Arabic source text

📘 সওনুল মানতিক ওয়াল কালাম আন ফাননাইয়িল মানতিক ওয়াল কালাম (আল-জালাল আস-সুয়ুতী - মৃত্যু 911 হিজরী)

📘 صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام (الجلال السيوطي - ت 911 هـ)

📘 সওনুল মানতিক ওয়াল কালাম আন ফাননাইয়িল মানতিক ওয়াল কালাম (আল-জালাল আস-সুয়ুতী - মৃত্যু 911 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
عنهم من بعده واختلفوا في أحكام الدين. فلم يفترقوا ولم يصيروا شيعًا. لأنهم لم يفارقوا الدين ونظروا فيما أذن لهم فاختلفت أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة مثل مسألة الحد والمشركة وذوي الأرحام ومسألة الحرام وفي أمهات الأولاد، وغير ذلك مما يكثر تعداده من مسائل البيوع والنكاح والطلاق، وكذلك في مسائل كثيرة من باب الطهارة وهيآت الصلاة وسائر العبادات فصاروا باختلافهم في هذه الأشياء محمودين وكان هذا النوع من الاختلاف رحمة من الله لهذه الأمة حيث أيدهم باليقين.
ثم وسع على العلماء النظر فيما لم يجدوا حكمة في التنزيل وللسنة فكانوا مع هذا الاختلاف. أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم أخوة الإسلام ولم ينقطع عنهم نظام الألفة، فلما حدثت هذه الأهواء المردية الداعية صاحبها إلى النار، ظهرت العداوة وتباينوا وصاروا أحزابًا فانقطعت الأخوة في الدين، وسقطت الألفة، فهذا يدل على أن هذا التباين والفرقة، إنما حدثت من المسائل المحدثة التي ابتدعها الشيطان، فألفاها على أهواء أوليائه، ليختلفوا ويرمي بعضهم بعضًا بالكفر.
فكل مسألة حدثت في الإسلام فخاض فيها الناس فتفرقوا واختلفوا فلم يورث الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضًا ولا تفرقًا وبينهم بقيت الألفة والنصيحة والمودة والرحمة والشفقة علمًا أن ذلك من مسائل الإسلام، يحل النظر فيها، والأخذ بقول من تلك الأقوال لا يوجب تبديعًا ولا تكفيرًا، كما ظهر مثل هذا الاختلاف بين الصحابة والتابعين، مع بقاء الألفة والمودة، وكل مسألة حدثت فاختلفوا فيها، فأورث اختلافهم في ذلك التولي والإعراض والتدابر والتقاطع وربما ارتقى إلى التكفير، علمت أن ذلك ليس في أمر الدين في شيء بل يجب على كل ذي عقل أن يجتنبها ويعرض عن الخوض فيها لأن الله شرط تمسكنا بالإسلام أنا نصبح في ذلك إخوانًا و

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)

فقال تعالى {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا}.
فإن قال قائل: إن الخوض في مسائل القدر، والصفات وشرط الإيمان يورث التقاطع والتدابر والاختلاف، فيجب طرحها، والإعراض عنها على ما زعمتم.
الجواب: إنما قلنا هذا في المسائل المحدثة، فأما الإيمان في هذه المسائل من شرط أصل الدين فلابد من قبولها على نحو ما ثبت فيه النقل عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وأصحابه، ولا يجوز لنا الإعراض عن نقلها وروايتها وبيانها لتفرق الناس في ذلك، كما في أصل الإسلام والدعاء إلى التوحيد، وإظهار الشهادتين، وقد ظهر بما قدمنا، وذكرنا بحمد الله ومنه أن الطريق المستقيم مع أهل الحديث، وأن الحق ما نقلوه ورووه، ومن تدبر ما كتبناه وأعطى من قلبه النصفة وأعرض عن هواه واستمع وأصغى بقلب حاضر، وكان مسترشدًا متهديًا ولم يكن متعنتًا وأمده الله بنور اليقين عرف صحة جميع ما قلناه ولم يخف عليه شيء من ذلك، والله الموفق، من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم.
وقد أجاب بعض أهل السنة عن قولهم: إن الخبر الواحد لا يوجب العلم بجواب آخر سوى ما قلناه، وقد بيناه في كتاب القدر، وإن كان الجواب الصحيح ما ذكرناه، وهو طريق أهل الحق ولا معدل بنا عن طريقهم، بل لا نختار عليه شيئًا غيره، ولا نطلب طريقًا سواه، نسأل الله تعالى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)

