من شرها؛ فإني لا آمن أن يكون بعدى من يجترئ على إخراجها إلى الناس فيقعوا فيما خيف عليهم. فقالوا: نعم الرأي رأيت أيها الملك، فأمضه.
فبعث بالكتب إلى يحيى بن خالد. فلما وصلت إليه جمع عليها كل زنديق وفيلسوف، فلما أخرج منها كتاب حد المنطق، قال أبو محمد بن أبي زيد: وقل من أنعم النظر في هذا الكتاب وسلم من زندقة. قال: ثم جعل يحيى المناظرة في داره والجدال فيما لا ينبغي، فيتكلم كل ذي دين في دينه، ويجادل عليه آمنا على نفسه.
قلت مقتضى هذا الكلام أن ذلك حدث في خلافة الرشيد فإن البرمكي كان وزيرا له، ثم أنه نكب في أيامه. وقتل في سنة سبع وثمانين ومائة.
وقال الصلاح الصفدى في شرح لامية العجم: حكى أن المأمون لما هادن بعض ملوك النصاري -أظنه صاحب جزيرة قبرص -كتب يطلب منه خزانة كتب اليونان وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد. فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك، فكلهم أشار عليه بعدم تجهيزها إليه، إلا بطراق واحد، فإنه قال: جهزها إليهم، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها.
حدثني من أثق به أن الشيخ تقي بن تيمية -رحمة الله تعالى -كان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
يقول: ما أظن أن الله يغفل عن المأمون ولابد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخاله هذه العلوم الفلسفية بين أهلها. أو كما قال.
ثم قال الصفدى: إن المأمون لم يبتكر النقل والتعريب بل نقل قبله كثير فإن يحيى بن خالد بن برمك عرب كثيرًا من كتب الفرس مثل كليله ودمنة، وعرب لأجله كتاب المجصطى من كتب اليونان.
والمشهور أن أول من عرب كتب اليونان خالد بن يزيد بن معاوية لما أولع يكتب الكيما.
وللتراجمة في النقل طريقان أحدهما طريق يوحنا بن الطريق وابن الناعمة الحصى وغيرهما وهو أن ينظر إلى [كل] كلمة مفردة من الكلمات اليونانية، وما تدل عليه من المعنى، فيأتي بكلمة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيبينها، وينتقل إلى الكلمة الأخرى كذلك، حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه وهذه الطريقة رديئة لوجهين: أحدهما أنه لا يوجد في الكلمات العربية كلمات تقابل جميع الكلمات اليونانية، ولهذا وقع في خلال هذا التعريب كثير من الألفاظ اليونانية على خلافها. والثاني أن خواص التركيب والنسب الاسنادية لا تطابق نظيرها من لغة أخرى دائمًا، وأيضا يقع الخلل من جهة استعمال المجازات وهي كثير في جميع اللغات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
(الطريق الثاني في التعريب) طريق حنين بن إسحاق والجوهري وغيرهما وهو أن يأتي إلى الجملة، فيحصل معناها في ذهنه، ويعبر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها سواء ساوت الألفاظ الألفاظ أم خالقتها وهذه الطريق أجود، ولهذا لم تحتج كتب حنين بن إسحاق إلى تهذيب إلا في العلوم الرياضية، لأنه لم يكن قيما بها بخلاف كتب الطب والمنطق والطبيعي والإلهي، فإن ماعربه منها لم يحتج إلى إصلاح. فأما أر قليدس فقد هذبه ثابت بن قرة الحرانى، وكذلك المجصطى والمتوسطات بينهما.
ثم قال: والخلاف مازال في هذه الأمة منذ توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في موته ودفنه وأمر الخلافة بعده وأمر ميراثه وأمر قتال مانعي الزكاة إلى غير ذلك، بل في نفس مرضه (صلى الله عليه وسلم) لما قال: ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي -على ما هو مذكور في مواطنه. وقد روى أنس بن مالك أنه عليه السلام -قال: إن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتى ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وهو (صلى الله عليه وسلم) الصادق المصدوق الذي ما ينطق عن الهوى قد أخبر أن الأمة ستفترق ومتى افترقت خالف بعضها بعضا ومتى حالفت تمسكت بشبه وحجج، وناظرت كل فرقة من تخالفها، فانفتح باب الجدل واحتاج كل أحد إلى ترجيح مذهبه، وقوله بحجة عقلية أو نقلية أو مركبة منهما.
