل فهذا كله يدل على أن انعدام بعض هذه الأجزاء لا يمنع صحة اتصاف الجسم بالحدث والطهارة فلذلك قلنا من دخل المسجد وهو جنب، ورأسه أو رجله أو غيره من الأجزاء خارج منه كان أثمًا لوجود الدخول لا يقال يلزم من هذا الذي ذكرتم جواز مس المصحف للجنب والمحدث كليهما إذ ليست المماسة إلا بجزء من الجسم كإدخال اليد في المسجد ولا يظهر بينهما فرق والجواب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
أن مماسة المصحف لا يمكن بحسب العادة إلا بجزء منه ولا يعقل مس المصحف بالجسم كله أو بعضه فكان النهي عن المس الوارد فيه واردًا على هذا المس لا غير إذا المس بمعنى ماسة سائر أجزاء الجسم فممنوع من قبل فلو حمل النهي ههنا عليه أيضًا لم يبق للنهي فائدة لوروده على ما هو ممتنع عادة وما يتوهم من مضمون الحديث من جواز استعمال آلات المسجد وأسبابه فباطل إذ البورياء (1) لم تكن ههنا من أوقاف المسجد إذ لم تجر العادة بذلك بعد بل الخمرة كانت له صلى الله عليه وسلم كان يفرشها في المسجد تارة وفي البيت أخرى ومما يدل عليه قوله الخمرة بتعريف العهد ولولا أنه معروف معهود لتعينه لقيل ناوليني خمرة من المسجد لا يقال كانت واحدة فتعينت لذلك لأنا نقول لو كان كذلك لقيل ناوليني خمرة المسجد مع أن الخمرة الواحدة وهي البورياء الصغيرة ماذا تغني في المسجد النبوي ومما ينبغي أن يتنبه له أن الظاهر مما ذكرناه كونه صلى الله عليه وسلم خارج المسجد في حجرته وأن قوله من المسجد متعلق بقوله من المسجد (2) وأنه لا حاجة إلى ما نقله النووي عن القاضي أن قوله من المسجد متعلق بقوله قال ونص عبارة القاضي على ما في النووي هذا معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ذلك من المسجد أي وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد لا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تخرجها له من المسجد لأنه صلى الله عليه وسلم كان في المسجد معتكفًا وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض لقوله صلى الله عليه وسلم إن حيضتك ليست في يدك فإنما خافت من إدخال يدها المسجد ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى انتهى كلامه، وأنت تعلم أن الذي جعله القاضي رحمه الله تعالى--------------------------------------------
(1) قال المجد: البوري والبورية والبورياء والباري والبارياء والبارية الحصير المنسوج وإلى بيعه ينسب الحسن بن الربيع البواري شيخ البخاري ومسلم.
(2) كذا في الأصل وفيه تحريف من الناسخ، قال صاحب المجمع قوله من المسجد متعلق بناوليني أو يقال، انتهى، قلت: والأوجه عندي أنه على الاحتمال الأول متعلق بمحذوف أي آخذه من المسجد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
داعيًا للعدول عن الظاهر لا يكفي له ولا يتعين ما ادعاه إذ يمكن كون الخمرة على قرب باب الحجرة بحيث تتلقى بأدنى امتداد اليد فلا حاجة للعدول عن ظاهرة العبارة نعم لا يبعد القول بأنه صلى الله عليه وسلم لما كان أكثر نافلته بل كلمها في البيت فلم تفرش الخمرة في المسجد إلا عند صلاته بالناس ويتعين المحراب له ومما يدل على تضعيف ما قصده القاضي رحمه الله تعالى أنها لو كانت هي المعطية للخمرة والنبي صلى الله عليه وسلم أخذها وهو في المسجد وهي خارجة عنه لما افتقرت إلى إدخال يدها في المسجد لإيتاء الخمرة بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذها منها ويدها خارجة من المسجد فأفهم وقد يساعد ما قلنا وضع المؤلف (1) هذا الباب لإثبات تناول الحائض شيئًا من المسجد، وقوله بعد ذلك وهو قول عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئًا من المسجد.