أن يثبتنا عليه، وأن يمدنا بتوفيق بعد توفيق من قبله وأن يجعل ما قصدناه من بيان الحق لوجهه، وسعينا لطلب ما عنده إنه عليم قدير وولي كريم.
‌‌أصل الدين هو الاتباع
"فصل" سؤال قالوا قد جعلتم أصل الدين هو الإتباع، ورددتم على من يرجع إلى المعقول ويطلب الدين من قبله، وهذا خلاف الكتاب لأن الله ذم التقليد في القرآن وندب الناس إلى النظر والاستدلال والرجوع إلى الاعتبار، وأمر بمحادثة المشركين بالدلائل العقلية، وإنما ورد السمع مؤيدًا لما يدل عليه العقل، ومن تدبر القرآن، ونظر في معانيه وجد تصديق ما قلناه فيه.
الجواب: قلنا قد دللنا فيما سبق أن الدين هو الإتباع، فذكرنا في بيانه ودلائله ما يجد المؤمن شفاء الصدر وطمأنينة القلب بحمد الله منه وتوفيقه.
وأما لفظ التقليد فلا نعرفه جاء في شيء من الأحاديث وأقوال السلف، فيما يرجع إلى الدين، وإنما ورد الكتاب والسنة بالإتباع، وقد قالوا إن التقليد قبول الغير من فير حجة وأهل السنة إنما اتبعوا قول رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وقوله نفس الحجة فكيف يكون هذا قبول قول الغير من غير حجة فإن المسلمين قد قامت لهم الدلائل السمعية على نبوة الرسول "صلى الله عليه وسلم" لما نقل إلينا أهل الإتقان والثقات من الرواة ما لا يعد كثرة من المعجزات والبراهين والدلالات التي ظهرت عليها وقد نقلها أصحاب الحديث في كتبهم ودونوها.
وليس المقصود من ذكرها في هذا الموضع بيانها بتفاصيلها، وإنما قصدنا بيان طريق أهل السنة فلما صحت عندهم نبوته، ووجدوا صدقه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)

في قلوبهم، وجب عليهم تصديقه فيما أنباهم من الغيوب ودعاهم إليه من وحدانية الله عز وجل وإثبات صفاته وسائر شرائط الإسلام وعلى أنا لا ننكر النظر قدر ما ورد به الكتاب والسنة لينال المؤمن بذلك زيادة اليقين وثلج الصدور وسكون القلب.
وإنما أنكرنا طريقة أهل الكلام فيما أسسوا، فغنهم قالوا أوال ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري عز وجل، وهذا قول مخترع، لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين، ولو انك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها منقولًا من النبي "صلى الله عليه وسلم" ولا من الصحابة، وكذلك من التابعين بعدهم وكذلك يجوز أن يخفى عليهم أول الفرائض، وهم صدر هذه الأمة، والسفراء بيننا وبين رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ولئن جاز أن يخفى العرض الأول على الصحابة والتابعين حتى لم يبينوه لأحد من هذه الأمة مع شدة اهتمامهم بأمر الدين، وكان عنايتهم، حتى استخرجه هؤلاء بلطف فطنتهم في زعمهم. فلعله خف عليهم فرائض آخر، ولئن كان هذا جائزَا، فلقد ذهب الدين فاندرس، لأنا إنما نبني أقوالنا على أقوالهم. فإذا ذهب الأصل، فكيف يمكن البناء عليه. نعوذ بالله من قول يؤدي إلى هذه المقالة الفاحشة القبيحة، التي تؤدي إلى الانسلاخ من الدين، وتضليل الأئمة الماضين.
هذا وقد تواترت الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يدعو الكفار إلى الإسلام والشهادتين. قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: أمرت أنت أقاتل الناس؛ حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: إذا نازلتم أهل حصن، أو مدينة فادعوهم إلى شهادة لا إله إلا الله، ومثل هذا كثير.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)