فهذا الأمر كان غير مأمون قبل المأمون، نعم زاد الشر شرا، والضر ضرا، وقويث به حجج المعتزلة وغيرهم، وأخذ أصحاب الأهواء مخالفوا السنة مقدمات عقلية من الفلاسفة، فأدخلوها في مباحثهم، وفرجوا بها مضايق جدالهم وبنوا عليها قواعد بدعهم، فاتسع الخرق على الواقع، وكاد منار الحق الواحد يشتبه بالثلاث الأثافي والرسوم البلاقع. انتهى كلام الصفدي.
وفي تاريخ ابن كثير في ترجمة خالد بن يزيد بن أمير المؤمنين معاوية ابن أبي سفيان أنه كان عالما شاعرًا وبنسب إليه شيء من علم الكيمياء وأنه كانت له معرفة بشيء من علوم الطبيعة، وأنه مات سنة تسعين من الهجرة.
فالحاصل من هذا كله أن علوم الأوائل دخلت إلى المسلمين في القرن الأول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
لما فتحوا بلاد الأعاجم، ولكنها لم تكثر فيهم، ولم تشتهر بينهم لما كان السلف يمنعون من الخوض فيها، ثم اشتهرت في زمن البرمكى، ثم قوى انتشارها في زمن المأمون لما أثاره من البدع وحث علته من الاشتغال بعلوم الأوائل وإخماد السنة.
وفي تاريخ الذهبي أن أول من أدخل الفلسفة الأندلس أمير الأندلس عبد الرحمن ابن الحكيم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموى، وأنه كان يشبه بالمأمون العباسي في طلب الكتب الفلسفية وبالوليد بن عبد الملك في جبروتيته، وأنه أول من فخم الملك بالأندلس من الأموية وكساه أبهة الجلالة، وأحدث بالأندلس لبس الطرز وضرب الدراهم ولم يكن فيها دار ضرب منذ فتحها العرب، وكانت وفاته سنة 239.
وقال الغزالي في الإحياء: وأما الفلسفة فليست علما برأسها، بل هي أربعة أجزاء أحدها الهندسة والحساب والثاني المنطق والثالث الإلهيات والرابع الطبيعات، وسيأتي سوق عبارته بحروفها.
[أول من مزج كتب الأصول بالمنطق]
وأول من مزج كتب الأصول به، فقال ابن تيمية في كتابه: لم يكن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
أحد من نظار المسلمين يلتفتون إلى طريق المنطقيين، بل الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وسائر الطوائف كانوا يعيبونها ويثبتون فسادها، وأول من خلط المنطق بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي وتكلم فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره.
وأما ابتداء فشوه في المتأخرين، فقال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه سنة 687. بعد أخذ التتار ببغداد سنة عمل الخواجا نصير الطوسى، الرصد، وعمل دار حكمة فيها فلاسفة، لكل واحد في اليوم ثلاثة دراهم، ودار طب فيها للحكيم درهمان، وصرف لأهلي دار الحديث لكل محدث نصف درهم في اليوم، ومن ثم فشا الاشتغال بالعلوم الفلسفية وظهر. ولم يكن الناس يشتغلون بها إلا الآحاد في خفية وبدلت بغداد بعد تلاوة القرآن بالنغمات والألحان وإنشاد الأشعار، وكان وبعد سماع الأحاديث النبوية، يدرس الفلسفة اليونانية، والمناهج الكلامية، والتأويلات القرمطية، وبعد العلماء بالحكماء، وبعد الخليفة العباسي بشر الولاة من الأناسي، وبعد الرياسة والنباهة بالخساسة والسفاهة، وبعد الطلبة المشتغلين بالظلمة والعيارين، وبعد الاشتغال بفنون العلم من التفسير والحديث والفقه وتعبير الرؤيا بالزجل والموشح ودويت ومواليا، وما أصابهم ذلك إلا ببعض ذنوبهم {وما ربك بظلام للعبيد} هذا كلام ابن كثير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
ذكر من صرح بذم المنطق أو تحريمه من أئمة المسلمين
لا شك أن المجتهد يحرم عليه إحداث قول لم يقل به أحد، واختراع رأى لم يسبق إليه ولهذا كان من شروط الاجتهاد معرفة أقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم اجماعا واختلافا، لئلا يخرق الإجماع فيما يختاره. فوجب ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة، قبل إقامة الدليل، لكون الكتاب مؤلفا على طريق الاجتهاد.