[باب في كراهية إتيان الحائض]
.
[قوله من أتى كاهنًا إلخ] المراد بإتيانه إياه تصديقه (2) له فيما يذكره من أخبار المغيبات لا مطلق الإتيان حتى يلزم تكفير من أتاه ولو لحاجة أو تكذيبًا له وتبكيتًا أو ليسخر به ويستهزئ وكذلك لا يكفر لو أتاه وهو يعلم أو أن الجن تخير الكهنة وأن بعض أخبارهم صادق وبعضها كاذب ثم اعلم أنهم اختلفوا في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم في من ارتكب كبيرة قد كفر كما في قوله من أتي حائصًا أو امرأة في ديرها، لأن أهل الملل الحقة قاطبة متفقون على أن المسلم بارتكاب الكبيرة لا يكفر ولو كانت حرمتها قطعية ذاتية وما ههنا وإن كان ثابتًا بعبارة النص أو بإشارته كما هو ظاهر فارتكابها لا يكون كفرًا بواحًا فقال بعضهم هذا تغليظ حيث سمى ما ليس كفرًا كفرًا بنوع من التأويل ليحذروا أن يقعوا فيه، وقال بعضهم (3) هو على الاستحلال--------------------------------------------
(1) وبنحو ذلك بوب على الحديث أبو داؤد وغيره.
(2) وبذلك قيد الحديث عامة الشراح كالقارئ وغيره.
(3) وفي الدرالمختار: ويكفر مستحله كما جزم به غير واحد وكذا مستحل وطى الدبر عند الجمهور وقيل لا يكفر في المسألتين وعليه المعول لأنه حرام لغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
والذي يتحصل من كلام الأستاذ أدام الله ظلال جلاله وأفاض على الطالبين من زلال نواله أن الشرك (1) والكفر لتضمنها من المراتب المتناهية ما يربو على حصر حاصر واشتمالهما من الدرجات المتفاوتة على ما لا يكاد يضبطه لسان ذاكر صارا معدودين في عداد الكليات الغير المتواطئة فكل منهما مقول بالتشكيك على الصغائر حتى اللمم وعلى الكبائر حتى الكفر الحقيقي المقابل للإيمان الأنوار والظلم فكل من تلك المراتب ساغ عليها إطلاق كل منهما لدخوله في مدلول لفظه من غير ارتكاب تكلف وتجتمع به أكثر تلك الروايات من غير عدول عن جادة الطريق وتعسف ومما يدل عليه أنهم اتفقوا من آخرهم على أن المراد بالشرك في قوله تعالى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} هو الزياء لكونه شركًا خفيًا فهذا التفسير منهم تنصيص على أن كل مرتبة من مراتب الإثم مرتبة من الكفر ويؤيده أيضًا ما ورد في بعض الروايات من قوله شرك (2) دون شرك ولعلك بعد تدبرك--------------------------------------------
(1) يعني أنهما كليان مشككان والكلي إن كان صدقه على أفراده الذهنية والخارجية على التساوي يسمى متواطيًا كالإنسان وإن كان صدقه على بعضها أولى وأقدم وأشد من البعض الآخر يسمى مشككًا.
(2) الظاهر أنه أراد الرواية بالمعنى فقد وردت الروايات الدالة على هذا المعنى بألفاظ عديدة مختلفة منها ما في الدر المنثور عن شداد قال كنا نعد الرياء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر، وأخرج عن أحمد والحاكم وغيرهما عن شداد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك ثم قرأ {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} الآية وأخرج عن البيهقي وغيره عن عبد الرحمن بن غنم قيل له أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من صام رياء فقد أشرك ومن صلى رياء فقد أشرك ومن تصدق رياء فقد أشرك قال بلى ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} فشق ذلك على القوم واشتد عليهم فقال ألا أفرجها عنكم قالوا بلى يا رسول الله فقال هي مثل الآية التي في الروم وما أتيتم من راء ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله فمن عمل رياء لم يكتب لا له ولا عليه، وأخرج عن الحاكم وصححه والبيهقي وغيره عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان رجل وغير ذلك من الروايات الكثيرة وبوب البخاري في صحيحه كفر دون كفر، قال الحافظ: أشار إلى أثر رواه أحمد في كتاب الإيمان من طريق عطاء بن أبي رياح وغيره وأخرج السيوطي في الدر عن الحاكم وصححه والبيهقي وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال كفر دون كفر، الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
فيما ههنا تعده كالبديهي لكثرة ما يدل على صحته فلتكن على ذكر منك وتدبر في فهم هذا المرام حتى لا تتحير في كثير من أخبار سيد الأنام والله الهادي إلى سبيل الرشاد وأنه الموفق للصواب والسداد.