ولم يرو أنه دعاهم إلى النظر والاستدلال، وإنما يكون حكم الكافر في الشرع أن يدعى إلى الإسلام، فإن أبى وسال النظرة والإمهال لإيجاب إلى ذلك، ولكنه إما أن يسلم أو يعطي الجزية أو يقتل، وفي المرتد إما أن يسلم أو يقتل، وفي مشركي العرب على ما عرف.
وإذا جعلنا الأمر على ما قاله أهل الكلام لم يكن الأمر على هذا الوجه، ولكن ينبغي أن يقال له: اعني الكافر، عليك النظر والاستدلال لتعرف الصانع بهذا الطريق ثم تعرف الصفات بدلائلها وطرقها. ثم مسائل كثيرة إلى أن يصل الأمر إلى النبوات، ولا يجوز على طر يقهم الإقدام على هذا الكافر بالقتل والسبي إلا بعد أن يذكر له هذا ويمهل، لان النظر والاستدلال لا يكون إلا بمهلة. خصوصًا إذا طلب الكافر لذلك. وربما يتفق النظر والاستدلال في مدة يسيرة فيحتاج إلى إمهال الكفار مدة طويلة تأتي على سنين ليتمكنوا من النظر على التمام والكمال، وهو خلاف إجماع المسلمين.
وقد حكي عن أبي العباس بن سريح أنه قال: "لو أن رجلًا جاءنا. وقال: إن الأديان كثيرة فخلوني انظر في الأديان، فما وجدت الحق فيه قبلته، وما لم أجد فيه تركته. لم تخله، وكلفناه الإجابة إلى الإسلام، وغلا أوجبنا عليه القتل.
وقد جعل أهل الكلام من تخلف ناظرًا فيه وفي غيره من الأديان، مقيمًا على الطاعة، مؤتمرًا بأمره. محمودًا في فعله، وهذا جهل عظيم في الإسلام وينبغي على قولهم: إذا مات في مدة النظرة والمهلة قبل قبول الإسلام أنه مات مطيعًا لله مقيمًا على أمره. لابد من إدخاله الجنة كمال يدخل المسلمون. وقد جعلوا غير المسلم مطيعًا لله، مؤتمرًا بأمره في باب الدين.
وأوجبوا إدخاله الجنة. وقد قال تعالى: {ومن يتغ غير الإسلام دينًا فلن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)

يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}. وقال النبي "صلى الله عليه وسلم": "لا دخل الجنة إلا نفس مؤمنة"، وهذال حديث ثابت لا شك فيه.
ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه من أن الدين طريقة الإتباع: أنا إذا سلكنا طريق الإنصاف، وطرحنا التباغي والمكابرات من جانب، فلابد من الانقياد لما قلناه، لان المقصود من النظر في الابتداء، إذا كان هو إصابة الحق، فليتدبر المرء المسترشد أحوال هؤلاء الناظرين، وكيف تحيروا في نظرهم وارتكسوا فيه، فلئن نجا واحد بنظره، فقد هلك فيه الألوف من الناس، وغلى أن يبصر واحد فواحد بنظرة طريق الحق بنظر رحمة سبق من الله له، فقد ارتطم ب طريق الكفر والضلالات والبدع بنظرهم أضعاف عدد الأولين.
وهل كانت الزندقة والإلحاد وسائر أنواع الكفر والضلالات والبدع منشؤها وابتداؤها إلا من النظر، ولو أنهم أعرضوا عن ذلك، وسلكوا طريق الإتباع، ما أداهم إلى شيء منها، فما من هالك في العالم، إلا وبدو هلاكه من النظر ن ومات من ناج في الدين سالك سبيل الحق إلا وبدو نجاته عن حسن الإتباع. أفيستجيز مسلم أن يدعو الخلق إلى مثل هذا الطريق المظلم، ويجعله سبيل منجاتهم فكيف يجد ذولب وبصيرة أن يسلك مثل هذا الطريق وأنى له الأمان من هذه المهالك وكيف له المنجاة من أودية الكفر وعامتها بل جميعًا إنما يهبط عليها من هذه المرقاة، أعني طلب الحق من النظر، ولو أعطى الخصم النصفة لا يجد بدًا من الإقرار أن من كان غوره في النظر أكثر كان حيرته في الدين أشد وأعظم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)

وهل رأى أحد متكلمًا أداه نظره وكلامه إلى تقوى في الدين أو ورع في المعاملات أو سداد في الطريقة أو زهد في الدنيا أو إمساك عن حرام أو شبهة أو خشوع في عبادة، أو ازدياد من طاعة، أو تورع من معصية إلا الشاذ النادر. بل لو قلبت القصة كنت صادقًا تراهم أبدًا منهمكين في كل فاحشة، متلبسين لكل قاذورة، لا يرعوون عن قبيح ولا يرتدعون من باطل إلا من عصمة الله فأين دلهم النظر على اليقين وحقيقة التوحيد، فبئس ثمرة اليقين هذا، وتعسًا لتوحيد إلى مثل هذه الأشياء، وأوردهم هذه المتالف في الدين، ومن الله التوفيق وحسن المعونة لإصابة طريق الحق والثبات عليه بمنه.
وقالوا أيضًا وهو الأصل الذي يؤسسه المتكلمون والطريق الذي يجعلونه قاعدة علومهم وربما قالوا من لم يحكم هذا الأصل لم يمكنه إثبات: حدث العالم وذلك مسألة العرض والجوهر وإثباتهما. فإنهم قالوا: إن الأشياء لا تخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكون جسمًا أو عرضًا أو جوهرًا، فالجسم ما اجتمع من الافتراق، والجوهر ما احتمل الأعراض، والعرض ما لا يقوم بنفسه، وإنما يقوم بغيره، وجعلوا الروح من الأعراض، وردوا أخبار رسول الله "صلى الله عليه وسلم" في خلق الروح قبل الجسد، لأنه لم يوافق نظرهم وأصولهم واختراعهم، وردوا خبره "صلى الله عليه وسلم" في خلق العقل قبل الخلق وإنما ردوا هذه الأخبار لأن العقل عندهم عرض كالروح، والعرض لا يقوم بنفسه فردوا الأخبار بهذه الطريق. وكذلك ردوا الخير الذي روى عن النبي "صلى الله عليه وسلم" أن الموت يذبح على الصراط، لأن الموت عرض لا ينفرد بنفسه. فهذا أصلهم الثاني الذي أدى إلى رد الأخبار الثابتة عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم". ومثل هذا كثير يأتي بيانه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)