فأقول: أما الصحابة رضي الله عنهم -والتابعون وأتباعهم فلم يرد عنهم فيه التصريح بشيء لكونه لم يكن موجودا في زمنهم، وإنما حدث في أواخر القرن الثاني كما تقدم. وكان الإمام الشافعي رضي الله عنه -حيا إذ ذاك فتكلم فيه. وهو أقدم من رأيته حط عليه.
ذكر النص الذي ورد عن الإمام الشافعي
في تحريم المنطق
في ذلك قال أبو الحسن بن مهدي: حدثنا محمد بن هارون ثنا هميم بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
همام ثنا حرملة قال سمعت الشافعي يقول: ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتزكهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطيس. أورد هذا النص من هذا الطريق قاضى المسلمين الحافظ عز الدين عبد العزيز بن قاضي القضاة بدر من الدين بن جماعة في تذكرته.
وأشار الشافعي بذلك إلى ما حدث في زمن المأمون من القول بخلق القرآن ونفى الرؤية وغير ذلك من البدع، وأن سببها الجهل بالعربية والبلاغة الموضوعة فيها من المعاني والبيان والبديع الجامع لجميع ذلك قوله لسان العرب الجاري عليه نصوص القرآن والسنة، وتخريج ما ورد فيها على لسان يونان ومنطق أرسطاطاليس الذي هو في حيز ولسان العرب في حيز، ولم ينزل القرآن ولا أتت السنة إلا على مصطلح العرب ومذاهبهم في المحاورة والتخاطب والإحتجاج والاستدلال لا على مصطلح يونان، ولكل قوم لغة واصطلاح. وقد الق تعالى
{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}.
فمن عدل عن لسان الشرع إلى لسان غيره وخرج الوارد من نصوص الشرع عليه جهل وضل. ولم يصب القصد. ولهذا كثيرًا من أهل المنطق إذا نكلم في مسألة فقهية، وأراد تخريجها على قواعد علمه. أخطأ ولم يصب ما قالته الفقهاء ولا جرى على قواعدهم. وقد علم الناس ما كان يقع بين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
شيخنا المذكور في الخطبة وبين فقهاء الحنفية من كثرة التنازع والاختلاف في الفتاوى الفقهية، ونسبتهم إياه إلى أنها غير جارحة على قوانين الفقه، وما ذاك إلا لكونه كان يخرجها على قواعد الإستدلال المنطقي. وللشريعة قواعد أخرى لا يخرج الفقه إلا عليها. فمن تركها وخرج على غيرها لم يدرك غرض الفقه، والشيخ رحمه الله، أستاذي ونعله تاج رأسي، ولكن هذا هو الحق الذي لابد منه. وقد أراد مني مرات أن أوافقه في فتاوى نتعلق بالأوقاف ولم أوافقه على شيء منها.
والغرض بهذا الكلام شرح قول الشافعي رضي الله عنه، وأنه من أراد تخريج القرآن والسنة والشريعة على مقتضى قواعد المنطق، ولم يصب غرض الشرع ألبتة، فإن كان في الفروع نسب إلى الخطأ، وإن كان في الأصول نسب إلى البدعة وهذا أعظم دليل على تحريم هذا الفن فإنه سبب للأحداث والابتداع ومخالفة السنة ومخالفة غرض الشارع وكفى بهذا دليلا وهو مستنبط من كلام الشافعي رضي الله عنه.