[إذا كان دمًا أحمر فدينار] لغلظ الجنابة (1) بسبب شدة الأضرار في هذا الوقت وإن كان أصفر فنصف دينار لما فيه من قلة الضرر إضافة إلى الأول وإن تساوى في شمول النهي لهما ثم إن الأمر بالتصديق كما في هذا الحديث فمبني--------------------------------------------
(1) قلت: ما أفاده الشيخ هو الأوجه ويحتمل أن يكون التفريق بين الأحمر والأصفر لما أن الأجر يكون في مبدأ الحيض والأصفر في آخره والرجل في آخر الزمان يعد معذورًا في الجملة لطول زمان الفرقة والبعد عن الصحبة بخلاف إبان زمانه فتأمل ثم الذين قالوا بالكفارة بدينار أو نصف دينار اختلفوا في أنه للتخيير كما في الروض عن أحمد أو للتنويع بأول الحيض وآخره كما في ابن رسلان عن الشافعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
على أن الشيخ المجبولة عليه الطباع يتقضي الضن بالمال وفي إنفاقه على الجناية إقلاع عنها وامتناع منها لما يتعقبه من بذل المال الثقيل على النفس مع ما فيه من إطفاء نار غضب الرب تعالى وذخيرة الخير المكافئة لما نقصته الخطايا ثم المراد بأمر التكفير (1) في قول الأولين إن كان هو الوجوب فالمراد بقول الآخرين لا كفارة عليه نفي الوجوب ليظهر بين قوليهما فرق وإن كان المراد في قول الأولين هو الاستحباب فمعنى قول هؤلاء لا كفارة عليه أن الكفارة ليست بكافية ما لم يتب منها وأن الكفارة لا تفيد رفع الجناية وإن لم يخل عن فائدة ما، والأظهر أن يقال مقصود الفريقين واحد وإن من أثبت الكفارة قصد استحباب الإتيان بها ومن نفاه نفى الوجوب أو الاكتفاء بها دون التوبة وعلى هذا فذكر المؤلف كلاً من القولين بعبارة أخرى لاختلاف أقوالهما التي وصلت إليه بحسب ألفاظها وإن اتفقت معانيها وأيًا ما كان فاستحباب التكفير لا ينكر (2).
[باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب]
لما كان الأمر بفرك المني--------------------------------------------
(1) قلت: من قال بالكفارة من الأئمة قال بالوجوب، قال الشيخ في البذل: اختلف العلماء في وجوب الكفارة فقال الشافعي في أصح قوليه وهو الجديد ومالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وجماهير السلف أنه لا كفارة عليه وعليه أن يستغفر ويتوب، وقال الشافعي في القول القديم الضعيف أنه يجب عليه الكفارة وهو مروي عن الحسن البصري وسعيد بن جبير وابن عباس وإسحاق وأحمد في الرواية الثانية عنه واختلف هؤلاء في الكفارة فقال الحسن وسعيد عتق رقبة، وقال الباقون دينارًا ونصف دينار وتعلقوا بهذا الحديث وهو ضعيف والصواب أن لا كفارة قاله النووي، انتهى.
(2) ففي الدرالمختار: يندب تصدقه بدينار أو نصفه ومصرفه كزكاة وهل على المرأة تصدق، قال في الضياء: الظاهر لا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)