ولهذا قال بعض السلف: إن أهل الكلام أعداء الدين، لأن اعتمادهم على حدسهم وظنونهم وما يؤدي إليه نظرهم وذكرهم، ثم يعرضون عليه الأحاديث، فما وافقه قبلوه، وما خالفوه ردوه على ما سبق بيانه.
وأما أهل السنة سلمهم الله، فإنهم يتمسكون بما نطق به الكتاب ووردت به السنة، ويحتجون له بالحجج الواضحة والدلائل الصحيحة على حسب ما أذن فيه الشرع وورد به السمع، ولا يدخلون بآرائهم في صفات الله تعالى ولا في غيرها من أمور الدين، وعلى هذا وجدوا سلفهم وأئمتهم. وقد قال الله تعالى {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا. وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا} وقال أيضًا {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته).
وقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" في خطبة الوداع، وفي مقامات له شتى، وبحضرته عامة أصحابه رضي الله عنهم: ألا هل بلغت، وكان مما أنزل إليه وأمر بتبليغه أمر التوحيد، وبيانه بطريقته، فلم يترك النبي "صلى الله عليه وسلم" شيئًا من أمور الدين وقواعده وأصوله وشرائعه وفصوله إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه؛ ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لو آخر فيها البيان لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إليه.
وإذا كان الأمر على ما قلناه، وقد علمنا أن النبي "صلى الله عليه وسلم" لم يدعهم في هذه الأمور إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر وذكر ماهيتهما. ولا يمكن لأحد من الناس أن يروي في ذلك عنه ولا عن أحد من الصحابة من هذا النمط حرفًا واحدًا فما فوقه، لا في طريق تواتر ولا آحاد. فعلمنا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)

أنهم ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء، وسلكوا غير طريقهم، وأن هذا طريق محدث مخترع لم يكن عليه رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ولا أصحابه رضي الله عنهم، وسلوكه يعود عليهم بالطعن والقدح، ونسبتهم إلى الجهل وقلة العلم في الدين واشتباه الطريق عليهم.
وبلغني أنه كان لأبي هاشم الجبائي ابنة تسمى فاطمة، وكان أصحابه يقولون: إن فاطمة بنت أبي هاشم أعلم بالله وبطريق الحق من فاطمة بنت محمد "صلى الله عليه وسلم" ورضي عنها فنعوذ بالله من طريق يؤدي إلى مثل هذا القول. ونسأله التوفيق لما يحب ويرضى.
وإياك رحمك الله أن تشتغل بكلامهم، ولا تغير بكثرة مقالاتهم فإنها سريعة التهافت كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه أو يقاربه، فكل بكل معارض، وبعض ببعض مقابل، وإنما يكون تقدم الواحد منهم، وفلجه على خصمه بقدر حظه من البيان، وحذقه في صناعة الجدل والكلام. وأكثر ما يغلب بعضهم بعضًا. إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول لهم ومناقضات على أقوال حفظوها عليهم، فهم يطالبونهم بقودها وطردها. فمن تقاعد عن ذلك سموه من طريق الجدل منقطعًا وجعلوه مبطلًا، وحكموا بالفلج لخصمه، والجدل لا يتبين به حق. ولا تقوم به حجة وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين، كلتاهما باطلة، ويكون الحق في ثالثة غيرهما. فمناقضة أحدهما صاحبة لا تصحح مذهبه، وإن أفسد به قول خصمه لأنهما مجتمعان في الخطأ مشتركان فيه. يقول الشاعر:
حجج تهافت كالزجاج تخالها … حقًا وكل كاسر مكسور