ونظيره تحريم النظر في متشابه القرآن خوف الزيغ والفتنة أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: "تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم -هذه الآية" هو أنزل عليك الكتاب إلى قوله أولوا الألباب قال: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم}.
وأخرج الطبراني في الكبير عن أبى مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم -يقول "لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله {وما يعلم تأويله إلا الله}.
أول من سأل عن متشابه القرآن عبد الله بن صبيغ
وأخرج الدرامي في مسنده عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ، قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر، وقد أعد له عراجين النخل فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن صبيغ، فأخذ عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى دمى رأسه. وفي رواية عنه، فضربه بالجريد، حتى ترك ظهره دبره، ثم تركه حتى برئ ثم عاد له ثم تركه، حتى برأ، فدعا به ليعود فقال: إن كنت تريد قتلي، فاقتلني قتلا جميلا، فأذن له إلى أرضه وكتب إلى (أبى) موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين.
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس أن عمر بن الخطاب جلد صبيغا الكوفي في مسألأة عن حرف من القرآن، حتى اطردت الدماء في ظهره.
وأخرج نصر المقدسي في الحجة وابن عساكر عن الصائب بن يزيد أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
رجلا قال لعمر: إني مررت برجل يسأل عن (بعض) مشكل القرآن، فقال عمر اللهم أمكني منه، فدخل الرجل يومًا على عمر فسأله، فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده ثم قال ألبسوه تبانًا واحملوه على قتب وابلغوا به حيه، ثم لقيم خطيب فليقل: إن صبيغًا طلب العلم، فأخطاه، فلم يزل وضيعًا في قومه، بعد أن كان سيدًا فيهم.
وأخرج نصر المقدسي وابن عساكر عن أبى عثمان النهدى أن عمر كتب إلى آل البصرة أن لا يجالسوا صبيغًا، قال فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا.
وأخرج ابن عساكر عن محمد بن سيرين، قال كتب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعري أن لا يجالس صبيغا، وأن يحرم عطاؤه ورزقه.
وأخرج نصر في الحجة وابن عساكر عن زرعة، قال رأيت صبيغ ابن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب، يجيء إلى الحلقة، ويجلس وهم لا يعرفونه، فتناديهم الحلقة الأخرى: عزمة أمين المؤمنين عمر، فيقومون ويدعونه وأخرج الشيخ نصر المقدسي في الحجة عن أبى إسحاق أن عمر كتب إلى أبى موسى الأشعرى: أما بعد فإن الأصبغ تكلف ما كفى وضيع ماولى فإذا جاء كتابي هذا فلا تبايعوه، وإن مرض فلا تعودوه، وإن مات فلا تشهدوه.
وأخرج نصر أيضًا عن أبى هريرة قال: كنا عند عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل يسأله عن القرآن، أمخلوق هو أو غير مخلوق؟ فقال علي: هذه كلية وسيكون لها ثمرة، ولو وليت، من الأمر ما وليت، ضربت عنقه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
[تحريم الشافعي النظر في علم الكلام]
ولهذه العلة بعينها حرم الشافعي رضي الله عنه -النظر في علم الكلام، أخرج الهروى في كتاب ذم الكلام بسنده عن الشافعي، قال: حكي في أهل الكلام وحكم عمر صبيغ، دل ذلك منه على أن العلة عنده في تحريم النظر في علم الكلام ما يخنثى منه من إثارة الشبه والابحرار إلى البدع، فحرمه قياسًا على تحريم النظر في المتشابه، وهذا قياس صحيح.
وهذه العلة بعينها موجودة في المنطق، كما ذكره الشافعي، فيكون الدليل على تحريم النظر فيه القياس على الأصل المقيس عليه علم الكلام، وهو المتشابه المنصوص على تحريم النظر فيه وهذا قياس صحيح لا يتطرق إليه قدح بنقض ولا معارضة -نعم قد يمنع الخصم وجود العلة المذكورة في المنطق، ولكن منعه هذا مكابرة فلا يسمع لأن المشاهدة والاستقراء تكذبه.