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)

وإنما كان الأمر كذلك لأن واحدًا من الفريقين لا يعتمد في مقالته أصلًا صحيحًا وإنما هو آراء تتقابل وأوضاع تتكافأ وتتعادل ولو أنصفوا في المحاجة لزم الواحد منهم أن يتنقل عن مذهبه يوم كل كذا وكذا مرة لما يورد عليه من الإلزامات، وتراهم ينقطعون في الحجاج وينتقلون. وهذا على أنه ليس قصدهم طلب الحق، إنما طريقهم إتباع الهوى فحسب. فإذا ألزم قال: هذا إلزام توجه على لا على مذهبي، وسنأتي بعد بالجواب أو يوجد من يفصل عن هذه الشبهة ممن ينتحل ديني ومذهبي، فإذا راعينا مثل هذا لم تقم حجة على كافر أبدًا، وما هذا إلا طريق يوهم جميع الكافرين أنهم على الحق، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ومن قبيح ما يلزمهم في اعتقادهم أنا إذا بنينا الحق على ما قالوا وأوجبنا طلب الدين بالطريق الذي ذكروه، وجب من ذلك تكفير العوام بأجمعهم لأنهم لا يعرفون إلا الإتباع المجرد، ولو عرض عليهم طريق المتكلمين في معرفة الله تعالى ما فهمه أكثرهم. فضلًا من أن يصير فيه صاحب استدلال وحجاج ونظر، وإنما غاية توحيدهم التزام ما وجدوا عليه سلفهم وأتمتهم في عقائد الدين. والعض عليها بالنواجذ، والمواظبة على وظائف العبادات وملازمة الأذكار، بقلوب سليمة طاهرة عن الشبهات والشكوك تراهم لمن يحيدون عما اعتقدوه. وإن قطعوا إربًا إربًا، فهنيئًا لهم هذا اليقين، وطوبي لهم هذه السلامة. فإن كفروا هؤلاء الناس فهم السواد الأعظم، وجمهور الأمة، فماذا الاطى بساط الإسلام، وهدم منار الدين وأركان الشريعة. وأعلام الإسلام، والحلق هذه الدار -أعني دار الإسلام- بدار الكفر وجعل أهليهما بمنزلة واحدة، ومتى يوجد في الألوف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)

من المسلمين على الشرط الذي يراعونه لتصحيح عرفة الله. أو لا يجد مسلم ألم هذه المقالة القبيحة الشنيعة في قلبه؟ بل لو تقطع حسرات من عظيم ما اخترعوه في الدين؟ وموهوه على الناس، كان جديرًا بذلك، وإن قالوا إنا لا نكفر العوام، فقد ناقضوا أصولهم، حين أثبتوا حقيقة المعرفة والإيمان بغير طريقها على أصولهم، وأظن أن من قال عنهم ذلك فإنما هو سلوك طريق التقية. ورد تشنيع الناس عليهم، وإلا فاعتقادهم وطريقتهم في أصولهم ما ذكرنا، والله يكفي أهل السنة والجماعة شرهم، ويرد كيدهم في نحرهم، ويلحق بهم عاقبة مكرهم بقدرته وعظيم سطوته.
‌‌فصل معنى العقل ومقامه من الدين عند أهل السنة
فصل: ونشتغل الآن بذكر معنى العقل ومقامه من الدين عند أهل السنة.
اعلم أن مذهب أهل السنة أن العقل لا يوجب شيئًا على أحد، ولا يرفع شيئًا عنه. ولاحظ له في تحليل أو تحريم، ولا تحسين ولا تقبيح ولو لم يرد السمع ما أوجب على أحد شيء، ولا دخلوا في ثواب ولا عقاب. واستدلوا على هذا بقوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا}. وبقوله تعالى {رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للنا على الله حجة بعد الرسل}. وقال تعالى حاكيًا عن الملائكة غيما خاطبوا به أهل النار {ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا بلى}

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)