قال الذهبي في الميزان في ترجمة أبى الحسن بن الزاغونى الفقيه الحنبلي، له تصانيف فيها أشياء من بحوث المعتزله، يدعوه بها لكونه نصرها، وما هذا من خصائصه، بل قل من أمعن النظر في علم الكلام، إلا وأداه اجتهاده إلى القول بما يخالف محط السنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
ولهذا ذم علماء السلف النر في علم الأوائل: فإن علم الكلام مولد من علم الحكماء الدهرية، فمن أراد الجمع بين علم الأنبياء وبين علم الفلاسفة بذكائه، فلابد وأن يخالف هؤلاء وهؤلاء، ومن كف ومشى خلف ما جاءت به الرسل من إطلاق ما أطلقوا ولم يتخذلق ولا عمق فإنهم صلوات الله عليهم أطلقوا وما عمقوا فقد سلك طريق السلف الصالح، وسلم له دينه ويقينه، نسأل الله السلامة في الدين انتهى.
وقد يدعى دخول هذه الصورة بخصوصها -أعنى تحريم النظر في المنطق -تحت عموم النصوص الدالة على تحريم كل ما جر إلى فساد، أو خشى منه فتنة، فيكون التحريم مستفادًا عن عموم النصوص لا من خصوص القياس وللمستدل أن يستعمل كلا من الأمرين ويكون الدليلان تعاونا، طابق خصوص القياس، عموم النصوص.
[القرآن ورد على مذهب العرب واصطلاحهم]
تنبيه -يشهد لصحة ما أشار إليه الشافعي ما ذكره بعض أئمة المعقولات عند قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا". حيث قال هذا دليل إقناعي، وذلك لأنه رام تخريجه على قواعد الاستدلال المنطقي. والقرآن ورد على مذهب العرب واصطلاحهم في الاحتجاج، وقد أطبق أئمة البلاغة على إيراد هذه الآية في النوع البديعي المسمي عند المتأخرين بالمذهب الكلامي وبالاحتجاج النظري وأطبق العرب الذين نزل عليهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
القرآن، فمن بعدهم من المسلمين، على أن هذه الآية من أعظم الأدلة على الوحدانية. فإذا استحيا الإنسان من الله، لم يقل فيها مثل هذا الكلام، وليس غرضي بهذا الحط على الرجل المذكور، لكن بيان أن المنطق لا يجر إلى خير، وأن من لاحظه كان بعيدًا عن إدراك المقاصد الشرعية، فإن بينه وبين الشرعيات منافرة.
ونظير ذلك ما وقع للرجل المذكور أيضًا عند قوله تعالى {يسألونك عن الأهلة … } الآية. قال: سألوا عن الهلال لم يبدو دقيقًا، ثم متزايد حتى يمتلئ، فأجيبوا ببيان حكمة ذلك، وعدل عن جواب ما سألوا عنه، لأنهم ليسوا ممن يطلعون على دقائق الهيئة. بسهولة. وهذا الكلام منه خطأ صراح.
أما أولا، فلأن أسباب النزول دل على أنهم سألوا عن الحكمة لا عن ما ذكره ..
أما ثانيًا، فلا يليق أن يظن بالصحابة رضي الله عنهم -الذين هم أدق فهما من جميع العجم ومن كل الأمة، أنهم ليسوا ممن يطلع على دقائق الهيئة بسهولة وقد اطلع عليها آحاد العجم المتأخرين.
وأما الثالثًا: فلم يسكن في القدرة الإلهية توصيل ذلك إلى أذهانهم بعبارة يفهمونها.