فأقام عليهم الحجة ببعثة الرسل فلو كانت الحجة لازمة بنفس العقل لم يكن بعثه للرسل شرطًا لوجوب العقوبة. وقال "صلى الله عليه وسلم": أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله: فدل أنه الداعي إلى الإيمان وعندهم أن الداعي إلى الإيمان هو العقل؛ وجاء الكتاب مؤيدًا لهذا. قال الله تعالى {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا الذي له ملك السموات والأرض} … الآية. فدل على أن الدعوة له وأن الحجة تقوم به، وأمثال هذه الآيات في القرآن كثيرة.
وما أوحش قول من يقول إنه لا دعوة لأحد من النبيين والمرسلين إلى الإيمان على الحقيقة، وإن وجودهم وعدمهم في هذا بمنزلة واحدة. ولو لم يكونوا كان وجوب الإيمان على الناس على الجهة التي وجبت عليهم بعد وجودهم. ولاحظ لدعوتهم في هذا، وإنما الحظ لدعوتهم في الشرائع وفروع العبادات. فقد جعلوا عقولهم دعاة إلى الله تعالى. ووضعوها موضع الرسل فيما بينهم، ولو قال قائل: لا إليه إلا الله عقلي رسول الله، لم يكن مستكفرًا عند المتكلمين من جهة المعنى. فظهر فساد قول من سلك هذا.
ثم نقول والله الهادي والموفق: إن الله تعالى أسس دينه وبناه على الإتباع وقبوله بالعقل. فمن الدين معقول وغير معقول، والإتباع في جميعه واجب. ومن أهل السنة من قال بلفظ آخر. قال: إن الله لا يعرف بالعقل ولا يعرف مع عدم العقل، ومعنى هذا أن الله تعالى هو الذي يعرف العبد ذاته، فيعرف الله بالله لا بغيره لقوله تعالى {إنك لا تهدي من أحببت ولكنت الله يهدي من يشاء} ولم يقل ولكن العقل، وقال تعالى {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد ثبت أن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)

النبي "صلى الله عليه وسلم" قال "والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا". فهذه الدلائل دلت أن الله تعالى هو المعرف. إلا أنه إنما يعرف العبد نفسه مع وجود العقل، لأنه سبب الإدراك والتمييز، لا مع عدمه، لأن الله تعالى قال {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}. وقال {إن في لك لذكرى لمن كان له قلب}. وقال تعالى مخبرًا عن أصحاب النار {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير}. والله يعطي العبد المعرفة لهدايته إلا أنه لا يحصل ذلك مع فقد العقل، وهذا كما أن العبد لا يعرف الله تعالى بجسمه ولا بشخصه ولا بروحه ولا يعرفه مع عدم شخصه وجسمه وروحه كذلك لا يعرف الله بالعقل ولا يعرفه مع عدم العقل ونظير هذا أن الولد لا يكون مع فقد الوطء، ولا يكون بالوطء، بل يكون بإنشاء الله تعالى وخلقه. وكذلك لا يكون الزرع إلا في أرض وببذر وماء، ولا يكون بذلك؛ بل يكون بقدرة الله وإنباته. قال الله تعالى {أفرأيتم مات تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} معناه أنتم تنبتونه أم نحن المنبتون. يقال للولد زرعه الله: أي أنبته الله تعالى، وأمثال هذا كثير، والموفق يكتفي باليسير والمخذول لا يشفيه الكثير.
وقد قال بعض أهل المعرفة: إنما أعطينا العقل لإقامة العبودية، لا لإدراك الربوبية فمن شغل ما أعطى لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فأتته العبودية ولم يدرك الربوبية. ومعنى قولنا: إنما أعطينا العقل لإقامة العبودية هو انه آلة التمييز بين القبيح والحسن والسنة والبدعة، والرياء والإخلاص، ولولاه لم يكن تكليف، ولا توجه أمر ولا نهي، فإذا استعمله على قدره ولم يجاوز به حده: أداة ذلك إلى العبادة الخالصة، والثبات على السنة، واستعمال

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)

المستحسنات، وترك المستقبحات. فهذا يكون معنى قول النبي "صلى الله عليه وسلم" في الرجل يكثر الصلاة والصيام إنما يجازي على قدر عقله، وقال بعضهم العقل مدبر يدبر لصاحبه أمر دنياه وعقباه. بأول تدبيره الإشارة إلى المدبر الصائع ثم إلى معرفة النفس ثم يشير إلى صاحبه بالخضوع والطاعة لله والتسليم لأمره والموافقة له. وهذا معنى قولهم: العاقل من عقل عن الله أمره ونهيه.
وقال بعضهم: العقل حجة الله على جميع الخلق لأنه سبب التكليف أن صاحبه لا يستغنى عن التوفيق في كل وقت ونفس العقل بالتوفيق كان والعاقل محتاج في كل وقت إلى توفيق جديد تفضلًا من الله تعالى ولو لم يكن كذلك لكان العقلاء مستغنين عن الله بالعقل فيرتفع عنهم الخوف والرجاء ويصيرون آمنين من الخذلان وهذا تجاوز عن درجة العبودية وتعد عنها ومحال من الأمر. إذ ليس من الحكمة أن ينزل الله تعالى أحدًا غير منزلته. فإذا أغنى عبيده عن نفسه فقد أنزلهم غير منزلتهم وجاوز بهم حدودهم ولو كان هذا هكذا لاستوى الخلق والخالق في معنى من معاني الربوبية والله تعالى ليس كمثله شيء في جميع المعاني.
وقال بعضهم: العقل على ثلاثة أوجه: عقل مولود مطبوع وهو عقل بيني آدم الذي به فضل على أهل الأرض وهو محل التكليف والأمر والنهي وبه يكون التدبير والتمييز. والعقل الثاني هو عقل التأييد الذي يكون مع الإيمان معًا وهو عقل الأنبياء والصديقين. وذلك تفضل من الله تعالى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)