وأما رابعًا: فقد اطلع الصحابة -رضوان الله عليهم -على دقائق جمة من الفقه، وعويص الفرائض وأعمال القلوب، فأي شيء علم الهيئة بالنسبة إلى ذلك، هو أخس وأحقر، لو كان له أصل معتبر، فكيف وأكثره
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
فاسد لا دليل عليه، بل قامت الأدلة من الأحاديث والآنا، على خلافه، كما أفردته في تأليف مستقل. والذي جرأ صاحب هذه المقالة عليها وعلى مثلها الإنهماك في العلوم الفلسفية والإعجاب بالدقائق العقلية، حتى ظن أنه لا يسهل إلا عليه وعلى نظرائه واستبعد أن يصل إليها أحد بسهولة، حتى الصحابة، فإنا الله وإنا إليه راجعون.
وقد سأل القطب الرازي الشيخ نقي الدين السبكي عن حديث "كل مولود يولد على الفطرة" وأورد عليه تشكيكات منطقية، فأجاب الشيخ تقي الدين بأن المحمول فيه مساو للموضوع لا أخص منه" (واستدل) على مساواته بنور إلهي من المؤيد بالنبوة.
ثم ساق كلامً طويلا وقال في آخره: هذا لا يمكن حمل الحديث عليه لكن لو جاء في كلام غير النبي صلى الله عليه وسلم -أمكن حمله، فأعاد له القطب الرازي الكلام، وقال فيه: إنك نفيت إمكان حمل الحديث عليه وأثبت إمكان حمل كلام آخر عليه، فما الفرق؟ فأجابه السبكي بأن قائل هذا إما مجنون وإما مطبوع قلبه. حتى لا يفرق بين كلام النبوة وغيره.
فصل [إن سبب الابتداع الجهل بلسان العرب]
وقد وجدت السلف قبل الشافعي أشاروا إلى ما أشار إليه من أن سبب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
الابتداع الجهل بلسان العرب. وأخرج البيهقي في البعث عن الأصمعي قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبى عمرو بن العلاء يناظره في وجوب عذاب الفاسق، فقال له: يا أبا عمرو. الله يخلف وعده؟ فقال: لن يخلف الله وعده، فقال عمرو فقد قال: وذكر آية وعيد، فقال أبو عبيد: من العجمة أتيت، الوعيد غير الإبعاد، ثم أنشد:
وإني وإن أوعدته أو أوعدته … لمخلف إيعادى ومنجز موعدي
وأخرج البخاري في تاريخه الكبير عن الحسن البصري، قال: إنما أهلكتهم العجمة.
[ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن]
وقال ابن قتيبة في كتابه "تأويل مشكل القرآن" إنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره، واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب، واقتنانها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
في الأساليب وما خص الله به لغتها دون جميع اللغات، فإنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة والبيان واتساع المجال ما أوتيته العرب خصيصًا من الله، لما أرهصه في الرسول صلى الله عليه وسلم -وأراده من إقامة الدليل على نبوته بالكتاب، فجعله علمه كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور لما في زمانه المنبعث فيه، فكان لموسى صلى الله عليه وسلم -قلق البحر واليد والعصا وتفجر البحر في التيه بالماء الرواء إلى سائر أعلامه زمن السحر، وكان لعيسى عليه السلام -إحياء الموتى وخلق الطير من الطين وإبراء الأكمه والأبرص إلى سائر أعلامه زمن الطب، وكان لمحمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يأتو بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، إلى سائر أعلامه زمن البيان.
كان الخطيب من العرب إذا ارتجل كلامًا في نكاح أو تخصيص أو صلح أو ما أشبه ذلك، لم يأت به واد واحد، بل يفتن، فيختصر تارة. إرادة التخفيف، ويطيل تارة إرادة الإفهام، ويكرر تارة إرادة التوكيد، ويخفى بعض معانيه حتى تغمض على أكثر السامعين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعاجم؛ ويشير إلى الشيء ويكنى عن الشيء، وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال وقدر الحفل وكثرة الحشد وجلالة المقام، ثم لا يأتي بالكلام كله مهذبًا كل التهذيب. ومصفى كل التصفية، بل تجده يمزج ويشوب، ليدل بالناقص على الوافر، وبالغث على الثمين، ولو جعله كله بحرًا واحدًا لبخسه بهاءه ولسلبه ماءه. ومثل ذلك الشهاب من القبس تبرزه للشعل والكوكبان يقتربان فينقص النوران، والسحاب ينظم بالياقوت والمرجان والعقيق والعقبان، ولا يجعل كله جنسًا واحدًا من الرفيع بالثمين ولا النفيس المصون.
وألفاظ العرب مبنية على 28 حرفا -وهي أقصى طرف اللسان، وألفاظ جميع الأمم قاصرة عن ثمانية وعشرين حرفا -، ولست واجدًا في سيء من كلامهم حرفًا ليس في حروفنا إلا معدو لا مخرجه شيئًا مثل الحرف المتوسط مخرجى القاف والكاف والحرف المتوسط مخرجي الباء والفاء، فهذه حال العرب في سيأتي ألفاظها، ولها الأعراب الذي جعله الله وسيلة لكلامها وحيلة لنظامها وفارقًا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين والمعنيين المختلفين كالفاعل والمفعول. لا يفرق بينهما إذا تساوت حالاهما في إمكان الفعل أن يكون لكل واحد منهما إلا بالإعراب.
ولو أن قائلا قال هذا قاتل أخي بالتنوين. وقال آخر هذا قاتل أخي بالإضافة "لدل التنوين على أنه لم يقتله، ودل حذف التنوين على أنه قتله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
ولو أن قارئًا قرأ. "فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون" بالفتح وترك طريق الابتداء بأنا، وأعمل القول فيها بالنصب على مذهب من ينصب ألف أن بالقول، كما ينصبها بالظن، لقلب المعنى عن جهته وإزاله عن طريقته، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم -محزونا لقولهم: إن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، وهذا كفر ممن تعمده. وضرب من اللحن لا تجوز الصلاة به ولا يجوز للمأمومين أن يتجوزوا فيه.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" لا يقتل قريش صبرًا بعد اليوم "فمن رواه جزمًا أوجب ظاهر الكلام للقرشي أن لا يقتل إن ارتد، ولا يقتص منه إن قتل. ومن رواه رفعًا انصرف التأويل إلى الخبر عن قريش أنه لا يريد منها أحد عن الإسلام فيستحق القتل، أما ترى أن الإعراب كيف فرق بين هذين المعنيين.
وقد يفرقون بحركة البناء في الحرف الواحد بين المعنيين فيقولون: رجل لعنة إذا كان يلعنه الناس، فإن كان هو يلعن الناس قالوا هو رجل لعنة فحركوا اللعين بالفتح ورجل سبه إذا سبه الناس، وإذا كان هو يسب قالوا رجل سببه وكذلك هزأه: هزًا، وسخرة وسخرة، وضحكة، وخدعة وخدعة.
وقد يفرقون بين المعنيين المتقاربين بتغيير حرف في الكلمة حتى يكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
تقارب ما بين اللفظين كتقارب ما بين المعنيين، كقولهم للماء الملح الذي لا يشرب إلا عند الضرورة شروب ولما كان دونه مما قد يتجوز فيه شريب، وكقولهم لما ارفض على الثوب من البول، إذا كان مثل رءوس الابر، نصح. ورش الماء عليه يجزي من الغسل فإذا زاد على ذلك قيل له نضج ولم يجزئ منه إلا الغسل، وكقولهم بأطراف الأسنان قضم وبالفحم خضم. ولما ارتفع من الأرض حزن فإن زاد قليلا قبل حزم، وللذي يجد البرد خصر، فإن كان مع ذلك جوع خرص وللنار إذا اطفئت هامدة فإن سكن اللهب وبقى من جمرها شيء قبل خامدة، وللقائم من الخليل صائم، فإن كان ذلك من حفى أورجا قيل صافر وللعطاء ابتداء شكل، فإن كان مكافأة قيل شكم، وللخطأ من خير تعمد غلط، فإن كان في الحساب قيل غلت، وللضيق في العين خوص -يقال خرصت عينه تخوص خوصًا، ورجل أخوص وامرأة خوصاه. ويقال مثل ذلك كله في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)