والعقل الثالث هو عقل التجارب والعبر وذلك ما يأخذه الناس بعضهم من بعض، ومن هذا قول من قال ملاقاة الناس تلقيح العقول.
وقال بعض أهل المعرفة: مقدار العقل في المعرفة كمقدار الإبرة عند ديباج أو خز فإنه لا يمكن لبس ديباج ولا خز إلا أن يخاط بالإبرة فإذا خيط ب الإبرة فلا حاجة بها إلى الإبرة كذلك تضبط المعرفة بالعقل، لا أن المعرفة تحصل من العقل أو تثبت فيه.
واعلم أن فصل ما بينتنا وبين المبتدعة هو مسألة العقل فإنهم أسسوا دينهم على المعقول وجعلوا الإتباع والمأثور تبعًا للمعقول. وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الأتباع والعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء وما شاء. ولو كان الدين مبنى على المعقول، وجب ان يجوز للمؤمنين ان يقبلوا أشياء حتى يعقلوا. ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله عز وجل وما تعبد الناس من اعتقاده، وكذلك ما ظهر بين المسلمين وتداولوه بينهم، ونقلوه عن سلفهم، إلى أن أسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ كر عذاب القبر وسؤال الملكين والحوض والميزان والصراط وصفات الجنة وصفات النار، وتخليد الفرقين فيهما، أمور لا تدرك حقائقها بعقولنا. وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئًا من أمور الدين وعقلناه وفهمناه، فلله الحمد في ذلك والشكر ومنه التوفيق، وما لم يمكننا إدراكه وفهمه، ولم تبلغه عقولنا آمنات به وصدقنا واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته. وقال تعالى في مثل هذا {ويسألونك عن الروح قل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)

الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} وقال الله تعالى {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}.
ثم نقول لهذا القائل الذي يقول بني ديننا على العقل وأمرنا بإتباعه أخبرنا إذا أتاك أمر من الله تعالى يخالف عقلك فبأيهما تأخذ؟ بالذي تعقل أو بالذي تؤمر؟ فإن قال بالذي أعقل فقد أخطأ، وترمك سبيل الإسلام وإن قال: إنما آخذ بالذي جاء من عند الله فقد ترك قوله. وإنما علينا أن نقبل ما عقلناه إيمانًا وتصديقًا، وما لمك نعقله قبلناه تسليمًا واستلامًا، وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم. فنسأل الله التوفيق فيه والثبات عليه وان يتوفانا على ملة رسول الله النبي "صلى الله عليه وسلم" بمنه وفضله.
هذا آخر ما لخصته من كلام ابن السمعاني.
‌‌ذكر كلام إمام الحرمين
ذكر كلام إمام الحرمين أبي المعالي الجويني في ذلك" قال ابن السمعاني في تاريخه سمعت أبا روح الفرج بن أبي بكر الأرموي يقول سمعت الفقيه غانمًا يقول سمعت إمام الحرمين أبا المعالي الجويني يقول: لو استقبلت من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)

أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام، وقال الإسنوي في طبقاته في ترجمة أبي الغنائم بن حسين الإرموي: جلس إلي إمام الحرمين وسأله أن يقرأ عليه شيئًا من علم الكلام فنهاه عن ذلك وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما قرأته. وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: كان أبو المعالي الجويني يقول: ل قد خليت أهل الإسلام وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق: عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطف فأموت على دين العجائز وتختم علي فيه أمري بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني. وكان يقول لأصحابه. لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.
‌‌ذكر كلام الغزالي في التفرقة بين الإيمان والزندقة
"ذكر كلام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في ذلك" قاله في كتابه التفرقة بين الإيمان والزندقة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)

"فصل" من أشد الناس غلوًا وإسرافًا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين. وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتها التي حررناها، فهو كافر. فهؤلاء ضيقوا رحمة الله على عباده أولًا. وجعلوا الجنة وقفًا على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جهلوا ما تواتر من السنة ثانيًا. إذ ظهر رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وعصر الصحابة حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشتغلين بعبادة الوثن، ولم يشتغلوا بتعليم الدليل. ولو اشتغلوا بها لم يفهموها ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد لا: بل الإيمان نور يقذفه الله في قلب عبده عطية وهدية من عنده؛ تارة بتنبيه من الباطن لا يمكن التعبير عنه، وتارة يسبب رؤيا في المنام، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته، وتارة بقرينة حال. فقد جاء أعرابي إلى النبي عليه السلام جاحدًا له منكرًا، فلما وقع بصره على طلعته البهية، فرآها تتلألأ منها أنوار النبوة قال: والله ما هذا بوجه كذاب. وسأل أن يعرض عليه الإسلام وجاء عليه السلام آخر فقال: أنشدك الله: الله بعثك نبيًا؟ فقال: أي والله، الله بعثني نبيًا، فصدقه بيمينه وأسلم. وهذا وأمثاله مما لا حصى ولم يشتغل واحد منهم بالكلام ويعلم الأدلة بل كان يبدو نور الإيمان أولًا بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء. ثم لا تزال تزداد إشراقًا بمشاهدة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)

تلك الأحوال العظيمة وبتلاوة القرآن وتصفية القلب. فليت شعري متى نقل عن الرسول عليه السلام وعن الصحابة إحضار أعرابي أسلم وقولهم له: الدليل على أن العالم حادث أن لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. وان الله تعالى عالم بعلم وقادر بقدرة زائد على الذات لا هو ولا هو غيره، إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين.
ولست أقول لم تجر هذه الألفاظ، بل لم يجر أيضًا ما معناه معنى هذه الألفاظ، بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف، يسلمون تحت ظلال السيوف، وجماعة من الأساري يسلمون واحدًا واحدًا بعد طول الزمان أو على القرب. فكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة علموا الصلاة والزكاة وردوا إلى صناعتهم من رعاية الغنم أو غيرها.
نعم لست أنكر أن يكون ذكر أدلة المتكلمين أحد أسباب الإيمان في حق بعض الناس ولكن ليس ذلك بمقصور عليه وهو أيضًا نادر بل لا ينفع إلا الكلام الجاري في معر ض الوعظ كما يشتمل عليه القرآن. فأما الكلام المحرر على رسم المتكلمين فإنه يشعر نفوس المستفهمين بأن فيه صنعة جدل يعجز عنه العامي لا لكونه حقًا في نفسه، وبه يكون ذلك سببًا لرسوخ العبادة في قلبه: ولذلك لا يرى مجلس مناظرة المتكلمين ولا الفقهاء يكشف عن واحد انتقل من الاعتزال إلى غيره، ولا عن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة، ولا على العكس. وتجرى هذه الانتقالات بأسباب آخر، حتى في القتال بالسيف. ولذلك، لم تجر عادة السلف بالدعوة بهذه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)

المجادلات - بل شددوا القول على من يخوض في الكلام ويشتغل بالبحث والسؤال.
وإذا تركنا المداهنة، ومراقبة الجوانب، صرحنا بأتن الخوض في الكلام حرام لكثرة الآفات. إلا لأحد شخصين: رجل وقعت له شبهة، ليست نزول بكلام قريب وعظى عن قلبه، ولا يخبر نقلي، فيجوز أن يكون القول المرتب رافعًا شبهة تدخل له في مرضه فليستعمل معه ويحرس عنه سمع الصحيح الذي ليس به ذلك المرض. فإنه يوشك أن يحرك في نفسه إشكالًا، ويثير له شبهة تمرضه، وتستنزله عن اعتقاده المجزوم الصحيح، والثاني: شخص كامل العقل راسخ القدم في الدين، ثابت الإيمان بأنوار النفس يريد أن يحصل هذه الصنعة ليداوي بها مريضًا إذا وقعت له شبهة. وليفحم ب ها مبتدعًا إذا - نبغ الله - وليحرس ب هـ معتقده، إذا قصد مبتدع إغواءه، فتعلم ذلك - لهذا الغرض - من فروض الكفايات، وتعلم قدر ما يزيل الشك والشبهة في حق المشكك، فرض عين إذا لم يكن إعادة اعتقاده المحرم بطريق آخر سواه. والحق الصريح أن كل منه اعتقد ما جاء به الرسول "صلى الله عليه وسلم" واشتمل عليه القرآن اعتقادًا حتميًا فهو مؤمن. وإن لمي عرف أدلته، بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جدًا، مشرف على التزلزل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)